الفكرة القومية على ضوء المؤتمر القومي العربي الاخير

خالد خليل
2015 / 6 / 15

على ارض الواقع ظل موضوع الوحدة العربية يراوح في اطاره المفهومي منذ بروزه في الاعمال الفكرية للمفكرين والمجتهدين العرب قبل الحرب العالمية الاولى كرد على سياسة التتريك العثمانية، وحتى محاولة الوحدة الاولى بين سورية ومصر في مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني للدول العربية التي رسم الاستعمار حدودها منذ سايكس بيكو . وهذه الوحدة سرعان ما فشلت لانها لم تكن مؤسسة على مشروع متكامل وواضح المعالم اضافة الى القصور البنيوي للمجتمعات العربية في كافة المستويات والمناحي شعوبا وأنظمة حكم . 
وهذه تشكلت اصلا بقوة زخم المشروع الناصري الذي جذب الجماهير العربية الى قائده ومؤسسه جمال عبد الناصر اكثر مما جذبها اليه كمشروع نابع من حاجة موضوعية او من صيرورة تطورية طبيعية . فعبد الناصر بنظر الجماهير من المحيط الى الخليج شكل رمزا مخلصا للامة . وبما ان المشروع فشل واعقبته انهيارات عربية كثيرة بعد وبسبب هزيمة 67 ، وانهيارات اخرى بعد وبسبب كامب ديفيد ، وأوضاع اكثر تعقيدا واكثر خطورة بعد تقسيم العراق وليبيا والسودان وسورية واليمن.، فان المرحلة الراهنة تشي باضمحلال هذا المشروع وزواله عن الوجود. وقد تبقى الفكرة القومية ومشروع الوحدة حبيسي بيانات المؤتمر القومي العربي الى حين تغير هذه المرحلة التاريخية - مرحلة التمزق والتفتيت - والتي قد تطول عقودا من الزمن.
واذا كان المؤتمر القومي العربي الذي انعقد مؤخراً في لبنان قد أعاد بعض الحياة لبيانه السابق واكد على تمسكه بالفكرة القومية وضرورة صياغة مشروع نهضة ووحدة عربية ، فانه يبقى عاجزا حتى ان يكون مرجعية فكرية للقومية العربية كما اعلن في البيان. ذلك ان الحديث عن مشروع قومي ما زال تعميميا ولا احد يعرف ما هو هذا المشروع البديل ولا من سيحققه وكيف سيتحقق وهل ينسجم مع التطور الفعلي الراهن للأحداث والتغيرات الموضوعية والذاتية وهل الشعوب العربية تذوت فعلا مفهوم الوحدة العربية ضمن التوابث التي يتبناها المؤتمر القومي العربي والتي تمثل نقطة الضوء الوحيدة في مشروع الوحدة الافتراضي.
لا اعتقد ان أحدا يملك اجابات عن هذه الأسئلة وأسئلة اخرى كثيرة ممكن ان تطرح.
هناك نزوع غرائزي كما يبدو عند الناس لوضع تصورات ومشاريع وافكار على امل ان تتحقق في يوم من الايام ، وهناك نزوع غرائزي لامتصاص النتائج والتكيف معها كضرورة من ضرورات استمرار الحياة بغض النظر ان كانت هذه النتائج إيجابية او سلبية.
 وفي حالة الفكرة القومية يبدو ان غريزة الامتصاص والتكيف طغت على عملية النقد وإعادة النظر للمفاهيم والمسوغات التي تستند اليها، فأضحت هذه الفكرة اوتوبيا تتبناها النخب القومية الصادقة، مثل المؤتمر القومي العربي الذي لم تنجح أنظمة الخليج ان تلوثه بمالها السياسي، في ظل غياب استراتيجيات فعلية للارتقاء بها الى مرحلة التحقق. من جهة اخرى فان هذه الفكرة - الحلم ، تستخدمها جميع الأنظمة العربية قومية كانت او قبلية في شعارات براقة وكاذبة لكن مع استرايجية تهدف الى تشويهها وافراغها من المضمون النهضوي الحداثي . وليس غريبا ان تجتمع السعودية ومصر والأردن ودول الخليج الرجعية والمغرب والسودان حول فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة واعتبارها خطوة باتجاه الوحدة القومية . من الواضح ان هذه الأنظمة وهذه القوة المشتركة لا يربطها رابط بالفكرة القومية والوحدة والنهضة والحداثة . وهذه الأنظمة المتخلفة والاستبدادية ما زالت مرتبطة وتابعة لقوى الاستعمار المسؤولة اصلا عن التفتيت والتمزيق للأقطار والأوطان ، لذلك فهي ليست أنظمة عاجزة وفاسدة وانما تعمل بدأب ضد الوحدة العربية وضد النهضة الحقيقية لشعوبها لان ذلك من شانه ان يسقط عروشها. ومحاولات السيسي للتطور المستقل وغير التابع في ظل استجداء المال الخليجي تحفر قبرها بيدها وتعرقل ذاتها بذاتها. وقد تجلى هذا مؤخرا بالموقف المصري البائس الداعم للعدوان السعودي على اليمن واحكام الاعدام التعسفية والمعيبة للدولة المصرية. 
 في ظل هذا الواقع المزري وفي ظل التجاذبات والاستقطاب الحاد على كل المستويات في المجتمعات العربية بات لزاما على اصحاب الرؤية القومية اعادة النظر بتنظيراتهم ومقولاتهم وادواتهم وصياغة افكار جديدة تصمد امام تحديات الواقع وتنطلق من الثوابت الاساسية للمؤتمر القومي العربي والتي تعتبر المقاومة خيارا استراتيجيا وأساسيا في اي نضال قومي او وطني او ديمقراطي على اساس رفض التبعية للمشروع الامبريالي الصهيوني.
لا يوجد اي معنى لوحدة قومية بين سعودي يعتدي على اليمن ويسبح بحمد امريكا وبين لبناني او سوري او فلسطيني يقاوم الاستعمار . لذلك فان وحدة الثوابت الأخلاقية والتحررية اهم بكثير من الوحدة على اساس قومي، لان القوم لن يتوحدوا وان وحدتهم اللغة او الدين ولا معنى لوحدتهم ولن يتوحدوا اذا لم تكن تلك الثوابت موحدة ومذوتة لديهم وجزءا من تكوينهم النفسي والثقافي.
في عالم اليوم مع تطور العلم وتكنولوجيا الاتصال اصبحت الحضارات والثقافات متداخلة وتميل نحو الانسنة والكونية لصالح تشكل حضارة كلانية واصبح الحديث عن الخصوصيات الثقافية ،قومية كانت ام دينية، مرتبطا بشكل موضوعي بهذا الاتجاه الكوني وليس بامكانه الفكاك منه ومحكوما بالتوازنات والمصالح البينية الدولية . وهذا لا يلغي بالضرورة تلك الخصوصيات بل يفرض عليها التعايش والتوافق مع مسارات التطور الموضوعية على المستوى الكوني. لذلك يبقى الحديث عن الوحدة العربية في ظل تعقيدات هذا الواقع ومسارات تطوره الموضوعية ارادويا وتنتزع عنه صفة الحتمية. خاصة اذا ما اضفنا الى ذلك العوامل الذاتية عربيا وطبيعة الأنظمة الحاكمة التي لا ترى من الأمن القومي سوى امنها كأنظمة حاكمة. فهذه الأنظمة بمعظمها كانت على الدوام معنية باستمرار التجزئة الاستعمارية للوطن العربي كضمانة لاستمرار نفوذها وسلطتها داخل أقطارها ، وكما يبدو انها لم تدرك ان قانون الجذب يفعل فعله، اي ان التجزئة تجلب مزيدا منها وهذا ليس بسبب الاستعمار فقط وانما أيضاً بسبب عقل التجزئة المهيمن على هذه الأنظمة.
المؤتمر القومي العربي في بيانه الاخير كرر ما جاء في البيان السابق فيما يتعلق بالتنمية القطرية كمقدمة للنهضة والوحدة المنشودة ، وهذا تكرار لا جدوى منه ما لم تتغير العقول واصحابها، وهذا يفترض به ان يكون جزءا من خيار المقاومة الاستراتيجي المشار اليه في البيان ، لان اعداء النهضة الداخليين يلتقون مع أعدائها الخارجيين وها قد بدات مرحلة التنسيق العلني دون رادع ولن تكون آخرها اللقاءات السعودية الاسرائيلية لمواجهة العدو المشترك - ايران ومحور المقاومة كما اعلن الحليفان الاسرائيلي والسعودي . 
 مسالة الوحدة والنهضة تستدعيان انحيازا ثقافيا وسياسيا وليس انحيازا عرقيا او دينيا ، لكي يسهل تحديد معسكر الأعداء بوضوح وبدون لبس. فهم كثر عند العرب وعند المسلمين أيضاً. 

سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي