قبلة هادئة على جبين غزّة الشهيدة المنتصرة

فتحي الحبوبي
2014 / 8 / 29

لي رغبة جامحة في رسم قبلة هادئة على جبين غزّة المنتصرة اليوم، بصمودها الأسطوري فائق الروعة على خامس أقوى جيش في العالم، جيش الهمج الصهيوني المسخ. نعم، لي رغبة جامحة على تقبيل تراب وأهالي غزّة التي حاصرت حصارها كما قال محمود درويش في إحدى روائعه الشعريّة الخالدة. لا بل لي رغبة في تهنئة غزّة على بطولتها و انتصارها رغم تواطئ الاشقّاء ومؤامرات الأصدقاء كما الأعداء. لذلك فانتصار غزّة هو انتصار ليس على الكيان الصهيوني فحسب، بل وكذلك على الأشقّاء المتواطئين والأصدقاء والأعداء المتآمرين الذين وضعتهم غزّة بانتصارها المبين في أحجامهم وأوزانهم الحقيقيّة التي يستحقّونها.

الآن وقد توقّفت أصوات القصف وهدير الطائرات الحربيّة ، بعد انقضاء واحد وخمسين يوما من الحرب الدامية المدمّرة التي تركت وراءها خسائر بشرية ثقيلة تمثّلت في 2140 قتيلا فلسطينيّا معظمهم نساء و أطفال (سكان غزة 70٪-;- منهم تحت سنّ 14 قتل منهم 600 طفلا) في مقابل 69 قتيلا اسرائيليا، عقب توصّل حماس وإسرائيل إلى اتّفاق وقف إطلاق النار مشرّف لغزّة ولحماس وللفلسطينيين عموما. ذلك أنّه أدى إلى تخفيف الحصار المفروض على غزّة وجعل إسرائيل في مأزق تاريخي شبيه بذلك الذي لحقها إبّان حرب 2006 مع حزب الله. حيث انّها أوقفت الحرب ولم تحقّق أيّا من أهدافها المعلنة كالقضاء على سلاح المقاومة والانفاق و أهدافها غير المعلنة كنسف إتّفاق المصالحة بين حماس وفتح.
غزّة ذات المساحة الصغيرة جدّا والكثافة السكّانيّة الأقوى في العالم ، حيث يعيش نحوا من مليوني نسمة في رقعة أرض لا تتجاوز 365 كم 2، محاصرة من كلّ حدب وصوب، ولكنّها وبأسلحة بدائيّة الصنع تصنع نصرا مثيرا للإعجاب. وهي اليوم بمعيّة الفلسطينيين جميعا بكلّ فصائلهم ولا سيّما منها حماس في موقف قوّة لم تبلغه عبر تاريخ صراعها مع بني صهيون .فقد رفع الحصار غير الإنساني، جزئيّا، وفتح معبرين حدوديين مع إسرائيل، وهو أمر طالبت به حماس ويطالب به الفلسطينيون منذ سبع سنوات. ويعتبر اليوم مكسبا لا يستهان به، يسمح مستقبلا للفلسطينيين بالصيد في مساحة أكبر من مياههم الإقليميّة. وقد بات معلوما اليوم أن اسرائيل تخشى منذ سنوات من الرفع الكامل للحصار لاعتقادها اّنّه قد يسمح باعادة تسليح حماس.
وفي هذا السياق يقول أحد رؤساء المخابرات الإسرائيليّة السابقين "إنّ إسرائيل، فقدت كل شيء، فهي تفوز أحيانا في بعض المعارك (ضدّ غزّة) ، ولكنّها لا تكسب الحرب أبدا". وهو أمر بديهي جدّا. لأنّ الجيش التقليدي غير المدرّب على مقاومة المجموعات المقاتلة (la guérilla) يصعب عليه حسم الحرب لفائدته. وهو ما يفسّر أنّ إسرائيل لم تستطع لا في حرب 2008، ولا في حرب 2012 ، ولا في حرب 2014 الأخيرة أن تحقّق نجاحا عسكريّا لفائدتها رغم هول الدمار الذي خلّفته في غزّة وضخامة الخسائر البشريّة التي تكبّدها الغزّاويين في كلّ مرّة. لأنّ الفوز الحقيقي لا يقاس بحجم الدمار ولا بعدد الضحايا من الطرفين، بل بحجم الإرادات التي كانت في كلّ مرّة أكبر وأقوى عند المقاتلين الغزّاويين، ولا سيّما في هذه الحرب التي أظهرت خلالها حماس قدرة مذهلة على زيادة مسافة صواريخها ودقّة التسديدات. ورغم أنّ إسرائيل أطلقت على هذه الحرب إسم «الجرف الصامد»، إلّا أنّ الصمود كان من الجانب الفلسطيني ليس إلّا، لأنّ "إخوان القردة والخنازير، و عبدة الطاغوت" قوم جبناء سرعان ما تداعوا إلى المخابئ منذ وصول أوّل صواريخ المقاومة الباسلة وكانوا، كما يقول الفرنسيون، في حالة من الهلع والخوف أكبر من حجم الأذى التي لحقهم (Ils ont eu plus de peur que mal )
فعبر كلّ حروبها لم تستطع إسرائيل تدمير أنفاق حماس ولا خفض ترسانتها. لا بل إنّ إسرائيل لا تعرف إلى اليوم مواقع العديد من الأنفاق ولا مصانع أسلحة حماس. كما انّه ليس لديها فكرة دقيقة عن عدد الصواريخ التي هي في حوزة حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما من الفصائل المقاومة.
ما هو لافت أثناء هذه الحرب القذرة، أنّ الإدانة الدولية كانت شحيحة، رغم الحجم الهائل من الشهداء ومن الدمار. ذلك أنّنا لم نلحظ إدانات قويّة وشديدة اللهجة ضدّ إسرائيل ولا تحرّكات دبلوماسيّة تذكر صدرت عن المجتمع الدولي. وهو ما يعزّز الرأي القائل بأنّ إسرائيل هي الإبن المدلّل للغرب. لكنّ حرب «الجرف الصامد» وجّهت صفعة قويّة لكلّ من الغرب وآبنه المدلّل سوف لن يستفيق من آثارها إلّا بعد فترة طويلة جدّا، ليعلم بعدها أنّ مقولة الجيش الإسرائيلي الذي لا يهزم أصبحت من الماضي الذي يتندّر به الفلسطينيون، شعب الجبّارين، كما يحلو لأبي عمّار، رمز الثورة الفلسطينيّة والمقاومة، أن يردّد دائما.