الإسلام دين الناس

كاظم فنجان الحمامي
2015 / 12 / 8



حذار أن تشطح بكم الظنون في يوم من الأيام، فتعتقدون إن الذين يتفاخرون بحرق الأحياء، وأكل أكباد الموتى، وقطع رقاب الأسرى، وحرمان النساء من فريضة التعليم والتعلم، ومصادرة حقوق الأقليات والطوائف ينتمون إلى دوحة الإسلام، فقد جاء الإسلام لإسعاد الناس وصلاحهم، وليس لقهرهم وإكراههم ﴿-;-لَا إِكْرَ‌اهَ فِي الدِّينِ﴾-;-. جاء رحمة للناس. جاء ليطبع لمسات القيم الإنسانية السامية في قلوبهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، جاء ليحمل راية العدل والإنصاف، ويدعو لإحقاق الحق، ويحث على نصرة المظلومين منهم. جاء للارتقاء بالإنسان، فعلمه ما لم يعلم، وقال له: ﴿-;- قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ﴾-;-، فالله رب الناس، وليس رب المسلمين وحدهم. ملك الناس وليس ملك المسلمين وحدهم. إله الناس وليس إله المسلمين وحدهم، وهو رب العالمين، ولا تقتصر ربوبيته على المسلمين دون غيرهم. وكثيراً ما تتكرر عبارة ﴿-;-يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾-;- في معظم سور القرآن الكريم، الذي جاء ليخاطب الناس بلسان عربي فصيح وواضح ومفهوم. وأحياناً يخاطبهم بهذه العبارة: ﴿-;-يَا بَنِي آدَمَ﴾-;-.
المسلم هو الإنسان المسالم، الذي سلم الناس من يده ولسانه، وليس الذي سلم المسلمون من يده ولسانه. اما خير الناس في معياره الحضاري، فهو الإنسان النبيل الذي ينفع الناس ويرعى شؤونهم، ويضحي بحياته من أجل ضمان سعادتهم، (فخير الناس من نفع الناس). بمعنى أن خدماته ومنافعه تشمل الناس كافة. سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين. الإسلام دين الصدق والشرف والشهامة والمروءة والمواقف النبيلة، وليس دين الغدر والرذيلة والمكر والتحالفات الشيطانية المريبة، فالصدقة في معجمه العظيم هي الكلمة الطيبة، التي تفيض بنفحات مكارم الأخلاق، وتدعو لإشاعة التواد والتسامح بين الشعوب والأمم.
الإسلام دين العناية بالإنسان والرفق بالحيوان. دين النصيحة والإخلاص. دين السلام والرحمة، وليس دين العدوان والنقمة والتناحر. ﴿-;-وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾-;-. دين العلوم والمعارف، وليس دين الجهل والتخريف والتضليل والشعوذة. لم يأت الإسلام لِيضعَ حدوداً ضيّقة لرسالته السماوية، كحدود الجغرافيا. بل سعى لنشر رسالته الأممية، التي تدعو لإنقاذ الناس من العبودية والذل. فالإسلام منسجم تماماً مع طبيعة الفطرة الإنسانية، ومنسجم مع كل الناس على اختلاف أطيافهم وقومياتهم وعقائدهم.
ألا ترون إن الله خاطب سيدنا نوح بقوله: ( لَقَدۡ-;- أَرۡ-;-سَلۡ-;-نَا نُوحًا إِلَى قَوۡ-;-مِهِ فَقَالَ يَاقَوۡ-;-مِ اعۡ-;-بُدُوا۟-;- اللَّهَ)، وخاطب سيدنا صالح بقوله: (وَلَقَدۡ-;- أَرۡ-;-سَلۡ-;-نَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمۡ-;- صَالِحًا أَنِ اعۡ-;-بُدُوا اللَّهَ)، وخاطب سيدنا هود بقوله: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمۡ-;- هُوداً قَالَ يَاقَوۡ-;-مِ اعۡ-;-بُدُوا۟-;- اللّهَ)، وخاطب سيدنا موسى بقوله: (وَلَقَدۡ-;- أَرۡ-;-سَلۡ-;-نَا مُوسَىٰ-;- بِآيَاتِنَا إِلَى فِرۡ-;-عَوۡ-;-نَ وَمَلَئِهِ)، وخاطب سيدنا عيسى بقوله: (وَإِذۡ-;- قَالَ عِيسَىٰ-;- ابۡ-;-نُ مَرۡ-;-يَمَ يَابَنِىٰ-;- إِسۡ-;-رَآئِيلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيۡ-;-كُم)، لكنه عندما خاطب خاتم الأنبياء والمرسلين، قال له: ﴿-;-وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾-;-، وقال أيضاً: ﴿-;-قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾-;-، فالإسلام دين لكل الناس، ولا مكان فيه للتكفيريين، الذي جاءوا ليظلموا الناس وينتهكوا أعراضهم، وجاءوا لينشروا ثقافة الموت والدمار والكراهية، ويفجروا عبواتهم الناسفة في الأسواق والمدارس والمساجد، فيقتلوا الناس بالجملة. هؤلاء ليسوا من الإسلام، والإسلام منهم ومن أمثالهم براء.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول