المثقف والسلطه صراع الفكر والقوه

مصطفى محمود
2014 / 9 / 20

لم يكن مستغربا ما آل إليه دور المثقف العربي، وتأخره عن حركة الشارع وزخمه، خلال الثورات التي شهدتها وتشهدها الكثير من البلدان العربية، دور جاء نتيجة عقود من ممارسات، وإجراءات أفقدته السلطة على تفكيره وحريته وآرائه، وغيبتّه في ظلال التحولات التي شهدتها المجتمعات العربية تحت ظل أنظمة أيديولوجية شمولية، كرست بنيانها المتهافت إلى السلطة، معتمدة على إقصاء سلطة المثقف، وجعلها سلطة تذوب وتختفي خلف السلطة السياسية للدولة والمجتمع.

أدركت الأنظمة خطورة سلطة المثقف، كونها تحترف الفكر، وتؤثر في أفكار الناس، وتوظيف ما في أذهانهم من معارف ومقولات ومفاهيم في اتجاه معين، كأحد أشكال ممارسة السلطة، ليس بمعناه المادي، بقدر حفاظها على الثقافة ككيان متفاعل داخل المجتمع، قادر على الإنتاج وتجديد الذات، ورفده بالفكر والعمل السياسي، الذي يبنى في أساسه على البحث عن أدوات التغير، ما شكل مساحة وبؤرة توتر، تؤرق أنظمة الحكم، ورؤيتها للمجتمع، التي لا تقبل القسمة إلا على نفسها. لذا كانت العلاقة بين سلطة المثقف وسلطة السياسي متوترة لسنوات، استطاعت خلالها السلطة السياسية من الهيمنة على الثقافة ومفاصلها، وإشاعة أيديولوجيتها، وإقصاء الفكر إلى خارج المجتمع.

الجلي في بلداننا، أن دور المثقف بدأ بالانكماش مع نهاية فترة الستينات، حيث سبقها فترة تأسيس الحياة السياسية وبناء الدولة بعد الاستقلال، والحاجة إلى المثقف، لزجه في السجال الفكري بين التيارات السياسية المختلفة، كجزء من حراك سياسي واجتماعي، اختتمت فصول هذه الفترة بنكسة حزيران/يونيو، التي أسكنت الهزيمة في جنبات الثقافة والوعي، وأسست لابتلاع السياسة لكل مجالات الثقافة، وتفخيمه بخطاب متشنج. اخفت خلفه القوة العارية والعمياء للدولة، المتوسلة للغة السلاح وتجيش المجتمع، وصياغة الشرعية تحت شعارات الثأر واستعادة الحقوق، محددة دور المثقف بالتزامه بالقضايا الكبرى، العابرة للأحاسيس والأزمنة.

من خلال مفهوم الالتزام وإسقاط المفاهيم السياسية على الثقافة وحراكها، ضعفت سلطة المثقف، وتراجع دوره وتواصله مع الناس، وظهرت ثقافة سياسية معلبة ومصنعة، ذات الصلاحية والسطحية المناسبة للاستهلاك في مناسبات المديح والذم، والمحددة بما ترضاه السلطات السياسية ومزاجها الأمني، الأمر الذي أثر على الخطاب الثقافي وبنيانه حيث حُمِل بخطاب أيديولوجي يعبر عن رأي واحد، أدخلت الثقافة في أزمة مديدة، مع انتزاع جوهرها الحر، وعلاقتها بالحراك الاجتماعي، وجعلها تابعة ومسخّرة للسياسة، متصلبة وفقيرة، تفرض قسرا على جماهيرها، بعد احتكار الدولة للإعلام والصحافة ودور النشر، وبذلك تداخلت وظائف المثقف مع وظائف السلطة، وظهر ما يسمى بمثقف السلطة.

اخذ مثقف السلطة دور الواعظ، مطالبا جمهوره بالطاعة، متجردا من أي دور ناقد، متحولا إلى موظف بيروقراطي، همه تسلق المناصب واعتلاء المنابر، لا يكتنز المعرفة بقدر اكتنازه الثروة والنفوذ، مبعدا المثقف الحقيقي عن الواجهة الثقافية والاجتماعية. أمرُ دفع إلى اختلاط المعايير الثقافية وغياب مشاريعها النافذة، فلم يعد من المستخرب / من الخراب/ أن يعين ضابط امن بعد تقاعده مديرا لمركز ثقافي، ولا أن يتحول الشرطي إلى كاتب مهم وصاحب زوايا ثابتة في الصحف التي لا تحمل أي رائحة أو لون. أرضية ثقافية أفرزت المثقف الهيلولي العائم، الذي يتحدث في كل شيء، دون الحديث عن أي شيء بذاته، ممارسا الثقافة من باب الارتزاق والنظر على أنها الوظيفة الأقل كلفة، وبالتالي ضياع الملمح الـخاص لكل مـــبدع مع ضياع المشروع الخاص الذي يميزه.

لقد عمدت أنظمة الحكم العربية على خلق ثقافة مسطحة وغير مفكرة، خاوية ومبتعدة عن جوهرها الحر والمبدع، فتحول الإبداع إلى سلعة تجارية تحددها المصالح الشخصية والأنانية، وما يدره من مال، وبات العمل الثقافي هو العمل المستوعب لأمزجة متضاربة، في ظل غياب واضح لمعايير النقد، وتكيف المثقفين مع النظام الاجتماعي والثقافي القائم في أساسه على إستراتيجية التخويف، والتخوين، حيث تدجين الأفراد ضمن اتحادات ومنظمات، تناسب المقاسات الفكرية للايدولوجيا الحاكمة بهدف السيطرة عليهم، ترفق ذلك مع انخفاض شديد في تقدير الذات وقدرتها على الإبداع والمنافسة، وإغراقها في اللامسؤلية والانتهازية وكره الآخرين، عوامل أسست لثقافة الهامشيين، التي رأت في وسائل الاتصال الحديثة، فسحة لتعبير عن نفسها، وأدوات توصلهم بالعالم الحقيقي والملموس خارج يوتوبيا الأنظمة الحاكمة وخيالاتها المزدانة بالشعارات البراقة.

شكل العالم الافتراضي الجديد، عالما منفتح على الأخر، متفاعل مع صوت المغيبين من أبناء الطبقات الوسطى، الذي غاب وغيب لسنوات، عالم سعى مرتادوه إلى البحث عن صورة جديدة لذات جمعية، أساسها العدالة الاجتماعية والكرامة، لذا أخذ أسلوب التواصل في العالم الافتراضي والالكتروني بعدا سياسيا واضحا، وانفتحت المدارك على العلاقة الجديدة مع الشارع، وما يفضي إليه فعل الاحتجاج والتظاهر، من اكتشاف لذات والفردية والإحساس بالآخرين، وظهور أشكال ثقافية وفكرية جديدة، انبثقت على هامش الثقافة السلطوية وخطابها القائم على دلالات أيديولوجية لم تعد تتناسب والحالة الراهنة، وكشفت عن فجوة عميقة تفصل الأجيال الجديدة عن النخب القديمة.

تحول الفضاء الافتراضي إلى واقع ملموس بظهور حركات الاحتجاج على الأرض، متجاوزة الحالة السياسية القائمة، فأربكت المثقفين قبل السياسيين، ودفعت بأغلبهم إلى تلمس عقولهم بصمت أو التهرب أو المواربة، وظل الكثيرين منهم يستأثرون خطاب السلطات، ويحاولون أعطاء المنطق والمبرر لتصرف السلطات اتجاه المحتجين، محاولين التحدث بنبرة الإعلام الرسمي، والدفاع عنه، غير مدركين أن الإعلام رسمي والقائمين عليه، لا يطلبون سوى الطاعة، طاعة أوجبتها سمات الاستبداد خارج منطق العقل والعلم.

لقد أطاح الربيع العربي بمفهوم المثقف الأكاديمي الذي يجرد المعرفة من سياقها التاريخي، بإقامة منطقــــة عازلة تفصل بين المعرفة والسياسة والتاريخ، وحتى بمفهوم المثقف الطليعي الملتزم الذي يدخل الثقافة من باب السياسة وأهوائها، متعاليا على أنه ضمير الأمة، ومالك معارفها وخازن أسرارها وافكارها، وسط عقول تعاني من البطالة الفكرية.

أسماء كثيرة سقطت في جب الادعاء، وكانت تعتبر نفسها تنويرية، نراها اليوم ب ائسة، تتلون بما ينساب المرحلة، ضبابية ومهرجة، تطلق كلاما عاما، دون تشخيص وتحليل، وهي التي أتخمت المشهد الثقافي بأنصاف المواضيع وأنصاف الأفكار، الخالية من الجرأة والتميز، متشابهة كعلب البيبسي، رغم أن تضاد الأفكار أيا تكن توجهاتها أمر مشروع في مجتمعات تطمح للتقدم، وثباتها بالإجماع ليس دليل لحمة وطنية، وتماهي في النسيج الاجتماعي، كما تدّعي الشعارات الطنانة، بل هي دليل إعاقة ذهنية.

واقع الحال، أن المثقف لم يعد المعبر عن ضمير الأمة وأفكارها، لأننا هنا، نتحدث عن ضمير غائب، بالجزم والنفي والنهي، وعن فاعل لا فعل له، إلا التقوقع في فعل ماض وناقص، عن حاضر انقطعت فيه أواصر الثقة بين الشارع والمثقف.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير