المسؤولية عن الحماية فى القانون الدولى

مؤمن رميح
2014 / 10 / 12

منذ اعتماد ميثاق الأمم المتحدة فى عام 1945فإن الفكر الذى يدور حول العلاقة بين الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وحماية المدنيين ، وكذلك حول الإجراءات المناظرة التى يتخذها المجتمع الدولى ، قد مر بمراحل عديدة . وفى الثمانينات انطلقت أصوات تدافع عن فكرة التدخل الإنسانى أو عن الحق فى التدخل . ولقد أقيم مفهوم مسؤولية الحماية على ثلاثة دعائم . الدعامة الأولى تعرف الدولة بصفتها الطرف الذى يتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية سكانها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقى والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية . وتشدد الدعامة الثانية على دور المجتمع الدولى فى تقديم التعاون والمساعدة للدول كى تتيح لها تطوير القدرات المحلية التى تمكنها من النهوض بتلك المسؤولية . وتتيح الدعامة الثالثة التى تنطبق على الظروف الإستثنائية وحين تفشل التدابير المكفولة فى الدعامتين الأولى والثانية فشلا واضحا ، للمجتمع الدولى أن يلجأ إلى اتخاذ الاجراءات الجماعية وفقا للمعايير والقواعد المنصوص عليها فى ميثاق الأمم المتحدة .(1)
وتقوم هذه الدراسة على وضع معايير الأمم المتحدة واستراتيجيتها وعملياتها وأدواتها وممارستها المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية من خلال ما يلى :




أولا: ولاية تنفيذ المسؤولية عن الحماية وسياقها التاريخى والقانونى والسياسى

يستمد مفهوم المسؤولية عن الحماية ولايته من الفقرات التالية من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمى لعام 2005:
"138-إن المسؤولية عن حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقى والجرائم المرتكبة ضد الانسانية تقع على عاتق كل دولة على حدة . وتستلزم هذه منع وقوع تلك الجرائم . بما فى ذلك التحريض على ارتكابها ، عن طريق الوسائل الملائمة والضرورية . ونحن نوافق على تحمل تلك المسؤولية وسنعمل بمقتضاها . وينبغى للمجتمع الدولى أن يقوم ،حسب الإقتضاء ، بتشجيع ومساعدة الدول على الإضطلاع بهذه المسؤولية ، ودعم الامم المتحدة فى انشاء قدرة على الانذار المبكر .
"139- ويقع على عاتق المجتمع الدولى أيضا من خلال الأمم المتحدة ، الإلتزام باستخدام ما هو ملائم من الوسائل الدبلوماسية والإنسانية وغيرها من الوسائل السلمية ، وفقا للفصليين السادس والثامن من الميثاق ، للمساعدة فى حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقى والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية .وفى هذا السياق ،نعرب عن استعدادنا لاتخاذ اجراء جماعى ، فى الوقت المناسب وبطريقة حاسمة ، عن طريق مجلس الأمن ، ووفقا للميثاق ، بما فى ذلك الفصل السابع منه ، على أساس كل حالة على حدة وبالتعاون مع المنظمات الإقليمية ذات الصلة حسب الاقتضاء ، فى حال قصور الوسائل السلمية وعجز السلطات الوطنية البين عن حماية سكانها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقى والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية . وتؤكد الحاجة إلى تواصل الجمعية العامة النظر فى مفهوم المسؤولية عن حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقى والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ، وما يترتب على هذه المسؤولية ، مع مراعاة مبادئ الميثاق والقانون ادولى . وتعتزم ايضا الالتزام ،حسب الضرورة والاقتضاء ، بمساعدة الدول فى بناء القدرة على حماية سكانها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقى والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ، ومساعدة الدول التى تشهد توترات قبل أن تنشب فيها أزمات ونزاعات ".

وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمى فى قرارها 1/60. وأكد مجلس الأمن من جديد ، فى الفقرة 4 من القرار 1674(2006) المتعلق بحماية المدنيين فى النزاع المسلح ، احكام الفقرتين 138،139 من الوثيقة الختامية بشأن المسؤولية عن حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقى والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية .

وتحدد أحكام الفقرتين 139،138 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة التى تستند الى القانون الدولى السارى الإطار الموثوق الذى يمكن الدول الأعضاء والترتيبات الإقليمية ومنظومة الأمم المتحدة وشركائها أن تسعى من خلاله إالى تجسيد مبدأ المسؤولية عن الحماية من جوانبه المذهبية والمتعلقة بالسياسات المؤسسية . ولا تتمثل هذه المهمة فى اعادة تفسير استنتاجات مؤتمر القمة أو النفاوض من جديد بشأنها ، بل ايجاد سبل لتنفيذ قراراته بكل أمانة واتساق.(2)

وترتكز الفقرتين على مبادئ راسخة من القانون الدولى . فالقانون الدولى التعاهدى والعلرفى يفرضان على الدول التزامات بمنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية . ومع أن التطهير العرقى ليس بجريمة فى حد ذاته بموجب القانون الدولى ، فإن أعمال التطهير العرقى قد تشكل واحدة من هذه الجرائم الثلاث . ولم يكن طرح موضوع المسؤولية عن الحماية فى مؤتمر القمة الانتقاص بأى شكل من الاشكال من مجموعة الالتزامات الواسعة النطاق السارية بموجب القانون الإنسانى الدولى والقانون الدولى لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين والقانون الجنائى الدولى ، كما أن الاجراءات المنصوص عليها فى الفقرتين تتخذ وفقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة ومقاصده ومبادئه . وفى هذا الصدد، لا تغير المسؤولية عن الحمابة ما يقع على عاتق الدول الأعضاء فى الامم المتحدة من التزامات قانونية بالامتناع عن استخدام القوة إلا وفقا للميثاق ، بل انها تعزز هذه الالتزامات .(3)

ويثار التساؤل عما إذا كان ينبغى للأمم المتحدة وسائر المؤسسات الدولية التركيز حصرا على أمن الدول دون الاكتراث بسلامة الشعوب فى داخلها . وعما إذا كان جائزا أن يساء استخدام السيادة ، وهى أحد الأركان الرئيسية التى قام عليها عهد الدولة القومية وتقوم عليها الأمم المتحدة نفسها ، فتتخذ هذه السيادة ستارا ترتكب خلفه أعمال عنف جماعية بحق الشعوب بمنأى عن أى عقاب ، والى أى حد كان الضرر الذى الضرر الذى ألحقه الكشف عن الجرائم الآنفة الذكر بشرعية ومصداقية الامم المتحدة وشركائها جسيما ولا يمكن اصلاحه . وتكمن فى هذه المشكلة أجزاء مفاهيمية ومذهبية : أى كيف نفهم المسألة وما هى الخيارات على صعيد السياسات ؟وقد برز نهجان متميزان خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين . وطرح التدخل لأسباب انسانيا خيارا زائفا بين تقيضين : فإما الوقوف موقف المتفرج حيال تزايد اعداد القتلى فى صفوف المدنيين ، وإما نشر قوات عسكرية تتخذ تدابير قسرية لحماية السكان المستضعفين والمهددين . ولقد ابتدع نهج مفاهيمى مصقل لفكرة "السيادة باعتبارها مسؤولية " حيث شدد على أن السيادة تستتبع على الدول واجبات ازاء شعوبها ، بالإضافة الى بعض الامتيازات الدولية ، والدولة بوفائها بالتزاماتها الأساسية على صعيد توفير الحماية وباحترامها حقوق الإنسان الجوهرية تتقلص لديها الى حد بعيد دواعى التخوف من تدخل خارجى مرفوض.(4)

فالقلق على السيادة وادراك ما تنطوى عليه من مسؤوليات ليست حكرا على جزء واحد من العالم (5). فتصور طريقة التفكير والممارسات فى هذا الصدد فى أفريقيا يثيران الاعجاب بوجه خاص . اذ بينما كانت منظمة الوحدة الافريقية تشدد على مبدا عدم التدخل ، جاء خليفتها أى الاتحاد الإفريقى ليشدد على مبدأ عدم التقاعس . وفى عام 2000، أى قبل خمس سنوات من اعتماد مؤتمر القمة العالمى لعام 2005 نهج المسؤولية عن الحماية ، نص القانون التأسيسى للاتحاد الإفريقى فى المادة (4)(ح) منه ،على :"حق الاتحاد فى التدخل فى إحدى دول اعضائه ، عملا بقرار من الجمعية ، وفى ظروف خطيرة : أى تحديدا جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ". ويميز القانون التاسيسى بوضوح بين الدول الاعضاء التى يحظر عليها التدخل فى " الشؤون الداخلية لدولة اخرى "(المادة (4)(ز))وبين الاتحاد الذى يمكنه التدخل لمواجهة " الظروف الخطيرة " الثلاثة الىنفة الذكر . وعلى ذلك فقد فرضت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها " مسؤولية اتخاذ اجراءات ".(6)

ويثور الجدل حول التدخل العسكرى الخارجى لاغراض الحماية الانسانية سواء عندما يحدث التدخل بالفعل - كما كان الحال فى الصومال والبوسنه والهرسك وكوسوفو -وعندما لايحث، كما كان الحال فى رواندا .(7)ولقد توصل نهج مفاهيمى دولى الى أن الحماية ليست مسالة عسكرية فى المقام الأول ولا هى فى جوهرها صراع بين سيادة الدولة وسيادة الفرد . وابتكر هذا النهج عبارة "مسؤولية الحماية " فحددت أنواعا للمسؤولية هى مسؤولية المنع ،ومسؤولية التصدى ،ومسؤولية اعادة البناء ، مما اوجد نطاقا متصلا من أدوات السياسة المندرجة يغطى هذه التشكيلة بأكملها.(8)

وازاء تناول موضوع المسؤولية عن الحماية فإنه يتحدد على النحو التالى ما يلى :
(أ) تعتبر المسؤولية عن الحماية رديف للسيادة ، لا خصما لها . فهى تنبع من الفكرة الإيجابية والاكيدة التى تنظر الى السيادة باعتبارها مسؤولية ، لا من الفكرة الضيقة المتمثلة فى مبدا التدخل لاسباب إنسانية . ومبدأ المسؤولية عن الحماية ، إذ يعين الدول على الاضطلاع بمسؤولياتها الرئيسية فى مجال الحماية ، ويشكل تعزيزا للسيادة لا اضعافا لها . ومن شانه ان يساعد الدول على تحقيق النجاح ، وليس مجرد اظهار ردود الفعل إزاء الفشل .
(ب)لا تنطبق المسؤولية عن الحماية إلا على الضروب الأربعة المتفق عليها من الجرائم والانتهاكات ، ألا وهى : الغبادة الجماعية ، جرائم الحرب ، التطهير العرقى ، والجرائم المرتكبة ضد الغنسانية ، والى أن تقرر الدول الأعضاء خلاف ذلك .وأى محاولة لتوسيع نطاق هذه المسؤولية لتشمل كوارث اخرى من قبيل فيروس نقص المناعة / الغيدز أو تغير المناخ أو الاستجابة للكوارث الطبيعية من شأنها أن توسع من نطاق المفهوم إلى حد الانتقاص من مدى الاعتراف به أو من مدى الاستفادة من عمليا .
(ج)ينبغى الابقاء على نطاق التركيز ضيقا وأن يستخدم للاستجابة لكى تكون متعمقة طائفة واسعة من أدوات الوقاية والحماية للدول الاعضاء ومنظومة الامم المتحدة والمنظمات الإقليمية ودون الإقليمية وشركائها فى المجتمع المدنى . وتحقيقا لهذه الغاية ، دعت الفقرة 138 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة الدول الأعضاء إلى استخدام " الوسائل الضرورية والمناسبة" لمنع وقوع هذه الجرائم ومنع التحريض على ارتكابها ، ودعت المجتمع الدولى إلى "تشجيع ومساعدة" الدول على الاضطلاع بمسؤولياتها وإلى "دعم الامم المتحدة فى انشاء قدرة على الإنذار المبكر" . وترد فى الفقرة 139من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة إشارة إلى اتباع "الوسائل الدبلوماسية والإنسانية والسلمية الملائمة"فى اطار الفصلين السادس والثامن من الميثاق ، وإلى اتخاذ" اجراء جماعى" بموجب الفصل السابع . وبناء على ذلك ،ينبغى للنهج الذى نتبعه ازاء المسؤوليةعن الحماية أن يكون محدد النطاق وعميقا فى نفس الوقت .
(د)الاقرار بأن الانذار المبكر والتقييم يشكلان عنصرا ضروريا ، وإن كان غير كاف ، لإنجاح الاجراءات الوقائية والحمائية التى تتخذها الدول الاعضاء عن طريق الامم المتحدة . وكما تؤكد الفقرة 138 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة ، ينبغى للمجتمع الدولى ان " يدعم الامم المتحدة فى انشاء قدرة على الانذار المبكر " .وهذا يقتضى (1)أن تصل إلى صناع القرار فى الامم المتحدة فى الوقت المناسب معلومات دقيقة وموثوق بها ويعول عليها وذات صلة بالموضوع عن التحريض على ارتكاب الجرائم والانتهاكات الاربعة المحددة أو عن الاعداد لارتكابها (2)وأن تتوافر لدى الامانة العامة للأمم المتحدة القدرة على تقييم تلك الحالة وعلى فهم أنماط وقوع الاحداث فهما صحيحا فى سياق الظروف المحلية (3)وأن تكون سبل الوصول ميسرة الى مكتب الامين العام . ففى حالات كثيرة جدا لم تدق نواقيس الخطر ، أو دقت ولم ينتبه لها أحد أو لم تحمل القيادات السياسية العليا على التحرك على نحو فعال ، سواء فى الامانة العامة أو فى الهيئات الحكومية الدولية .غير أن تكرر اصدار الإنذارات الكاذبة او الابلاغ بشكل انتقائى ، وهو الأسوأ ، قد يضر هو الآخر بمصداقية المنظمة . ولذلك ، فإنه من المهم أن يضطلع بأعمال الانذار المبكر بطريقة تتسم بالنزاهة والحصافة والاقتدار المهنى ،وبلا تدخل سياسى أو ازدواجية فى المعايير .


ثانيا:مسؤوليات الدولة عن الحماية

تقوم مسألة المسؤولية عن الحماية فى الاساس على مسؤولية الدولة ، لأن الوقاية تبدأ من الداخل ، وتعد حماية السكان من السمات الرئيسية التى يتحدد على أساسها فى القرن الحادى والعشرين ما إذا كانت الدولة متمتعة بالسيادة ، بل وما إذا كانت تعد دولة حقا . وانه ليس بوسع المجتمع الدولى ، فى أفضل الحالات ، سوى القيام بدور مكمل . وفى هذا المجال المتعلق بالسياسات ، شأنه شأن العديد من المجالات الاخرى ، تعتمد الأمم المتحدة على قوة دولها الاعضاء وعلى تصميمها . وفى هذا العالم الذى الذى يتزايد فيه الاعتماد المتبادل ويصبح اكثر تأثرا بالعولمة فغنه حرى بالدول الأعضاء ذات السيادة ان تنتقل من ادارة سياساتها من منطلق الهوية إلى التطبيق ، بل وتشجيع عملية التنوع من خلال مبدأى عدم التمييز والمساواة فى الحقوق . فالسيادة المسؤولة تقوم على سياسة الادماج لا الاستبعاد . وهذا يتطلب بناء المؤسسات والقدرات والممارسات للتمكن من الادرة البناءة للتوترات التى كثيرا ما تصاحب حالات النمو غير المتكافئ او الظروف سريعة التغير ، حيث تستفيد من هذه الحالات فيما يبدو فئات بعينها أكثر من غيرها .(10)

وتنطبق هذه المبادئ على مختلف النظم السياسية والاقتصادية ، لأن الامر يتعلق بالقيم والممارسات أيا كان المستوى الذى بلغه البلد فى التنمية الإقتصادية . وليست الأفكار الجيدة او الممارسات الناجحة فى هذا الصدد حكرا على أى منطقة من مناطق العالم . ويقتضى الامر اجراء مزيد من البحث والتحليل لمعرفة أسباب انغماس مجتمع ما فى العنف الجماعى بينما ينعم جيرانه باستقرار نسبى .، واسباب صعوبة جذور العنف الجنسى المتفشى والممارس على نحو منهجى فى بعض الأماكن . غير أنه من الجلى أن الدول التى تحسن التعامل مع تنوعها الداخلى ، والت تشجع على تبادل الاحترام بين مختلف الجماعات ، والتى لديها آليات فعالة للتعامل مع النزاعات المحلية ولحماية حقوق النساء والشباب والأقليات هى الدول التى لا يحتمل لها ان تسلك هذا الطريق المؤدى إلى الدمار .(11)

وبالتالى فإن احترام حقوق الإنسان عنصر أساسى من عناصر السيادة المسؤولة . ويمكن للدول ان تساعد على النهوض بأهداف منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها وحماية حقوق الإنسان فيما يتصل بالمسؤولية عن الحماية وذلك عن طريق العمل على الصعيدين المحلى والدولى لتعزيز الولاية الحيوية والواسعة النطاق التى يضطلع بها مفوض الامم المتحدة لحقوق الإنسان ، كما حددت فى قرار الجمعية العامة 141/48، وكذلك الولايات التى يضطلع بها مجلس حقوق الإنسان والمقرون الخاصون والهيئات المنشئة بمعاهدات حقوق الإنسان . وينبغى تجسيد المعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان والقانو ن الإنسانى الدولى وقانون اللاجئين فضلا عن نظام روما الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية فى التشريعات الوطنية حتى يتسنى تجريم الانتهاكات والجرائم المرتكبة فى المجالات الأربعة المحددة والمذكورة ، وكذلك التحريض عليها ، بموجب القوانين والممارسات المحلية .(12)

وينبغى للدول ان تبذل مزيدا من الجهود لزيادة فعالية الادوات المستخدمة لوضع حد للإفلات من العقاب ومساعدة المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الدولية الأخرى على تحديد مكان وجود الافراد المتهمين بارتكاب جرائم وانتهاكات متصلة بالمسؤولية عن الحماية أو بالتحريض عليها واعتقالهم ، أيا كان مستواهم . ولكى يتسنى انفاذ مبادئ المسؤولية عن الحماية بالكامل واعطاؤها طابعا مستداما ، فإنه يجب ادراجها فى كل الثقافات والمجتمعات دون تردد وبلا شروط باعتبارها تعكس قيما ومعايير محلية لا عالمية فحسب .(13)

وجرائم الإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم المتصلة بالمسؤولية عن الحماية لا تحدث من فراغ فهى تقع نتيجة خيار سياسى مقصود ومحسوب وقرارات وأفعال لزعماء سياسيين مستعدين لاستغلال الانقسامات الاجتماعية وحالات العجز المؤسسى لصالحهم . ولذلك فإن المجتمعات التى تندرج تحت طائفة المجتمعات المستقرة والمتقدمة نسبيا ينبغى لها أن تتساءل بشأن امكانية وقوع مثل هذه الأحداث فيها وما إذا كان من الممكن أن تتجذر فيها بذور التعصب والنزعات الطائفية والاستبعاد وتنقلب إلى مصير مروع ومدمر ، وما إذا كانت أنظمتها الإقتصادية والإجتماعية والسياسية تتضمن آليات تصحيح ذاتى لكبح هذه الدوافع وجعلها تحيد عن تحقيق مآربها .(14)


ثالثا: المساعدة الدولية وبناء القدرات

تتخذ المساعدة الدولية أربعة أشكال على النحو التالى :(أ9تشجيع الدول على الوفاء بالمسؤوليات التى تقع على عاتقها فى إطار مسؤوليات الدولة عن الحماية (الفقرة 138 من الوثيقة الختامية ) (ب)مساعدتها على ممارسة هذه المسؤولية (الفقرة138)(ج)مساعدتها على بناء قدرتها على الحماية (الفقرة 139)(د)مساعدة الدول التى "تشهد توترات قبل أن تنشب فيها أزمات ونزاعات "( الفقرة 139) .(15) وفى حين ينطوى الشكل الأول من اشكال المساعدة على اقناع الدول بما يتعين عليها أن تقوم به ، فإن الأشكال الثلاثة الأخرى تقترح أن يكون هناك التزام متبادل وشراكة نشيطة بين المجتمع الدولى والدولة .

وإذا ما كانت القيادات السياسية للدولة مصممة على ارتكاب جرائم وانتهاكات تتعلق بالمسؤولية عن الحماية ، فإن تدابير المساعدة ستكون قليلة الجدوى وسيكون من الأفضل للمجتمع الدولى أن يبدأ جمع القدرات والإرادة من اجل الإستجابة فى الوقت المناسب وبطريق حاسمة . غير أنه ، عندما تكون القيادة السياسية الوطنية ضعيفة أو منقسمة على نفسها أو على غير يقين من الطريق الذى ينبغى ان تسلكه ، أو تفتقر إلى القدرة على حماية سكانها بشكل فعال ، أو تواجه معارضة مسلحة بشكل فعال فإن من شأن المساعدة الدولية وبناء القدرات أن تؤدى دورا حاسما فى تنفيذ المسؤولية عن الحماية . وبالإضافة إلى تدابير الاقناع والحوافز الإيجابية ، يمكن أن تشمل المساعدة العسكرية لكى تتصدى الدول المحاصرة للجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول التى تهدد الدولة وسكانها على السواء . وتلحق هذه التدابير بأدوات السياسة المبنية فى اطار مسؤوليات الدولة عن الحماية كما أنها تكمل أدوات الإستجابة فى الوقت المناسب ، لأن أيا من هذه الركائز لم يصمم ليكون بمعزل عن الركائز الاخرى .(16)

ويمكن أن يستتبع تشجيع الدول على الوفاء بالتزاماتها المتصلة عن الحماية الاقناع السرى أو العام و/أوالتثقيف و/أو التدريب و/أو المساعدة . وعندما تعزز هذه الرسائل بواسطة دبلوماسية موازية ومستمرة من جانب الدول فإنها ستكون أكثر اقناعا . وغالبا ما يحققه الحوار اكثر ما يحققه استعراض القوة .(17)ويجب مساعدة من يزمعون ارتكاب جرائم وانتهاكات تتعلق بالمسؤولية عن الحماية أو التحريض على ارتكابها على فهم كل من تكاليف السير على ذلك المسار والمزايا المحتملة للبحث عن المصالحة السلمية والتنمية بدلا من ذلك .(18)

ويمكن أيضا التعبير عن التشجيع من خلال الحوار والتثقيف والتدريب فى مجال حقوق الإنسان والمعايير والقواعد الإنسانية من خلال الاطر الابتكارية المنشئة بموجب قرارات مجلس الامن .(19) وتضطلع الامم المتحدة وشركاؤها فى السنوات الاخيرة بمجموعة من الجهود الرامية إلى مساعدة الدول على ممارسة مسؤولياتها عن الحماية من خلال الوجود الميدانى لها فى العديد من البلدان مما يشكل موردا عالميا لمساعدة البلدان على مراعاة التزاماتها بحقوق الغنسان وفى مجالات الرصد والدعوة والتثقيف . كما أن لوجود الامم المتحدة أهمية بالغة فى حالات ما بعد انتهاء الصراع وذلك لحماية الأطفال . (20)

وإنه لمن المجدى السير فى أجزاء اخرى من العالم بعيدا عن أعمال الأمم المتحدة من خلال الخطوات الإبتكارية التى اتخذتها بعض الهيئات الإقليمية أو دون الإقليمية . والشواهد الميدانية المطبقة فى هذا الإطار خير شاهد على جدوى تفعيل دور هذه الهيئات .(21)وهناك عنصر مشترك فى الجهود المختلفة لمساعدة الدول على مساعدة نفسها ، فهى تعتمد أساسا على الخبرة والوجود المدنيين وليس العسكريين . وفى الاستجابة لحالات المسؤولية عن الحماية ، يجوز أن تمون عناصر الشرطة والعناصر الميدانية فى بعض الأحيان حاسمة بشكل خاص نظراللمهام ذات الأولوية المتمثلة فى اعادة النظام القديم واعادة بناء الثقة فى المجتمعات التى تعيش فوضا ونزاعا داخليين .(22)

ولا ينبغى الاخذ فى الاعتبار تدبير استخدام القوة إلا كملاذ أخير . بيد أنه قد يتم بموافقة حكومة البلد المضيف ، استخدام وحدات عسكرية إما لمجموعة من الأغراض غير القسرية ، من قبيل الوقاية والحماية وحفظ السلام ونزع السلاح أو لمكافحة جماعات مسلحة تسعى فى الوقت نفسه إلى الغطاحة بالحكومة بوسائل عنيفة وإلى تخويف السكان المدنيين من خلال العنف العشوائى والواسع النطاق . والجهات الفاعلة من غير الدول ، فضلا عن الدول يمكن أن ترتكب جرائم فظيعة تتعلق بالمسؤولية عن الحماية . وهى حينما تفعل ذلك ، قد تكون المساعدة العسكرية الدولية الجماعية أضمن سبيل لدعم الدولة فى الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية ، وفى الحالات القصوى ، فى استعادة سيادتها الفعلية . وفى تلك الأوقات قد يسمح استخدام المعدات العسكرية والقوات المسلحة الدولية بشكل مبكر وموجه وحدود بانقاذ الارواح البشرية وتحقيق قدر من الاستقرار بحيث يتاح الحيز الزمانى والمكانى لعمل الدبلوماسية والعمليات السياسية الداخلية والالتئام والمصالحة .(23)

ويتبلور مفهوم الانتشار الوقائى فى قائمة مفردات الأمم المتحدة ، ففى حالة قيام أزمة داخل بلد ما ، وعندما تطلب الحكومة أو يوافق جميع الاطراف على ذلك ، يمكن للوزع الوقائى أن يساعد بطرق عديدة فى تخفيف المعاناة والحد من العنف أو السيرة عليه . والمساعدة الإنسانية إذا قدمت بنزاهة يمكن ان تكون لها أهمية حاسمة والمساعدة فى صون السلم ، سواء كان ذلك عن طريق الافراد العسكريين أو أفراد الشرطة أو المدنيين ، يمكن أن تحقن الدماء وتولد ظروف من السلامة يمكن فى ظلها عقد المفاوضات ، كما يمكن أن تساعد الأمم المتحدة فى جهود التوفيق إذا رغبت الاطراف فى ذلك .(24)

وفى الدول والمناطق التى تشهد توترات عرقية حادة والتى يستشرى فيها التفاوت العميق بين الفئات ، من الصعب توخى التنمية الإقتصادية والإجتماعية المستدامة دون معالجة هذه التصدعات الكامنة فى النسيج الإجتماعى والسياسى . ومن الصعب بنفس القدر تخيل علاج هذه التصدعات دون التعامل مع أوجه قصور التنمية المتزامنة . ويمكن للمساعدات الإنمائية أن تخفض إلى حد كبير مدى انتشار الجرائم والانتهاكات المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية ، إذ أن بعض اسوأ حالات العنف المحلى الجماعى وقعت فى بلدان فقيرة تنعدم فيها قدرة أشد الناس فقرا على المقاومة . وإذا استهدفت هذه المساعدات الإنمائية منح الفقراء وفئات الأقليات صوتا فى مجتمعاتهم ، وتعزيز المساواة والعدالة الإجتماعية ، والارتقاء بمستوياتهم التعليمية ، وزيادة الفرص المتاحة لهم للمشاركة السياسية الهادفة فإنها سيكون لها أثر غيجابى لا محاة . ولكن إذا وزعت المساعدة بطريقة تزيد من حدة الفوارق فى مركز الجماعات العرقية أو الدينية أو الثقافية وظروف عيشها داخل هذه المجتمعات ، بدلا من تضييق هذه الفوارق ، فإن الأثر المترتب عليها قد يؤدى غلى زعزعة الاستقرار وقد يغزى التوترات ومشاعر الاستياء القائمة . ولذلك فإن برامج المعونة بحاجة إلى أن تراعى حالة النزاع والمسؤولية عن الحماية فى آن واحد .(25)

وتقوم سيادة القانون بدور أساسى فى منع ارتكاب الجرائم المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية . وينبغى للأمم المتحدة ان تزيد من المساعدة التى تعرضها على الدول الأعضاء فى مجال سيادة القانون ، بما فى ذلك عن طريق اشراك بلدان مانحة . وينبغى أن تتمثل الاهداف فى كفالة تكافؤ فرص اللجوء إلى القضاء وتحسين عملية توفير الخدمات القانونية للجميع فى مجال القضاء والادعاء وفى المجال الجنائى وفى مجال انفاذ القانون . ومن شأن هذه أن تؤدى إلى تغليب حل المنازعات داخل المجتمع عن طريق الوسائل القانونية بدلا من اللجوء إلى اساليب العنف . (26)


رابعا: الاستجابة فى الوقت المناسب وبطريقة حاسمة

تعد الاستجابة فى الوقت المناسب جزء لا يتجزأ من استراتيجية الاضطلاع بالمسؤولية عن الحماية المتفق عليها من قبل المجتمع الدولى حيث أن تلك المسؤولية مستمرة وعامة وتستخدم التدابير السلمية والمهادنة المنصوص عليها فى الفصل السادس من ميثاق الامم المتحدة وفى المادة 52 من الفصل الثامن . ويمكن للمجتمع الدولى اللجوء إلى طائفة واسعة من الاجراءات الجماعية ، سواء السلمية منها او غير السلمية ،فى حال تحقق شرطين اثنين : (أ)فى حال قصور الوسائل السلمية (ب)وعجز السلطات الوطنية البين عن حماية سكانها من الجرائم والانتهاكات الأربع المذكورة آنفا. (27)

وحين التعامل مع مختلف الظروف التى يجرى فيها التخطيط للجرائم والانتهاكات المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية أو التحريض عليها أو ارتكابها أو التى تجرى فيها كل تلك الأعمال معا فإنه لا مجال لاتخاذ استراتيجية ذات تسلسل صارم أو محفزات على العمل تكون محددة بشكل ضيق . وفى ظل التطور السريع لحالات الطوارئ يجب أن يبقى تركيز الأمم المتحدة وصناع القرار على الصعيد الإقليمى ودون الإقليمى والوطنى منصبا على انقاذ الأرواح عن طريق اتخاذ اجراءات فى الوقت المناسب وبطريقة حاسمة بدلا من أن ينصب على اتباع سلم السياسات التسلسلى أو التدريجى الذى يقدم الاجراءات على المضمون والعمليات على النتائج .(28)

ويمكن للهيئات الحكومية الدولية أن تؤدى دورا محوريا فى اجراء التحقيقات الميدانية والاضطلاع ببعثات تقصى الحقائق . وتنص المادة 34 من الميثاق على أن "لمجلس الأمن أن يفحص أى نزاع أو أى موقف قد يؤدى إلى احتكاك دولى أو قد يثير نزاعا لكى يقرر ما إذا كان استمرار هذا النزاع أو الموقف من شأنه أن يعرض للخطر صون السلم والأمن الدولى ".(29)غير أن التحقيق بطبيعة الحال لا يشكل بديلا عن اتخاذ اجراءات الحماية فى الوقت المناسب وبطريقة حاسمة بل ينبغى أن تعتبر خطوة دولية نحو اتخاذ هذا الاجراء . واذا تم الاضطلاع بهذه البعثات الميدانية فى مرحلة مبكرة من الأزمة ، فيمكنها أيضا أن توفر فرصا لايصال رسائل مباشرة إلى صانعى القرار الرئيسيين من طرف المجتمع الدولى الأوسع نطاقا ، من قبيل محاولة ثنيهم عن الأخذ بنهج مدمرة من شأنها أن تعرضهم للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية أو محاكم متخصصة .(30)
ِ
وقد أصبح من الأمور الثابتة فى القانون الدولى والممارسات الدولية الآن أن السيادة لا تتيح الافلات من العقاب لأولئك الذين ينظمون الجرائم المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية أو يحرضون عليها أو يرتكبونها . وقد أكدت الدول فى الفقرة 138 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة مسؤولياتها عن منع التحريض على الجرائم والانتهاكات الاربعة المحددة . وعندما يتضح بجلاء أن دولة ما لا تمنع هذا التحريض ينبغى للمجتمع الدولى تركيز سلطاتها بهذا الالتزام وبأن تلك الأفعال يمكن أن تحال إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسى .(31)

وينبغى عدم التردد فى طلب الأذن باتخاذ تدابير أقوى ، إذ تبين أن الدبلوماسية الهادئة تستخدم كذريعة للمماطلة بينما يمكن لاستجابة اسرع ومباشرة أن تنقذ الأرواح وتقيد النظام . ولا يمكن أن تكتمل استراتيجية للوفاء بمسؤولية الحماية إذا لم تتوافر امكانية اتخاذ تدابير انفاذ جماعية ، بما فى ذلك عن طريق الجزاءات أو العمل القسرى العسكرى فى الحالات القصوى . وعتدما ترفض دولة قبول المساعدة الدولية الوقائية والحمائية ، وترتكب جرائم وانتهاكات شنيعة تتصل بالمسؤولية عن الحماية ، ولا تستجيب للتدابير الأقل ارغاما ، فإنها فى واقع الأمر الأمر تضع المجتمع الدولى أمام التحدى المتمثل فى أن ينهض بالمسؤوليات التى ألزم بها نفسه بموجب الفقرة 139من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة . ويمكن أن يأذن بهذه التدابير الجماعية مجلس الامن بموجب المادتين 41،42 من ميثاق الأمم المتحدة .(32)

وتوفر الجزاءات الدبلوماسية ، إذ نفذتها الدول الأعضاء تنفيذا تاما ومنتظما ، وسيلة أخرى للمجتمع الدولى لتأكيد رسالته بعدم مقبولية ارتكاب دولة عضو فى الامم المتحدة الجرائم والانتهاكات ذات الصلة بالمسؤولية عن الحماية فى القرن الحادى والعشرين . وينبغى أن ينظر أيضا فى فرض جزاءات محددة الهدف مثل الجزاءات المتعلقة بالسفر ، والتحويلات المالية ، والسلع الكمالية والأسلحة ، على أساس كل حالة على حدة ، وبالتعاون مع المنظمات الإقليمية ذات الصلة حسب الاقتضاء . وبينما قد تكون الجزاءات غير كافية لوقف التجاوزات التى قد يرتكبها نظام استبدادى معاند ، فإنها إذا طبقت بالسرعة الكافية يمكن ان تظهر التزام المجتمع الدولى بالوفاء بمسؤولياته الجماعية وأن تنذر باحتمال فرض تدابير أكثر صرامة إذا استمر العنف ضد السكان .(33)

وينبغى ايلاء اهتمام خاص لتقييد تدفق الأسلحة أو معدات الشرطة التى قد تسئ استخدامها أنظمة قمعية من الواضح أنها لا تفى بمسؤولياتها الأساسية بموجب الفقرة 138 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة أو فى الحالات التى يهدد فيها نزاع دائر بالتفاقم بحيث يتحول إلى جرائم وانتهاكات واسعة النطاق تتعلق بالمسؤولية عن الحماية من جانب طرف أو آخر .(34)

ولئن كانت المسؤولية الاولى والدائمة عن الوفاء بالالتزامات المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية تقع على عاتق كل دولة على حدة ، فعندما تخفق الدولة بشكل واضح فى الاضطلاع بها يتحمل الأمين العام للأمم المتحدة عندئذ مسؤولية خاصة عن كفالة استجابة المجتمع الدولى فى الوقت المناسب وبطريقة حاسمة .وفى مجلس الأمن يتحمل الأعضاء الدائمون الخمسة مسؤولية خاصة نظرا لامتيازات الولاية وحق النقض الممنوح لهم بمقتضى الميثاق . وبحث حثهم على الاحجام عن استخدام حق النقض أو التهديد باستخدامه فى حالات العجز البين عن الوفاء بالإلتزامات المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية على النحو المبين فى الفقرة 139من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العمل على التوصل إلى تفاهم متبادل تحقيقا لذلك الغرض .(35)


خامسا: سبل المضى قدما

يقع على عاتق الجمعية العامة باعتبارها المحفل الرئيسى السياسى الجامع للعالم ، مسؤولية بدء العملية السياسية المتمثلة فى النظر فى الإستراتيجية الشاملة بشأن تنفيذ المسؤولية عن الحماية . وتعزيز قدرات الأمم المتحدة على الانذار المبكر على نحو ما تقتضيه الفقرة 138من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة .(36) وسيكون من الضرورى اعادة تأكيد دورى الجمعية العامة ومجلس الأمن المتكاملين والمتآزرين فى المضى قدما بهذه الولاية العاجلة ، وهما يتحملان بوضوح مسؤوليات حاسمة فى هذا الشأن بموجب الفصول من الرابع إلى الثامن من ميثاق الأمم المتحدة .(37)

وينبغى على الجمعية العامة أن تنكب على النظر فى أمثل السبل التى يمكن من خلالها أن تساعد فى الوفاء بالإلتزامات المتعهد بها فيما يتعلق بأعمال المسؤولية عن الحماية . ويمكن تنظيم اشراف الجمعية العامة على تنفيذ الاستراتيجية المتفق عليها بطرق مختلفة بحسب ما يرغب فيه المجتمع الدولى .(38)

ويجب أن يكون استخدام القوة بما فى ذلك فى ممارسة مسؤولية الحماية ، مخولا دائما من قبل مجلس الأمن وفقا للفصل السابع أو من الجمعية العامة فى الظروف الإستثنائية تمشيا مع قرارها 377(د-5). ويجب أن يكون التفويض باستخدام القوة محددا فى عناصره القانونية والتشغيلية والمؤقت ، ويجب أن يكون نطاق الاجراء العسكرى ملزما ،نصا وروحا، بالولاية المفوضة من مجلس الأمن أو الجمعية العامة ، وأن يتخذ على نحو يتوافق بدقة مع القانون الدولى ولا سيما القانون الإنسانى الدولى والقانون الدولى للنزاعات المسلحة .ويجب ألا يترتب على استخدام القوة إلا حدوث أقل قدر ممكن من العنف وعدم الاستقرار ، ولا يجوز له أن يولد ، فى أى ظرف من الظروف ، ضررا أكبر من ذلك الضرر الذى خول بمنعه . وفى حالة التفكير فى استخدام القوة يجب أن يكون الإجراء المتخذ حكيما ومتناسبا وقاصرا على الأهداف التى حددها مجلس الأمن ، ويجب مراعاة هذه المبادئ التوجيهية طوال فترة التفويض بأسرها ابتداء من اتخاذ القرار حتى تعليق التفويض بموجب قرار جديد . وهناك حاجة إلى تعزيز اجراءات مجلس الأمن من أجل رصد وتقييم طريقة تفسير القرارات وتنفيذها من أجل ضمان المسؤولية أثناء الحماية . ويجب على مجلس الأمن أن يكفل مساءلة أولئك الذين يمنحون سلطة اللجوء إلى استخدام القوة .(39)


سادسا : الانذار المبكر والتقييم

لا يمكن الاحاطة بعمليات الاعداد لارتكاب الجرائم والانتهاكات المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية والتحريض عليها وارتكابها ، وكشفها على النحو الأمثل إلا من خلال طائفة من المناظير ، وذلك اعتبارا لحجمها وجسامتها . والمنظور القائم على حقوق الإنسان والاعتبارات الإنسانية منظور أساسى بطبيعة الحال ، غير أنه يلزم مراعاة كل من المنظور السياسى والأمن والإقتصادى والإجتماعى والإنمائى من أجل فهم نمط الأحداث التى يمكن أن تؤدى إلى مثل هذه الإهانات الجماعية للكرامة الإنسانية ، ومن أجل ادراك سبل احباطها . ويمكن فى هذا الصدد أن يتيح منظور المسؤولية عن الحماية أيضا إطارا متكاملا لتحديد الصلة بين مختلف عناصر رد الأمم المتحدة الموسع على مثل هذه الحالات أثناء تكشف فصولها ، ولسبر مسارها المحتمل . ويستتبع ذلك الاستعانة بالمعلومات المجمعة والمعارف المكتسبة من كيانات الامم المتحدة القائمة وبالتالى يجب أن تدمج مبادئ المسؤولية عن الحماية وأن تعمم مراعاتها فى الأعمال التى تضطلع بها المنظمة حاليا .فيجب أن يغدو العمل الجماعى والتعاون فيما يتعلق بالمسؤولية عن الحماية ، وفيما يتعلق كذلك بباقى الأعمال التى تقوم بها المنظمة اجراءا عمليا موحدا مليس أهدافا يطمح الى تحقيقها. (41)

ولا تشكل المعلومات فى حد ذاتها عنصرا مفتقدا إلا فى حالات نادرة . فقد أصبحت الهيئة العالمية أكثر فأكثر منظمة تطغى عليها الصبغة الميدانية . وتتيح المعارف والمنظورات الاقليمية والمحلية الطابع قدرات هائلة لدى النظر فى خيارات السياسة العامة فى مثل هذه الحالات المتسمة بالتنوع والحساسية . وينبغى لثراء عملية صنع القرارات فى الامم المتحدة باسهامات المنظمات الإقليمية ودون الأقليمية كلما أمكن ذلك . وينبغى تثبيت وتيسير التدفق المتبادل للمعلومات والأفكار والمعارف فيما بين الأمم المتحدة وشركائها الإقليميين وفى المناطق دون الإقليمية فيما يتعلق بقضايا المسؤولية عن الحماية ، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا المتصلة بالانذار المبكر والاستجابة المناسبة التوقيت والحاسمة .(42)

ولمواجهة تحدى المسؤولية عن الحماية فى القدرة على الانذار المبكر ، ليست الأمم المتحدة فى حاجة إلى أن تقيم شبكات جديدة للرصد أو لجمع المعلومات فى الميدان من شأنها أن تكررنفس العمل الذى تضطلع به الترتيبات القائمة . فبدلا من انشاء قنوات زائدة مكرسة حصرا لجرائم وانتهاكات المسؤولية عن الحماية فإن ادراج الاعتبارات والمنظورات المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية فى الأنشطة الجارية وفى عمليات الابلاغ التى تقوم بها الادارات الرئيسية والبرامج والوكالات والشبكات المشتركة بين الوكالات المعنية للأمم المتحدة بقدر ما تسمح الولايات المسندة إليها ذلك سيكون ملائما . وسيترتب على ذلك فائدتان أساسيتان : أولهما فى أن اضافة منظور المسؤولية عن الحماية إلى المنظورات الراهنة من شأنها مساعدة الأمم المتحدة فى استباق الحالات التى من يرجح أن ينشأ عنها ارتكاب مثل هذه الجرائم والانتهاكات ، وذلك عن طريق تعزيز قدرتها على الوقوف على بوادرها والتعرف على أنماطها ، وعلى الابلاغ والتقييم والتصرف بناء على المعلومات ذات الصلة . وثانيهما : أنه من شأن توخى هذا المنظر التوحيدى أن ييسر تحقيق الاتساق على صعيد المنظومة ككل ، عن طريق تشجيع اجراء الحوار بشكل أكثر انتظاما وتبادل المعلومات والتحليل المشترك فيما بين برامج ووكالات متباينة .(43)

غير أن تحسن تدفق المعلومات ليس من شأنه وحده ضمان صنع قرارات سليمة ، ناهيك عن ضمان بلورة الإرادة السياسية على اتخاذ اجراءات مناسبة التوقيت وحاسمة تنفيذا للقرارات المتخذة . فالمعلومات عنصر ضرورى ، غير أنها نادرا ما تكون شرطا لاستجابة جماعية فعالة . وتتسم كيفية تقييم المعلومات المتاحة باهمية قصوى فى حالات المسؤولية عن الحماية ، اعتبارا لأنماط السلوك والأعمال والنوايا التى تنطوى عليها الجرائم والانتهاكات الأربع المحددة . وينبغى أن تكون عملية صنع القرارات موسعة نسبيا ومتسمة بالمرونة على صعيد كل من الأمانة العامة والصعيد الحكومى الدولى . نظرا إلى أن استجابة الأمم المتحدة قد تأخذ فى الاعتبار مجموعة من الأدوات السياسية فى إطار الفصول السادس والسابع و/ أو الثامن من الميثاق . (44)

وتشمل مسؤوليات الجهات والبرامج والوكالات المعنية بالمسؤولية عن الحماية ما يلى : (45)
(أ)جمع المعلومات المتاحة ، وخاصة من داخل منظومة الأمم المتحدة ، بشأن الانتهاكات الجسيمة والخطيرة لحقوق الإنسان والقانون الإنسانى الدولى ذات الأصول الإثنية والعرقية والتى قد تؤدى إلى الإبادة الجماعية إذا لم يتم منعها أو وقفها .
(ب)العمل كآلية للإنذار المبكر للأمين العام للأمم المتحدة ، ومن خلاله لمجلس الأمن ،بتوجيه نظرهما إلى الحالات التى قد تسفر احنمالا عن الإبادة الجماعية ..
(ج)تقديم توصيات إلى مجلس الأمن ، عن طريق الأمين العام ، بشأن الاجراءات الكفيلة بمنع أو وقف الإبادة الجماعية
(د)الاتصال مع منظومة الأمم المتحدة بشأن الأنشطة المتعلقة بمنع الإبادة الجماعية والعمل على تعزيز قدرة الأمم المتحدة على تحليل المعلومات المتعلقة بالإبادة الجماعية أو الجرائم ذات الصلة وعلى ادارتها .

الخاتمة :

يتبادر إلى ذهن كثير من المحاضرين ذوى الموهبة الفكرية العديد من الاسئلة المعيارية لتحديد ما إذا كان للدول الأعضاء ولنظامنا للأمن الجماعى تنفيذ المسؤولية عن الحماية ومتى يتسنى لها ذلك وهذه الأسئلة تنحصر فى الآتى : هل تنطبق القواعد المتعلقة بالمسؤولية عن الحماية على جميع الدول بالتساوى من الناحية المبدئية ، وهل من المرجح أن تطبق بالتساوى من الناحية العملية ؟ هل من المرجح أن يؤدى اعتماد مبدأ المسؤولية عن الحماية ضمن ممارسات مجلي الأمن الجماعى إلى تعزيز احترام القانون الدولى أو إلى اضعافه ؟ هل ثمة ضرورة لمبدأ المسؤولية عن الحماية ؟ ومن ناحية أخرى هل يضمن هذا المبدأ أن الدول ستتدخل للحيلولة دون تكرار ما وقع فى بلدان كثيرة ؟ هل لدينا القدرة على مساءلة الجهات التى قد تسئ استخدام ما تمنحه تلك المسؤولية للدول من حقوق اللجوء إلى استخدام القوة ضد دول أخرى ؟

ونستخلص من هذه الدراسة أن مسؤولية الحماية تقوم على ثلاث ركائز . تتمثل الركيزة الأولى فى ما يقع على عاتق الدولة من مسؤولية دائمة عن حماية سكانها سواء كانوا من رعاياها أم لا ، من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقى والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ومن التحريض على ارتكاب تلك الأفعال . بينما تتمثل الركيزة الثانية فى التزام المجتمع الدولى بمساعدة الدول على الوفاء بتلك الالتزامات . وتشمل الركيزة الثالثة فى مسؤولية الدول الأعضاء عن التحرك فى الوقت المناسب فى اطار استجابة جماعية عندما يتجلى اخفاق إحدى تلك الدول فى توفير هذه الحماية .
تمت بحمد الله....
المراجع
(1)وثيقة الجمعية العامة ومجلس الأمن A/66/551-S/2011/701 الصادرة فى 11 نوفمبر 2011 والتى تتضمن رسالة مؤرخة 9 تشرين الثانى / نوفمبر موجهة إلى الأمين العام من الممثلة الدائمة للبرازيل لدى الأمم المتحدة الفقرات 1,2,4
(2)A/63/677-2
(3)A/63/677-3
(4)DC:Brookings institution press,1996,p.5-6
. FRANCIS M. DENG"sovereignty as responsibility :conflict management in africa" Washington
(5)EDWARD C.LUCK"the responsible sovereignand the resposibility to protect ,annual review of united nations affairs(oxford:oxford university press,2008,p23
(6)قرار الجمعية العامة 260ألف (د-3)، المرفق
(7)The responsibility to protect (ottawa:international development research center,2001,p65
)8)A/86/877
)9)S/1999/1257,A/54/549
)10)A/63/677-14
)11)A//63/677-15
)12) قرار الجمعية العامة 217ألف (د-3)
(13)A/63/677-17
)14)A/63/677-21
)15)THE 2005 WORLD SUMMIT OUTCOME(138-139)
)16)A/63/677-29
)17)A/63/677-30
)18)A/63/677-32
)19)S/1612/R(2005)
)20A/63/677-33(
(21)A/63/677-35
)22)A/60/891,A/61/204,S/2006/590
)23)A/63/677-40
)24)A/47/277,S/24111
)25)A/63/677-43
)26)A/63/677-47
(27)A/63/677-49,SG/SM/11701
)28)A/63/677-50
)29)A/63/677-52
)30)A/63/677-56,A/53/850-S/1999/231
)31)S/2008/1820
)32)A/63/677-58
)33A/63/677-61(
(34)A/55/305-S/2000/809
)35)A/59/2005
)36)A/63/677-67
)37)A/63/677-70
)38A/63/677-73(
(39)A/377/R(D-5)
)40)A/66/551-S/2011/701
)41)A/63/677/ANNEX.1
)42A/63/677/ANNEX.2(
(43)A/63/677/ANNEX.4
)44)A/63/677/ANNEX.5
)45)S/2004/567

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي