محللو ( الصدفة ) السياسيين ، إلى أين ؟؟

كريم المظفر
2015 / 10 / 26

الأزمات العربية المتلاحقة منذ عام 1991 وحتى اليوم ، أفرزت سلبيات كثيرة في مجالات الحياة كافة ،من بينها المجال الاعلامي بشكل عام والتحليل السياسي على وجه الخصوص ، وباتت شاشات الفضائيات العربية والأجنبية مرتعا لكل من محللي ( الصدفة ) السياسيين ، من هب ودب للإدلاء بدلوه ، وباتوا يتكاثرون كالجراد ، متنقلين من هذه المحطة الى تلك للإدلاء بالراي ، الذي يعتمد وطبيعة المبالغ المتفق عليها مسبقا جراء هذه الخدمة الجليلة ، أو المواقف المطلوبة بحسب التسعيرات المحددة من قبل هذه القنوات ، وطبقا للفترة الزمنية التي سيطل فيها المحلل السياسي برايه على المشاهدين ، حتى تحول البعض منهم إلى ظاهرة صوتية تقوم بإطلاق الأصوات هنا وهناك لا تقدّم للمواطن صورة واقعية عمّا يحدث لا من قريب ولا بعيد ..
أن التحليل السياسي هو نوع من الذهنية وهو رؤية من خلال معطيات ومعلومات يمتلكها المحلل ومن خلال قراءة ونظرة دقيقة وجدية للوضع الراهن.. وإن القراءة الصحيحة للمشهد تعطي تحليلاً سياسياً جيداً لعدة أسباب من اهمها امتلاك المحلل مهارات القراءة الصحيحة وقواعد التحليل السليم للأسباب ومن ثم تكوين رؤية مستقبلية لما يحصل..
وكوننا نعمل في الساحة الروسية ومنذ ما يقارب العشرين عاما ، سنأخذ هذه الساحة كمثالا لتسليط الضوء على هذا المجال الحيوي ، ونعتقد بأن الحال الذي تعيشه العاصمة موسكو هو ذاته في بقية البلدان العربية أو الأجنبية التي تتواجد فيها الجاليات العربية ، ظاهرة تستحق الوقوف عندها، وهنا نؤكد بأن كلامنا لايختص شخص بعينه أو مؤسسة إعلامية بعينها ، بقدر ما هو تشخيص لحالة باتت تستشري هنا ، وبشكل كبير مخلفة معها عواقب ذات تأثير كبير على الراي العام الروسي قد لا تحمد عقباها في المستقبل القريب .



وكما هو معروف فإن المحلل السياسي يفترض منه أن يسهم في صياغة رأي عام للقضية التي يطرحها سواء على شاشات التلفزة الروسية أو العربية ، من خلال ما يقدمه من معلومات حول الازمة وتطوراتها ، والمستندة الى الوقائع والحقائق والأرقام إن وجدت ، لمنح المشاهد الروسي أو العربي على حد سواء صورة واقعية عن أحداثها ومسبباتها وتطوراتها المستقبلية ،لأن المُشاهد في هذه الأثناء سيكون رهينة الرأي لهذا المحلل ، ونخص بالذكر موضوع الأسباب التي دعت روسيا للمشاركة في حرب تصفية المجموعات الارهابية ( داعش وأخواتها ) دون إضافات قد تساند هذا الطرف أو ذاك ، وأن لا تتحول هذه التحليلات ، الى محاولة توزيع آراء عاجلة وإثارة مواقف هذا الطرف ضد الآخر ، والصراخ والعويل ، وتقاذف الشتائم والاتهامات بالعمالة والارتهان للأجنبي أو العمل كأبواق لدى السلطة ، وفي النهاية نصل الى تحليلات لا صلة لها بموضوعية التفكير أو التحليل المنطقي للأحداث، و في النهاية تغليب رأي على آخر مهما كلّف ذلك من افتراءات وتزوير في الحقائق ولوي عنق المعلومة.
من هنا يمكن الحديث اليوم عن ظهور شخصيات ( مجهولة ) في موسكو ، والذين يصفهم عالم الاجتماع الفرنسي الراحل بيير بورديو بـ« المفكرين على السريع» أقل ما يمكن القول عنهم ، أنهم أصحاب رغبة عارمة لحب الظهور ، حاملين صفات متعددة ، كأستاذ للعلوم السياسية في الجامعة الفلانية ، أو رئيس المركز القومي للدراسات الإستراتيجية ، أو محلل سياسي ، في الوقت الذي لم يمارس أي منهم العمل السياسي أو الإعلامي في حياته ، أو خبير إستراتيجيي في شؤون الشرق الأوسط ، وصفات أخرى ( ما أنزل الله بها من سلطان ) لا تنم عن وظائفهم الحقيقية التي يمتهنوها . سوى أنه وجدوا منفذا يفرغون به ما بجعبتهم من آراء ، حتى أصبحوا يحفظونها عن ظهر قلب نتيجة التكرار للرسالة الإعلامية المكلفين بها ، غير آبهين عن عواقب الإدلاء بمثل هذا الراي الغير مسند بالوقائع والمعلومات الدقيقة . ولتكون مهنة لمن لا مهنة له .
لقد غاب عن المحلليين العاملين في الساحة وللأسباب أعلاه ، التحليل السياسي الموضوعي المقارب للواقع وخاصة ممن انتهج أسلوب الظهور المتكرر والذي كان يأخذ في أغلب الأحيان منحى تعبوياً شخصياً في بعض الأحيان ، ومع الإحترام لكل من يحاول الإسهام في تحليل الأزمة من كل المواقع وكل الاتجاهات, إلا أن متابعاتهم مثل هكذا أزمات حقيقةً هو أمر في منتهى الصعوبة لأنه يتطلّب دقة شديدة في قراءة الحدث.. هذه الدقة التي تفترض أولاً أن يكون المحلل مطّلعاً على كافة تفاصيلها وهذا ليس متوافراً , و أيضاً أن يكون مطّلعاً على التفاصيل الدولية وما يحدث في الرواق الخلفي وعلى ما يخطط له في دول عدة في الخارج سواء عربية أم إقليمية أم دولية ، وكل هذا لا يتوافر للمحلل السياسي لذلك تحول البعض منهم وهم ( الدخلاء ) إلى منظّرين وإلى نماذج للتحليل السياسي غير الدقيق.. وهذا الأمر ينطبق على معظم محللي ( الصدفة ) الذين ظهروا مؤخرا سواء العرب منهم أم الروس .


ولم تعد القنوات العربية او الروسية وحدها متخمة ب( محللي الصدفة ) ، بل أصبحت المقاهي والمجالس العربية ثقلى بهم ، الذين يدلون بآراء ومعلومات و قصص غريبة عجيبة تصلح أن تكون من أشهر مسلسلات شهر رمضان التي يتسابق عليها المؤلفين والمخرجين ، والتي عادة ما تكون معلوماتهم وبحسب قولهم مستقاة من ( مصادرهم الخاصة ) ، و لا يساورهم الخجل في أتهامك بالجهالة لأنهم الأقرب الى مصدر القرار الروسي او العربي منك . حتى باتوا جزءا من آليات الوهم التي يطلقونها هنا وهناك والتي عادة ما تكون بمثابة إشاعة ، لأن التحليل في مكان والسياسة في مكان آخر!!.
ونقول الى محللي ( الصدفة ) السياسيين في روسيا ، أن التحليل السياسي ليس مجرد تسلية بل هو مسؤولية بالدرجة الأولى.. وإن أهميتكم مرتبطة بالقدرة على الإقناع وامتلاك المعلومات والوثيقة والاقتراب من الواقع أكثر ، إضافة إلى أهمية الاعتراف بالأخطاء لتفاديها بمعنى نقد الذات . وإن من الضروري والمرحلة هذه ، عدم ألإفراط في التحليل غير المبني على وقائع , لأن المسؤولية كبيرة في هذه المرحلة ولا يجوز تضليل الناس لا بالتفاؤل ولا بالتشاؤم أيضاً.. والخطورة تكمن في أن البعض منكم يصرّ على تبسيط المسائل إلى حدّ التسخيف ، وهذا خال من المسؤولية..

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول