أبونا لبيبة

رمسيس صادق
2014 / 11 / 28

يذهب خليل إلي مصطبة غطاس، أحد أماكن تجمع العمال الزراعيين. ينتظر أن يطلب منه أحد المزارعين أن يساعده في الري بالطنبورة أو العزق، أو أي شي آخر مما تتطلبه فلاحة الارض. وجهه بشوش، لامع العينين، و ضحكته تريح من ينظر إليه باسنانه البيضاء التي يعجب أهل المدينة من منظرها الصحي برغم عدم إستخدامه للفرشة أو معجون الاسنان. إبنه الذي جاء بعد بناته الثلاث أضاف سعادة إلي قلبه الطيب، و أعطاه الأمل في أن يكون أبو الباشمهندس أو الدكتور. يعمل بالأجرة من قبل طلوع الشمس حتي بعد الظهر، ثم يعود للراحة. يبدأ رحلة العمل الثانية في العصاري بنصف أجر الصبحية. يستخدم الجلابية ماركة ابو العينين المقلمة في العمل في الحقل والجلباب الأزرق البوبلين في أوقات الراحة و المشاوير حول البلد، أما الجلباب الصوف الازرق الغامق فكان يحتفظ به للذهاب إلي الكنيسه يوم الأحد.
خليل ينتمي للطائفة الخمسينية و الكنيسة التي يذهب إليها تسمي بالجمعية الخمسينية يرأسها الأخ نادي أو كما يناديه البعض "الشيخ نادي": رجل هادئ، أبيض الشعر، أزرق العينين، محبوبا لبساطته و طيبة قلبه. الجمعية الخمسينية عبارة عن مبني صغير من غرفة واحدة كبيرة و بها حاجز يفصل الرجال عن النساء ويحجب رؤيتهن. بها بعض الحصر والدكك للجلوس، ومنبر صغير يقف خلفه الواعظ أو قائد الترانيم. كل يوم جمعة يتقابل الأخ نادي مع خليل ويعطيه مفاتيح الجمعية لينظفها يوم السبت ويعدها لصلاة الاحد كالعادة. خليل يحب أن يؤدي هذا العمل، فخدمة بيت الرب واجبة و بركة، وهي بديل جيد للمال الذي لا يملك أن يتبرع به للكنيسة بالإضافة إلي أن الحصول علي عمل يومي ليس بالشي المضمون.
لبيبة زوجة خليل تجيد القراءة و الكتابة و تحفظ الكثير من آيات الكتاب المقدس وعلي مستوي عال من الثقافة الدينية و الاجتماعية. جرس الكنيسة الارثوذوكسية التي تنتمي إليها يدق في الساعه الثالثة كل يوم ثلاثاء لدعوة النساء إلي إجتماع السيدات الذي تترأسه لبيبة و تعظ فيه للنساء. تراها دائما وكأنها خارجة لتوّها من الحمام. شعرها مصفف بعناية و ترتدي ملابس نظيفة أنيقة. ملابسها الريفية كانت تنم عن ذوقها الرفيع وفيها عناية بإختيار الالوان. إلا أنها تفضل ذلك الرداءالأسود بنقط بيضاء ومعه الطرحة السوداء علي رأسها تضفي عليها وقارا. سيدة جميلة و شخصيتها جذابة ولا يسع المرء إلا أن يستريح لحديثها ويرحب بها لتدعو نساء البيت الي اجتماع السيدات الأسبوعي.
في زيارتها للمنازل تحيي كل من في البيت و تسأل عن أحوالهم و أخبار المدارس، منادية كل فرد باسمه، و كأن الكل أقرباء أو أصدقاء حميمون. بعد أن تتحدث لسيدة البيت عن الأحوال والزرع و الأولاد، تتحول بسلاسة لتكلمها عن الرب و عن الاجتماع، و أنه يسعدها أن تراها هي و بناتها في الاجتماع.
في تلك الجمعة، أتي أحد المزارعين واتفق مع خليل ليروي أرضه مع صادق أبو محمد، وأعطاه عربون الأجر. سعد خليل بامكانية أن يرُم عظمه بقطعة لحم يوم الأحد بعد إنتهاء مقاولة الري هذه. من مدة، لم يهنأ بالجلوس مع أولاده علي الطبلية لتناول الظفر. في ذلك اليوم أتي الاخ نادي إلي منزل خليل و أعطاه مفاتيح الكنيسة ليقوم بالعمل الذي ينتظره منه كل أسبوع. برغم سماحة و بشاشه وجه خليل الدائمة، إلا أنه انتفض هذه المرة، ونظر إلي المفاتيح في يده، وأتي بحركة من رأسه، وصوت به طرقعة باللسان يصعب كتابته، ونظر إلي الأخ نادي مادا يده إليه بالمفاتيح، قائلا بغضب غير معهود منه : "أخ نادي، خد مفاتيحك. دا كده أنا حاطلع من ديني. أنا ها أسلم مِالصبح".
في اليوم التالي كان صادق أبو محمد و خليل يحملان علي أكتافهما الطنبورة. صادق يسير في المقدمة حاملا مقدمة الطنبورة علي كتفه مثبتا فيها يدها الحديدية، وفي إحدى يديه الحمالة الخشبية، وخليل يحمل مؤخرة الطنبورة علي كتفه و في يده اليمني يحمل الإغراز الذي يثبتونه في منتصف الترعة و تعلق عليه الطنبورة بواسطة إحدي خرومه. خليل جاد جدا، بينما صادق يجيد النكات والضحك، ومعروف عنه أنه يضع طبلية الأكل أمام منزله للعشاء أثناء عودة الفلاحين من الحقول وهم يجرون ورائهم أبقارهم أو حاملين فؤؤسهم. يستمتع بسماع كلمة "مسا الخير"، فيرد بقوة: "يسعد مساك"، اتفضل. وذات يوم، بدلا من أن يسمع الرد المعتاد: شكرا، بالهنا و الشفا، قال أحد المارين:"حقالله"، وجلس مع الجالسين حول الطبلية . نقل صادق عينيه بين أولاده الثلاثة وزوجته والضيف، ثم قال له: "ها تاخد رغيف مين فينا؟". تلعثم الرجل وهم بالوقوف، إلا أن صادق إستوقفه ضاحكا ليفهم الضيف أنه كان يمزح.
صادق وخليل صديقان، وفي كثير من الأحيان يعملان معا في مهمة من مهمات الري، وقد أتقنا العمل معا، يتشاركان في تحريك يد الطنبورة، ليندفع الماء من الترعة إلي المجري الصغير في منتصف الحقل ليرويه. خليل يحب أن يرنم بصوت عال و يتبعه صادق بموال أو أغنية. بعد أن يتعبا، يتوقفان للراحة وعمل الشاي علي الكانون الذي يصنعانه بطوبتين ويجمعان له بعض الحطب أو الاعشاب الجافة ليغلي عليه براد الشاي. في أثناء عمل الشاي يتقاسمان بعض الخبز والجبن و البصل الموجود في الصرة التي أعدتها لبيبة أو مفيدة زوجة صادق. صادق سأل يوما خليل سؤالا كان يحيره :"خليل، ليه بتقولوا المسيح ابن الله"؟. خليل ينظر إلي صادق و يستغرب أن صادق يستهزئ بمعتقداته، فيجري إلي حمالة الطنبورة و ينتزعها ويصرخ في صادق :" المسيح ابن الله غصب عنك و عن اهلك". ضحك صادق الذي كان ابن نكتة وقال :"انت جيت في جمل. خلاص فهمت. ولا تزعل. هو ابن الله ياسيدي".
في أحد أيام الثلاثاء، يعود خليل من العمل منهكا كالعادة وفي حاجة إلي أن يغير ملابسه ويأكل لقمة ويستريح. لبيبة غير موجودة بالبيت. إبنته الصغرى أخبرته أن والدتها في الكنيسة في إجتماع السيدات . فكر قليلا. لم يعجبه الحال. فهو رجل البيت، والرجل رأس المرأة كما يقول الأنجيل، ولابد لها أن تؤدي واجبها نحوه قبل أي شئ آخر. فقد عمل و تعب و انهد حيله، ثم يرجع وما يلاقيش أكل جاهز؟. ينظر إلي إبنته الجالسة أمامه، فيتيقن أن زوجته تهتم بالأولاد، وأن المنزل دائما نظيف، وأن الكل يحترمها، بل إن البعض يحسده عليها. لكن أيضا هناك البعض الذين يعرفونه بأنه "جوز لبيبة"، وهو لا يقبل هذا. غلي دمه. شعر أنه يجب أن يفعل شيئا. فاضل في نفسه بين الانتظار إلي أن تعود زوجته للبيت، وبين الذهاب إليها. قرر في النهاية أن يذهب للكنيسة ليضع الأمور في نصابها الصحيح. قطع المشوار بين بيته وبين الكنيسة الذي يستغرق عشر دقائق وهو ينفخ ناظرا للأرض. مر في الطرقات التي تتحمص بالشمس. كان مستغرقا في التفكير فلم يلق السلام على أحد. لف حول سور الكنيسة واقترب من باب قاعة الخدمة. سمع صوت العظة، وعرف أن الواعظ ما هو إلا زوجته. أطل برأسه إلي الداخل فرأته إحدي الشابات الحاضرات وتعرفت عليه وخرجت لتساله عما يريد. كان رد خليل حاسما و آمرا:" طلعولي أبونا لبيبة من جوه".

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول