الحب الجديد

مصطفى محمود على
2015 / 7 / 13

بعد مرور أكثر من ست أعوام كنت فيها خالي الفؤاد، عازفاً عن كل جميل، حتى بدت الدنيا وكأنها تذبل وتنفض عن نفسها أوراق الشجر المُصْفَّرة، عشت فيها دون أنْ يشاركني أحد بهجة الحياة، ومتعتها، وآلامها، وأحزانها، ويأخذ بيدي ويشجعني، ويقودنى إلى الأمام، كنت أتساءل لماذا هذا الجفاء الذى أنا فيه؟ وإلى متى سيظل القلب خاوياً رغم مئات من المُحبات اللاتي يتلهفن على كلمة منى؟ وعشرات منهن يعترضن طريقي، دون أنْ ألقى لهنَّ بالا، ولا حتى أنظر اليهن، كنت أرى الدنيا من زاوية من أراد الزهد فيها وعزف عن كل ملذاتها محاسنها.
ومرت السنين دون أنْ يطرق القلب طارق.
ومع انشغالي بالدراسة العليا اكتفيت أنْ تكون حبيبتي (رسالة الماجستير) التى أعدها فى التاريخ الحديث، فسهرت معها الليالى الطوال، دون كلل أوْ ملل، وهى لم تكن يومًا ما مصدر إزعاج لى، ومع ذلك كنت شارد البال، سابحاً فى عنان السماء، أمسك بقلمي فى جوف الليل لأكتب كما يكتب العشاق، فأجد قلمي لا يتحرك، ويأبى إلَّا أنْ يثبت فى مكانه، فهرعت إلى الطيب لعلى أجد ما يشفيني، فكانت المفاجأة أنْ وجدت الطيب يعاني مما أعاني، فقلت يا ويلتى أين الدواء؟
دخلت فى مرحلة الدكتوراه وراودني ذلك الاحساس مرة أخرى، وهو الاحساس الذى يجعلك قلقا،ً وتحتاج إلى دعم عاطفي أكثر من أىّ دعم آخر، ومرت الأيام وقلبي يتقطع ألمًا باحثاً عن جزئه الآخر، فمللت من الانتظار حتى قلت سأعيش راهباً لدراسة التاريخ، ولن أذهب بعيداً عن أولئك الذين وقفوا حياتهم للعلم!!
وحتى أتجاوز هذه المحنة أقحمت نفسي فى التأليف، فمرت خمس أعوام من العمل الجاد فى تأليف كتاب فى التاريخ يتناول فن التراجم والكتابة عن الأعلام والمشاهير، وهنا تأتى الصدمة .. فعندما كنت أقلب صفحات من أكتب عنهم أجد أكثرهم من المحبين والعاشقين الولهين، وكيف كان الحب دافعاً قوياً بحيث جعلهم فى مصاف الأعلام وأشهر الرجال، قصص كثيرة من يتمعنها يقف على معان سامية، وأخلاق رفيعة، وحياة جميلة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان.
يقولون أنَّ الصدفة خير من ألف ميعاد.
أؤيد هذا الرأى بقوه، فالصدفة وحدها قادتنى إلى من أجد فيه الإنسان المخلص الوفى الذى أحبني، وأشعر أنه يحبني، الصدفة هى التى دفعتنى لأنْ أخرج من قمقم العزلة القلبية التى خيَّمت عليَّ منذ سنوات، إنه الاعجاب المصاحب بالحب، فعندما رأيتها قلت هذه هى من أبحث عنها.
فمواصفاتنا نحن (الصعايدة) فى اختيار من نحب تعلب دوراً كبيراً، فأغلبنا يرفض تلك الفتاة التى تضع مساحيق كثيرة على خدودها وحول أعينها، وتلبس ما يخدش الحياء، وتتحدث بما ترفضه النفس من العفاف، حتى أصبح من المصعب أنْ نجد فتاة قاهرية تتمتع بما يطلبه الصعايدة من مواصفات تمثل: القيم الجميلة الراقية التى تربينا عليها، وربانا عليها الاسلام، وحتى نكون منصفين هناك كثير منهن يعشن فى عاصمة المعز قاهرة "الف ليلة وليلة".
إنه الحب الجديد، الذى ينقذك من مستنقع الأوهام الذى كنت فيه، حالماً بحبيبك القديم الذى تزوج بغيرك، وأنجب أبناء بأسمائك، إنه الحب الذى يجعلك تنبض بالحياة، وتتنفس الصعداء، وَتَرُدّ فيك الحياة من جديد، لتنظر إلى الدنيا نظرة وردية يملئها التفاؤل، والأمل، والنجاح، والصباح المشرق دوماً.
لنبحث عن الحب أوْ لنترك الصدفة تجمعنا به، وسوف تعرف أنك قد خسرت كثيراً دون الحب، إنه أساس الحياة وقوتها، فالنحب جميعًا حب يملئه العفاف، والوقار. وكما قال نزار قباني:
قولي احبك
كي تزيد وسامتي
فبغير حبك لا أكون جميلا
قولي احبك كي تصير أصابعي
ذهب و تصبح جبهتي قنديلا
ألان قوليها ولا تترددي بعض الهوى
لا يقبل التأجيلا
سأغير التقويم لو أحببتني
أمحو فصول أو أضيف فصولا
وسينتهي العصر القديم على يدي
وأقيم عاصمة النساء بديلا
ملك أنا لو تصبحين حبيبتي
أغزو الشموس مراكب و خيولا
لا تخجلي مني فهذه فرصتي
لأكون بين العاشقين رسولا

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير