عندما يتكلم الصغار

شكري شيخاني
2005 / 10 / 8

مساء أحد الأيام ,جلس نور بجانب أمه. كان حزينا مشغول البال. سألته أمه
- ما بك يا بني, هل أنت مريض ؟
- - أنا بخير يا أمي, لكنني لا أحس بالرغبة في الدراسة والمذاكرة هذا المساء.
- - ولكن ماذا إذا سألك الأستاذ غداً
- - إذا سألني الأستاذ في الغد لماذا لم أحفظ دروسي, أتصنع المرض وأنجو من عقاب الكسل.
- قالت الأم بغضب
- تود الكذب يا نور. ألا تعلم عقاب الضمير أقوى وأفظع من عقاب الأستاذ؟
- أجاب نور بخجل:
- لن يعرف الأستاذ ولا ضميري أني كذبت.
- قالت الأم
- ألا تعلم أن ضميرك في داخلك وأنه يراقب كل تصرفاتك؟
- خيم الصمت فجأة وتذكر نور كيف أن مدرسّته للغة الأجنبية لم تأتي لليوم الرابع وهم لا زالوا في بداية العام الدراسي وعندما استفسر التلاميذ عن ذلك قيل لهم بأنها حامل في الشهر الأخير وقد قربت ولادتها وسوف تحصل على أمومة لمدة ستة أشهر قد تتبعها بشهور فردية وبهذا يكون العام قد انتهى!!!
- استيقظ من شروده على صوت أمه من جديد ما بك ؟
- قال نور
- ضمير.ضمير ...ما هو الضمير يا أمي, هل له عيون ليرى وأذانا ليسمع؟
- قالت الأم
- الضمير هو الحارس الأمين داخل كل واحد منا, لا يسمع صوته إلا أنت. يحذرك قبل أن ترتكب الخطأ, ويعاقبك إن خالفت وصاياه.
- في هذه اللحظات رنت في أذني نور كلمات أخيه فارس الذي يقوم بتسوية معاملة في أحد مؤسسات الدولة وكيف أنه جاء في أحد الأيام وهو يلعن الساعة التي بدأ بها بالتنقل بين المكاتب من أجل بعض التواقيع ولم ينتهي الأمر إلا وقد دفع مبالغ طائلة لإنهائها بين رشاوى وإكراميات وتقبيل أيادي ولحى هنا وهناك...؟ هنا أصلح نور وضعه في الجلوس وقد ذهب عنه الشرود و قال كيف يولد هذا الصوت يا أمي صوت الضمير
- قالت الأم
- ضميرك يكبر معك كلما كبرت .يقوى صوته وينمو ويرتفع كلما تعلمت أن تفرق بين الخير والشر.
- قال نور
- لم أسألك كيف ينمو ويكبر الضمير..وددت لو أخبرتني يا أمي من أين يأتي هذا الضمير؟ ما هو شكله؟
- قالت الأم:
- ضمير والدك وضميري أنا أمك, هما عائلة ضميرك أنت, وبالتالي ضمائرنا مجتمعة هي التي تشكل ضمير المجتمع الذي نعيش فيه.. ضمائرنا كلنا تأتي وتولد من مجموع الآداب والأخلاق التي نتربى عليها, نحن من قبل, وستكبر أنت يا نور في ظلها,
- صمت نور فترة طويلة تذكر خلالها ما رأى اليوم عندما كان عائدا من المدرسة وكيف أن شرطي المرور في أحد الساحات العامة وبلباسه الرسمي المهيب قد أطلق صفرة قوية من صفارته الفولاذية لأحد السائقين المخالفين عندما تجاوز الإشارة ففرح نور لهذا التصرف الممتاز ووقف يشاهد بقية المنظر ولكن ما أن توقف السائق ونزل إلى حيث يقف الشرطي وببضع كلما ومصافحة قوية باليدين تم خلالها دس بعض المال في يد الشرطي حتى انتهت المشكلة وكأن شيئا لم يكن ولم يبقى إلا أن يتعانق الطرفان, أدرك نور بعدها أن هذا الشرطي قد باع القانون وهيبته والنظام المروري لقاء هذه الرشوة ولقاء العفو عن هذا السائق المخالف, ولكن نور لم ييأس فبادر أمه بسؤال آخر حيث قال:
..ما هو الحق وما هو الباطل يا أمي
- قالت الأم ...الباطل هو ما نقوم به من تصرفات تسيء إلى النفس أولاً والى الآخرين وتعارض وصايا الأديان والأهل وتقاليد المجتمع...أما الحق فهو طاعة الأهل وتنفيذ وصايا الدين والتعاون ومحبة الآخرين لا أن تتعالى على أصدقائك وجيرانك وزملاؤك في الدراسة.
- قال نور كم هو جميل هذا الحق.. ولكن هل لكي أن تدلينني أين أجده يا أمي
- قالت في معاملة الناس لبعضهم البعض..في التجارة وفي البيع والشراء
- نظرت الأم إلى ولدها مضيفة بالعمل والاجتهاد والسعي إلى خير النفس.
- صمت نور طويلا . لا شك أن أمه على حق...
- هي حكاية من الممكن حدوثها كل يوم, مع كل عائلة ومع كل طالب وطالبة وان اختلفت الأسماء وإن اختلفت مواقع البعض من فاقدي الضمير في كل نواحي المجتمع. صحيح أن الضمير لا يمكن رؤيته ولا سماع صوته؟؟ ولكن قد نتمكن من رؤيته عند الأم والأب والموظف والمسؤول عند الشرطي والضابط عند المدرس والمعلمة....لأنه هو موجود عند كل هؤلاء وغيرهم الكثيرين من أبناء وطني وان تفاوتت نسب صحوته عند هذا وذاك عند هذه وتلك.
- ولماذا لا نطلقها صرخة اجتماعية مدوية في أسرنا في مدارسنا وفي دوائرنا الحكومية صرخة ضميرية تترافق مع الثورة القضائية التي بدأها السيد الرئيس بشار الأسد قبل أيام ولا عيب إذا قلنا بأن وطننا بحاجة ماسة إلى الكثير والكثير لمثل هذه المتابعات الضرورية إن كانت في القضاء أو الاقتصاد أو المجتمع ... نعم كانت الثورة القضائية بحق بداية مشرفة ومشرقة لغد سوري أفضل
- من دمشق شكري شيخاني
- [email protected]



عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي