في هذه الاثناء - نص مسرحي

عباس منعثر
2014 / 10 / 9

في هذه الاثناء
المكان:
حفرة كبيرة جدا وسطَ طريق خارجي.
الشخصيات:
السيد1 (المقاول)،
السيد2 (المهندس)،
السيد3 (الآثاري)،
السيد4 (صاحب الارض)،
الزوجة،
الرّجل،
مساعدان،
وثلاثة شباب.

المشهد الأول
(في منتصف الطّريق، حفرة كبيرة وعميقة. المكان خال. يدخل رجل . يبدو سلطويا - سنسميه السيد1. يرافقه رجلان. يقومان بعمل قياسات للحفرة. يخرج خارطة)
السيد1: (لمساعدَيه) نعم، هناك. على مسافةِ كيلومتر.
مساعد1: لا توجد شبكةُ ماء.
مساعد2: ولا مجاري.
مساعد1: ولا كهرباء.
مساعد2: ولا تبليط.
مساعد1: ولا انترنت.
مساعد2: ولا.. .
السيد1: ممتاز. (ينصرف المساعدان)

(يدخل رجل - سنسميه السيد2 وهو يحمل عدة المسّاح. يعاني من حركة مفاجئة في جسده تزداد سرعتها كلما انفعل. يجري قياساته بمساعدة شخصين. يدون في دفتره ويلتحق به المساعدان)

السيد2: (لمساعدَيه) نعم، هنا. على ارتفاعِ كيلومتر.
مساعد1: لا يوجد انترنت..
مساعد2: ولا تبليط..
مساعد1: ولا كهرباء..
مساعد2: ولا مجاري..
مساعد1: ولا ماء..
مساعد2: ولا.. .
السيد2: ممتاز. (ينصرف المساعدان)
(كل في زاوية، يصرّح السيد1 والسيد2)
السيد1: (للكاميرات والاعلام) بخصوصِ الموضوع..
السيد2: (للكاميرات والاعلام) بخصوصِ الموضوع..
السيد1: (للكاميرات والاعلام) مضبوط..
السيد2: (للكاميرات والاعلام) صحيح..
السيد1: (للكاميرات والاعلام) مثلما أرى..
السيد2: (للكاميرات والاعلام) أظنُّ..
السيد1: (للكاميرات والاعلام) حسبما أعتقد..
السيد2: (للكاميرات والاعلام) في الأيامِ القادمة..
السيد1: (للكاميرات والاعلام) مستقبلاً..
السيد2: (للكاميرات والاعلام) القضية تحت السيطرة..
السيد1: (للكاميرات والاعلام) الموضوعُ مطمئن..
السيد2: (للكاميرات والاعلام) وفي الاخير أقول لكم.
السيد1: (للكاميرات والاعلام) شكراً.
السيد2: (للكاميرات والاعلام) شكراً.
السيد1: من تأنى..
السيد2: أدركَ ما تمنى..
السيد1: الالف ميل..
السيد2: يبدأ بخطوة..
السيد1: اول الغيث..
السيد2: قطرة..
(يدخل رجل - سنسميه السيد3 يتحرك على اطراف اصابعه وينظر في هوة الحفرة. يأخذ ترابا يشمه ثم ينظر اليه بمكبر، ويحتفظ به في كيس).
السيد3: ترابُ هذهِ الحفرةِ غريب. جزيئاتُهُ ثلاثيةٌ دبوسيةٌ متكلسة.
(يرقص السيد3 بانتشاء وكأنه اكتشف كنزا)
السيد1: كلُّ الصّحفِ تتحدثُ عنها.
السيد2: أخطرُ بقعةٍ في العالم.
السيد1: لكثرةِ السّياراتِ التي وقعت فيها وعددِ الضّحايا الذين ابتعلتهم.
السيد2: تلتقطُ الطّائراتِ على بعد3 كم في السّماء.
السيد1: هذا يفسّرُ اختفاءَ بعضِها مؤخراً.
السيد2: بالالاف.
السيد3: لا يعلمون..
السيد1والسيد2: ماذا؟
السيد3: من خلالِ معرفتي الآثارية وجدتُ ترابَها من النّوعِ الذي تنفصمُ فيه الاحمضةُ النّوويةُ بالانشطارِ الذاتي.. هذا النّمطُ لا يوجدُ الا في كهوفِ الانسانِ القديم!
السيد1 والسيد2: لطيف.
السيد3: ثمة انزياح تُربوي يمتد ارتجاعياً مسبباً ذبذباتٍ ايروسية.. ظاهرةٌ نادرة لا تحدثُ إلا كلَّ مليون سنة تقريبا.
السيد1: يا لنا من محظوظَين.
السيد3: (غاضبا) .. محظوظِين!
السيد2: (مهدئاً) محظوظِين.. محظوظِين.
الجميع: (يغنون)
مستقبلٌ زاهرٌ ... أمامَنا
ولحظةُ السعادةْ.. في جيبنا..


المشهد الثاني
السيد1: أصدقائي، بعدَ سقوطِ النّاسِ في الحُفرة، يُجرحُ بعضُهم.
السيد2: للأسف.
السيد1: أقربُ مستوصفٍ على مسافةِ 70 كيلومتراً. الجرحى سيتألمونَ، يصرخونَ وينزفونَ حتى الموتِ، في الطّريق. إذنْ ماذا نحتاجُ لانقاذِ الموقف؟
السيد3: نحتاجُ إلى..
السيد1: بناءُ مستشفى.
السيد2: احسنت!
السيد3: مستشفى؟
السيد1: بسبعينَ طابق.
السيد3: ناطحةُ سحاب؟!
السيد1: تتوفرُ فيهِ كافةُ المستلزمات.. من الإبرةِ الى الصّاروخ.
السيد3: مستشفى في صحراء!
السيد1: نستقدِمُ أفضلَ الاطباءِ العالميين. ونهتمُّ خصوصاً بقسمِ الجراحةِ التجميلية، لأنّ العديدَ منهم يتشوهونَ أثناءَ الحوادث. هذا فمُهُ مكسور وذاكَ فكُّهُ مقلوع وتلكَ خدودُها متورمة.
السيد2: اسمحْ لي هذا عملي. من خلالِ مشاهداتي للأبنيةِ الشّامخةِ في بلدانِ العالمِ المتقدمِ، بينَ الجبال، وفوقَ المحيطاتِ وتحتَ البحار، توصلتُ الى فكرةِ.. المجسر الأفعوي.
سيد3 : أفعوي.
السيد2: سيكونُ شكلُهُ كالأفعى.. صاعد نازل، نازل صاعد.
السيد1: مثل مدينةِ الألعاب؟
السيد2: نعم. على الأقل يستمتعُ الانسانُ في آخرِ لحظاتِهِ قبلَ أن يوّدعَ الحياة.
السيد1: جسرٌ فوقَ الحفرة؟ يعني لن تقعَ حوادث، يعني لا مستشفى.
السيد2: في وسطِ المجسر نعملُ فتحةً كبيرةً بحجمِ الحفرة..
السيد1: بحجمها تماما؟
السيد2: بحيثُ يبقى الوضعُ كما هو عليه.
السيد1: القلقُ يحاصرني.
السيد2: لا تقلق. سيكونُ وقوعُ السّياراتِ من مكانٍ أكثرَ ارتفاعاً وسيزدادُ عددُ الضّحايا.
السيد1: لكن ربما يموتونَ جميعاً بسببِ الارتفاعِ الشّاهق ولن يكونَ هناكَ جرحى.
السيد2: نقلّلُ الارتفاع، لا بأس.
السيد1: وقد نوّسعُ الحفرةَ قليلاً اذا تطلّبَ الأمر.
السيد2: تمام.
السيد3: أكادُ أُجن.
السيد2: أنا واثقٌ اننا سنزاحمُ برجَ إيفل وتمثالَ الحرية بهذا الصّرحِ العملاق.
السيد3: يا إلهي، يا إلهي!
السيد1: خيراً؟
السيد3: تريدونَ تشويهَ المَعْلَمِ الآثري؟! إنها أقدمُ بقعةٍ على وجهِ الأرض. هنا هبطَ آدم. ماذا تقولون؟!
السيد2: تحتَ المُجسّر بامكانِكَ أن تفعلَ ما تشاء.
السيد3: أبداً لن اتنازل..
السيد1: لا يُعَدُّ التنازلُ تنازلاً إذا نظرتَ إليهِ على أنهُ تمسّكٌ بالمبادئ.
السيد3: أنتم تحتقرونَ الآثار وكأنها حجارةٌ قديمة.
السيد2: (لسيد3) يا أخي أيّ آثار. الزّقورةُ يأكلُها الترابُ والملويةُ ينعق فيها الغراب.
السيد1: (لسيد3) الناسُ تنظرُ إلى المستقبل وأنتَ عيناكَ على الماضي.
السيد3: لو استثمرنا الإعلام فإنّ ملايينَ البشر ستأتي الى هنا. وستنتعشُ السّياحة.
السيد1: كيف؟
السيد3: في إحدى زياراتي إلى أوربا لاحظتُ باباً قديماً متآكلاً يتجمهرُ حولَهُ النّاس ويلتقطونَ الصّور. سألتُ مُرافقي، ما هذا؟ أجابني: إنهُ بابٌ لحاكمِ الولاية قبل 500 سنة. ضحكتُ من قلبي، وكادَ يُغمى عليّ. 500 سنةً فقط. تصوّروا أنَّ هذا البابَ أهمّ موردٍ في الولاية!
السيد1: نصنعُ باباً أيضاً.. نسخة طبق الاصل.
السيد2: نضعه على يسار المجسّر!
السيد3: لدينا حفرة عمرها 7000 سنة.. ولسنا بحاجة الى باب..
السيد1: بل نحتاجُ الباب..
السيد3: لا نحتاج الباب..
السيد2: باب.. باب..
السيد3: لا نحتاج الباب..
السيد2: باب.. باب..
السيد3: لا نحتاج الباب..
السيد1: لكن، ألا يحتاجُ السّائحُ الى مرافقَ حيوية؟
السيد3: يحتاج.
السيد1: نشيد فندقاً 10 نجوم اذن.
السيد3: النظرية السياحية..
السيد2: ألا يجبُ تسليةُ السّائح؟
السيد3: يجب.
السيد2: نبني له صالةَ سينما.
السيد3: من خلالِ خبرتي..
السيد2: فيها شاشةٌ عملاقةٌ مفتوحةٌ على الحفرة..
السيد3: من زاويةٍ تأريخية..
السيد2: ويشاهدُ الجمهورُ مباشرةً الضّحايا..
السيد1: وهم يصطدمونَ..
السيد2: ويقعونَ..
السيد1: ويصرخونَ.. .
السيد2: بلا مونتاج.
السيد1: مشهد سينمائيٌّ فتّاك.
السيد2: الله! سنزودُهُم بنظاراتٍ خُماسيةِ الأبعاد..
السيد1: (مكملاً) نوقفَ الصّورةَ..
السيد2: (مكملاً) نُضخّم الصّرخة..
السيد1: (مكملاً) فترتفعُ طقطقةَ العظام..
السيد3: إنها مجزرة.. يُمنعُ البناءُ في محيطِ 100 ألف كيلومتر. هذهِ مسألةٌ علمية وليستْ رجماً بالغيب.
السيد2: (للاثاري) من أجلِكَ أتنازلُ عن مبادئي وأُصممُ المجسر على شكلِ زقورةٍ، حفاظاً على التراث..
السيد3: بل نسيّجُها بسياجٍ ضخم، وتُحمى بفرقةٍ عسكريةٍ كاملة.
السيد1: عنادكَ سيضيعُ الفرصة.
السيد2: خففْ يا عصامي.
السيد3: لا أقبل. أُريدُها محمية، محمية.
السيد1: دفعنا دمَ قلبِنا كي نحصُلَ على هذهِ الحفرة.
السيد3: أبداً..
السيد2: تُريدُها كنزاً مخزوناً متعفناً؟
السيد3: فليكن..
السيد1: خلافُنا يتيحُ فرصةً للآخرين كي يأخذوها منّا..
السيد3: لا يهمني.
(ترتفع الضّجة. لا نكاد نسمع أيا منهم وهم في منتهى الغضب)

المشهد الثالث
(بينما يتجادلون يدخلُ رجل، سنسميه السيد4 يبدو غريب الأطوار)

السيد4: منذُ ساعة وأنا أُراقب.. أراكم تذهبونَ وتعودون.. تضحكونَ وتصرخون. اسمحوا لي أن أسأل.. من أنتم وماذا تفعلونَ هنا؟
السيد2: أعيدَ السؤالَ عليك: من أنت وماذا تفعلُ هنا؟
السيد4: أجيبوني قبلَ أن أفعلَ شيئاً تندمونَ عليه.
السيد1: تُهددُنا حضرتُك؟
السيد4: اسمعوا.. ثامن قاتلٍ في التاريخ هو جدي السّابع. أكبر سفاحٍ عمي الرّابع. أجدادي أوّلُ من قدحَ الزّناد. نحن القبيلةُ الوحيدةُ التي تِعدادُها يتجاوزُ الصّين بعظمتِها..
السيد1: طيّب. جئنا من أجلِ اقامةِ مشروع.
السيد3: مشروعٌ يعيدُ بهاءَ الماضي..
السيد4: وحقِّ عشيرتي وأهلي لو تحرّكتْ ذرةُ ترابٍ من غيرِ إذني تقومُ القيامة. أفهمتُم؟
السيد3: أضمُّ صوتي الى صوتِك، لن تتحرّكَ ذرّةٌ، إطمئن.
السيد1: ما هيَ صفتُكَ حتى تتحدثَ معنا هكذا؟
السيد4: أنا صاحبُ الأرض.
الجميع: ونحنُ لجنةٌ حكومية.
السيد4: اضحكتموني. وحقِّ زوجاتي الأربع، توارثَنا هذهِ الأرض سَلَفاً عن سَلَف وأنا آخرُ الوارثين.
السيد1: الذي أعرفُهُ أنها مِلْكٌ عامٌّ وليستْ مُسجلّةً باسمِ أحد.
السيد4: اذهبْ الى قبورِ اجدادي وسيعطونَكَ سندَ المِلْكية، هههه.
السيد1: (للسيد2 و للسيد3) اجتماع.
(يجتمعون بينما ينظر اليهم السّيد4 بترقب)
السيد1: (همساً) نحنُ أمامَ تحدٍّ عصيب.
السيد2: يدّعي المعتوهُ أنّهُ مالكُ الأرض.
السيد3: متخلّف ووقح.
السيد1: الموضوعُ سريٌّ كما تعلمون.
السيد3: كائنٌ شرس..
السيد1: يمكنُ ترويضُه..
السيد2: نطردُه؟
السيد1: قد يُثيرُ الشّغبَ.
السيد3: مخُّهُ مُــ.. غْـ.. لَـ.. ق.
السيد1: لكلِّ قَفْلٍ.. مفتاح.
السيد2: والعمل؟
السيد1: نرمي لهُ عظمة.
السيد2: نرمي له عظمة.
السيد3: (مترددا) موافق.
السيد4: هَوْهَوْهَوْ.
الجميع: (ينظر كل بوجه الاخر وبصوت موحد) تَـــمْ.
السيد1: (للسّيد4) طيّبْ أخي، ماذا تُريد؟
السيد4: لكي أوافقَ على الاستثمارِ في أرضي التي هيَ مِلْكي..
الجميع: نعم.
السيد4: وحتى لا أقلِبَ عاليها سافلَها.. .
الجميع : نعم.
السيد4: أطالِبُ بدارٍ كبيرةٍ جدّاً هنا؛ فأنا أسكنُ في العراء مع أطفالي الأربعة.
الجميع: حسناً.
السيد4: .. وأريدُ حضيرةً أُرَبي فيها ما أشاءُ من حيوانات. أعشقُ الحيوانات.
الجميع: لكَ ذلك.
السيد4: .. وأريدُ بحيرةً صغيرةً يلبطُ فيها السّمك. أموتُ على السّمك.
الجميع: لا بأس.
السيد4: (يفكر) ممممم.
السيد1: وزوجاتُكَ الأربعُ ..
السيد3: وأطفالُك معكَ..
السيد2: ماذا تقول؟
السيد4: ممممم، أريدُ وظيفة.. فأنا عاطلٌ عن العمل.
السيد3: ستُصبحُ حارسَ المحمية.
السيد1: .. ومديرَ إدارةِ الفندق.
السيد4: جيد. بصفتي الحارس، أرجو ان تحذروا..
الجميع: لماذا؟
السيد4: المنطقةُ مليئةٌ بالأفاعي القاتلة.
(صخب في المكان حيث يحاول كل منهم الاختباء)
السيد4: (يكمل) طولُ إحداها 100 متر. لأكثرِ من مرّةٍ التهمتْ الافاعي العديدَ من الخرافِ والاطفالِ والنساء.. فكونوا حذرين.
(لحظة صمت)
السيد4: لكن.. بوجودي.. لا تخافوا!
السيد2: روعة! أفاعي! اذا جلبنا 100 ألفِ شجرة يُصبحُ المكانُ غابةً من غاباتِ الأمازون، تحيط بالمجسر العملاق.
السيد3: غابة؟! يعني ماء. ماء؟ يحطّم الجزيئاتِ الكلسية وتُصبح الاثارُ مستنقعاً!
السيد1: (للسيد3) بالنسبة للمستنقع عندي مشروعُ انعاشِ الاهوار.. اما الافاعي فيجبُ مكافحتُها.. (منفعلاً) يا أصدقائي قد يموتُ النّاسُ بِسُمِّ الافاعي قبلَ وصولِهم الى الحفرة.
السيد2: على العكس، كلّما تزدادُ خطورةُ المكان كلما ينتشرُ الخبرُ عالميا.
السيد3: أذهبُ مع مكافحةِ الأفاعي.. فوجودُها يؤثرُ على التربةِ سلبيا..
السيد1: اجتماع.

(قبل أن يجتمعوا تدخل امرأة لا يظهر من وجهها سوى عينيها.. سنسميها الزوجة والتي كانت تطل برأسها بين الحين والاخر طيلة الجدل السابق)

الزوجة: (تنادي على السيد4) يا مديرَ الإدارة.. يا حارسَ المحمية..
السيد1: من السيدة؟
السيد2: من السيدة؟
السيد3: من السيدة؟
السيد4: زوجتُنا المصون.
(يتحرك باتجاهها ممثلاً الغضب مع أن اتفاقاً سرياً قد جرى بينهما)
السيد4: ما الذي جاءَ بكِ؟
الزوجة: الظنون.. عدمُ الثقة.. غدرُ الرجال..
السيد4: تباً لكِ؟
الزوجة: (صائحة) أخبرْ هؤلاءِ السّادة..
السيد4: أش أش!
الزوجة: (صائحة) أنّ المرأةَ نصفُ الكون..
السيد4: هُسْ، هُسْ!
الزوجة: (صائحة) أخبرْهم من غيرِ زيادة..
السيد4: لا لا لا لا!
الزوجة: أن الرّوحَ تريدُ العون!
السيد4: ما أغباكِ! يا ملعونة! يا مجنونة! ما أغباكِ!
السيد1: (مخاطباً الزوجة) سيدتي..
الزوجة: لبيتُ القائلَ سيدتي..
السيد1: زوجُكِ أصبحَ مديرَ الفندق.
السيد3: والمحمية..
السيد2: وحولَ الجسر..
السيد1 (للسيد4) يا حارس المحمية.. قم بواجبك.
السيد4: حاااااااااااااضر!
الزوجة: (منفردة بالسيد1) أيها الرّجلُ النبيل.. أيها الفحلُ الأصيل.. بُحَّ صوتي، جفّ ريقي، لستُ أدري ما طريقي.
السيد1: ما خطبكِ؟
الزوجة: لي من العلمِ منتهاه، فلا يغرّنكَ ما تراه.. من نحولِ جسمي، وأمراضِ قلبي وألفِ آهٍ وآه..
السيد1: يا الله!
الزوجة: مهما ظلمٌ حلّ عليّ، مهما زمني كفَّ يدي، مهما زوجٌ يخدعُ قلبي، مهما ناسٌ تأكلُ حقي، من فكّ السّبعِ سآخذه!
السيد1: أحترمُ المرأةَ العصامية..
الزوجة: جئتُ أنا رغمَ المعمع، كي أحمي الزّوجاتِ الأربع!
السيد1: وما هي طلباتُ نصفِ المجتمع؟
الزوجة: هل تدركُ ما تعني الحفرة؟ هل تعرفُ قدّاسَ الحفرة؟!
السيد1: لا.
الزوجة: النساءُ البائسات، النساءُ الصابرات، النساءُ العاجزات، والاراملُ والبنات.. في ليالي البردِ والخوفِ الشديد، في ليالي القهرِ والجوعِ العنيد.. بالشموع، والعطور، بالدعاءِ والبخور، بالدموع، والمآسي في الصدور.. يجتمعنَ الليلَ ينذرنَ النذور، ويقدمن القرابينَ شهوراً وشهور.. كي يعودَ الغائبون، كي يُعافى المقعدون، والجياعُ يأكلون، والحزانى يفرحون.. (تبكي)
السيد1: (يحضنها) آه، آه!
الزوجة: ماءُ الحفرةِ جربناه..
السيد1: ما شاءَ الله!
الزوجة: قد تبدو الحفرةُ – عن جهلٍ- مجرّدَ حفرة.. في نظرِ الناس، والماءُ النابعُ منها خَبَثاً ونجاس.. لكنّ الحفرةَ مأوى، والماءَ خلاص. هذي الحفرةُ مأوى والماءُ خلاص.. والماءُ خلاص.. الماءُ خلاص.. الماءُ خلاص..
السيّد1: يبدو أنك تعانين.. استريحي.. وقولي ما في قلبك..

(السيد3 يرتفع عنده الشكّ يتكلم مع السيد2 بينما السيد4 يحرس المكان)
السيد3: (ممتعضا من سلوك السيد1) لا أحبُّ الخططَ الفردية..
السيد2: سنعرفُ بعد لحظات..
السيد3: (يقصد السيد1) حضرتُهُ يريدُ كلَّ شيءٍ لنفسِه!
السيد2: اذا لم يتجاوزْ الخطوط الحمراء، لهُ أن يفعلَ ما يشاء!
السيد3: أمثالُهُ لا يُمكنُ ضمانُهم.
السيد2: وهل يُمكنُ ضمانُ أحدٍ في هذهِ الدنيا؟!
السيد3: ضعْ يدَكَ بيدي وأضمنُ لكَ المُجسر.
السيد2: يدي بيدِ كلّ انسانٍ شريف.
السيد3: فقط، ساندْني في موضوعِ المحمية.
السيد2: ما دمتَ لا تمدُّ يدَكَ في جيبي لن أطلقَ النارَ عليك.
السيد3: فقط.. تنبه.. ولا تندفعْ معه.
السيد2: النباهةُ إحدى حسناتي..

(في خلوتهما السيد1 والزوجة)
الزوجة: (للسيد1) لا تحسبُ أني دجالة، أو حيالة..
السيد1: لا لا .. لا لا!
الزوجة: بناتي تسع.. أخافُ عليهنَ اذا ما طالَ الحرمان..
السيد1: معاذ الله!
الزوجة: من أجل القوت.. من فرطِ الجوع، يزلُّ وينحرفُ الانسان..
السيد1: لا سمحَ الله!
الزوجة: قبلَ قليلٍ عيّنت المعتوهَ مديرا، فكّر فكّر بمرونة.. لأنكَ قد تأتي في الغد، لتجدَ الحفرةَ مدفونة.. مد..فو..نة!
السيد1: يا للهول!
الزوجة: لنا حصّة؟
السيد1: ألديكِ سيدتي فكرة؟
الزوجة: (بإغواء) الماءُ شفاء، الماءُ دواء.
السيد1: وجدتُها.
(فرحاً يذهب السيد1 الى السيد2 والسيد3)
السيد1: وجدتُ فرصةً استثماريةً هائلة. هذا الماء مقدّس.. سنجمعهُ في قناني.. نعلبهُ ونبني .. نبني.. نبني..
السيد2: مصنعاً للمياهِ المعدنية!
السيد3: كم تعشقونَ التمدن الزائف!
السيد1: (للسيدة) مبروك سيدتي الكريمة.. عيّناكِ مديرةً لمصنعِ المياه المعدنية.
السيد2: مبروك.
الزوجة: شكراً لكَ.. شكراً لكم..
السيد1: (للسيد4 والزوجة) أرجو أن لا تُخبروا أحداً بالأمر. كما تعلمون: الشّمعةُ المعرضةُ للرّيح، تنطفئ.
السيدة: وهو كذلك... وهو كذلك.. وهو كذاااااااالك!
(تغادر يصاحبها السيد4)
السيد3: (نوبة جنون) هااااااااااا!! أعترضُ، أحرّمُ، أتبرأ، أرفض.
السيد1: أنتَ تحبُّ الاعتراض فقط..
السيد3: أيتها الحيتان..
السيد2: هل لنا أن نهدأ؟
السيد3: جوزيف العاشر أصابتهُ اللّعنة لأنهُ حطمَ تمثالَ انتيفوسيوس.
السيد2: اسمع فقط.
السيد3: رومانوس أصيبَ بالشللِ لأنهُ أحرقَ روما.
السيد2: يا سيد..
السيد3: أور أصابَها القحطُ لأنّ أهلَها هجروها..
السيد2: سنعمّرُها وتُصبحُ قبلةً للعالم.
السيد1: كنْ على ثقة..
السيد3: تساهلتُ معكم كثيراً يا أعداءَ التّاريخ.
السيد2: (للسيد3) أيها الأُميّ، هل تُصدّقُ أنّكَ آثاريّ؟
السيد3: (للسيد2) يا من لا يعرفُ 4 في 4 هل هي ثمانية أم 26 متى زوّرتَ شهادتك؟!
السيد1: (للسيد3) يا مُهرّبَ الآثار اسكت. (للسيد2) يا مزور الشهادة اصمت. نحن في مُفترقِ طرق. اذا اختلفنا هكذا تكالبتْ علينا الكلاب.
(بعد الاتفعال يهبط صمت ثقيل بينمل كل واحد نهم في زاوية)

المشهد الرّابع
(يدخل رجل بلحية طويلة وملابس مهلهلة. في وجهه فرح غامر ويقطع عليهم صخبهم)
الرجل: لا أُصدّقُ عيني.. أخيرا. كلُّكُم هنا؟
الجميع: طبعاً.
الرجل: نشكرُ مجيئكم، وضمائرَكم النّقية.
الجميع: قطعاً.
الرجل: لسنواتٍ وسنوات ونحن نقدّمُ الطّلباتِ والتّضرعاتِ والتّشكرات حتى نفذَ الحبرُ والورق.
الجميع: بالتأكيد.
الرجل: الآن سأثبتُ للعالم أنهُ ما ضاعَ حقٌّ وراءهُ مُطالِب.
الجميع: لا شكّ.
الرجل: كان الأهالي يسخرونَ منّي ومن الشكاوى التي أقدّمُها كلَّ يوم، اصبحوا ينادونني (حجي شكوى، سيد حفرة).
الجميع: لا ريب.
الرجل: آه لو تعلمونَ كم أخذتْ هذهِ الحفرةُ اللّعينة من أرواحٍ وكم هدمت من بيوت.. ألتقطُ لكم صورةً كي يراها الجميع.
السيد1: قف.
السيد2: انتظر.
السيد3: لا صور.
السيد1: ماذا تريدُ أنتَ الآخر؟
الرجل: ألم تاتوا بناءً على طلبِنا؟
السيد2: أيُّ طلب.
الرجل: ردمُ الحفرة.
السيد3: ردمُ ماذا؟
الرجل: الحفرة.
السيد1: يالها من فكرة!
الرجل: ترابٌ لا يكلّفُ شيئا. تبليط وينتهي الأمر.
السيد3: هل جننت؟
الرجل: اذا سألتَ دجاجةً هناك حفرةٌ كبيرةٌ تودي بحياةِ الأبرياء. ماذا تفعلينَ يا دجاجة؟ ستقولُ بعد أن تكاكي: ادفنوها.
السيد1: دجاجةٌ حكيمة. ماذا قالت؟
الرجل: ادفنوها.
السيد1: ألا تعلمُ دجاجتُك أنّ الماءَ الذي فيها يُشفي من الأمراض؟!
الرّجل: انه ماءُ عفن.. مياهٌ جوفية.
السيد1: (بانفعال) بل ماءٌ مقدّس.
السيد2: بصرفِ النّظر عن الماءِ ورائحتِه.. يبدو أنكَ تجهلُ ما تقول.
الرجل: كيف؟
السيد3: أتعلمُ ماذا سندفنُ اذا دفنا هذهِ الحفرة؟
الرجل: لا.
السيد1: سندفنُ آلافَ الاطباء.
السيد2: رأسَ المال.
السيد3: والمحمية.
السيد1: بائعي الدّواءِ.
السيد2: برج إيفل.
السيد3: والحضارة.
السيد1: الممرضات.
السيد2: السينما.
السيد3: والماضي.
السيد1: العيادات الخاصة.
السيد2: المنتجع.
السيد3: والتاريخ.
السيد1: كلُّ هذا من أجلِ دجاجة.
الرجل: (غاضبا) سأنادي على أهلِ القرية.. هم لا يرحمون حينما يتعلّقُ الأمرُ بأرضهم.. سيمزقونَكم إرباً.
السيد1: (للرجل) قف.
(يعود السيد4 ويوقف الرجل عن الخروج)
السيد1: (للآخرين) اجتماع.
(يجتمعون بينما يراقبهم الرّجل)
السيد2: لدي فكرة.. ما رأيكم لو نُشركُهُ في المشروعِ أيضاً.
السيد1: خوفي أن نشركَ القريةَ كلّها.
السيد3: وتبقى لنا الفتافيت..
السيد4: احذروا.. انه يتكلّمُ أكثرَ من الّلازم، ويعترضُ أكثرَ من المطلوب.
السيد2: المالُ يُلَيّنُ الحديد.
السيد4: صاحبُنا مصابٌ بداءِ الضّمير واللّسانِ الطّويل.
السيد3: وماذا يُمكنُ أن يفعل؟
السيد4: أووه! ما لا يمكن تصوره. كثيرونَ هم الذي فضحهم وسخّمَ وجوههم.
السيد1: مع ذلك.. سنحاولُ معه بالحُسنى.
السيد2: إذا رفضَ نلجأُ الى وسائلِنا المعتادة.
السيد4: حالما يبدأُ العنفُ سيكونُ دوري.
الجميع: تَم.
السيد1: (للرجل) ما رأيكَ بقصرٍ كبيرٍ هنا؟
السيد2: ما رأيكَ بحضيرةٍ بألافِ الاميال؟
السيد3: ما رأيكَ ببحيرةٍ صغيرةٍ يلبطُ فيها السّمك؟
السيد2: ووظيفةٍ لم يحلم بها جدُّكَ السّابع؟
السيد3: تعيشُ ملكاً مهاباً سعيداً في الفردوس؟
الرجل: والمقابل؟
السيد3: لن تخسرَ شيئاً..
السيد1: تُصبحُ واحداً منّا..
الرجل: هي حفرة يا سادة، وليست غنيمة..
السيد2: كفاكَ تعنتاً.
الرجل: عرفتُ سببَ اهمالِ الشّكاوي. جميعكم من الصّنفِ نفسه.
السيد1: الغبيّ من يُصرُّ على خوضِ المعاركِ الخاسرة.
الرجل: واذا قلتُ لا.
السيد1: صرختُك ستضيعُ في البرية.
الرجل: واذا قلتُ نعم؟
السيد2: ستربح.
السيد1: اذا اقتضت الضرورة..
السيد3: اذا حدثتْ مشاكل..
السيد2: فإننا مضطرون إلى..
السيد1: والعاقلُ يفهم القصد.
الرجل: (منتفضاً) نعم العاقل يفهم. ستطردوننا جميعا.. ونتشرد. أليسَ كذلك؟ نحن واطفالُنا ونساؤنا.. تريدونَ أن تكونَ السماءُ غطاءنا والترابُ لحافَنا.. تريدونَ أن يقتلَنا البردُ شتاءً والحرُّ صيفاً.. تريدونَ أن يذلَّنا الجوع ويُحطمُنا الألم.. أعلمُ ذلك.. لكن ما الذي تبّقى نخافُ عليه..ها؟ الجميعُ يصرخُ يا نفسي يا نفسي، وللقيرِ بنفوسِ الآخرين، الجميعُ يقرّبُ النارَ من خبزِهِ، والى جهنمَ بخبزِ الآخرين. أتعتقدونَ أنّ الانسانَ سلعة، يباعُ ويُشترى.. أتظنونَ أنّ لكلّ شيءٍ ثمن؟ اسمحوا لي أن أقولَ لكم: أنا لستُ للبيع.. لستُ للبيع (يصرخ) ياناس، يا ناااااس.
(يهجمون عليه. يكممون فمه. يصارعهم.. يفلت منهم. يحاصرونه، يحاول الهرب، يمنعونه.. يمسكونه.. يقاومهم. بعد صراع، يرمون به الى الحفرة لكنه يتشبث بحافتها. يقومون بافلات كفيه من الحافة. يقع مع صرخة طويلة قبل ان تبتلعه الهوة تماما)
الجميع: تَـــمْ.
(يغادرون وهم مصممون على انجاز مهمتهم، ومن الظلام يخرج ثلاثة شباب ويدفنون الحفرة بينما يهطل مطر غزير)

انتهت

(من مجموعة سبع مسرحيات كوميدية - ستصدر قريبا)

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية