اقتصاديون أقباط شاركوا فى بناء مساجد -ويصا بقطر- نموذجاً

مصطفى محمود على
2015 / 3 / 13

فى يوم 24 مايو سنة 1837م ولد ويصا بقطر بأسيوط، فى عائلة فقيرة لا تملك من الدنيا إلا كوخاً للعيش فيه، ولم يجد بد من العمل لردع مارد الفقر المسيطر على الأسرة، فاتجه أول ما اتجه إلى العمل بالتجارة آملاً أن يجد قوت يومه، وكان فقره عاملاً قويا على مواصلة العمل ليل نهار، لذا فالتحق بأحد التجار وأخذ من محله بضائع عبارة عن أقمشة ليبيعها فى المدينة والبلاد المجاورة، سيراً على الأقدام أو بمعني آخر يمكن اعتباره أحد الباعة الجائلين فى هذه الفترة، وظل بضع سنوات على هذه الحالة، حتى جمع مالاً من اقتصاده وادخاره، صيَّره رأس مال وفتح به محلاً تجارياً فى أسيوط، وأحضر إليه البضائع من القاهرة، والإسكندرية، ثم اتسع نطاق تجارته رويداً رويداً وزادت ثروته أضعافاً حتى بلغت عشرة آلاف جنيه - يوم كان الجنيه بمثابة حياة أو موت.
بدأ ذلك الفتى تعليمه فى مدارس (المرسلون الأمريكيون) التى أنشئوها فى أسيوط وشيدوا فيها كنيسة إنجيلية، ودخل كثير من الأٌقباط هذه المدارس ومن بينهم ويصا بقطر، ونتيجة لاتهام أخيه ووضعه فى السجن ترك محل تجارته، وقدم القاهرة ليتوسط لأخيه، وأنفق فى سبيل ذلك كثيراً من المال، حتى استصدر أمراً خديويا بالإفراج عنه.
وبعد عودته لأسيوط باشر العمل التجاري مرة أخرى، حتى تضاعفت ثروته مئات المرات وصار أحد وجهاء الوجه القبلي، وله آثار كثيرة منها القصر الذي بناه فى أسيوط، وفرشه بأفخر الرياش والأثاث من مصنوعات أوروبا.
وفى سنة 1896م بنى مصنع عظيم لعصر قصب السكر وتكريره في (بنى قرة) التابعة لأسيوط، وعين له مهندسين أوروبيين وخصص أرضا واسعة لتزرع قصباً لإدارته، وإمداده بالمواد الخام اللازمة لاستمرار العمل بها.
يعد "ويصا بقطر" واحد من المحبين لعمل الخير وإغاثة البائس، وقد خصص (عشر) أملاكه للأعمال الخيرية، ويصرف نحو ألفى جنيه كل عام إسعافا للمحتاجين، ولفتح المدارس، وتشييد أماكن العبادة، بغض النظر عن اختلاف المذاهب والديانات، فإنه شارك في بناء الجوامع، والزوايا، والأضرحة، والتكايا، كما ساعد على بناء الكنائس، والمدارس العديدة، إضافة إلى إحسانه المتواصل للجمعيات الخيرية.
وفى هذا الإطار بنى بأسيوط مدرسة وطنية خيرية وبعد تشييدها وإنفاقه عليها نحو أربعة آلاف جنيه، احترقت قبل افتتاحها فأعاد بنائها على نفقته الخاصة، وأوقف عليها نحو مائة فدان من أجود أطيانه لينفق من ريعها على مصاريفها، وما تحتاجه من أدوات، وكتب، وكراسات، ورواتب المدرسين والفراشين وغيرهم..
أشتهر ويصا بالاقتصاد حتى صار مضرب المثل فى ذلك فلا ينفق شيء وإلا يعلم فى أي طريق ذهب .. ومع ذلك فهو كريم وقت اللزوم وبخيل إذا عرف أن المال يذهب سدى.
نال عدداً من الوظائف أهمها تعيينه (وكيلاً) لدولة إسبانيا فى أسيوط, وكان لعلاقاته التجارية وثرائه أثر كبير فى تقلد هذه الوظيفة، وهو ما يفسر لنا ارتباط المال بالسياسة.
والخلاصة انه رجل جد وعمل .. ظل يخدم بلده حتى صعد للأمجاد السماوية - عام 1900م تقريباً.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير