ايران وأمريكا وإسرائيل .. ومهزلة المفاوضات النووية

كريم المظفر
2015 / 4 / 8

تابعنا وباهتمام كبير نشرات الاخبار الدولية والعربية وردود الافعال الشعبية والإجتماعية على الإتفاق الايراني – الامريكي حول الملف النووي الإيراني ، وهنا استوقفت عند ردود الفعل سواء ممن اعتبره ( الإنتصار ) أو (ال إنجاز ) الإيراني أو ممن أعتبره ( مقلقا ) أو ( خطيرا ) .. الخ من التعابير التي تمنح الإنطباع وكأن طهران كانت في صراع حقيقي مع الدول الغربية ممثلة بأمريكا ، أو وكأنها كانت على شفى حرب معها ، وكأنهم غير موقنين بأن تهديدات السياسيين الإسرائيليين المتكررة بإرسال القوات الجوية الإسرائيلية لضرب مفاعل إيران النووي والبدء بحرب ضدها،ما هي إلا محض شعارات ، وكما قال رئيس الأركان لجيش الاحتلال السابق "بيني غينيتس"، في مقابلة تلفزيونية على القناة الثانية، بأن الكلام عن ضرب إيران ظلّ في حيز التصريحات ولم يصل أبداً مرحلة التنفيذ أو التخطيط، وأن رئيس الأركان نفسه حذر المستوى السياسي عدة مرات من التفكير بهذه الخطوة، لكنه اعترف بأن هذه التصريحات عززت الجهود الدبلوماسية الإسرائيلية.
كل المصادر التاريخية تؤكد وبما لا يقبل الشك بأن كل المباحثات التي جرت بينهما ما هي إلا إمتدادا لعلاقات تاريخية بينهما ، والخلاف الحقيقي ، يكمن في تقاسم المصالح في المنطقة وفق المتغيرات والمعطيات الجديدة التي ظهرت بعد الإجتياح الامريكي للعراق وكما يقول الكاتب تريتا بارزي في كتابه ( حلف المصالح المشتركة ) أنّ العلاقة بين المثلث الإسرائيلي- الإيراني – الأمريكي تقوم على المصالح و التنافس الإقليمي و الجيو-استراتيجي و ليس على الأيديولوجيا و الخطابات و الشعارات التعبوية الحماسية...الخ " ، وإذا ما تم تجاوز القشور السطحية التي تظهر من خلال المهاترات و التراشقات الإعلامية و الدعائية بين إيران و " إسرائيل " ، سنرى تشابها مثيرا بين الدولتين في العديد من المحاور بحيث أننا سنجد أنّ ما يجمعهما أكبر بكثير مما يفرقهما ، فكلتا الدولتين تميلان إلى تقديم أنفسهما على أنّهما متفوقتين على جيرانهم العرب ، في المقابل ينظر العديد من الإيرانيين إلى أنّ جيرانهم العرب في الغرب و الجنوب اقل منهم شأنا من الناحية الثقافية و التاريخية و في مستوى دوني ، و يعتبرون أن الوجود الفارسي على تخومهم ساعد في تحضّرهم و تمدّنهم و لولاه لما كان لهم شأن يذكر ، في حين يرى الإسرائيليون أنّهم متفوقين على العرب بدليل أنّهم انتصروا عليهم في حروب كثيرة، و يقول أحد المسؤولين الإسرائيليين في هذا المجال لبارسي "إننا نعرف ما باستطاعة العرب فعله، و هو ليس بالشيء الكبير" في إشارة إلى استهزائه بقدرتهم على فعل شي حيال الأمور.



لذلك ووفقا لموظفين أوروبيين شاركوا في المفاوضات الجارية بين إيران وممثلي الدول الخمس العظمى، فإن إن الأمريكيين والإيرانيين أجروا مفاوضات جانبية حول صفقة تلتزم بموجبها إيران بمراعاة المصالح الأمريكية في المنطقة، مقابل موافقة واشنطن على تضمين الاتفاق النهائي بشأن برنامج إيران النووي كل المركبات التي تضمن إضفاء شرعية تحول إيران إلى دولة على حافة قدرات نووية ، لذلك فإن الصفقة بشكلها النهائي تمنح الموافقة على احتفاظ إيران بعدد "معقول" من أجهزة الطرد المركزي المسؤولة عن تخصيب اليورانيوم، علاوة على الإبقاء على جميع المنشآت النووية الإيرانية ، بشرط أن يتواجد فريق من المراقبين الدوليين، لضمان عدم استخدام الإيرانيين لليورانيوم المخصب في صناعة قنابل نووية ، وفي المحصلة النهائية فإن هذا الاتفاق بشأن الملف النووي الإيراني يخدم المصالح الأمريكية الإيرانية بالدرجة الأساس ويضر بمصالح الوطن العربي ، لأنها ( أي الصفقة ) تركت بالفعل كلّ البُنى التحتية النووية الإيرانية كما هي وبلا خدوش، الأمر الذي لن يُعيق اندِفاع إيران لحِيازة السِّلاح النووي بأكثر من شهر أو أقل، إذا ما قرّرت ذلك، في الوقت الذي تبدأ فيه هي بتقويض كلّ نظام العقوبات الدّقيق الذي أنفقت الولايات المتحدة سنوات طِوال في إشادته ، ووفقا للكم الهائل من المصادِر الغربية والشرقية فإن إيران امتلكت بالفعل المعرفة النووية (Know- how) وباتت قادِرة في أي وقت على صناعة القُنبلة خلال أسابيع.
كل ذلك يبين وبما لايقبل الشك بأن التنافس الأمريكي – الإيراني – الإسرائيلي هو أمر طبيعي وإن حقيقة العلاقة بين " إسرائيل " وإيران لا تقوم على العداء الفعلي وإنما على مصالح اقتصادية وسيادية مشتركة، يخدمها الخطاب العدائي من الطرفين ، كونه ليس وليدة الثورة الإسلامية في إيران، بل كان موجودا حتى إبان حقبة الشاه "حليف إسرائيل". فإيران تخشى أن يؤدي أي سلام بين " إسرائيل "و العرب إلى تهميشها إقليميا بحيث تصبح معزولة ، و في المقابل فإنّ " إسرائيل " تخشى من الورقة "الإسلامية" التي تلعب بها إيران على الساحة العربية ضد "إسرائيل " ، لذلك فإن معارضة " إسرائيل " لإمتلاك إيران التقنية النووية يأتي من خوفها كون برنامج الأخيرة يسعى لإنشاء "احتكار ثنائي" في الشرق الأوسط الأمر وهذا ما يضر بسمعة تل ابيب ، وبالتالي فإنها تعارض في السر والعلن هذا البرنامج لأجل الحفاظ على مكانتها كقوة اقتصادية في الشرق الأوسط، وليس من أجل "الخطر الوجودي" الذي تدعي " إسرائيل " أن إيران تشكله عليها.





إن العلاقات بين الدولتين قديمة تعود إلى أواخر القرن الثامن عشر, وإن شهدت حينها توترات، خاصة مع بداية تعاون أمريكا مع شاه رضا بهلوي، وفي فترة الثورة الإيرانية عام 1979، إلا أن خفايا العلاقات الحميمة تبقى حاضرة بينهما، وإن كانت غير معلنة ، خصوصا وإن واشنطن تريد أن تجعل من إيران أداة لمكافحة “الإرهاب”، وهو الهاجس الأمني لدى الغرب عمومًا، وقدرتها – أي إيران- على منع الطيف السني خليجيًّا وباكستانيًّا وأفغانيًّا ، حيث تشكل إيران من وجهة النظر الامريكية مفتاح حل أساسي لا يمكن الاستغناء عنه، في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من صراعات من شأنها أن تهدد أمنه واستقراره لذلك فإن اسرار العلاقة بين واشنطن وتل أبيب وطهران تحتاج الى مجلدات لكتابتها وليست هذه المقالة فلأمثلة كثيرة نورد منها وكما تقول صحيفة صنداي تلغراف اللندنية، إن " إسرائيل " إستعانت بصور فوتوغرافية وخرائط إيرانية للمنشآت النووية العراقية لتنفيذ هجوم أوزيراك عليها في الثلاثين من سبتمبر من عام 1980 والموافقة على السماح للطائرات الإسرائيلية بالهبوط في مطار إيراني بتبريز في حال الطوارئ.
وفضيحة "إيران غيت " خير الذي كشفه حادث سقوط الطائرة الأرجنتينية عام 1986 في الأراضي السوفيتية وهي محملة باسلحة إسرائيلية الى إيران لمساعدتها في الحرب ضد العراق هي واحدة من الشواهد على تعاون ( الأخوة الاعداء الثلاث ) وكذلك الإجتماعات التي كانت تعقد في زيوريخ التي كانت تجمع العقيد الإسرائيلي بن يوسف ونظيره الإيراني العقيد زارابي، مدير المجمّع الصناعي العسكري بإيران بشأن تعزيز التعاون العسكري بينهما والإتفاق على السماح لتقنيين إسرائيليين بتدريب الجيش الإيراني و تعديل العتاد الحرب أميركي الصنع بيحث يتلاءم مع قطع الغيار إسرائيلية الصنع . ، في حين أكدت حرب الخليج الثانية أن التنسيق بين الأمريكان وإيران لم ينقطع يومًا ما،وإن العلاقات السرية بينهما إستمرت حتى بعد موت الخميني، في عهد رفسنجاني، حيث تم التنسيق بينهما خلال حرب الخليج الثانية، وكانت الفرصة مواتية للقضاء على العراق العدو اللدود لإيران .
وفي أفغانستان ركز التعاون بين الدول الثلاث على "كيفية إزاحة طالبان بفاعلية، وكيفية تشكيل حكومة أفغانية بعد رحيل طالبان وقدم الإيرانيون مساعدة كبيرة للولايات المتحدة في الحرب، من غير أن يعرفوا شيئاً عما سيتكشف بعد النجاح بأفغانستان حتى أن الدبلوماسيين الإيرانيين نظراءهم الأميركيين والأوروبيين بما لديهم من معارف وخبرات بشؤون أفغانستان وطالبان ، وقد عرضوا على ( الشيطان الأكبر ! ) باستخدام القواعد الايرانية الجوية، و توفير قاعدة لتنفيذ مهام البحث والإنقاذ للطيارين الذين يتم إسقاط طائراتهم ، وخدموا كجسر بين التحالف الشمالي والولايات المتحدة في قتال الطالبان بالاضافة الى الإستمرار في المفاوضات السرية بينهما برعاية أممية ومباركة الوزيير كولن باول .
وكشفت مصادر عديدة ومنذ فترة طويلة نقلا عن مصادر مقربة للمفاوضات الأمريكية ( الغربية – الإيرانية ) ما قدمته ايران لإجل أخراج هذه المفاوضات وكأنها ( المنتصر ) فيها ومنها ، عرض الإيرانيين وقف دعمهم لحماس والجهاد الإسلامي الإخوة الإيديولوجيون لإيران في صراعها مع الدولة اليهودية ـ والضغط عليهما لكي توقفا هجماتهما على " إسرائيل " ، و دعم عملية نزع سلاح حزب الله في لبنان وتحويله إلى حزب سياسي صرف. وكذلك تعمل إيران بنشاط مع الولايات المتحدة على دعم الاستقرار السياسي في العراق وإقامة مؤسسات ديموقراطية، والأهم من ذلك، تشكيل حكومة غير دينية ، مقابل فتح البرنامج النووي الإيراني بالكامل أمام عمليات تفتيش دولية غير مقيدة من أجل إزالة أية مخاوف من برامج التسلّح الإيرانية. والتوقيع على البروتوكول الإضافي الخاص بمعاهدة عدم الانتشار وهذا ما أتفق عليه الان .
إن الإتفاق الإيراني – الأمريكي هو نتاج تقرير هاملتون – بيكر الذي شدد على " لا بد او يجب على امريكا ان تشرك ايران للحفاظ على مصالحها في الشرق الاوسط " اي ان تخرج ايران بنصيبها من الكعكة وبالتالي فإن إيران فهمت هذه الرسالة بانها وامريكا ستحصلان على ما لا تملكان ، وان ما بينهما هو صراع ارادة للحصول على افضل شروط التفاوض ، إذن الإتفاق هو تلك المصيبة التي ستعم على العالم العربي الذي ليس لدية مشروع حضاري للمنطقة بديل عن تزاوج المشروع الامريكي الايراني وذلك سيترك تأثيرا سياسيا على المنطقة ومع مرور الوقت ستصبح إيران شرطي أمريكا في الخليج.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول