جذور الجدل

رائف أمير اسماعيل
2015 / 4 / 4

بات يكرر في نفسه الأسئلة ذاتها:
أين ذهبن؟ ... أهكذا تكافئه الحياة؟ ... حبه للمرأة وتقديسه لها ينتهي بأن تختفي كل نساء العالم من على الأرض؟
والأنكى من ذلك، ان الكل ينكر وجودهن أصلا؟
وحين يحاجج أي منهم :
- طيب من اين أتينا نحن الى الوجود؟ يجيبه أي منهم مستنكرا:
- أما تعرف ان الله قد خلقنا؟ ... انت كافر؟
- وكيف خلقنا ؟ .... الم تكن لنا امهات ... ونساء قد عاشرناهن؟
- ما هذا الهراء؟ ... أنت مخبول ؟ .... لماذا هذا الافتراض ؟ ... الله قادر على كل شيء.. وهو قد خلقنا اطفال ثم هناك من رعانا وكبرنا.
وهكذا ... كل الاسئلة التي يراها منطقية والتي كان قد عايش حيثياتها والتي عرف انها ادت الى ما وصل اليه البشر كانت تجاب بأجوبة غير منطقية وسخيفة. بل الأكثر من هذا انهم ينزعجون من ان يستخدم مصطلحي الرجال والنساء فالناس عندهم كما يراهم هو الان كلهم متشابهون دون اختلافات جسمانية.
وسؤال آخر يسأله:
طيب لاحظوا الكائنات الحية ... اليست هي ثنائية الجنس ؟ فتكون الاجابة:
- وهل نحن حيوانات كي نتشابه معها؟ .. الم تقرأ ان الله قد كرمنا نحن بني البشر؟
وهكذا أصبح اللامنطق في صيرورة الحياة هو أمر واقع مفروض عليه ... وعليه أن يقبله ... والا يلقى به في مستشفى المجانين.
وهكذا اختفت من البيت، الأم وحنانها وتربيتها وترتيبها لحاجاته .. والزوجة وفراشها الدافئ ..جسدها الذي حلم انه سيقلبه ويحتضنه يوما ... عطر النساء وهو يلسعه في الشارع ...وجوههن وهي تشرق من بين وجوه الرجال الحالكة، واسمائهن والتغني بهن في دواوين الشعر اللذيذة.
بل... هو لم يجد لهن أثر حتى في المقابر ... فكل القبور كانت للرجال فقط.
ويأتي اللامنطق والعجب مرة أخرى حين سأل أحدهم:
- طيب ... لماذا خلق الله لنا عضوا تناسليا؟
- عم تتكلم يا مخبول ... اين هو ما تتكلم عنه؟ ... انظر بين فخذي ... هل يوجد شيء؟... اكشف بين فخذيك .. هل يوجد عندك شيء انت نفسك فيما تقول؟
ويأتيه اثبات آخر يرده بصفعة عنيفة ... هو ايضا قد اختفى منه عضوه التناسلي.
لم ينكر الجميع وجود المرأة في وقت مضى فقط ... بل محتها الحياة كلها من وجودها وذاكرتها .. وعليه ان يمحيها هو ايضا.
وبما انه لم يستطع أن ينسى ذلك وضل يعتقد ان خطأ ما قد حدث، فقد انتهت به اسئلته ان يذهب به الى مستشفى المجانين.
ورغم ذلك .... فهو قد ارتاح لهذه النتيجة .... فعلى الاقل فيها سيجدد اسئلته دون حساب ودون ملل ... وربما أيضا ستكون ادمغة المجانين قد عصت محو الذاكرة فيما يخص المرأة ... عدا ان تلك الاسئلة وذكر مصطلح المرأة وصفاتها وما يتعلق بها هو اللذة الحقيقية الباقية له في وجوده.
استمتع كثيرا مع المجانين وأخذ حريته في فسحة استطاع منها ضرب ثوابت تفكير البشر والتدقيق في مبررات سلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم. وفسحة أخرى في ان يرسم صورة المرأة من جديد في عقله وفي عقول المجانين.
...... تراءت له المرأة من جديد شيئا فشيئا في جسد كان يزوره كل فترة .... كانت قد بدأت في صوتها الانثوي الرقيق الذي بدا له انه كان منطلقا من حركات شفتين محمرتين هام بهما ... ثم وجه شمسي انسدل من فوقه شعر ليلي اللون، ورقبة ناعمة تنام على جسد أكتنز بلحم ابيضاض الايام.
حينها ... في غرفة الاطباء، كان الطبيب المشرف على حالته يشرح لطلبة الطب المتدربين ما يلي:
- هذا المريض فقد خطيبته في حادث سيارة .. كانت معه في السيارة حين كان يقودها .. كان هو المتسبب في الحادث الذي حصل بسبب اهتمامه بها دون الانتباه للطريق من امامه ... وحسب ما فهمنا من عائلته انه كان يحبها الى درجة التقديس .. قصدت أكثر من كل حالات العشق و الهيام..... الحادث، كحادث سيارة وموتها بين يديه دون ان يلحق في انقاذها صدمه بصدمة عنيفة بات لا يرى اي امرأة من بعدها ... وحتى انه نساها هي ايضا ... بمعنى انه في داخل الدماغ حصل اضطراب في التنسيق وصل الى حد القطع في الذاكرة التي فيها معلومات عن المرأة في المناطق الرابطة خلف الجبهة ومناطق الذكرة البصرية والسمعية وبين منطقة الجهاز الحوفي او العاطفي الذي تتمثل فيه حاجات الغريزة والتي بقيت عاملة كما هي. فكان هذا الاضطراب هو من منع الذكريات الانثوية عن الحضور في الذهن وهو من ينكر وجودها في الاجابة المنطلقة من هذا الجهاز ....... لكن يبدو اننا نجحنا نسبيا عندما أتينا بأختها الاصغر منها والتي حرصنا ان ترتب نفسها ووجهها كي تكون شبهها ... وعندما استطاعت ببراعة ان تقلدها وتكرر كلامها معه.
بعد فترة بدا له وللجميع انه شفي من مرضه فعاد مثلما كان، يرى النساء وتفاصيلهن.
لكنه حين خرج من المستشفى وركب السيارة معها ... همس في اذنها خوفا ..... أين هم الرجال ... أين اختفوا ؟
4/4/ 2015

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت