تنبؤات سام هنتنكتون بين الخداع و الابداع

شمس الدين تالباني
2015 / 2 / 16

تنبؤات سام هنتنكتون بين الخداع و الابداع
بعد كل حدث ارهابي او عسكري تتصاعد النقاشات في الاندية السياسة و الاعلام على وجه المعمورة من جديد حول نظرية ،،صدام او صراع الحضارات،، للاستاذ والمفكر الامريكي صاموئيل فيلبس هنتنكتون. المناقشات اشتدت هذه المرة بعد الهجوم الارهابي على مكتب صحيفة شارلي ئيبدو في باريس في الشهر الماضي من قبل مسلحين.
لفهم النظرية و تحليل محتوياتهاعلينا الرجوع الى البداية الزمنية التي كتب فيها هنتكتون لاول مرة عن فكرته و نظريته سنة 1993. بداية الفكرة لم تكن غير افكار متشتته و غير مكتملة القاها الاستاذ هنتنكتون لطلابه في قسم العلوم السياسية في جامعة هارفارد الامريكية، اكتشفها بعد مدة احد طلاب هنتنكتون السابقين و المحرر لمجلة فوريجن افاير فريد زكريا بين اوراقه و ملا حظاته الدراسية و طلب من استاذه السابق بان يجعل من افكاره مقالة كاملة لنشرها في المجلة في صيف 1993 والتي تعتبر من اكبر المجلات و اكثرها تاثيرا على دوائر صنع القرار و على السياسة الخارجية الامريكية.
الاستاذ هنتنكتون كان شخصية اكاديمية امريكية مرموقة من مواليد مدينة نيويورك سنة 1927، درس في جامعة يال و تخرج منها وهو في 18 من عمره واصبح استاذا في هارفارد ولم يتجاوز الرابعة و العشرين من عمره بعد وبعدها رئيسا لمعهد ج ام ئولن للسياسات الاستراتيجية في جامعة هارفاردو مستشارا في وزارة الخارجية. كلام هنتنكتون كان مسموعا في دوائر صنع القرار حتى وفاته نهاية سنة 2008. هنتنكتون شخصية ذات طبع هادئ و ساكت يتوجها بعض الاحيان بمقالات مثيرة للجدل يهجج بها الشارع الامريكي و العالمي. حسب وصف الكثيرين من اصدقائه كان انسان صامتا وقليل الكلام حتى مع ظيوفه في بيته و في الحفلات العامة التي كان يقوم بها و ينظمها اخذا دور المستمع فقط. يقول احد اساتذة جامعة هارفارد و صديق هنتنكتون عنه بانه حتى في حظوره في الحلقات الدراسية و السمينارات كان سام يجلس ساكتا اخر القاعة دون المشاركة في المناقشات و يخرج فجاة صامتا الى غرفته ليكتب مقالة سياسية جديدة، جيدة و مثيرة لتحريك السياسيين و الشارع معا.
صدى مقالة هنتنكتون في فوريجن افاير سنة 1993 كانت كبيرة بين مؤيد و معاد لنظريته و نظرا لردود الفعل المختلفة والصيت الكبير الذي حظيت به مقالتة و لتجاوز بعض الاشياء الغير المفهومة و الغير الناضجة و لتقديم الدلائل و البراهين لنظريته, قرر بان يعيد صقل افكاره و تبويبها في شكل كتاب ،، صراع الحضارات،، سنة 1996. المصطلح نفسه كان في الاستخدام منذ سنة 1990 من قبل برنارد لويس استخدمها في مقالة له في مجلة المحيط الأطلسي الشهرية تحت عنوان،،جذور الغضب الإسلامي،، و معتمدا بالاساس على افكار العالم المغربي مهدي منجرة و كتابه،، قيمة القيم،، و الذي استقا كثير من اساسياتها من كتب وروايات الكاتب المغربي عبدالله العروي المكنى بعبالله الرافضي لكن هذه الافكار بقيت معروفة في حيز محدود فقط الى ان جاء الباحثان الامريكيان هنتنكتون و فوكوياما الياباني الأصل والأمريكي الجنسية و شاركو في اخراج النظرية الى حيز الشهرة.
نظرية و افكار هنتنكتون كانت معروفة في العالم الاكاديمي و عالم السياسة لكنها اصبحت شهيرة بعد احداث 11.09.2001 نتيجة البحث عن اسباب الارهاب الدولي و خاصة ،، الارهاب الاسلامي،، انذاك. الان مرة اخرى تاتي النظرية الى الواجهة بعد احداث شارل ئيبدو في باريس.
الظاهر يحاول الكثيرون اليوم الاستفادة من نظرية هنتنكتون كالية لفهم جميع مشاكل العالم المتنوعة وخاصة اذا كانت هذه المشاكل لها تشعبات و علاقات مع العالم الاسلامي.
لكن هل يمكن فهم المشاكل العالمية المتنوعة و المعقدة في عصر العولمة الان عبر نظرية هنتنكتون القديمة التي كتبها قبل اكثر من عشرين سنة ، في مدة و حالة زمنية خاصة، كمحاولة منه لفهم مشاكل العالم السياسية و الاقتصادية و تقديم الحلول المناسبة لفك المشاكل والصراعات المستقبلية؟
هنتنكتون النيويوركي الذي اصبح استاذا جامعيا في هارفارد قمة الجامعات العالمية وعمره 23 سنة بدا بحوثه عن اسئلة عصره السياسية ، ماهو ماهية السياسة ؟ ماهو ماهية امريكا؟ من اين تنبع الديمقراطية؟ و اجاب على اسئلة عصره باكثر من 17 كتابا و اعدادا كبيرة من المقالات المهمة لذلك كان من عداد المفكرين و الاستراتيجيين الكبار و المثيرين للجدل في نفس الوقت في امريكا. ففي الخمسينيات كتب كتابا حول العسكر و السلطة و يمدح سلوكيات الجيش و العسكر كاشخاص واقعيين مع بعد نظر للتعامل مع الاحداث العالمية و حين كان عضوا مجلس الامن القومي في ادارة الرئيس جيمي كارتر و يعتبر نفسه من الديمقراطيين قام بوضع خطط عسكرية استراتيجية في حرب فيتنام و سيناروهات لردع و ضرب الاتحاد السوفيتي و في سنة 2004 كتب كتابه المثير للجدل من نحن؟ حول الهجرة و تاثير الهجرة في في المجتمع الا مريكي وامريكا. كل الدلائل تشير الى وطنية ، استقلالية، مثالية و جدارة هنتكنتون في الحياة و في تحليله للاحداث. اي انه لم يكن كاتبا مدفوع الثمن بل كان يكتب فقط مايؤمن به بدون لف او دوران. لكن الانسان يبقى انسانا مع سلبياته و ايجابياته. الانسان يشعرفي كثير من الاحيان بالخوف حين يتغير الطبيعة حواليه والخوف شئ طبيعي وهو غريزة موروثة عند الانسان يساعده لدرء الخطر لحماية نفسه من الاخطار المحدقة و بدون ادراك. لربما كان هنتنكتون يشعر قبل عشرين سنة بنوع من عدم الارتياح من نتائج سياسة الهجرة الامريكية و التغير الديموغرافي و يحس منذ مدة طويلة بالتغيرات الجذرية السياسية العالمية، بعد زوال الستار الحديدي و تفكيك الاتحاد السوفيتي كذلك التغيرات الديموغرافية في مدينته نيويورك مسقط راسه و المعروفة بوجود عدد كبير من المواطنيين السود و الاجانب فيها كنموذج صغير لامريكا الذي يحكمه الان الرئيس باراك حسين اوباما. اليوم و بعد عشرين سنة تقريبا من كتابة نظريته يحكم مدينة نيويورك كعمدة رجل ابيض متزوج مع امراة سوداء البشرة يحاول بكل مالديه من صلاحيات بتطبيق العدالة الاجتماعية و مسح الفروقات العرقية في المدينة و الجميع يدركون اليوم بان التغير الديموغرافي ات لامحال منه وان نسبة السود في نيويورك حسب الاحصائيات الجديدة اكثر من 50% اي ان السود و الاجانب ليسوا اقلية بل اكثرية قابلة للفوز بالانتخابات الديمقراطية. لكن لاتزال هناك الكثير من البيض لا يهضمون التغيرات الجذرية التي حصلت في المجتمع و هذا مانراه خلال المشاكل الحالية بين عمدة نيويورك و شرطة مدينة نيويورك التي كانت لحد اليوم تقليديا مليئة برجالات الشرطة من اصول ايرلندية حيث يحاولون منذ مدة و بطرق سلمية بمقاطعة خطبه و قراراته الادارية رفضا لقراراته الادارية لصالح السود..
لذا يجب فهم نظرية هنتنكتون التي نشرها سنة 1993 و شرحها مفصلا في كتابه سنة 1996 ضمن تلك الواقع و تلك المدة الزمنية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حيث كانت الفكرة السائدة في امريكا هو ، ان الديمقراطية الغربية ستعم و ستحكم العالم في وقت قصير و قريب جدا وكل هذا موازيا لتنبؤات فرانسيس فوكوياما و فكرة الهارمونية العالمية تحت راية الغرب بعد انهيار النظام الشيوعي كاملة اسقاط النظم الدكتاتورية الواحدة تلو الاخرى. .
هنا بدا هنتنكتون بكتابة نظرياته المضادة لفكرة الثقافة العالمية الواحدة و اعتبارها فكرة طفولية اوتوبية معتمدا في كثير من الاحيان على الفكرة الاصلية، مثلما اعترف هنتنكتون في كتابه صراع الحضارات، للمفكر المغربي و وعالم علوم المستقبليات و المدافع عن فكرة حوار الشمال مع الجنوب و قيم العدالة الاجتماعية المرحوم مهدي منجرة الذي اشار الى نفس المشاكل لاكنه كان يطالب بالعكس من هنتنكتون الى ،،حوار الحضارات،، و تجاوز صراع الحضارات عبر الاحترام المتبادل بين الشعوب و الكتل هدفه ايجاد عالم مثالي خالي من الاستغلال و الاحتكار و يحترم القيم الانسانية العليا لابعاد البشرية عن شر الحروب و الدمار القادمة. لكن هنتنكتون قسم العالم الى ثمانية حضارات ،،دينية،،وتنبا بان المشاكل التي ستعم العالم ستكون مشاكل حضارية و ليست عقائدية ، اقتصادية او ايديولوجية و ان خطوط التماس ستكون بين الحضارات و شعوب ذو ثقافات مختلفة مؤشرا الى ظهور عالم متعددة الاقطاب . الحضارات حسب هنتنكتون هو الحضارة الغربية، الاسلامية، الهندوسية، السلاف الارثوذوكس، الصينية الكونوفوشيوسية، اليابانية ، الافريقية و اللاتينية الامريكية وكان يعتقد بان هناك عائقان كبيران امام الغرب لفرض حضارته و سيطرته على العالم و اسواقها اولها الحضارة الصينية ذات الاقتصاد القوي و التوسعي و ثانيها هو الاسلام التوسعي و المستعد لا ستعمال العنف ، لان اي تطور من قبل هذين الحضارتين ستكون اوتوماتيكيا، حسب رايه، على حساب الحضارة الغربية. لكن في نفس الوقت يدرك و يعترف هنتنكتون بان الاسلام و حده ليس المشكلة بل الغرب نفسه كون اعضائها مقتنعون قناعة تامة بان ثقافتهم هو الافضل ووووو و واجبهم هو فرض تلك الثقافة على العالم اجمع. باختصار شديد يقول هنتنكتون بان اخطر المشاكل في المسقبل ستاتي عبر غطرسة غربية و عدم الصبر الاسلامي و النجاح الصيني . ماحصل في حرب احتلال العراق حيث يعتبر الكثيرين بان احتلال العراق جاءت طبقا لنظرية هنتنكتون للسيطرة على منابع النفط و فرض الحضارة الغربية على العراق لمحو حضارة وادي الرافدين كاقدم حضارة بشرية هو توسع الشق بعد الحرب سنة 2003 بين الغرب و الشرق. هؤلاء يؤشرون الى اشارات و دلا ئل ملموسة على الساحة مثل سيطرة الجيش الامريكي بعد سقوط بغداد على وزارة النفط و حماية البناية و محتوياتها من النهب و السلب لا هميتها الاقتصادية بينما تم ترك المتحف الوطني الحاوي على تحف و اثار حضارة وادي الرافدين القديمة و بدون حراسة و حماية لنهبه و تدميره من قبل الرعاع. فرانسيس فوكوياما الذي كان من المشجعين الاوائل لغزو العراق سحب دعمه بعد الغزو اواخر سنة 2003 مشيرا الى اخطاء الادارة الامريكية في المبالغة في خطر المتشددين الاسلاميين على امريكا و التفائل الامريكي لنشر القيم الغربية في العراق كخطوة لنشر السلام .
هل كان هنتنكتون محقا في تنبؤاته؟ هنتنكتون لم يكن محقا في تحليلاته بصورة كاملة رغم محاولته فهم و تحليل المجتمعات و المشاكل المتنوعة عبر فهم الحضارات مثلما فعل ارنولد توينبي .نظرية صدام الحضارات ليست نظرية و فكرة ايجابية كونها يقسم العالم الغربي و الشرقي الى قسمين و لا تساعد ابدا في نشر السلام في العالم عموما ،لكن في نفس الوقت لم يخدع هنتنكتون احدا في اشاراته بل لانه كان يرى الاشياء هكذا و بمنظروه الشخصي. نظريته اصبحت و بدون ادراك جزء من الادوات لفهم العلاقة بين العالم الغربي و الشرقي و تم ولا يزال يتم سوء الاستفادة منها في بعض الاحيان كعصا غليظة ضد المسلمين فقط للاشارة اليهم بانهم لا يواكبون التطور. اليوم نرى بان العالم اصبح اقل تنظيما مثلما كان ايام هنتنكتون قبل عشرين سنة. في تلك الايام حين كتب هنتنكتون مقالته بعد مدة قصيرة على زوال الستار الحديدي كانت هناك حرب طاحنة و سط اوروبا في البلقان و عالم القطبين و الدول التابعة لهما كان في طريقها الى الزوال. تنبؤاته بان العالم سيكون اكثر خطورة مع زوال الاتحاد السوفيتي مع صعود دور الاديان في الصراعات المستقبلية كانت لربما مبنية بالاساس على حرب البلقان، المنطقة المعروفة باختلاط الاديان و المذاهب و الاعراق على رقعة جغرافية واحدة و بوجود مشاكل متشابكة او ماتسمى في علم السياسة بالبلقنة وظهور جمهوريات اسلامية مستقلة جديدة من تركات الاتحاد السوفيتي.
هنتنكتون تنبأ بان الحضارة بمفهومها الثقافي و الديني و ليست الايدلوجيات في العالم الجديد ستشق العالم الى الى اجزاء و عرف الحضارة عبرالثقافة، العادات و التقاليدو خصوصا عبر الدين و اشار بان الصراع ستكون على اشدها بين الغرب و الاسلام. كثيرون انتقدوه في وقته لكن بعد هجمات 11.9.2011 اعتذر عدد كبير من ناقديه على نقدهم لنظريته و اعتبروه محقا في نظريته و مخاوفه.
لكن مشكلة نظرية هنتنكتون الاساسية تكمن في اليته الذي قسم العالم الى كتل و قطع جغرافية ثابتة و جامدة و بحدود ثابتة مثل اوربا و امريكا، الاسلام ، الصين او افريقيا. تنبؤات هنتنكتون هذه حسب راي المتواضع غير مبنية على اسس سليمة في التحليل العلمي للاسباب للمذكورة اعلاه، و هذا نقطة ضعف نظريته لانه لا يمكن تعريف العالم البشري و الاقتصادي بوحدات ثابتة لا روح فيها وغير قابلة للتغير و الاندماج مع الاخر. فنظرة بسيطة الى المجتمعات المختلفة ترى بان هناك عادات و تقاليد و حتى تفاسير مختلفة للاديان تختلف بين مركز ثقل المجتمع السكاني و اطراف المجتمع لان في اطراف الرقعة الجغرافية لاى مجتمع هناك مجتمعات مجاورة مع تقاليدها و عاداتها الخاصة بها . المناطق التي تختلط فيها اطراف المجتمعات المختلفة يمكن اعتبارها و الاستفادة منها كنقاط تماس سلمية خصبة لحوار الحضارات حيث يتعلم الاثنان من البعض و يشتركان في بالعادات و التقاليد و العطاء رغم دياناتهم و مذاهبهم المختلفة.
فالعادات و التقاليد الا جتماعية التقليدية المتحفظة مثلا في اليونان المسيحية قريبة الى العادات و التقاليد الاسلامية التقليدية في تركيا اكثر من العادات و التقاليد اليونانية مع العادات و التقاليد السويدية المسيحية. المسيحي العراقي من الموصل او دهوك يختلف في عاداته و تقاليده عن المسيحي في لندن و نيويورك لكن لهم عادات و تقاليد غير دينية اقرب الى المسلمين في المنطقة لان وجود الحضارات اقدم من وجود الاديان لذا فالعادات و التقاليد هو موروث حضاري قديم و نتيجة لمشاركه بني البشر لبناء الحضارةعلى رقعة جغرافية سوية . فنحن اهل البلد احرى بتحليل مجتمعاتنا و نعرف حق المعرفة خلال العيش مع البعض ورغم الدينات و المذاهب المختلفة هناك مجال واسع للتواصل مع البعض رغم الاختلافات الدينية و المذهبية. هناك اختلاف كبير بين عدم الموافقة على عقيدة شخص او مجموعة ما في الدين وبين الحقد على الشخص او المجموعة المختلفة، فهناك في الشرق من لا يتوافق مع عقائد المسيحيين ولكنه لا يحقد عليهم وهناك من لا يتوافق مع عقائد الهندوس في شبه القارة الهندية ولكنه لا يحقد عليهم وهناك من لا يتوافق مع اهل السنة ولكنه لا يحقد عليهم وكذلك هناك من لا يتوافق مع الشيعة ولكنه لا يحقد عليهم ولا يكرههم بل هناك حالات زواج وقرابه عمرها مئات السنين متفاوته من منطقة الى اخرى فهناك حالات الزواج والمصاهرة والقرابة موجودة بين الشيعة و السنة في العراق و حالات اخرى كبيرة بين المسلمين و المسيحين في البلقان.
الصراعات بين الكتل و القطع الجغرافية التي اشار اليها هنتنكتون موجودة بشكل ما لكنها غير محصورة بصراعات بين الكتل فقط بل هناك مشاكل و صراعات داخل هذه الكتل فهناك ازمة اقتصادية داخل اوروبا و بين اوروبا و امريكا و هناك صراعات داخل العالم الاسلامي. في افريقيا يقتل الافريقي الافريقي و في العراق و مصر و ليبيا و اليمن و سوريا يقتل المسلم المسلم. الحروب في افغانستان و العراق لم تكن حروب دينية بل تحولت بعد ذلك الى حروب دينية و مذهبية فحرب افغانستان كان في الاساس خطا و كان ثارا مباشرا لعمليات 11.9.2011 من قبل الحكومة الامريكية و كانت مبنية على حسابات خاطئة و عدم وجود الخبرة اللا زمة في الادارة الا مريكية انذاك رغم تحفظ كثير من الدول الغربيةعلى ذلك الخطوة.
لذا فان خطوط الحرب والتماس بين الحضارات التي اشار اليها هنتنكتون لا تمر بين الكتل و الحضارات الكبيرة التي اشار هو اليها بل تمر اليوم في الشرق الا وسط و العالم الا سلامي مثلا بين الشيعة و الشيعة ، بين السنة و السنة ، بين الشيعة و السنة ، بين العلمانيين و الدينيين، عسكرين و مدنيين، انقلابيون و ديمقراطيون و بين البيروقراطين و ثوريو الفيسبوك. لقد تناسى هنتنكتون بان سلطة الدولة على الحضارة قوية و ان بامكان السلطة سوء الا ستفادة من الشعور الديني و المذهبي لا غراضها الخاصة. فكثير من الدول تشارك اليوم في لعبة العولمة و يريدون حصتهم من السلطة ، الماء، الغذاء، السلاح، الاستثمارات، البنوك، العمارات العالية، الموانئ و المطارات الكبيرة. الدول هذه تريد الحصول على اشياء عالمية كبيرة.
الصين استنسخ الراسمالية على طريقته الخاصة لكن لا مكان لحرية الصحافة و الراي في الحضارة الصينية الحالية وفي عالمهم التجاري و هناك شيوعيون محليون اصبحوا بين ليلة و ضحاها اصحاب ملياردات من الدولارات وفي حضارات مختلفة على سبيل المثال فقط الصين و العراق. هكذا تطورت الصراعات اليوم الى صراعات بين الحكومات و مواطنيهم و ليست بين الاديان . هنتنكتون عرف الثقافة بانها جزء من الدين لكن نظرة الى الشباب والطبقة الوسطى في الدول الاوربية وفي المدن العالمية الكبيرة تفند ذلك حيث ترى بان همهم الاول و الاخير هو الحصول على التعليم الجيد، العمل و المستوى المعيشى العالي و ليس الدين. الدين في هذه المجتمعات اصبحت مسالة شخصية بين الفرد و خالقه.
التناقضات الاخرى في نظرية هنتنكتون هو اشارته بان العدو الاول هو الاسلام حين يؤشر الى بعض المناطق مثل ارمينيا، الشيشان و البوسنة التي تدور فيها حروب و المسببون حسب رايه هم المسلمون لا يمكن كتمانها حين نرى بان عدد القتلى في الحرب الاهلية العراقية الحالية بين السنة و الشيعة اكثر بكثير من عدد االعراقيين الذين قتلوا في الحرب العراقية الامريكية ،بينما في التسعينيات دخلت امريكا في حرب البلقان لمساعدة المسلمين البوسنة. وحتى داخل العالم الاسلامي نرى هذه التناقضات اذا اردنا تطبيق نظرية هنتنكتون فمثلا ايران الا سلامية تحاول الحصول على القدرة النووية ادراكا منها بانه في حالة حرب مع الغرب لا تلقي اية مساعدة ودعم من الدول العربية المسلمة و في نفس الوقت نرى بان ايران الا سلامية نفسها تدعم مو قف ارمينيا المسيحية ضد اذربيجان الا سلامية في حالة صراع ارميني اذربيجاني حول عائدية بعض المناطق. نقلة الى مكان اخر لنقض نظريته هو مانراه هذه الايام في الحرب الدائرة بين اوكرانيا المسيحية و روسيا المسيحية كل هذا ان دل على شئ فانما يدل على ان هذه الصراعات ليست صراع حضارات على اساس ديني بل صراع اقتصادي من اجل السيطرة على الموارد الطبيعية و الاسواق العالمية بين الدول و صراح من اجل حياة افضل بين طبقات اجتماعية غنية و فقيرة يتم في كثير من الاحيان و مع الاسف استغلال الدين فيه.
لكن هنتنكتون يبقى محقا في وجهة نظره بان الدين هو مصدر قوي للتشكيك بالاخر ومصدر الحقد و الكراهية و العنف فمثلا كثير من الاوروبيين يعتقدون بان تركيا هو ،، شئ اخر،، و لا يمكن ان يكون عضوا في النادي الاوروبي و تصاعد موجة الاسلاموفوبيا في اوروبا و الخوف من المسلمين كجسم غريب على المجتمعات الغربية. للمجتمعات الا سلامية في نفس الوقت يعترضون على هذه السلوكيات الغربية لا كن ليس في مقدورهم تقديم البدائل حيث يقبلون و يعترفون بالاديان الاخرى لكتن كاهل الذمة فقط و لا تزال بناء الكنائس ممنوعة في بعض الدول الاسلامية .
الحروب ستبقى و العنف ستزدادعند اطراف الاسواق العالمية و خاصة عند الذين لا يستفيدون من العولمة او لا يمكنهم المشاركة في اللعبة و الاستفادة الملموسة من ايجابيات السوق الحرة في عالم مع زيادة نوعية في عدد السكان و شحة في الموارد الطبيعية كالماء و الطاقة و الاراضي الصالحة للزراعة. هؤلاء سيكونون جزءا من الحروب القادمة حين تصل المجتمعات الى نقطة اللحظة الثورية التي تصل اليها المجتمعات و بقناعة تامة بان الظلم و الكبت والفقر قدوصل الى حد لا تطاق و ان هناك لا معنى للحياة تحت الظروف الحالية الغير القابة للتغير سلميا. مفاتيح الحل للمشاكل العالمية المعقدة و المتنوعة هو الديمقراطية ، توزيع الثروات الطبيعية بين الشعوب و العدالة الاجتماعية.
هنتنكتون لم يخدع و لم يبدع !
شمس الدين تالباني
16.02.2015

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت