في محددات الكون الفيزيائي

هيبت بافي حلبجة
2014 / 12 / 30


أدرك إن الحديث عن مفهوم الكون الفيزيائي ، وبالتالي إحتواء صيرورته ومعناه وظاهراته ومراحله وحيثياته ، أمر فاحش الصعوبة ولانستطيع أن نتقبله إلا تحت شروط هي مستحيلة في قرارها وفي أبعادها المدية والحيوية ، وإلا إذا نسينا أنسنتنا الخاصة تمامأ وأقتربنا من المستحيل في ترتيب الكميات والكيفيات فيما حولنا وفي الطبيعة وفي الكون ، إلا إذا أقتنعنا كمال الإقتناع بالتالي :
أولأ : إن التجربة البشرية في التاريخ الطبيعي ناقصة لايمكن لها أن تفسر ذاتها بذاتها ، ولايمكن أن تستقطب محتوى ( الحياة ) بالمفهوم الكوني له ، ولايمكن أن تكون مدار العلة أو المنهج أو الغاية والهدف – دون أن نحدد العلل أو الغائية ، لإننا لو حددناها لأرتكبنا أبشع تناقض في منهجنا - لذلك نشاهد إن الفلسفات والمعتقدات ( وأنتقدنا معظمها حتى الآن ) هي فلسفات ومعتقدات وأعتقادات بديلة غير أصلية ، تسعى إلى نسخ الأشياء والأمور والقضايا والمسائل ، وتسعى بدون وعي نوعي إلى محاكاة العلاقة مابين الطبيعة والإنسان .
ثانيأ : إن المسألة البشرية ، في عقر صميمها ، هي نسبية بالمطلق من كافة النواحي وعلى جميع الأصعدة دون أي أستثناء ، وكان من الممكن ( الأكيد ) أن تكون على شاكلة أخرى متباينة ومتعارضة ومتناقضة مع تلك التي نشاهدها ، فكان من الممكن ألا يوجد سيدنا موسى – عليه السلام – مثلأ وبالتالي ماكان ثمت شيء أسمه اليهودية ، وحتى الثقافة البشرية كانت من الممكن أن تبدو على غرار مختلف جذريأ عن الحالي ( عدم وجود أفلاطون وأرسطو وهيجل وكانط وأسبينوزا وغيرهم ) وحتى الأثنيات كانت من الممكن أن تكون غير موجودة ، الروس مثلأ ، بل حتى الشكل الإنساني الحالي كان من الممكن أن يكون على هيئة متباينة كليأ مع الحالية ، وقس على ذلك ، لكن هذا لايعني البتة ، وعلى الأطلاق ، أنتفاء الموضوعية في التاريخ البشري ، او أن نلغي الجانب الموضوعي في أطروحات غوستاف لو بون حول مفهوم الحشد أو ننفي دور الجنس لدى فرويد في تحديد ملامح الشخصية واشكالياتها أو دور الغذاء لدى فيورباخ في أنتروبولوجيته ، ولاينبغي أن نقع فريسة الأستنتاج (إن التاريخ البشري عبثي ) أو إن هناك شيء من الإعتباطية ، أو شيء من الفوضى .
ثالثأ : لاينبغي أن نضيف شروطنا القسرية على المكون ( الوعي ) إنما ينبغي أن نأخذه ضمن شروطه الخاصة ، أي تحديدأ ، إن الوعي يؤتلف إئتلافأ من ناحية أولى ، وإنه مستقل وخاص من ناحية ثانية ، أي دون أن نقع ضحية تلك الإشكالية السخيفة أيهما سبق الآخر الدجاجة أم البيضة ، أو أشكالية مفهوم الدوركما أعتقد الإمام الغزالي ومحمد سعيد رمضان البوطي ، أو كيف تكونت العين البشرية هكذا دفعة واحدة ، أو أشكاليات زينون وغيره ، مسألة السلحفاة والأرنب ، مسألة السهم ، أو البرهان الأنطولوجي للقديس أنسلم ، أو كيف للمادة أن تخلق الوعي ، أو بالعكس .
رابعأ : ينبغي أن نؤمن بتلك القاعدة الجوهرية في منهجية تفكيرنا والتي أختزلها في التالي ( الممكن يخلق الممكن ) أي هذا الذي تشاهده هنا أو تتحق من آثاره هناك هو الممكن الذي خلقه الممكن الأول ، دون أن نكون ضحية للحتمية أو القسرية أو وعي الضرورة ( كما تورط ماركس ) أو للغائية ( المعتقدات الدينية ) أو قوانين الإحتمالات كمفهوم رياضي حصري .
إن هذه القضايا الحيوية في موضوعنا هذا ، والتي أعتبرها من المقدمات الأولية ، تصطدم بعمق بجملة مقدمات أخرى لها طبيعة مختلفة ، وهي في الحقيقة صعوبات تلجم أدراكنا في الذهاب أبعد من الوضع المألوف وتكبح وعينا في فهم الميكانيك الكمومي مثلأ وأختزلها في الآتي :
المقدمة الأولى : إن نشوء الإنسان من الطبيعة يخلق لديه حالة متميزة جدأ على صعيد الإنتماء ، فهو يشعر بكل أحاسيسه إنه خالد رغم معرفته الأكيدة إنه مائت ، وهذه القوة الرهيبة للإنتماء والإحساس الفريد بالخلود تنفيان عنه ملامح الإغتراب ( نحن هنا لا نتحدث عن الإغتراب والإستلاب كما هو لدى هيجل أي أغتراب الفكرة المطلقة أو الروح المطلقة ، أو كما هو لدى ماركس في التشكيلات الإقتصادية الثلاثة الوسطى والمرحلة الأولى من التشكيلة الخامسة ) .
إن هذا النشوء يجعل أبن السيدة الطبيعة ( الأم ) الذي يأخذ ذكوريته من أنوثتها ( والعكس بالعكس ) يغدو الوريث الشرعي لكل ( الظاهرات ) ، سواء في الفلك أم في الفيزياء النووية أم في الميكانيك الكمومي ، وسيما إن هذا النشوء مرتبط بمسألة الوعي ومبدأ الإحساس ( ذلك المبدأ الثاني الذي يهمنا هنا والذي لايتعلق بالكائنات الحية فقط إنما يتعدى ذلك إلى مكونات الذرة من ألكترون وبروتون ونترون وكذلك الفوتون ) ومفهوم اليقظة ومحتوى الأحلام التبؤية وولوج الإنسان في المستقبل وكسره لعضوية الزمن والمكان وعلاقتهما النسبية بمرحلة معينة من عمر الكون الفيزيائي . وهذا الشعور الديمومي هو الذي يمنع رؤية ماوراء الإنسان من ناحية أولى ، ويشل حركة التسلسل الطبيعي ( من ... إلى ...) من ناحية ثانية ، ويصادر موضوع الماضي وحركة المستقبل من ناحية ثالثة .
المقدمة أو الصعوبة الثانية : إننا ، وكما قلنا في حلقة سابقة ، مكانيون بأمتياز ، نذهب من مكاني إلى مكاني ومن بعد مكاني إلى آخر ، وحتى المعادلات مكانية ، فالمسافة تساوي السرعة ضرب الزمن ، وكذلك حجم المخروط يساوي مساحة القاعدة مضروبة بالإرتفاع ومقسومة على العدد ثلاثة ، وتوصلنا إلى ذلك من خلال المقاربة والمقارنة مابين المخروط والإسطوانة ، حيث تأكدنا إنه إذا إشترك المخروط والإسطوانة بنفس مساحة القاعدة وبنفس الإرتفاع ، فإن حجم المخروط يساوي حجم الإسطوانة مقسومأ على العدد ثلاثة ، ونحن نعلم إن حجم الإسطوانة يساوي مساحة القاعدة مضروبة بالإرتفاع ، وهكذا نحصل على القاعدة الأصلية في حساب حجم المخروط .
المقدمة الثالثة ( الصعوبة القاتلة ) : نحن نأخذ مقابساتنا ومقاساتنا من الأجسام الكبيرة ونحدد أبعاد منطقنا ومرتكزات تحليلنا وقواعد معادلاتنا تبعأ لسلوكها ونععم تلك الشروط ونفرض تلك الأركان على الطبيعة كلها وعلى الكون الفيزيائي ، ونتغافل عن أهم قاعدة في ميكانيك الكمومي وهي إن سلوك الجسيمات الصغيرة تختلف كليا عن سلوك الأجسام الكبيرة ، بل إن سلوك الجسيمات الصغيرة هي الأصل والقاعدة ( مبدأ اللاتأكيد لدى هايزنبرج ، وقطة شرودينجر ) وإن سلوك الأجسام الكبيرة هو الأستثناء ولايمكن أن يصدق إلا في حدود معينة وبشروط مقيدة .
والآن ، إذا ما أدركنا بعمق مدلولات تلك القناعات الأولية وفحوى هذه المقدمات ، فإننا يمكن أن نتقبل بعض من محددات الكون الفيزيائي ، تلك المحددات التي أجملها في التالي :
المحدد الأول : لقد ذكرنا قبل قليل إننا نؤمن بمبدأ ( الممكن يولد الممكن ) وهذه الولادة لايمكن إلا أن تكون تحولأ جذريأ وقطعيأ في بنية الممكن الأول ، أي إنه تحول ثلاثي ، تحول في ذاته ، تحول لذاته ، تحول لآخر ، وهذا التحول الثلاثي هو تحول واحد مشترك لايجوز أن نمايز فيما بينها .
وهنا تحديدأ ، نفارق مابين مفهوم التحول من جهة ، ومابين محتوى التطور من جهة ثانية ، ومابين مضمون الإرتقاء من جهة ثالثة ، ونؤكد إن الثالث مستغرق – بفتح الراء – في الثاني ، كما إن الثالث والثاني مستغرقان في الأول ، لإن الثالث يتعلق بمسألة التدرج في نفس النوع ( التدرج في الجنس البشري مثلأ) في حين إن الثاني يتعلق بولادة النوع ( ولادة الجنس البشري في حضن الطبيعة ) في حين إن الأول يتعلق بشروط الممكن الذي يولد الممكن ( ولادة الطبيعة من المرحلة التي سبقتها ) .
المحدد الثاني : لقد ذكرنا قبل قليل إننا نؤمن بمبدأ ( مبدأ الإحساس ) وأكدنا على عدم وجود ( أي شيء ) يمكن أن يكون خارج هذا المبدأ ، فهو مبدأ يخص كل شيء ، وهو موجود في الإنسان والحيوان والنباتات والطيور والأحجار والكواكب والفضاء وأعماق الأرض والآفاق والذرات والخلايا .
ويمتاز هذا المبدأ بثلاثة خصائص جوهرية :
الخاصية الأولى : إنه ليس وحيد الإتجاه على الإطلاق ، إنما هو في حركة دائرية ومن كل الجهات ولايستقر ولايستتب ، وقد يتحرك حتى في الإتجاه المعاكس – أي يرتد - وحتى في الإتجاهات ( الضالة ، المنحرفة ) وحتى في بعض الإتجاهات العقيمة والعاقرة .
الخاصية الثانية : إنه لايسلك دائمأ نفس السلوك ، وتعددية سلوكه هذا ليست مرهونة فقط في بعدها الفعلي بثلاثية ( التحول ، التطور ، الإرتقاء ) إنما هي مرهونة بحالة الأشياء أو العناصر أو ماهو موجود أو ماهو ممكن أو بتلك العلاقات اللامنتهية والمتبادلة مابين كل تلك – الأشياء - من ناحية أولى ، وبجزئية الفوضى التي لابد منها في أي ( فيزيائية الكون الفيزيائي ) من ناحية ثانية ، وبجزئية التبعثر التي لابد منها هي الأخرى من ناحية ثالثة .
الخاصية الثالثة : كلما كان الجسيم صغيرأ ، كلما إزدادت فاعلية مبدأ الإحساس ، وكلما إزدادت الفاعلية إزداد التوتر والإهتزاز ، وكلما إزداد التوتر والإهتزاز أقتربنا أكثر من مفهوم ( الكون الفيزيائي ) ، وإذا ماكان التوتر والإهتزاز في أشدهما ولجنا تمامأ وبعمق في فيزيائية الكون الفيزيائي .
وعلى أثرها – أي على أثر هذه الخاصية الثالثة - نكون إزاء ثلاثة أمور جوهرية :
الأمر الأول : تنتهي قواعد ومعادلات الأجسام الكبيرة هكذا دفعة واحدة وكأننا أمام عالم غريب الأطوار ، بل وكأننا إزاء كون جديد . ولاغرابة في ذلك لإن تلك الأجسام الكبيرة هي كذلك ، هي هكذا ، بالنسبة لمقاسات الإنسان ، أو بتعبير أدق نحن نراها على تلك الصورة لإننا محرومين من مقاسات أخرى ، في حين إن العلاقة مابين الكون الفيزيائي ومابين تلك الجسيمات الصغيرة ( الألكترون ، البروتون ، النترون ، الفوتون ) في توترها وأهتزازها هي العلاقة الأصلية .
الأمرالثاني : في الجانب الذي يخصنا ينتهي الإنسان ومجال منطقه ومدى رؤيته البصرية وحيوية سمعه وعقلنته ( للمفاهيم ) . وأنتهاء الإنسان بتلك المعينات ليس قسريأ أو أعتباطيأ ، إنما ينتهي مجاله الذي كان من الممكن أن يتحرك فيه بقوة .
الأمر الثالث : تنتفي أي أمكانية في الإدعاء بثبات ( أي شيء ) في الوجود العام ، وهكذا ندرك مدى المغالطة التي وقع فيها أينشتاين حينما أكد على ثبات سرعة الضوء . وقد يبدو لنا ثبات سرعة الضوء أكيدأ في أكثر من تجربة لكن الكون الفيزيائي يرفض ذلك من حيث المبدأ ، وقد يرفضه بصورة ضعيفة في هذه المرحلة – مرحلة الطبيعة الإنسانية أي المرحلة الحالية – لكنه يرفضه بالقطعي وبالجذري في المراحل السابقة ، أي في مراحل ماقبل مرحلة الطبيعة الإنسانية ، كما سيرفضه بنفس الشدة والقطيعة في المراحل التي ستأتي ، أي في مراحل مابعد مرحلة الطبيعة الإنسانية .
ومن هنا تحديدأ أكدنا إننا لسنا إزاء حالة فيزيائية ، إنما نحن أمام فيزيائية في حالة ، لإن الأولى تدنو من محتوى قوانين وضوابط الأجسام الكبيرة ، في حين إن الثانية تقترب من ( الفيزيائية ) في الجسيمات الصغيرة جدأ .
المحدد الثالث : لقد ذكرنا في البداية إن التجربة البشرية في التاريخ الطبيعي ناقصة ، وهي في الحقيقة كذلك ، لكنها ليست ناقصة بمفردها فالطبيعة ، هي الآخرى ، تشكو من هذا النقص ، لكن هذا النقص لا يعود إلى طبيعة الطبيعة ذاتها ، إنما لإنها جزء أو مرحلة من مراحل تمظهر الكون الفيزيائي ، وهنا أود أن اذكر إن هذا النقص في الطبيعة لاعلاقة له ، لا من قريب أو من بعيد ، بالتصور الفلسفي المثالي الذي يؤمن إن الوعي سابق للمادة ، فموضوعنا هنا يختلف جذريأ عن تلك الإطروحة .
وإذا كنا نشكل ، نحن البشر ، جزءأ بسيطأ من عمر مرحلة الطبيعة ، وإذا كانت هذه الأخيرة تشكل بدورها مرحلة من مراحل الكون الفيزيائي ، فلامندوحة أن نكترث بأمرين :
الأمر الأول : إن المراحل الأخرى ، أي السابقة واللاحقة ، سوف تتمتع بالضرورة بخصائص متميزة عن تلك التي هي موجودة لدينا في هذه المرحلة .
الأمر الثاني : ينبغي أن نعي إن الكون الفيزيائي ليس فيزيائيأ بحتأ ، وهذا أمر في غاية الأهمية ، لإن ثمت جسيمات أخرى قد تلعب دورأ خطيرأ وقد تكون قد لعبت ، وهي الكائنات الدقيقة . وإلى اللقاء في الحلقة السابعة والخمسين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول