نقض وعي الضرورة لدى ماركس

هيبت بافي حلبجة
2015 / 1 / 12

أني أعتبر الفلسفة الماركسية من بين أقوى وأغنى الفلسفات في التاريخ البشري ، لثلاثة أسباب جوهرية ، السبب الأول إنها فلسفة نقدية أحتوت معظم الفلسفات المثالية والتجريبية والوضعية والمادية الساذجة وتجاوزتها ، السبب الثاني إنها فلسفة ديالكتيكية طبيعية مادية تغذت من قوانينها الخاصة ومن قوانين الطبيعة في الفيزياء والكيمياء وقوانين التطور ، السبب الثالث إنها فلسفة تاريخية إنبنت جذورها من خلال
التشكيلات الإقتصادية التاريخية الخمسة .
ولكي يتسنى لنا أن ننتقد أهم مقولة ماركسية وهي وعي الضرورة لامندوحة من بيان جوهر العلاقة الفعلية مابين هذه المقولة ومابين التصور الفلسفي التاريخي لماركس ، ولا يظهر جوهر هذه العلاقة إلا إذا تحققنا من مدى أعتماد هذا التصور الفلسفي على هذه المقولة .
وحتى نتأكد من مرتكزاتنا التحليلية ، لابد من البدء بمفهوم التشكيلات الإقتصادية التاريخية الخمسة أولأ ، ثم نوضح شروط الدالتين الفارغة والممتلئة ثانيأ ، ثم نطرح محتوى إشكالية الوعي ثالثأ ، ثم لابد من رؤية الأس الفعلية لمحتوى الديالكتيك رابعأ .
أولأ : التشكيلات الإقتصادية التاريخية الخمسة وهي المرحلة المشاعية الأولى ، مرحلة الرق والعبودية ، المرحلة الإقطاعية ، المرحلة الرأسمالية ، المرحلة المشاعية النهائية . وهذه المرحلة الأخيرة هي التي تمثل بالنسبة لماركس الهدف والغاية ونهاية التطور التاريخي بل نهاية التاريخ نفسه حيث السعادة المطلقة والغبطة والحبور الدائمين ، حيث لا إغتراب ولا إستلاب ولا إمكانية لأي أستغلال أو استعباد ، لكن كيف نبلغ هذه المرحلة ؟ وقبل هذا السؤال لابد أن نسأل ماهو المشترك مابين هذه المرحلة والمرحلة المشاعية الأولى ؟ وقبل هذا السؤال لابد أن نسأل ماهي الأسباب (أو السبب الرئيس ) التي نتج عنها بالضرورة الإنتقال إلى المراحل الثلاثة الأخرى الوسطية ؟
في الإجابة عن السؤال الثالث يؤكد ماركس بصورة قطعية راديكالية إن الملكية الفردية الخاصة هي أساس الداء وعلة كل المآسي والبشاعة في التجربة البشرية ، وما نتج عنها من محتوى الصراع ومفهوم الإغتراب ، الظلم والجور، السيطرة والسلطة والحرمان ، الإستغلال والقمع ، مفهوم الطبقات والإستعباد ، مفهوم القانون والدولة . أي إن المرحلة المشاعية الأولى ، وعلى الرغم من قساوتها وخشونتها ، كانت مرحلة أنسجام الذات البشرية مع كينونتها ، مرحلة الوفاق الأكيد مابين كل البشر ، وأنتهت هذه المرحلة بظهور الملكية الخاصة لتبدأ المراحل الثلاثة الوسطية .
وفي الإجابة عن السؤال الثاني لابد من إلغاء تلك الأسباب التي نتج عنها ، أصلأ ، الإنتقال إلى المراحل الأخرى ، وهذه الأسباب أختزلت – حسب ماركس – في سبب واحد وهو الملكية الخاصة ، فلامناص من إلغاء هذا النوع من الملكية ، لتنطفىء ، على أثرها ، حالة الإغتراب وسيطرة الدولة ومحتوى القانون ومضمون الطبقات ومحتوى الصراع الطبقي ، ومانتجت عنها من شرور وآثام ، من أستعباد وأستغلال ، أي هنا تتكامل دورة الكمال التاريخي بعودة البشرية إلى المرحلة المشاعية الأولى ( الأخيرة ) .
وفي الإجابة عن السؤال الأول نحن إزاء أشكاليتين كبيرتين ، الأولى إن الآلة العلمية وعلاقات الإنتاج هي واحدة في المرحلة الرأسمالية والمرحلة المشاعية الإخيرة ، أي يستحيل الإنتقال هنا على ضوء القاعدة الإقتصادية وماتفرزه من تطور في البنية التحتية ، والثانية لابد من وعي الضرورة لإنه لا يكفي ، هنا ، مجرد الإنتقال من الملكية الخاصة إلى الملكية الجماعية ، بل لابد – حسب ماركس نفسه – من حالة الملكية المشاعية ، أي حالة اللاملكية ، وهذه الحالة تفرض علينا نوعأ من المصادرة على المطلوب فمن ناحية لدينا الحالة المشاعية ، ومن ناحية ثانية لدينا الدولة والقوانين والطبقات والإستغلال ، فلكي تنطفىء هذه الناحية الثانية لابد من وعي الضرورة كي تتحقق الناحية الأولى .
ثانيأ : الدالتان الفارغة والممتلئة اللتان تتمتعان ، في هذا المقام ، بالخصائص التالية :
الخاصية الأولى : هما تعبران عن نسبة مئوية واحدة ، أي كلما أزدادت أحداهما في النسبة نقصت الثانية بنفس الدرجة لإننا إزاء محتوى بنيوي في الأصول وليس في الفروع ، أي إن كلتاهما تمثلان وتجسدان معأ وجهين متكاملين ل ( جملة ظروف وعلل موضوعية وأسباب فعلية ) في ظاهرة مشتركة أو بصدد قضية أو تصور عام .
الخاصية الثانية : إن الدالة الفارغة كما الدالة الممتلئة هي التي تحدد شروطها الخاصة كما هي دون أي مواربة أو إيهام ، بمعنى إنها تتبع القاعدة البيوفيزيائية ( قانون الكل أو لا شيء ) .
الخاصية الثالثة : إن الإنتقال الجزئي – وربما تعبير التحول الجزئي أدق - من مجال إحداهما إلى مجال الثانية أمر طبيعي شريطة القبول المشترك ، أو التوافق الفعلي ، كإنتقال الإلكترون من مدار إلى آخر ليخلق حالة من التوهج ( نيلز بور ) .
الخاصية الرابعة : إن الدالة الفارغة كما الدالة الممتلئة تستطيع أن تقبل بشروط خارجية – بشرط خارجي أو بتحول قادم من الخارج – لكنها لا تقبل ، كما الآخرى ، بأي شرط ينهي بنيويتها أو يقوض طبيعتها لإنها ، حينئذ كما الدالة الممتلئة ، تفقد مفهوم ومحتوى الدالة ، اي إنها في هذه الحالة دالة مزيفة . وإذا كانت الدالتان هما هكذا فهل كلتاهما تقبلان بمفهوم – وعي الضرورة - ؟
ثالثأ : إشكالية الوعي نحن هنا لانتحدث عن الوعي الفردي ، ولا عن الوعي الجماعي ، ولا عن الوعي النفسي ، إنما نتحدث عن الوعي التاريخي ، ذلك الوعي الذي يستقطب نفسه ويتمحور حول ذاته ، ويتآلف مع مفهوم هو ضرورة الوعي .
وثمت مفارقة جوهرية مابين وعي الضرورة وضرورة الوعي ، فهذه الأخيرة تقترب من مستوى الظاهرة وتنتمي إلى التاريخ بصورة بنيوية ، فلكل تاريخ ولكل مرحلة بل لكل فترة منه مجال من الوعي يلازمه ويراكبه ويتدفق منه كما تمتح الزهرة بأريجها ، في حين إن وعي الضرورة يقترب من مستوى الحدث ولاينتمي إلى التاريخ من الداخل ، بل هو أمر خارجي يفرض نفسه على الداخل ليحول فيه البنية وليغير فيه الطبيعة من خلال العقل أي الذهن وبطريقة لاعقلانية من حيث السلوك أي بطريقة تجريدية فيها من القسرية مافيها وإن بدت لنا ولماركس معقولة ومنطقية بل حتى ضرورية ضرورة وعي الضرورة ، وهذا ما يرفضه ماركس رفضأ لارجعة فيه لإن هذا الأمر يقوض التصور الفلسفي لديه .
رابعأ : محتوى الديالكتيك : دعونا هنا نأخذ الديالكتيك كمنهج ، وهو في الفعل منهج حقيقي وليس سوى منهج تختص به الطبيعة كما تختص الكيمياء بقواعدها وكما تختص الفيزياء بذاتيتها ، أي بنفس الصورة التي يتفاعل بها الحديد مع المعادن حسب رقم تكافؤه ( 2 و3 ) أو حالة التأكسد ( حسب المصطلحات الحديثة ) وكذلك الكبريت حسب رقم تكافؤه ( 2 و 4 ) ، وكذلك بنفس الطريقة التي يتصرف بها الإلكترون في المجال الفيزيائي ( مبدأ اللاتأكد لهايزنبرغ ، وقطة شرودينجر ) .
ونود أن نؤكد إن الطبيعة ، في ممارستها لذاتها ، تنتهج الأسلوب الذي يناسب الوضع ، الأمر ، الحالة ، فهي تطبق القواعد البسيطة أو المنطق الشكلي أي منطق وقواعد ماقبل الديالكتيك وأدنى في الدرجة منه ، لذلك يمكننا أن نسميها ، هنا ، بالطبيعة مرفوعة لقوة واحد ، وعندما تطبق الطبيعة منهجية الديالكتيك نسمي ذلك بالطبيعة مرفوعة لقوة أثنين ، ومابعد الديالكتيك ( الكون الفيزيائي مثلأ ) نسميه بالطبيعة مرفوعة لقوة أو لدرجة ثلاثة ، دون أن نتغافل عن أمرين ، الأول إن كلمة الطبيعة في الحالة الثالثة هي مجازية وللتوضيح ، الثاني إن الطبيعة ( أو الكون الفيزيائي ) لا تفصل مابين هذه الحالات الثلاثة بل تطبقها على دفعة واحدة أو حسب الحالة .
وهكذا فإن الطبيعة التي تمارس منهج الديالكتيك الذي يؤمن به ماركس ، لاتقر البته بشيء يمكن أن نسميه بوعي الضرورة ، وهي لاتعي ذلك ، لإنها ملتزمة ببنيتها الخاصة ، فمن خلال التسونامي قتلت الآلاف وهي تمارس قواعدها الجيولوجية .
وإذا كانت الطبيعة لاتعي وعي الضرورة فإن الإنسان يعي ذلك أو يستطيع أن يدركه ، وأن يمارسه من خلال الرغبة والإرادة والإعتقاد ، وهكذا سنكون أمام مهزلة حقيقية من الجدل السخيف ومن الإفتراضات العقيمة التي ، أصلأ ، يتفاداها ماركس وينتقدها بإنتقادات لاذعة .
وهنا مكمن الإشكالية الكبرى في ذهن ماركس فهو يمارس ذاته من خلال مفهومين يتمتعان بموضوعية في غاية الوضوح والإدراك ، هما ( الطبيعة التي سبقت الروح والوعي ) و ( الصراع الطبقي والتناقض الرئيس ) ثم في النهاية يستغيث بالوعي ، النقيض الحقيقي لتلك المقولات ، ليضفي عليها من ذاتيته كي تتمتع ، هي ، بمصداقيتها التاريخية ( الموضوعية )!!.
الصراع الطبقي : للصراع الطبقي أربعة أوجه محددة في أبعادها :
الوجه الأول : إن الصراع ليس في التاريخ أو على التاريخ إنه صراع التاريخ مع نفسه ، لإنه مرتبط بمحتوى الظاهرة التي تجسد في أحشائها معادلة التناقض ( الإثبات -الإطروحة ، النفي - الطباق ، نفي النفي – التركيب ) ، تلك الظاهرة التي تختزل ذاتها في أجتماع نقيضين ، النقيض يحتفظ بالنقيض ، النقيض كي يستمر في وجوده ( يخلق ) نقيضه بل يقتضي نقيضه ( سنعود إلى هذه الفكرة في حلقة خاصة ، لإننا نرى إشكالية كبيرة حول مفهوم نفي النفي ، كما إن هناك من يسيء فهم – الإثبات والنفي – ويؤكد مثلأ إن الديتيريوم والتريتيريوم يؤديان إلى الهيليوم ، هذا صحيح من حيث المبدأ ، لكن التريتيريوم ليس نقيضأ لديتيريوم ، فكلاهما إثبات ) .
الوجه الثاني : إن الصراع الطبقي وإن كان تناحريأ وتناقضيأ إلا إنه ليس قتالأ أو مقاتلة إنما هو تحول له بعدان أثنان :
البعد الأول : هو البعد الديالكتيكي ، إذ يستحيل حدوث التحول خارج مبادىء الديلكتيك ، أي خارج اجتماع النقيضين ، وبما أنه يستحيل حدوث التحول – حسب ماركس - في المرحلة المشاعية الأولى – قبل وجود الملكية الفردية الخاصة – وكذلك في الجزء الثاني من المرحلة الخامسة ، فلا وجود للديالكتيك في هاتين المرحلتين .
البعد الثاني : هو البعد الإقتصادي ، إذ يستحيل حدوث التحول إلا ضمن خاصية الموضوعية في العلاقة مابين الآلة العلمية وعلاقات الإنتاج ، ومادامت هذه الأخيرة دام التحول الأول على شكله ، ولكي نحصل على ( التحول ) لابد من تحطيم علاقات الإنتاج تلك ، ولايمكن تحطيمها إلا من خلال آلة علمية جديدة ، وسائل إنتاج جديدة ، وهكذا نكون أمام تلك الإشكاليتين في الإجابة عن السؤال الأول ، وهكذا نكون إزاء إشكالية جديدة قاتلة التي نختزلها في السؤال التالي : ياترى هل أختراع الآلة العلمية ضرورة حتمية ؟ لو أجبنا بنعم لولجنا على أثرها في متاهات لا أول لها ولا آخر ، ولرفضها ماركس بنفسه ، كما إننا نرفض هذه الفرضية ، ولو أجبنا بلا ، لتقوضت دورة الكمال التاريخي لديه .
الوجه الثالث : إن الصراع الطبقي هو الذي يمنح التاريخ البشري معناه ، وقوة نفوذه ومحتوى نفاذه ، وإلا كان التاريخ البشري حدث في معاناة ، فيه من العبث الكثير ومن المجازفة حدودأ حتى تبلغ مستوى ( خارج الإدراك والوعي ) ، أي إذا ألغينا مضمون التناقض ومحتوى الصراع الطبقي لغدونا ، نحن والتاريخ البشري ، عرضة لقوانين خارج الموضوعي ، لحالة رغبوية إرادوية بشعة مقيتة .
وفي هذا الحالة تحديدأ ( أي حالة ألغاء التناقض والصراع ، أي فريضة تعاكس تصور ماركس) كان من الممكن بل من المفروض ، أن ننادي بمقولة ( وعي الضرورة ) لثلاثة أسباب جوهرية ، السبب الأول كان لامحيص من أن يحدث نوع من الإئتلاف والتآلف والوفاق والمصالحة في حدوثية التاريخ في سبيل أنتصار الموضوعية على الشخصانية لو بصورة جزئية . السبب الثاني كان لا مناص من أن نربط واقعيأ وليس جدليأ مابين المبادىء الإنسانية الخالدة ومابين محتوى ( غايات نبيلة معينة ) . السبب الثالث كان لابد أن نتحكم لمضمون نظرية الأخلاق ونعيد صياغتها لدى سقراط مثلأ . ولكن عند هذه الفرضية تنتهي الماركسية وماركس ومبدأ التناقض والصراع الطبقي !! .
الوجه الرابع : إن الصراع الطبقي ليس حالة أو وضع إنما هو صيرورة ، بمعنى إنه ليس إنتصارأ لجهة على جهة معينة ، لا على الصعيد المجتمعي ولا على الصعيد الفئوي ، إنه أنتصار التاريخ على ذاته بغية أن يعيد أنتاج نفسه من جديد ، وعندما يعيد التاريخ أنتاج نفسه فإنه لايقبل بفكرة وعي الضرورة ، لإن هذه المقولة الأخيرة تعني تمامأ ، من ناحية أولى ، البحث عن غاية معينة ومحددة مسبقأ ومقصودة لذاتها وهذا ما يخالف طبيعة محتوى الصيرورة ويخالف حتى مجمل القوانين الموضوعية ، وتعني ، من ناحية ثانية ، إن التاريخ لايملك مقومات ذاتيته الموضوعية لإنه يقبل بشرط خارجي يتحكم في تطوره من خلال قتل صيرورته ، وتعني ، من ناحية ثالثة وهي ناحية قاتلة ، إن التاريخ كما ماركس ، يرضى بتأصيل مفهوم التاريخ على أساسين متناقضين . وإلى اللقاء في الحلقة الستين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول