جلابية ماركة ابو العينين

رمسيس صادق
2014 / 11 / 19

جلابية ماركه ابو العينين

روح دوغري للست أم مرقص و هاتها معاك بسرعة. هاتها في إيدك. وإنت رايح عدّي علي جدتك و قول لها وقت الولادة جاء. إجري و إرجع بسرعة. كلمات سريعة و ملهوفة من الجارة بتعليمات حفظها الصبي و تعوّد عليها بحكم كونه الأكبر بين إخوانه، وتكرار الحمل والولادة في هذا البيت أعطته خبرة و معرفه بما ينتظره. كان يعتريه الخوف، لأن الكثير من الأطفال لم يعمروا كثيرا وهو لا يريد أن يعاين الحزن مرة أخري. لم يكن هناك سوى المستوصف بطبيب تحت التدريب، والوحيدة التي تبدو خبيرة بهذه الامور هي تلك الداية العجوز التي حازت على ثقة الجميع، أكثر من هذا الطبيب الرجل، الذي لا يحبون الإستعانة به، لكونه رجل غريب، عديم الخبرة .. أما الداية فكان لها خبره طويله في عمليه ألتوليد و كانت تدلل عليها بالتأكيد علي كل أطفال القرية أن يتصرفوا بأدب في حضرتها لأنها هي التي أخرجتهم للحياة.

"طياره". حط الجلابية في أسنانه، وجرى علي غرب البلد ليخبر جدته التي أمرته أن يجري بسرعة إلي الداية و يحضرها، أما هي فستسبقه إلي مكان الطوارئ. في طريقه مر بأصحابه يلعبون الكره الشراب فتوقف لبرهة لكنه قاوم اغراء اللعب ليقوم بمهمته. وقف أمام باب الداية يلهث، فنظرت إليه وسألته: "جاها الوجع؟"، فأجابها : "الطلق كمان". أشارت إليه أن يذهب، وهي ستتبعه، فأصر أن لا يخطو خطوة واحدة بدونها، فقامت لتغيير ملابسها و أسرعت معه.
في طريق العودة أخذ يفكر فيما سوف يحدث، وخطر له خاطر أن يسرع و يخرج كل ملابسه ويخفيها كي لا يستولوا علي جلابيه منهم لعمل لفائف وقماطات للضيف الجديد.
كان إستخدام جلابية قديمة شيئا عمليا حيث كان يتم غسلها و إستخدامها مرات عديدة. اسلوب قديم للحفاظ علي البيئة و علي الجيب. كانوا يستخدمون قطعة قماش يضعوها علي حرف ال T و يوضع الخط الافقي اي الجزء ألأعلي من الحرف تحت وسط المولود و يكون هناك ما يشبه الجناحين الممتدين خارج الجسم أما الجزء الاسفل من الحرف فيمر بين رجليي الطفل و يقلب ليغطي الجزء الخاص من الجسم و يستقر عند البطن و هنا يؤتي بالجناحين ليلتقي الجميع عند نقطة في المنتصف و يتم تثبيتهم بدبوس (كافولة بلدي). بعد ذلك يلف الطفل بالجلابية ليصبح كما المومياء مغطي تماما ما عدا الرأس.

كانت ملابسه مرصوصة مع ملابس أخرى في دولاب صغير في الغرفة التي كانت تستخدم لنومه هو وأخويه. كان يكره أن يري شيئا بلا نظام فكان يبادر بترتيب كثير من الأشياء حوله. كانت كل ملابسه مرصوصة بأنتظام، ومن السهل عليه أن يتذكر واقعة إقتناء كل قطعة منها، فلم يكن هناك الكثير منهم. الولادة السابقة أفقدته جلابية كان يعتز بها كثيرا. كانت تلك الجلابية مصنوعة من قماش ماركة أبو العينين، التي سمعها مرارا من زبائن جده الترزي عندما يطلب أحد الزبائن جلبابا جديدا . ("أبو العينين" يدوّب البني آدم قبل ما يدوب. دا بيبقي زي قلع المركب). تاق الصبي أن يكون له إحدى هذه الجلاليب القيمة. طلب من جده أن يصنع له واحدة، فابتسم الجد ، و قال:" بكره أفصل لك واحدة". بعد أن قاسها واطمئن لأناقتها، وتحسس القطان البني اللون الذي تم رفه بالابرة حول القبة (فتحه الرأس) ، كاد يطير من الفرح. كان هذا أول شئ يشتهيه ويحصل عليه، فلم يخلعها، و جرى بها الي الشارع ليريها لأصحابه. وكان إن إتسخت، وتم غسلها، يجلس بجوارها على السطح حتي تجف ويرتديها مره اخري، رافضا أن يرتدي أي شي آخر. الولادة السابقة أفقدته هذه الجلابية العزيزة، التي كان يشعر عندما يلبسها أنه فلاح قوي محنك.
في البيت كانت الحركة علي قدم و ساق، والكل يسرع و يتكلم. وكان صوت الست أم مرقص قويا وآمرا، وصوت الصراخ كان يخيف الصبي، لكنه أصر أن يكون متنبها لينفذ المطلوب منه. جاءت الأوامر أن يسخن الماء علي وابور الجاز و أن يُحضر حلة، ففعل بحماس وترقب، حتي سمع صراخ المولود الجديد، و بعدها رنت زغرودة.
بعد برهه طالت، دُعي للدخول والترحيبب بالقادم السعيد. ولكن ما إن دلف داخل الغرفة حتي إمتقع وجهه، وإحتار هل يحب أو يكره هذا المولود الجديد، الذي بدأ حياته بالاستيلاء علي إحدي جلاليبه . طلبت منه الدايه ان يذهب و يبحث عن والده و يخبره و يقولله ييجي و يجيب معاه الحلاوة.
ما أن استقر الحال قليلا بعد أن إنتهت حالة الطوارئ القصوي، حملت إحدي الجارات "الخلاص"لترميه في مياه جارية ، وبدأ الكلام عن المغات (بضم الميم) والحلبة و "الفرخة اللي لازم الأم تاكلها لتحل محل العيل اللي نزل". كان الصبي يستمع باهتمام كعادته إلي أن أستدعي ليصطحب جدته لتحضر بعض الأشياء الضرورية من منزلها. كان الظلام حالكا كمعظم ليالي القرية في غياب ضوء القمر، قبل ان تنعم القرية بضوء الكهرباء وحيث كانت الأضاءة باللمبة الكيروسين و المياه تأتي من الطلمبة. في تلك الايام كانت تُحسد البنت اذا جاءها عريس من المدينة: حيث "الميه في الحيط و النور في الخيط".

خرج من البيت ممسكا بيد جدته، ليمرا من دروب القرية التي تؤدي الي بيت جده، والتي عرفها شبرا شبرا، و يعرف منحنياتها التي يخمن من خلالها أي منزل يمران أمامه . كان يتسلي في الطريق بأن يغمض عينيه، ثم يضغط علي إحداهما بيده، ليفتحهما فيري دوائر ضوئية من كل الالوان. كان يقول لنفسه هذا أفضل من أن أفتح عيني طوال الوقت، فأنا لا أري شيئأ في هذا الظلام الحالك في الحالتين.
فجأة يسمع جدته تنهر شخصا: "ما تعدي يا عم. إنت ها تدوسنا بحمارك. أدينا فسحنا لك الطريق .عدّي. هو إحنا نجيلك من هنا تيجيلنا من هنا؟!". لم ير شيئا ، ولم يسمع سوي جدته تكرر كلامها،وهو صامت، إلي أن وصلا لآخر الدرب، و مرّا أمام أحد المنازل المُضاءة، وأمامه بعض الناس يتسامرون. إستطاع أن يرى الطريق، وأيقن أنه علي مقربة من بيت جده. بعد أن وضعت الجدة الأغراض في مقطف صغير، وحملته فوق رأسها ، أشارت إليه أن يحمل لمبة الكيروسين "أم عويل"وهي عبارة عن وعاء برقبة، يشبه القنينة، يضعون بها الكيروسين، وهناك "العويل" أي الشريط المضفور من القطن الخام يمر من رقبةالوعاء إلي أسفل، حتي ينغمس في الكيروسين فيتشبع به ويصعد إلي أعلي حتي يصل إلي الجزء من القطن خارج رقبة اللمبة ليضئ عند إشعاله بالكبريت. باختصار شمعة بالكيروسين. لم يصادفا في طريق الرجوع شيئا، ولم يسمع جدته تنهر أحدا، وكان قادراً علي الرؤية بفضل المصباح الذي يحمله.
بعد أن رجعا إلي البيت، كان هناك من أعد بعض المأكولات، وكان من نصيبه بيض بالزبدة التي يحبها. أحس أنه في حالة إحتفال ودُعي ليحمل الطفل الجديد . نظر إليه فوجد ما يشبه الابتسامة علي وجهها، فسامحها علي الجلابية. لم يكن يصدق أن المولود انثي، لأنهم قالوا ذلك علي مواليد ذكور سبقوها، خوفا من الحسد. قال في نفسه: إنه سوف يجد طريقة يعرف بها، أو ينتظر إلي يوم السبوع.

في اليوم التالي لم يستطع الانتظار ليسأل جدته عن ذلك الذي كانت تنهره في الدرب الليلة الماضية، فهو لم ير الرجل أو الحمار، ولم يسمع صوتا لأي منهما. انتهز فرصة أن خلدت الأم للنوم، وابتدأ أسئلته في وجود بعض السيدات من الأقارب والجيران. سألت إحداهن اذا كان ذلك حدث أمام بيت زاهي، فأجاب بنعم. قالت: "إحمدوا ربنا، دا يبقي اللي ما يتسمي، بيطلع هناك بقاله سنين ، وهو اللي جنن أم زاهي".
في اليوم الثالث دهنوا جسم الطفل بعجيته ناعمة مكونه من ملح ناعم و زبدة و كمون أماة في اليوم السادس للولادة، أي ليلة السبوع (تسبق اليوم السابع. السبوع ممكن ان يكون خمسة أو سبعة أو تسعه ايام)، كانت هناك روح احتفالية، فهناك الابريق وعليه بيضة، التي لم يتذكر صاحبنا أي من الابريق او القلة يرمز للولد وأيهما يرمز الي للبنت. هناك كلام عن سبع حبات و غربال و تعريفه مخرومه (عمله تمثل نصف القرش) وفواكه و شمع. في المساء يبدأ الاحتفال بوضع الطفل في الغربال علي السبع حبوب من الفول -الدره -العدس-الارز-الحلبه-القمح- برسيم. وإحدي السيدات تهز الطفل في الغربال و هي تسير به في حلقات بينما أخرى تدق الهون بشكل موسيقي، والجمع الحاضر من الاطفال يسير خلف حاملة الطفل يرددون الاغاني: حلقاتك برجالاتك حلقة دهب في وداناتك.
بعد أن تنتهي الزفة، يوضع الطفل بالغربال علي الأرض،وتخطي فوقه الأم سبع مرات شمالا و يمينا. أما السيدة التي تدق الهون فتقول: إسمع كلام أمك و ما تسمعش كلام أبوك. إسمع كلام جدك مش كلام أخوك، وهكذا لترضي الجميع و تبث روح المرح. بعد أن تنتهي الزفةة يأتون بطبلية كبيرة ويجلس حولها أفراد الأسرة وممن أُعطي لهم حق اختيار اسم للمولود. كل يأخذ شمعة وقطعة ة ورق وقلم ليكتب الاسم الذي يختاره للمولود و يضعه تحت شمعته و بعدئذ تُضاء كل الشموع في وقت واحد. هنا علم الصبي أن المولود بنت، لأنه قد طُلب منه مع الاخرين اختيار اسم بنت. وُزعت الحلوي و الفول السوداني والبلح علي الحاضرين، وغني الجميع مع رقص للبنات الصغيرات، حتي انطفأت آخر شمعة لتُعلن الاسم المختار للمولودة الجديدة. في الصباح، سيحضر إبراهيم موظف الوحدة الصحية ليأخذ بيانات المولود والحلاوة، ليتم التسجيل واستخراج شهادة الميلاد.
في الصباح وجد أخته الجديدة ترتدي عُـقدا من الفول وبعض العملات المعدنية المخرومة الملضومة في خيط يتدلي و من رقبتها علي المحسور عليها، الجلابية التي كان يرتديها يوما ما و اضحت ألان لفة . طلبت منه جدته أن يساعد في توزيع أطباق مملووءة بخليط من الحلويات والبلح والفول السوداني علي بيوت الجيران. أما الحبوب التي كانت في الغربال فقد تم رشها في أركان البيت بالأمس ولا يمكن ان تنظف حتي اليوم التالي.

لم يذهب جهد صاحبي هباءأ فقد اشترى له والده جلابية جديدة و كان يحب حمل و مداعبة اخته فقد كانتح البنت الأولي في الأسرة و كانت اكثر هدؤأ من الأخرين و سمع الأم تعبر عن فرحتها بها لان البنت حبيبة امها و ستكون لها عونا عندما تكبر.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول