الحلقة الضعيفة

رمسيس صادق
2015 / 2 / 6

الحلقة الضعيفة

في العقد الثالث من عمره، أشعث الشعر بصدر مفتوح و جلابية أفرنجي بياقة و أكمام تشبه أكمام القميص.
عندما وقع نظري عليه تسمرت قدماي بالأرض و صرخت بكل قوتي و لكن لم أجد لصوتي مخرجا ولم أسمعه. حاولت الجري فلم استطع تحريك قدميي. لم أعرف سبب الرعب الذي إنتابني فجاة. فلم اكن أحد هولاء الأطفال الذين يتربصون بصبحي و يصيحون خلفه و يقذفونه بالطوب. في كل مرة يحاصرونه بالصياح و الطوب كان يحاول الهرب أو يجري خلفهم و يخرج صوته كخليط من العويل و العواء. منظره يدل علي البؤس و الفقر و في كل خطوة يخطوها ينظر يمينا و شمالا و الي الخلف. نظراته مملوة بالخوف و الترقب كمن يتوقع أن يكون هناك من يتربص به و يخشاه. لم أصدق عيناي عندما مر أمامي بدون أن يمسني بسوء و إستطعت السير بعد أن غاب عني و أنا اتتبعه بصورته التي حفرت بذاكرتي مجسمة للخوف و البؤس و ألألم و الظلم.

يبدأ الهجوم من الاطفال عندما يصيح أحدهم "الااخرس آهو الاخرس آهو" و يتبعه الاخرون حتي هولاء المعروف عنهم الهدوء و الادب يشاركون في الهجوم كمن مسهم الشيطان. تتغير وجوههم من الوداعة الي الشراسة. هؤلاء الذين تبكيهم شكه الدبوس يتمتعون بآلام صبحي الأخرس. لم أكن أفهم الكراهية التي كنها الأولاد لصبحي و لاني كنت أري بعضهم يجرون خوفا عند رؤيته فقد فهمت أن هناك عداءا بينه وبين الأولاد بشكل عام فكنت أجري معهم.

حسن بجسمه النحيف و شعره الأشقر المختلط ببعض البياض يبدو هزيلا في جلبابه الازرق، هادئ الصباع خفيض الصوت. عندما يسير في شوارع القرية يتلفت حوله بحذر فقد كان يخشي الشباب و المراهقين. كان أخواه محمد و يعقوب حلاقان وهو يعيش مع يعقوب في بيته المجاور لمدرسة الفرينسيسكان الابتدائية . يختار إحدي البيوت و يقف أمام بابها أو يجلس علي عتبتها فيدعوه أحدهم لكوب من الشاي أو لمشاركتهم فيما يأكلون. كان دائما يجول في المنطقة التي يمثل المسيحيون فيها الاغلبية العظمي و عندما يقترب منه أحد كان يبادره بالقول "أنت قريبنا من محمد". انه يري صلة القربي في زبائن أخيه محمد الحلاق.

حكي لي أحد الأصحاب بانه و بعض الأولاد الاخرون تابعوا الأخرس بعد أن قبض أجرة عمله عند أحد المزارعين. وجدوه يخفي أجره في بيت مهجور بجوار بيت أمه و زوجها بائع الكيروسين. فقد أخرج قالبا من الطوب و سحب كيس قماش و فتحه و وضع فيه ما في جيبه من النقود ثم ربطه و أرجع القالب إلي مكانه بشكل دقيق. ضحك الأولاد في اليوم التاني عندما سمعوا عويل و نحيب الاخرس يملأ المكان بعد أن سرقوا تحويشة عمله و شقاه.
تذكرت انه كان يعمل عند جار لنا في الشارع. يستخدم الفأس ليملأ القوطة (مقطف صغير) بالتراب و بعض كسور الطوب اللبن الناتج عن هدم حائط ثم يحمل القوطة علي كتفه ثم يضعها، في المزبلة المصنوعة من ليف النخيل، علي ظهر الحمار. كان العمل مرهق و رأيته يجلس علي عتبة باب عبد السيد في الظهر لياكل ما اتيح له من خبز و جبن. كان وجوده في العمل عند بيت عبد السيد حماية له من الاطفال. في نهاية اليوم حصل علي اجره و مشي بخطوات بطيئة متلفتا حوله حتي وصل الي المكان الذ ي يخفي فيه نقوده القليلة. كانوا يدفعون له أجرا يقل عن بقية العمال برغم أنه كان يعمل أكثر من الجميع و كأنهم يعاقبونه علي عدم مقدرته علي السمع و الكلام.

كان فايز طويل القامة ويلبس جلبابا بلدي و طاقية صوف علي رأسه. ملابسه دايما نظيفة و يبدو لمن يراه لاول وهله كانه من عقلاء القرية. له عادة في طي كم جلبابه الواسع حول دراعه ثم فكه و تكرار العملية. والده من عائلة ميسورة الحال و لديهم منزل كبير و قادر ان يعتني بابنه فكان فايز يبدو نظيفا، حليق الذقن و حسن المظهر . ما بين الشعور بالخوف علي فايز و الخجل منه ، حبسه والده في البيت فكان يجلس لفترات طويلة في الشباك بالدور الثاني من المنزل و يلف البيت لينظر الي المارة من الشبابيك و يقول كلاما غير مفهوما. كنت أراه كثيرا في طريقي لبيت جدي فقد كانا متجاوران. في أحد الأيام صعدت جدتي الي اعلي السطح لكي تتفقد حالة البلح المنشور ليجف ففوجئت بان البعض مبللا و استبعدت أن يكون ندي الصباح له هذا التأثير فالشمس أشرقت من ساعتين علي الأقل. و عندما سمعت صوتا من أعلي قادما من اعلي منزل أبو فايز وجدت فايز يبتسم و يخبرها أنه رش البلح . كان المفاجأة عندما اخذت بلحة مبلولة و وضعتها قرب انفها لتشمها.

كانت أم صبحي سيدة جميلة و تحرص علي تصفيف شعرها و تترك خصلة منه علي كل جانب من وجهها تسمي مقاصيص. كانت بطيئه الحركة و زوجها الكهل يحضر الكيروسين في خزان كبير إسطواني الشكل مثبت علي ما يشبه عربه كارو يجرها حمار. في الخلف يوجد حنفية تستخدم لنزول الكيروسين في صفايح الزبائن و من اعلي توجود فتحة محكمة الغلق لملء هذا الخزان بالكيروسين عندما يشتريه من الكوبانية. كان لديهما ابنان اخران بتعليم متوسط يعملان في المدينة و يحظيان بالاحترام عندما يزورا البلدة في المواسم، أما صبحي لكونه أخرس فلم يحظ بالأحترام في هذا المجتمع الذي لا يحترم الا القوي.

في اليوم الذي مات فيه صبحي كنت في الثامنة عشر فكرت أن كان يجب ان أحزن لموته أو أفرح لانه قد إستراح من الظلم و المعاناة. في الطريق إلي العزاء رأيت وجوها ممن كانوا يتتلذذون باهانته في طريقهم لاداء وجب العزاء. تسآلت عما كان يدور بروؤسهم الي ان رأيت حسن واقفا علي رأس الشارع و حوله مجموعه من الشباب في العقد الثاني من عمرهم يحاوطونه و يضحكون بينما هو لا يستطيع الافلات منهم. يبدو أن حسن قد ابدي اعجابه بنزهة زوجة أخيه يعقوب يوما ما و قال كلاما يفضح إعجابه، فاصبحت عادة ان يحيط به بعض الشباب و يطلبون منه ان يغني اغنيه نزهة. فيقول" يا غزالي علي نزهة يا عيني علي نزهة يا غرامي علي نزهة" و هنا فقط يتركونه ليمضي.

لا أعرف من منهم كان الأفضل حالا: صبحي الكادح المهان دائما، أم فايز حبيس الدار، أو حسن المتجول التأئه في في مجتمع بائس بافراده الذي يبحث كل منهم، رغم احباطه و قهره و مذلته، عن شخص اضعف ليظهر فيه قدرته و جبروته فيقتص لنفسه في شخص زوجته او ابنته او ذي إعاقة أو رجل افقر أو أضعف منه. يمتد هذا الضعف من الصورة الفردية من رجل مقهور يفش غله في شخص أضعف الي مجتمع منقسم يتجمع فيه قسم قد يمثل اغلبية عددية و قسم آخريمثل أقلية دينية لا تستطيع أن تدافع عن نفسها.
Ramses Sadek

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول