نقض مفهوم الوجود لدى الشيرازي

هيبت بافي حلبجة
2015 / 2 / 22

نقض مفهوم الوجود لدى الشيرازي
هيبت بافي حلبجة
ينطلق صدر الدين الشيرازي في مفهومه للوجود ولكل الكليات والإلهيات من نقطة لايحيد عنها قيد أنملة وهي المزج والإقتران مابين الكشفي الصوفي والعقلي البرهاني ، ويظهر لديه من خلال مؤلفيه ( الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية ) و ( رسالة في أتصاف الماهية بالوجود ) وكأنه يقسم العقل إلى ثلاثة أصناف وهي ، العقل العملي ، العقل المجرد ، العقل النوراني ، وبفضل هذا الأخير يمكن الكشف عن حقيقة الوجود ، فهو الوحيد القادر أن يسبر غور أسرار الوجود ومن ثم التعرف عليها ، ومن ثم الكشف الأبستيمي الفعلي عن الوجود كما هو ، كما ينبغي أن يكون .
وهذا ما يميز ما بينه وبين ابن رشد من ناحية ، وما بينه وبين كانط من ناحية ثانية ، فالأول هو أرسطوي بأمتياز يعتمد على الإستدلال والإستقراء في عمليات الإستنتاج والإستنباط المنطقيين ، أي العقل البرهاني ، والثاني يعتمد على العقل العملي لإثبات حقيقة الأشياء في ذواتها ، وأما الشيرازي ( 980 – 1050 هجري 1572 – 1640 م ) فيعتمد على الغيبي الميتافيزيقي الألهامي الإلهي الكشفي الصوفي من ناحية ، ومن ناحية ثانية على التراتبي التوافقي العقلي البرهاني .
وهذا الإتحاد التوافقي مابين مضمون العقلي البرهاني ومفهوم الكشفي الصوفي هو الذي يجعل صدر الدين الشيرازي - الملقب بصدر المتألهين - ينتقل بكل أريحية مابين مجالات فلسفية متعددة ، من ابن سينا إلى ابن عربي إلى مستوى وفحوى الوحي إلى الفلسفة اليونانية إلى دلالات القرآن الكريم ، لكن ضمن شرط أساسي وهو إن العقل البرهاني لا يكتمل إلا مع الكشف الصوفي ، ومن هنا ندرك التعريف الفلسفي الحقيقي للتشيع وإلهام الأئمة والكشف البرهاني الرباني .
وهذا التوافق ما بين الكشف والعقل يضفي بظلال أساسه على أربعة مقولات جوهرية – حسب رؤية الشيرازي – التي هي ، مفهوم الوجود الإلهي أولأ ، مفهوم الزمان والحركة ثانيأ ، مفهوم النفس ثالثأ ، مفهوم العقول رابعأ .
في الوجود الإلهي : يرتكب الشيرازي نفس المغالطة التي أرتكبها هيجل بصدد الإله المسيحي ، فهو يجسد أمام ناظريه الإله الإسلامي المطلق الكلي ، ويفصل بقية مقاسه في حدود العقل البرهاني ، ويجرده من كل شيء إلا من الوجود الخالص البحت ، فلايمكن تخيله البتة ولا أضافة أي تصور إليه ، كما لا يمكن إدراكه ، أو وضعه في تساوق عياني أو تشاخصي ، فهو وجود بدون ماهية .
وهكذا فإنه يتجاوز كل من توما الأكويني ، والرازي ، ونصير الدين الطوسي ، وأبن سينا ، ويجزم بالقطع على أصالة الوجود وأعتبارية الماهية ، وعلى إنه متقدم عليها موضوعيأ وأنطولوجيأ ( لإن الموجود هو الوجود بالحقيقة والماهية تتحد معه أعتباريأ ) أي إن الماهية لا تكون ماهية فعلية إلا إذا شكلت مع الوجود خصائصها الأصيلة ( لإن الأوصاف المتعلقة بالوجود على أختلاف مراتبه هي ماتسمى بالماهيات ) وأتحدت مع الوجود ، على صيغة الموجود ، سواء على هيئة المفرد أو على هيئات الكثرة في الواحد ، فالتعدد هنا لايلغي الواحد بل بالعكس يثبته .
فالماهية ، التي لا تتحد بالوجود إلا من خلال الموجودات لإنها لا ترتقي إلى مستوى الوجود الإلهي ، تولد ثلاثة مفاهيم جوهرية :
المفهوم الأول : إن الماهية هي بطبيعتها منافية للتشاخصي ، فهي لاتستطيع أن تتقوم بذاتها ، لكنها السبب الفعلي له في الموجودات دون الوجود الإلهي ، أي إنها سبب الكثرة في الواحد ، فالكثرة أو التعدد هو أعتباري بينما الواحد هو بسيط أصيل .
المفهوم الثاني : إذا كان الوجود عين ذاته واحد ووحدة ، لإن الواحد هنا يضاهي الوجود ، فإن مسألة الإتحاد ما بين الوجود والوحدة ، تلك المسألة التي أقتبسها الشيرازي من ابن سينا والذي أقتبسها بدوره من الكندي ، هي مسألة أنطولوجية محضة خارجة عن طبيعة الماهية ، وتتفارق كليأ عن مفهوم أتحاد الصورة والهيولى لدى أرسطو .
المفهوم الثالث : في مسألة وحدة الوجود ورغم تأثر الشيرازي بالسهروردي والفارابي ، فإن الماهية – حسب المفهوم السابق – تجعل مسألة ( أنقهار وجود الممكنات تحت الوجود الواجب ) حتمية ووفق سنن الضرورة ، وتتوافق بنفس الضرورة مع مضمون الرابطة مابين العلة والمعلول ، تلك الرابطة التي تتعلق بالوجود من حيث الجوهر ، بمعنى إن الشيرازي يرفض رأي المشائية حول أتصاف الماهية بالوجود ، كما يرفض ، بنفس الدرجة ، رأي الإشراقية في إن ألماهية هي وحدها المجعولة .
وينبغي أن ندرك إن طبيعة هذا القلق لدى الشيرازي مردها إلى الخلاف في مصدر الرؤيا ، فالمشائية ترى إن الوجود والماهية ليستا هويتان في التشخص الخارجي ، إنما هما هوية واحدة تحمل الوجود والماهية معأ ، والإشراقية ترى إن الوجود لايتحقق في ذلك التشخص إلا من خلال الماهية ، بينما يرى الشيرازي إن هذا التشخص هو الوجود أصالة وماهية أعتبارأ ، لإن هذه الإخيرة تتحد مع الوجود في الموجود دون الوجود الإلهي .
في مفهوم الزمان والحركة : من محتوى أصالة الوجود وأتحاد الماهية به ينطلق الشيرازي في تحديد معنى الزمان والحركة والعلاقة الجدلية البنيوية فيما بينهما ، فلاحركة بدون زمان ولا زمان بدون حركة ، وكلاهما مرتبطان بالموجود من حيث المبدأ ، أي إن كلاهما توأمان ، ولايجوز الفصل بينهما أبدأ إلا في حدود الذهن ، أو كما يقول في مؤلفه ( في الأسفار الأربعة العقلية ) إذ لاعارضية ولامعروضية بينهما إلا بحسب الإعتبار الذهني .
ويقسم الزمان من حيث هو والحركة وحدة وأتحاد وسيالة مترابطة في أن واحد إلى زمنين ، زمن يخص الشيء في موجوديته وحركته الخاصة ( حقيقة سيالة متدرجة الحصول ) ، وزمن يخص الشيء في وجوده وفي الحركة العامة ( إن الحركة الجوهرية هي في الواقع التجدد المستمر لوجود الجوهر ) ، وهو بذلك يخالف رؤية أسحاق نيوتون حول مفهوم الزمان المطلق ( إن الزمان الرياضي الحقيقي المطلق بنفسه وبطبيعته الذاتية يسيل بالتساوي ودون أي علاقة بأي شيء خارجي ) كما جاء في كتاب عبد الرحيم بدر ( الكون الأحدب ) .
في مفهوم النفس : في العلاقة السابقة أخضع الشيرازي الزمان والحركة لمحتوى العلاقة مابين الوجود والماهية ، وهنا فإنه يخضع مفهوم النفس لمسألة الثواب والعقاب ومرحلة مابعد يوم القيامة بغية كيلا يكون الوجود الإلهي بمفرده ، فيقسم النفس من حيث صيرورتها إلى ثلاث : النفس قبل حلولها في البدن ، النفس وهي حالة فيه ، النفس بعد فناء البدن .
وللنفس لدى الشيرازي ثلاثة خصائص هي : الخاصية الأولى إنها قديمة سواء في نشأتها أم في مراتبها أم في حدودها أم في طبيعتها ، الخاصية الثانية إنها موجودة في العقل ، ولايمكن أن تكون إلا فيه ، وإذا لم تكن فيه فإنها ، حينئذ ، سوف تسبب للشيرازي جملة إشكاليات سيما في علاقتها بمفهوم الماهية ، الخاصية الثالثة إنها دائمة التبدل والتحول ( لإنها في صيرورة دائمة ) ، ومن حالة التبدل لدى النفس نلاحظ حالة التحول لدى البدن وليس العكس .
وهكذا فإن النفس تنتقل في تحولها المستمرمن المرحلة الأولى في العقل ، إلى المرحلة الثانية في البدن ، إلى المرحلة الثالثة بعد فناء البدن ، لكنها في كل تحول تعيش حالة من الأشتداد الوجودي ، أي إن النفس بعد أن كانت عقلية ، ثم مادية محسوسة ، تتحول إلى مفارقة وإلى بقاء ذي ديمومة تامة لإنها ، عندئذ ، تغدو موضوع الثواب والعقاب وهو ثانوي ، وموضوع البقاء مع الوجود الإلهي وهو الأهم .
في مفهوم العقول : ولكي تكتمل الدائرة لدى الشيرازي في علاقة الوجود بالماهية ، فإنه يصنف العقول في حالة وسطية مابين واجب الوجود والأشياء ، وهذه الحالة الوسطية غير مستقرة فهي تشتد على صعيد كل فرد أو تضعف وجوديأ ، فإذا أشتدت أقتربت من التجريد والواجب الوجود وأكتست الطابع النوراني ومن ثم الكشفي الصوفي ( مفهوم ألهام الأئمة ) ، وإذا ما وهنت أقتربت من المحسوس والمادي . ( ونحن ، هنا ، أسقطنا مفهوم الفرد العقلي والأفراد الحسية لدى الشيرازي وأعتبرناه مجرد كبوة لديه غير جديرة بالأكتراث ولاتؤثر في المنحى العام لتصوره ) .
لكن في مخصوصية الصيرورة وفي دائرة العقول ، وربطأ مابين مفهوم الزمان والحركة ، وتوافقأ مع علاقة الوجود بالماهية ، فإن الشيرازي يضفي على حالة العقول مفهوم الحركة الغائية التي تفتح الباب مجددأ أمام ( ألهام الأئمة ومعصومية الإمام ) والتي تعيد الأمور إلى نصابها في ثلاثة مطارح ، المطرح الأول التخلص من الوجود المحض الجاف ، الوجود الإلهي البحت ، سيما وحدته في نهاية المرحلة الثالثة ، المطرح الثاني التأكيد على أصالة الوجود وأعتبارية الماهية ، وعلى تقدم الأول على الثانية ، المطرح الثالث أضفاء نوع من الموضوعية على تصوره فيما يخص مفهومه عن النفس .
إن هذا التصور الشيرازي مطعون فيه في الآتي :
حينما أعتمد هيجل على مفهوم الإله المسيحي المطلق فإنه أنشأ نسقأ فلسفيأ موازيأ له ، يتمتع ، من هذه الزاوية ، بأربعة خصائص هي الحفاظ على الجوهر الفلسفي ، مبدأ الأستقلال والخاصية ، روح الفاعلية والفعالية ، ومفهوم الصيرورة ، في حين عندما أعتمد الشيرازي على مفهوم الإله الإسلامي الكلي فإنه لم ينشىء تصورأ فلسفيأ موازايأ ، بل أنشأ معتقدأ دينيأ متطابقأ معه حسب رؤيته الخاصة .
أي إنه أخضع هذا التصور العام لشرط إلهي وليس للشرط الإلهي ، أي إنه ، حتى ضمن المعتقد الديني ، لم يتمسك بالشرط الإلهي الوجودي ، إنما ألغى مضمون هذا الشرط لصالح الشرط الإلهي المعتقدي الصرف ، بمعنى إنه لم يبحث عن تفسيرللوجود ، مثلما فعل معظم الفلاسفة والمفكرين ، بل بحث عن وجود في تفسير للمعتقد .
لذلك حينما نتمعن في ثنايا مؤلفيه ( في الأسفار الأربعة العقلية ) و ( رسالة في أتصاف الماهية بالوجود ) نلاحظ إضافة إلى وجود الإله الكلي ، والموجودات ، والنفس ، والعقول ، مفهوم التحول الذي يخص ، في نهاية المطاف ، الموجود ، وضمن هذا الأخير نلاحظ إشكالية الإنسان ذلك الإنسان الذي ينقسم في ذهن الشيرازي إلى صنفين ، الإنسان العام ، والإنسان الخاص ، وضمن هذا الأخير نلاحظ مفهوم التراتيبية ، تلك التراتيبية التي تكشف عن مفهوم الإنسان الإله ، الموجود الإنساني الإلهي .
ومن هنا تحديدأ يركز على ثلاثة مفاهيم جوهرية في ذهنيته : مسألة الإشتداد الوجودي ، مفهوم العلة والمعلول وعلاقتها بالتراتيبية ، ومحتوى الحركة الغائية ، وكل هذه الإطروحات هي ، في حقيقتها الجزئية الخاصة ، أنطولوجية .
المفهوم الأول : وجد الشيرازي نفسه أمام معضلة حقيقية وهي متعلقة ، أساسأ ، بوحدة الوجود ، فالواجب الوجود هو واحد ولامتناهي وبسيط ، في حين إن ممكن الوجود يشكو من نقص من زاوية إنه ممكن ، لذلك وجد حلأ في بنائه الفلسفي عبر مفهوم إن الفرد الوجودي يشتد على صعيد أنطولوجيته كلما أقترب من المجال النوراني الكشفي الصوفي ، وأقتبس هذا المفهوم من السهروردي في أنقهار الأضواء الخافتة ضمن النور الساطع ، وهكذا تتغير مسألة الوجودية إلى مسألة الموجودية ومن ثم إلى مسألة اللامادية ومن ثم إلى مسألة ميتافيزيقية روحانية بحتة ، لتكتمل الدائرة من جديد عند حدود الوجود الإلهي .
المفهوم الثاني : وجد الشيرازي نفسه ، مرة ثانية ، أمام معضلة حقيقية وهي متعلقة بكيفية هذا التحول ، وبالإبتعاد عن المفهوم الصوفي المحض للعلاقة مابين الموجود والإله المطلق ، فوجد ضالته في محتوى العلاقة مابين العلة والمعلول ، والعودة إلى محتوى الواجب الوجود وممكن الوجود .
ومن هنا تحديدأ مزج الشيرازي مابين ثلاثة قضايا متداخلة ، الأولى إن المعلول بحاجة دائمة إلى العلة ، وممكن الوجود بحاجة دائمة إلى الواجب الوجود ، الثانية إن الحركة تصير في الجوهر والعرض معأ بخلاف رؤية أرسطو التي تقرر إن الحركة هي في الأعراض ، الثالثة إن الوجود هو علة في الواجب ومعلولأ في الممكن .
وهكذا تغدو العلاقة مابين العلة والمعلول وجودية تراتيبية ، تذهب من الأسفل إلى الأعلى ، من الأدنى إلى الأرقى ، من المادي المحسوس إلى االمجرد المطلق ، من الموجود إلى النوراني .
المفهوم الثالث : وجد الشيرازي نفسه ، لمرة ثالثة ، أمام معضلة حقيقية وهي السببية في مسألة الأشتداد الوجودي ، والسببية في مسألة إن الوجود هو علة في الواجب ومعلولأ في الممكن ، فوجد ضالته في محتوى الحركة الغائية وعلاقتها بمفهوم الخير ، فربط مابين الحركة الغائية وشدة تدرج الخير ، مع علمنا إن مقولة الخير هنا انطولوجية بالأساس ، أي كلما أنتقلنا من الأدنى إلى الأعلى كلما اشتد محتوى الخير ، وبتعبير آخر فإن الإله المطلق هو الخير المطلق ، وكلما أبتعدنا وجوديأ عنه وهن الخير أنطولوجيأ .
وهكذا يحل الموجود النوراني ، في أرقى وأعلى درجاته ، محل ذلك الإله الكلي المطلق ، بعد أن أجتاز كل مراحل الوجود ، ولذلك فإن الإمام لديه معصوم ومؤله وموحى له في آن معأ . وإلى اللقاء في الحلقة الخامسة والستين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول