ثراء العالم الافتراضي للشخصية في قصص مجيد طوبيا

محمد سمير عبد السلام
2014 / 7 / 25

تتميز كتابة الروائي المبدع المجدد (مجيد طوبيا) بالكشف عن ثراء وعي الشخصية، و ذكرياتها التي تجدد أحلام الطفولة، و براءتها في المستقبل، و علاقاتها المعقدة بثقافة المكان، و تجلياته الفريدة، و بالاتساع الكوني، و مجالاته، و علاماته الخيالية الإبداعية المحتملة، و كذلك الإحالة إلى العوالم الافتراضية الجمالية البديلة التي تتحدى آلية المنفعة، أو ميكانيكية الإحساس بالغربة الذاتية، أو الموت؛ فالعالم الجمالي الجديد، و الدائري، و المتوهج عنده يقاوم الوحدة، و يوحي بأصالة التعدد، و أصالة الجمال الفني في الواقع الذي يبدو متجاوزا لأبنيته المباشرة، و المعروفة سلفا، باتجاه الأخيلة المستمدة من تاريخ الفن، و من الوعي المبدع، و الذاكرة الجمعية معا؛ و هو ما يوحي بثراء متواليات القصة، و علاماتها لديه، و إيماءاتها الفلسفية غير المباشرة بالانحياز للبراءة الإبداعية، و الجمال المتجدد داخل الشخصية، و في سياقاتها الاجتماعية، و الكونية في آن.
و بصدد العلاقة بين التاريخ، و الفن، و العوالم الخيالية يرى الناقد، و المفكر الفرنسي (أندريه مالرو) في كتاب (المذكرات المضادة)، أنه في الإبداع الروائي، و المتاحف الحقيقية، و الخيالية، و الثقافة، و التاريخ كواكب تضيئها شمس خفية، كأنها تعد لتكوين مجرة جديدة، ينتمي بعضها للمخيلة، و الآخر لومضات الماضي. (راجع / مالرو/ المذكرات المضادة / ترجمة هنري زغيب / دار عويدات ببيروت مع جاليمار بباريس / سنة 1983 ص 21).
يشير (مالرو) إلى الطاقة الخيالية المصاحبة لتاريخ الفن في سياقاته الحضارية المختلفة، و ازدواجها الأصيل بالواقع، و بالذاكرة، و سنلاحظ – حين نقرأ قصص (مجيد طوبيا) – أن الخيال المرتبط بالربيع مثلا سيعود، و يتجدد؛ ليقاوم وحوشا معدنية تدمر الأشجار، أو وجود كائنات فضائية تبدو أكثر عقلانية، أو عودة استثنائية لبهجة الطفولة في وعي البطل؛ و هي عوالم جديدة افتراضية تنحاز - فلسفيا - للجمال، و تقاوم الغربة، و تحول بعض النماذج الشخصية إلى العدوان في السياق الاجتماعي.
و الروائي المبدع (مجيد طوبيا) تعود نشأته إلى مدينة (المنيا)، و قد قدم للحياة الثقافية المصرية أعمالا روائية مؤثرة؛ مثل (الهؤلاء)، و (دوائر عدم الإمكان)، و (أبناء الصمت)، و (تغريبة بني حتحوت)، و غيرها، و قد حاز هذا العام 2014 جائزة الدولة التقديرية عن أعماله الإبداعية؛ و هو ما يعكس أصالتها، و تجديدها لوعي المتلقي، و ذائقته.
و نقدم هنا قراءة لمجموعته المعنونة ب (ثلاث و عشرون قصة قصيرة)، و قد صدرت عن الهيئة العامة المصرية للكتاب – مكتبة الأسرة 2001 ، و يقدم فيها نصوصا قصصية تتميز بالكشف عن الجوانب الإنسانية العميقة في الشخصية، و عن العوالم الخيالية، و الاجتماعية العديدة التي تحيط بها، و بذاكرتها، و أحلامها.
و يمكننا ملاحظة ثلاث تيمات فنية في المجموعة؛ هي الانحياز للبراءة و مرح اكتشاف العالم، و ثراء الواقع الافتراضي للشخصية، و كثافة السرد، و إيماءاته الجمالية.
أولا: الانحياز للبراءة، و مرح اكتشاف العالم:
يحتفي الراوي ببراءة الطفولة، و تجدد ذكرياتها، و طاقتها الإبداعية في المستقبل، و يؤولها من خلال آلية الاكتشاف الأول لعناصر الواقع، و للعالم الداخلي معا.
الراوي في قصة (الراية و البراءة) طفل؛ و هو ينحاز - بصورة طبيعية – للحرية، و الإحساس اللاواعي باتساع الذات، و التوافق الاجتماعي مع أصحابه، و مع زميلته نادية، و قد حاز فريقهم كأسا رياضيا، ثم تغير ناظر المدرسة بآخر يعاقب دون تسامح، و يغلب عليه التجهم؛ ففشلوا في المباراة الأخيرة؛ لأنه أمرهم عنوة بالفوز، و رفض العفو عن أقرانهم، ثم نرى البطل وحيدا فقد الحماسة، و حالة التوافق، و البهجة السابقة.
لقد أعاد الطفل تمثيل بهجة الحياة، و الاكتشاف الداخلي الحر للوجود في مواجهة آلية القواعد المفروضة من سلطة أعلى؛ و من ثم جاءت المتوالية القصصية الأولى مواكبة للبهجة الطبيعية للحياة داخل البطل؛ أما الأخرى فغلب عليها الانصياع للقواعد مع التمرد الداخلي في آن.
أما البطل في قصة (القرد الطبال) فهو رجل وحيد في الخمسين، تعجبه براءة طفلة، و ينصرف إلى عمله؛ فيتذكر فكرة الزواج، و تكوين الأسرة، و عدوله عنها، ثم يذهب إلى محل للعب الأطفال، و يشتري قردا طبالا، و ينشئ في المنزل عالما افتراضيا يعاين فيه بهجة اللعب، و مهارة صانع القرد، و كأنه يقوم بدور الطفل، و الكبير معا.
و ابتداء من عتبة العنوان (القرد الطبال)، نلاحظ الإيماء باستمرارية الطفولة، و بهجتها كطاقة إبداعية في المستقبل؛ فهي تعلو على الوحدة، و الحزن، و تمزج الواقع بشاعرية الفن، و نموذج الخصوبة الكامن في الذاكرة الجمعية، كما تعيد تشكيل هوية البطل الجمالية، و تاريخه الذي اختلط بأحلام البراءة ممثلة في أخيلة الفتاة الصغيرة، و لعبة القرد الطبال.
و يبحث الراوي عن إمكانية تحقق السلام الداخلي المفقود في صورة طفلة صغيرة في قصة (عصافير الأشجار البعيدة)؛ إذ يرصد حالة تعرض الطفلة لروتين يومي في سياق اجتماعي يغلب عليه الازدحام، و فقدان الهوية الفردية، و تشيؤ الجسد؛ فالفتاة تنتقل من يد الأم للجد عبر نافذة المترو، و تفقدها الأم ثم تجدها في سلسلة من أفعال آلية ميكانيكية، يحاول الراوي اكتشاف البراءة، و التناغم الداخلي فيما وراء الجمود الظاهر.
ثانيا: ثراء الواقع الافتراضي للشخصية:
يقوم العالم الافتراضي عند (مجيد طوبيا) على تأويلات الوعي المبدع، و أخيلته للواقع، أو على صور ذات طابع استعاري، أو حلمي سوريالي تقوم بدور مكمل أو بديل للواقع الحقيقي؛ و هو ما يعكس تعدد الرؤى، و المنظور في قصصه.
يبحث البطل عن الربيع الغائب، أو عن روح الربيع داخل الذات في قصة (و شدت البلابل)؛ إذ يبتهج بعودة الربيع، ثم يتذكر سخرية أقرانه من ملاحظته؛ فأحدهم يعده بنشر نعي للفقيد الغالي، و يصل التأويل الخيالي للذروة حين نعاين مخلوقات آلية ضخمة جاحظة العينين تقوم بالعدوان على الأشجار، و قد مثلت عودة الربيع انتصارا ضمنيا لجمال الفراشات، و تغريد الطيور، و للجمال الذاتي الداخلي المقاوم للعدوان الممثل في الكائنات المعدنية التي تغيب الربيع، و تخشى عودته في آن.
إن الكائنات الآلية تحاول السخرية من الجمال، و من السلام الداخلي للبطل، و لكنها تسخر من بنيتها المظلمة أيضا؛ إذ يتهيأ البطل للمقاومة، و تنتصر رغباته غير الواعية لتجدد تيار الحياة فيما وراء الميكانيكية الجامدة للآلات.
و نعاين الشخصية الفريدة لملاح الفضاء في قصتي (جاذبية الحب)، و (عودة ملاح الفضاء)؛ ففي الأولى يبدو ملاح الفضاء مندهشا من قصة حب للبطل، و من الشجار على المقهى؛ فيبدو عقلانيا بدرجة كبيرة، و يرى أن البسيط أحوج دائما للسلام، و يكره الحرب، و في قصة (عودة ملاح الفضاء) يسأل الملاح البطل عن حبه القديم، فيومئ بانحساره، ثم يشير الملاح إلى انتظار زبون في المقهى لمرور موكب، و يأتي الموكب وسط تصفيق، و يطرح إشكاليات تتعلق بالوجود، و الزمن، و موقف الذات من العالم.
و تبدو شخصية الملاح كنموذج لتواصل يجمع بين الرقي، و الغربة، و الاكتشاف، و التساؤل؛ فهو ينبع من الداخل؛ ليومئ إلى الحكمة، و المعرفة، و إلى تواصل إبداعي افتراضي بديل عن لغة العدوان، و الشجار في الواقع.
ثالثا: كثافة السرد، و إيماءاته الجمالية:
يقوم السرد القصصي عند (مجيد طوبيا) على البلاغة الجمالية للإيماءة المكثفة التي توحي بالأثر العميق للحدث، أو الشخصية بصورة تعبيرية تصل كنغمة في وعي المتلقي؛ فنعاين ثقافة المكان / روما، و تفرده في قصة (آخر نمور السيرك) عبر نغمات البهجة، و التواصل، و البيوت العتيقة، و المسلات، و مطاعم المكرونة، و البيتزا، و ذكريات الحب عند البطل، ثم تلك الدهشة المتعلقة بالأسد المتمرد الذي يقوم بدوره بإتقان في النهاية، أو المرأة داخل القفص التي يرفع الساحر عنها الغطاء فيظهر أسد في موقعها.
لقد جمع السرد المكثف بين اللذة، و الرعب، و بين ذكريات البطل المحلية، ووضعه في السياق العالمي، و مدى إدراكه لجماليات المكان من خلال صوره، و حركته الصاخبة.
و يعيد الراوي اكتشاف مشاعر الطفل، و انفعالاته في قصة (طرح .. جمع)؛ فالطرح نغمة للانفصال بين الأم، و الأب، و الجمع يمثل نغمة عودة الأسرة، و البهجة، و منهما تتشكل الانفعالات، و الرغبة في التناغم، و أصالته في وعي الطفل.
نلاحظ في قصة (لكن لماذا؟) مجموعة من البشر، يمثل كل منهم نغمة اجتماعية، و نصية متحولة؛ فهمام ابن الأسطى نصر يكره الدراسة، و يتجه للكسب السريع للمال، و يمثل الآلية، و فقدان الهوية الجمالية، و ابن مدكور يدمن، و يمثل نغمة الغياب، و تأجيل الإرادة، و بائع الفول يتحول إلى جمود الديكور، و يبدو الحانوتي مثل الضبع، و يمثل وحشية الموت، و الآلية التي يوجه الراوي لها نقدا مستمرا في قصص المجموعة.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول