بعد خراب الموصل.. صوب نشوء دول الاوهام بين العراق و الشام

شمس الدين تالباني
2014 / 7 / 3

بعد خراب الموصل.. صوب نشوء دول الاوهام بين العراق و الشام
المثل العراقي الشائع, بعد خراب البصرة, له معاني و مدلولات كثيرة لكن في الحقيقة يستعمل حين يقوم شخص ما بعمل ما لكن بعد فوات الاوان و منسوبة الى حادثة تأريخية أيام الدولة العباسية, حين ثار الزنج على الخليفة المعتمد على الله سنة 870 ميلادية, بقيادة البحريني الثائرعلي بن محمد المكنى بأبو الحسين المطالبين بالعدالة الاجتماعية و المساوات كنوع من الفكرة الاشتراكية قبل الماركسية. خلال الثورة هرب الاهالي, انتهكت الاعراض و احرقت المدينة حتى اصبحت خرابا ولم يتمكن الخلافة الا بعد 14 سنة من السيطرة عليها و اعادتها الى حضن الخلافة, كون الجيش العباسي انذاك كان مشغولا بحروب اخرى في بلاد فارس.
أما خراب الموصل كمصطلح جديد يوصف المتغيرات السريعة و الجذرية التي رافقت دخول قوات الجيش الاسلامي في بلاد الشام و العراق , داعش, الى الموصل و هروب فرقتين من الجيش العراقي و فرار قادتها الى أقليم كوردستان و من بعدها سقوط حكومتها المحلية بسرعة فائقة و استقبال قوات داعش من قبل قسم من الاهالي كفاتحين. خراب الموصل هو بداية حركة و نهاية نقطة صراع بين شريحة كبيرة من الاهالي و الحكومة المركزية طوال العشر السنوات الماضية بدأت بتهميش شريحة معينة من المواطنيين ,كونهم من ضباط الجيش العراقي السابق او أعضاء كبار في الحزب البعث المنحل, عبرمنعهم من التوظيف في دوائر الدولة او ابعادهم منها و عدم اعطائهم و عوائلهم فرص عمل جديدة للعيش بكرامة. المعروف ان كثيرين من ضباط الجيش العراقي السابق ينحدرون من الموصل و الموصليون معروفون منذ القدم بشوقهم للجيش و من هنا تاتي المقولة العراقية الشائعة عند الخطوبة – لو ملازم لو مو لازم- بالعراقية الدارجة أي اما ان يكون الرجل المقدم على الزواج ضابطا في الجيش (ملازم) أو لا حاجة اليه بتقديم الخطوبة لانه لايصل الى مرامه. كل هذه الاسباب ادت في الاخير ومع مرور الزمن الى تهميش سياسي واقتصادي لهم و لعوائلهم أدت الى شعورهم بالغبن. هذا الشعور أدت في الاخير الى خراب الموصل.
الاسباب التي ادت الى خراب البصرة و الموصل متشابه , شعب و شرائح كبيرة من اهالي المدينة يشعرون بالغبن و الظلم من بغداد العاصمة و ينتظرون مهديهم واذا لم ياتي المهدي اليهم فيصنعون مهديهم بنفسهم. في البصرة , حبن كانت المدينة منقسمة على نفسها, حاول ابو الحسين متقمصا شخصية المهدي , المحبوب من قبل اتباع أهل البيت, للتقرب من الفقراء و المظلومين واستمالة العبيد من اهالي البصرة للمشاركة في ثورته للهجوم على بغداد لكن الاتراك كانوا له بالمرصاد. اما في الموصل فيحاول البغدادي استمالة اهل الموصل والتقرب من أهل السنة عامة للهجوم على بغداد و اعادة الخلافة لكن ابناء العم سام له بالمرصاد.
فهل سيقوم البغدادي بسك النقود و المطالبة بالعدالة الاجتماعية و المساواة كما فعل ابو الحسين ؟ أم يتحرك من مكان الى اخر كما فعل ابو الحسين قبله؟

داعش أعلن قبل ايام دولة الخلافة في العراق و سوريا من موصل العراقية الى الرقة السورية و قاموا بتفجير المخافر الحدودية بين البلدين كدليل على رفضهم للحدود المرسومة بين العرب السنة في العراق و سورية حسب معاهدة سايكس-بيكو و ثيقة لرفضهم للمعاهدة. هذه المعاهدة التي وقعت سرا بين بريطانيا و فرنسا و بدون علم أهل المنطقة, ابان الحرب العالمية الاولى في 16.5.1916 و انضمت اليها روسيا القيصرية بعد مدة قليلة لقاء حصولها على مدينة اسطنبول بعد توزيع ارث الرجل المريض. هذه المعاهدة السرية كشفها البلاشفة و لينين بعد ثورة سنة 1917 ليرو الشعب الاسباب الحقيقية للحرب العالمية الاولى التي مر علينا ذكراها المئوية قبل ايام. حسب المعاهدة تم تقسيم بلاد الكورد على تركيا, العراق و سوريا و وعد بريطانيا العرب بالاستقلال عبر رسائل حسين- مكماهون, اذا حاربوا مع البريطانيين ضد الولة العثمانية. العرب حصلوا على دويلاتهم القومية بينما بقى التقسيم الكوردي باقيا. لكن حسب المعلومات الموجودة تريد داعش بناء دولة اسلامية من الشام الى العراق. سوريا بعاصمتها دمشق كانت مركز الخلافة الاموية المبنية على العنصر العربي (661-750) و العراق بعاصمتها بغداد التي كانت مركز الخلافة العباسية ذات الصبغة فوق القومية (750-1258) التي كانت تحكم من شمال افريقيا الى الهند و اواسط اسيا. السؤال هل هدفهم هو الشام و العراق فقط او أكثر من ذلك واي نوع من النظام السياسي يريدونه ,و اين هو حدود العراق و حدود الشام ؟ للجواب على الاسئلة المذكورة يجب اجابة السؤال المهم , من هم داعش و من هم مموليهم, اذا كان لهم ممول, و ماذا يريدون ؟ أسئلة لاتزال بدون جواب , لكن نظرة فاحصة الى اهدافهم المستقبلية تعطينا انطباعا بان لهم أو لمن خلفهم مشروع كبير و جذري لمسح الحدود الحالية في المنطقة و انشاء دول جديدة او مايطلقون عليه بامارات الخلافة من اواسط اسيا الى البوسنه و الهرسك و بلاد الاندلس في اوروبا . الخريطة التي نشرتها قبل ثلاثة أيام صحيفة الديلى ميل البريطانية لخارطة داعش فيها امارة كوردستان التي تبدأ من البحر الابيض المتوسط الى شواطئ الخليج , خارطة كوردستان ضمن هذه الخارطة متطابقة لبلاد الكورد المذكورة في كتاب شرفنامة الذي الفه الشاعر و المؤرخ الكوردي و حاكم امارة بدليس الامير شرف الدين شمس الدين البدليسي بين عامي 1597-1599, حيث يذكر في كتابه اللهجات الكوردية و بلاد الكورد قبل 400 ومنها اللور بشقيها اللور الكبرى و الصغرى الساكنين في ايران اليوم ابتداءا من همدان الى شواطئ الخليج و بذلك يدغدغ هذه الخارطة مشاعر الكورد القومية للتقرب من حلمهم المنشود باقامة دولتهم كونهم يشعرون حقا بالغبن التاريخي و بانهم ايتام الشرق منذ معاهدة سايكس-بيكو وبذلك يقدم داعش فكرة,ولو نظرية, لحل المسالة الكوردية ضمن حاضنة اسلامية شاملة,أو مايسمونه بالخلافة الاسلامية. يوم امس و كأنه جواب على خريطة داعش نشرت صحيفة حريت التركية الواسعة الانتشار خريطة اخرى لدولة تركية فدرالية وهمية عبارة عن تركيا اليوم مع جميع المناطق الكوردية في العراق و سوريا ضمن الحدود الدولية الحالية وهو فكرة تراود الكثيريين السياسيين الاتراك من العثمانيين الجدد و خاصة من حزب اكب ورئيس وزراء تركيا الحالي و لربما رئيس الجمهورية المقبل السيد رجب طيب اردوغان الحالم بمجد الخلافة أيظا. الفكرة التركية هو محاولة تركيا للحفاظ على و حدتها المهددة بالخطر و على موقعها الجيوستراتيجي و مصالحها الاقتصادية الكبيرة في أقاليم كوردستان و كانها تهدف الى القول للعالم, أقبلو و لا تعارضوا الفدرالية التركية الكوردية و عكس ذلك البديل هو الفكرة الداعشية فقط.
الرهان على الكورد, كقوة بشرية و اقتصادية واضح هنا بين الخلفاء. الفرق بين الفكرتيين الفكرة الداعشية و الفكرة التركية للمناطق الكوردية هو ان الفكرة التركية لا تمس الحدود الايرانية الدولية الحالية بينما الفكرة الداعشية يضم شرق كوردستان الواقعة ضمن الحدود الايرانية الحالية و لو نظريا الى الدولة الكوردية و بذلك يضع الكورد و كوردستان بطولها من المتوسط الى الخليج كسد بشري من الكورد بين القوميتتيتن الفارسية و العربية و يتطابق مع بعض الافكار الخليجية لمنع نشء هلال شيعي قوي و لربما بمنع التواصل الشيعي بين ايران و لبنان و سوريا.
للكورد في الوقت الحاضر فرصة ذهبية لبناء دولتهم الوطنية التي ستكون بين الجارتين القويتين ايران وتركيا او يدخلو بكونفدرالية مع تركيا بصورة سلمية ان الفكرتيين لربما وليدة مطبخ واحد و ستكون في المستقبل حتما موضع النقاش في المحادثات بين القوى العظمى و القوى المحلية ذات النفوذ في المنطقة. الثقل الكوردي في هذه المباحثات لحد اليوم ضعيفة. لكن بوجود شريك قوي و ذات مصالح سياسية و اقتصادية بعيدة المدى في المنطقة يمكن للكورد ان يكونوا امة ناشئة , منفتحة على الاخرين و داعمة للسلم و الرفاه الاجتماعي و الاقتصادي في الشرق الاوسط و العالم. عسى ان تكون خراب الموصل نقطة لبناء شرق اوسط جديد انساني, ديمقراطي و عادل .
شمس الدين تالباني
3.7.14

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت