الثراء، و التناقض في بنية الشخصية الروائية في (كلاب الصيد) لطنطاوي عبد الحميد

محمد سمير عبد السلام
2014 / 5 / 31

(كلاب الصيد) رواية حديثة للأديب طنطاوي عبد الحميد، صدرت عن دار سندباد للنشر و التوزيع بالقاهرة سنة 2013، و يجمع فيها الكاتب بين تقنيات الرواية الكلاسيكية، و تقنيات أخرى حداثية؛ إذ يقوم النص على حبكة قصصية، و تطور لوظائف السرد، ووحداته، و على صياغة واقعية تقوم على تعددية في الشخوص؛ و من ثم في الرؤى الفكرية، و المسارات النصية، و الأبنية الاجتماعية، و الثقافية، و تبدو ملامح التقنيات الحداثية في تصوير الراوي للوعي النسبي الفريد لشخصية البطل / جابر، و تصوير عالمه الداخلي إما بتقنية (المونولوج)، أو من خلال هوامش حواراته الطويلة، و أحداديثه التي تكشف عن التناقض الرئيسي في بنيته الداخلية، و صيرورته القصصية في النص، كما تنكسر حدة الواقع في الجزء الخاص بشخصية أبي ربيع / صديق جابر، و مصطفى، و ارتباطه الروحي بزوجة المراكبي التي تبدو كشخصيات الأساطير، و تجمع بين الحضور، و الغياب، و الموت، و الحياة الشبحية.
و أرى أن النص يقوم على رصد الراوي لمجموعة من الأبنية الثقافية، و الاجتماعية المتغيرة في المجتمع المصري عقب حرب أكتوبر، و تجليها بصورة خفية في العوالم الداخلية، و في تداعيات النص المتعلقة بثلاث شخصيات ممن شاركوا في المعركة، و يجمعهم حس وطني، و رغبة في البحث عن عالم أفضل، أو حياة أخرى جديدة؛ و هم جابر، و مصطفى، و أبو ربيع.
و يجسد البطل / (جابر) حالة التحول الثقافي، و الاختلاف الداخلي المتولد عن الصراع العميق بين سيادة قيم المنفعة، و الاستغلال، و الرؤى الإصلاحية القديمة في وعيه، و لا وعيه؛ فتارة ينساق للتيار الثقافي المسيطر الذي دخل سياقه في تلك اللحظة الحضارية، و تارة يبدو كمحارب شكلي به ملمح دون كيشوتي خفي، و تارة يبدو كسيد شكلي بديل عن منظومة القيادة في شركة مدام هويدا، و زوجها.
أما (مصطفى) فشخص يؤمن بالقيمة المتعلقة بتحرير الوطن؛ و من ثم فلا يسبب له كل من الرعب المتعلق بالحرب، و الموت صراعا داخليا كبيرا؛ فهو يبحث عن التناغم، و الاستقرار الروحي، و الحياة البعيدة عن آثار الفساد، و يتجلى في النص كآخر لجابر الذي تتميز صيرورة حياته بالصخب، و الصراع.
و ينحاز (أبو ربيع) – رغم إصابة قدمه – إلى أصالة الحياة، و الخصوبة، و الاندماج بالعناصر الكونية في بلدته الريفية؛ إذ يميل لزراعة النخل، و يرتبط بالحكايات السحرية الدالة على العشق، و حب الحياة، و الأصالة؛ فنعاين من خلاله أطيافا تتجاوز الموت، و قصة امرأة المراكبي التي تتوتر بين الاختفاء، و قوة الحضور، و أبو ربيع يتميز بملمح إنساني يتجلى في ميله لإيمان عقب معرفته بتعرضها للظلم على يد مدام هويدا، و بالحكمة التي تجلت في نزع رصاص المسدس الذي أراد أن يستخدمه جابر في ثورته الشكلية على منظومة الاستغلال في الشركة.
تتقاطع – إذا – الأفكار، و الثقافات، و الرؤى الوطنية على طول الرواية بينما نلمح تراكم الخبرات، و المشاهد السردية في خطين رئيسيين للحبكة هما؛ مظاهر الاستغلال في شركة هويدا، و تطور العالم الداخلي المتناقض لجابر الذي يصل إلى الذروة، ثم يهبط إلى درجة أقل من الصراع الداخلي في نهاية النص؛ إذ لم يعد طرفا مباشرا في صراعات القيم الثقافية بين الحلم و الاستغلال في السياق الاجتماعي.
و في ثنايا الرواية نطالع ذكريات لمصطفى، و نعاين عوالم بعض المتصوفين، و آراء الأستاذ خليل، و العالم الداخلي لهويدا، و ذكريات أبي ربيع، و جذوره، و الحوارات الكاشفة بين جابر، و هويدا، و التحول في منظومة أخت جابر، و ابنتها التي تميل للاندماج في العنصر الثقافي السائد الممثل في الشركة، و بساطة أسرة إيمان.
و تكشف هذه العوالم عن المفارقة بين العالم الجديد الذي دخله جابر، و تعددية القيم، و تفاعلها في المجتمع في اللحظة الحضارية التي يرصدها الراوي؛ و من ثم تكون الرؤى النقدية المتعلقة ب (رؤية العالم) أقرب لتحليل رؤى جابر، و ثورته الشكلية، و صراعاته التي تعكس الاختلاف في البنى الاجتماعية الحاضرة في النص، و سنلقي الضوء عليها عقب تحليل بعض التيمات الفنية المميزة للنص؛ و منها الثراء، و التناقض في بنية الشخصية، و تأملات الوجود، و العدم، و تعددية الدلالات الثقافية، و الاتجاه إلى تأويل استعاري للشخصية الروائية.
أولا: الثراء، و التناقض في بنية الشخصية الروائية:
تتميز شخصية (جابر) بالثراء، و التناقض؛ إذ يتوزع خطابه بين اللامبالاة، و الثورية الآنية، و الانحياز للمرأة، ثم رفضها، و يبدو هذا في حواراته مع السيدة هويدا، كما يتوتر بين أحلام التحقق الروحي في المستقبل، و الخضوع لسلطة الماضي في الوقت نفسه، و هو يبحث عن التجاوز، و التغيير بينما يقع أسيرا للحظة الحضور، و ما يميزها من تعقيد، و صراعات، و تحولات اجتماعية، و حضارية، و فكرية، تؤجل تحققه، أو بحثه عن بدايات جديدة مستمدة من ذاكرته، و أفكاره.
و يكشف السارد عن بعض تناقضات (جابر) عن طريق تقنية (المونولوج)؛ إذ يحدث نفسه سرا أمام (هويدا) فتهيمن عليه لحظات البطولة، و الوطنية المستمدة من تاريخه، و تقع في مفارقة مع قتلها، و أمثالها للجمال، و يقر بأنه انساق وراءها، دون أن يدري، و تعجبه فخامة عالمها، بينما يلعن ارتباطه بها، ثم يتوعدها بالانتقام، و يتمنى لو يطردها، بينما يبدو عليه التوسل في الظاهر كما يصفه السارد؛ و كأن ثورته الداخلية تمتزج بسطوة الحاضر، و أنساق القوى المهيمنة؛ فتتشكل هويته من ذلك التناقض بين فاعلية الذكريات، و تأجيل أي اكتمال لها في الواقع.
و قد يجسد (المونولوج) حالة من التوتر بين سطوة الأداء السلبي للشخصية، و الرغبة في تشكيل الهوية؛ فتبدو الذات كأنها تقع بين المحو، و الوجود.
يقول:
"كل ما فعلت تأففت نفسي منه .. هي تمضي، و يصيبني الغثيان، و الخوف، اقترنت بي الشرور؛ فأصبحت لها أقرب، أنشبت القذارة أظافرها في جسدي؛ فأضحى ممزقا، أو شبه أشلاء مجمعة تحمل اسما بلا عنوان لصاحبه". ص 87، و 88.
هل يثور الضمير على نفسه؟
إن (جابر) يتورط بصورة لا واعية في مسار للغياب المضاعف للهوية الأولى، بينما تتجلى ذاتيته، و كينونته الداخلية بقوة في سياق الرفض، و الرغبة في محو حالة المحو التي هيمنت على أدائه المناهض لوجوده النسبي كما يريد الوعي أن يشكله، بينما يواجه أزمة تغييب الأنا، أو محوه في السياق الواقعي، و تحولاته.
و بصدد علاقة تقنيات الرواية بالأنا يرى (ميلان كونديرا) أن الرواية تعكف على مواجهة سؤال ماهية الأنا، و تنتقل – في ذلك السياق – إلى العوالم اللامرئية داخل الإنسان؛ ثم يكشف عن ميكروسكوب (جويس) الضخم الذي يفتت الذات في اللحظة الحاضرة، و عن الأنا كمجموعة تأملات داخلية يفرضها الوضع الراهن للبطل لدى (كافكا). (راجع / كونديرا / فن الرواية / ترجمة: د. بدر الدين عرودكي / دار الأهالي بدمشق / ط1/ 1999 / من ص 32:29).
إن رصد (كونديرا) لعلاقة الروائي بالعالم الداخلي للشخصية، يكشف عن عدم إمكانية الفصل الحاد بين الأنا، و لحظة الحضور من جهة، و كذلك عن عبقرية الأداء الذي قد تقع فيه الشخصية، دون أن تفسر ما وراء الفعل الذي تنخرط فيه من جهة أخرى؛ و قد نقرأ شخصية جابر انطلاقا من هذا الأداء الذي يقع بين رغبة لا واعية في القيادة، و تحريك الأمور، ثم السقوط في أداء انفعالي شكلي يعيد تمثيل الفاعلية، دون أن يحققها في الواقع.
و قد نلمس تناقضات (هويدا) من خلال تاريخها الشخصي الذي يقع في نوع من المفارقة الظاهرة مع حالة الهيمنة التي تؤسس عالمها الداخلي كما يصفه الراوي في النص.
نلمح في خطاب (هويدا) توترا بين قانون الضرورة الذي تجسد في لحظات الفقر في طفولتها، و إعادة تشكيلها لصورة الأم التي باعت جسدها؛ لأجل المال؛ فقد اختارت (هويدا) الانحياز للكراهية، و تجاوزها لصورة الأم من خلال التسلق، و ليس الخضوع لقانون الضرورة، و كأنها انتصرت عليه، بينما تشكلت كينونتها التي تمجد المنفعة من داخل ذلك القانون القهري نفسه.
أما شخصية (زوجة المراكبي) فتتوتر بين الخصوبة، و الموت، و كذلك بين الحضور، و الغياب، أو بين الظهور، و الظهور الشبحي الأسطوري؛ فثمة أقاصيص تقول بأنها جنية، أو كالجن في أدائها لأعمال خارقة في الحصاد، أو في الشفاء من بعض السموم، و بأنها تذهب بمفردها إلى المقابر، ثم نراها كعاشقة لأبي ربيع، ثم تنبت في عوالم وعيه، و لا وعيه كمحبوبة، أو كجنية مخيفة.
و نلاحظ أن تناقضات شخصية (زوجة المراكبي) قد أتت في سياق الروايات المتواترة عنها، و لم يقدمها الراوي مباشرة من الداخل مثلما قدم مصطفى، و جابر، و هويدا من قبل؛ و كأنها تتجاوز حتميات الوضع الراهن المهيمن على شخصيات أخرى، أو أنها تبدو كحالة ثقافية تعبيرية تجمع بين الخصوبة، و الموت، و الحضور الشبحي المتحول كنماذج في اللاوعي الجمعي.
و أرى أن مثل هذه التناقضات في بنية الشخصية تثري مدلولها الإبداعي، و تؤكد فكرة الاختلاف، و التعدد داخل الأنا؛ و من ثم تأجيل التصورات المسبقة عن الوجود الشخصي، أو الإحاطة المعرفية به، و لو من جانب الشخصية نفسها.

ثانيا: تأملات الوجود، و العدم:
تشكلت هوية (جابر) في النص من محاولة استكمال حلم الحرية، و الفاعلية في المشهد عقب انتهاء الحرب، بينما ظلت مشاهد الموت تراوده، و تثري تأملاته الفلسفية حول الوجود، و العدم؛ فهو يدرك مؤقتية الوجود التي تذكرنا بأفكار (هيدجر)، و (سارتر)، بينما تتجلى طاقة الحياة بداخله في وهج انفعالي ممزوج بالسلبية؛ فكثيرا ما يثور، و يسب الفساد، و هو صامت، و أرى أن شخصيته تميل إلى الأدائية التي تعكس طاقة الحياة المجردة ممزوجة بالنهايات، و الفراغ الذي تجسده أخيلة الموت القديمة في الوعي، و اللاوعي.
و قد تجسدت دلالات الموت، و الحياة في خطاب جابر، و مفارقته الواضحة لخطاب مصطفى الذي يميل إلى إضفاء القيمة على واقعه، و ذكرياته، بينما يتخيل (جابر) جنودا مرتزقة، و استمرارا ذاتيا داخليا لمعنى الحرب ممزوجا باللامبالاة، و الانخراط السلبي في اللذة، أو في حالة أداء متناقضة تجسد مبدأ تأكيد الهوية، و الاستسلام للفراغ في آن.
ثالثا: تعددية الدلالات الثقافية:
تتعدد مسارات الدلالات الثقافية في النص؛ إذ تعكس تفاعلية النص الروائي مع البنى الاجتماعية، و الثقافية للمجتمع المصري، و تحولاته، و تصارعات الأنساق الخطابية فيه في فترة ما بعد الحرب، و ما تعكسه تلك البنى الاجتماعية من اتجاهات مختلفة؛ مثل الخطاب الذي يميل إلى الاعتدال، و الاستقرار، و يمثله (مصطفى)، و هو يستمد طاقته من ماض قريب، و فاعل، و شكل سائد من أشكال قيم (السوق)، يميل إلى تمجيد المنفعة، و القوة؛ و تمثله (هويدا)، و قد يلقي الراوي الضوء على أشكال أقدم من الخطاب الثقافي؛ فيلقي الضوء على بعض عوالم الصوفية، و مزجها بين التعالي الروحي، و النظام الاجتماعي الخاص، أو يلقي الضوء على امتداد بعض الحكايات الأسطورية التي اقترنت بعالم (أبي ربيع)، و لكنها اتخذت موقعا سحريا آخر في بنية الواقع في شخصية (امرأة المراكبي)، و قد رصد النص الانتقال من بنية الأصالة إلى سيادة قيم المنفعة، و نموذج (هويدا) في شخصية (هناء) التي جسد خطابها الميل السريع إلى الكسب، و تمنيها العمل في شركة (هويدا)، و ميل وعيها، و أخيلتها إلى هذا العالم الجديد الذي تهيمن عليه أنساق القوى المبنية على وفرة المال، و تضاعفه.


رابعا: الاتجاه إلى تأويل استعاري للشخصية الروائية:
يعكس الراوي حالة أدائية داخلية تهيمن على الأصدقاء الثلاثة، و تمتزج معرفته الفلسفية، و الحضارية بهذه الحالة باللغة الاستعارية المكثفة التي تعيد تمثيل الواقع، و العوالم الذاتية الداخلية في سياق عوالم خيالية جديدة، تعيد إنتاج الواقع في تداعيات الكتابة؛ و هي حالة (كلاب الصيد).
يقول الراوي:
"و جميعهم يعرفون أنهم في الحقيقة مثل كلاب الصيد، يتتبعون قائدهم و صاحبهم و مروضهم؛ هو يصطاد ما شاء له من صيد، و هم يلهثون خلف الفريسة التي اصطادها سيدهم، كم يتمنون التمتع بمذاقها المغري لهم، لكنهم يعرفون العواقب؛ فيتركونها تحت أقدام السيد".
ص 413.
إننا أمام أداء تختلط فيه الفاعلية المتخيلة، أو الحلم باستبدال موقع السيد بالخضوع لحتميات القوة، و الأبنية الاجتماعية المهيمنة.
رؤية العالم بين التمرد الشكلي، و التحقق الذاتي:
بدت رؤية العالم أكثر وضوحا في شخصية جابر الذي عكس عالمه الداخلي مجموعة من تصارعات البنى الاجتماعية بين الخضوع لشكل تقديم المنفعة من أشكال عالم السوق، و العالم القيمي الإنساني القديم بداخله؛ فتشكل وعيه القائم من حالة التناقض بين البحث عن اللذة، و المشاعر السلبية، و أخيلة التمرد المؤجل، أو المعلق في أحاديثه النفسية الصامتة، حتى بلغ الذروة في الثورة الشكلية على هويدا، و زوجها، و أصيب، بينما تشكل وعيه الممكن من أحلام التحقق الذاتي، بعيدا عن رعب الحرب، و سيادة الاستغلال، و هو الحلم الذي يراوده باستمرار، بينما يتولد من الوضع الاجتماعي ذاته الذي دفعه للأداء الانفعالي المتناقض.
و أرى أن رواية (كلاب الصيد) حلقة بحث فيها طنطاوي عبد الحميد عن الاختلاف، و مساحات من التجدد، و الكشف عن تحولات ثقافية يعكسها المنظور السردي، و ذلك ضمن مشروعه المرتكز على الواقعية.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول