حياة إبداعية ثرية للهامش في ديوان (معجم الغين) لعلاء عبد الهادي

محمد سمير عبد السلام
2014 / 2 / 28






يثير ديوان (معجم الغين) لعلاء عبد الهادي – الصادر عن الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة سنة 2002 - إشكاليات جمالية، و تأويلية تتعلق بحياة العوالم الصغيرة الهامشية الأخرى في الكتابة، و تحولات المدلول في تداعيات الصور، و العلاقة بين الدال، و المدلول في صيرورة الكتابة، و تجاوزها للمركز، و ارتكازها على قوة الهامشي الذي قد يستبدل الأصل في الوعي المبدع للشاعر، كما نلمس تطويرا للعتبات النصية – وفق تعبير جيرار جينيت – في سياق العناوين، و علاقاتها التأويلية، و الفلسفية، و الجمالية بالنصوص، و العناوين الأخرى، و الفهرس المقسم طبقا للموضوعات، ثم للقصائد التي تبدأ بحرف الغين، و ما يستدعيه من علاقات واسعة بالصور، و الأخيلة، و الحكايات الجزئية في النصوص؛ و من ثم فالشاعر د. علاء عبد الهادي ينسج مجموعة من العلاقات الإنتاجية بين العلامات، و النصوص في شكولها التصويرية، و التأويلية؛ و ذلك ليستعير البنية المعجمية، و يفككها، أو يعيد تكوينها في كثافة الكتابة، و استبدالاتها، و الإعلاء من العلامات الهامشية، و التقسيم الشعري الموضوعاتي المتجاوز لتأصيل الفكرة، أو الصوت، أو البنية، أو المدلول، و الذي يعيد اكتشاف المفاهيم، و التكوينات الواقعية، و العوالم المجازية، و نتف الذاكرة من خلال نسيجها الإيحائي الاستعاري الجديد، و آثاره في الوعي، و الحواس، و تأجيله المستمر لاكتمال الأبنية الأصلية في سياق إبداعي يقوم على كثافة الصورة المؤولة، و مرح ضمير الأنا في الأكوان المجازية الصغيرة، و بزوغ الحيوات الجزئية للهامش، بين الموضوعات، و دوال الغين في الوقت نفسه.
و ابتداء من عتبة العنوان (معجم الغين) نلمس تفكيك علاء عبد الهادي لعنوان كتاب (العين) للخليل بن أحمد من خلال تناص يقوم – بشكل رئيسي – على مبدأ الاختلاف، و تعديل المعنى الأصلي؛ فالخليل يبحث عن ترتيب يقوم على قوة الحرف، و ما تستدعيه من بناء عضوي حسب القرب، ثم البعد عن المركز، بينما يؤول علاء عبد الهادي مجموعة من الدوال المختارة من قاموس (الغين) في سياق شعري لا يقوم على قوة الحرف، أو تأصيل المعنى، و لكن يرتكز على تداعيات الكتابة، و تحولات الصور من جهة، و الانتماء الإبداعي لمجموعة من الموضوعات، أو التيمات الشعرية التي تتجه نحو لامركزية المدلول، و الإعلاء من استبدالات الهامش المحتملة لمواقع الأصل.
و يشير الخليل في كتاب (العين) إلى أن العين هي أقصى الحروف، ثم الحاء، و أنه بدأ بالعين، ثم ضم إليها ما بعدها؛ ليستوعب كلام العرب الواضح، و الغريب. (راجع / الخليل بن أحمد الفراهيدي / كتاب العين / تحقيق د. مهدي المخزومي، و إبراهيم السامرائي / الجزء الأول / ص 57).
إن علاء عبد الهادي يتعلق بالمعجم، و بالنسق المحتمل للفهرسة، و لكن ليكشف ثراء المدلول، و السخرية ما بعد الحداثية من قيمة التشابه نفسها؛ فهو يبحث عن الحياة الأخرى للعلامات الهامشية، أو تجلياتها الذاتية، و دون الذاتية، حتى يصل لمستوى اللامرئي من تداعيات العلامة، و صيرورتها في الكتابة؛ كي يبرز فاعليتها الشعرية داخل الوعي المبدع، و خارجه في الوقت نفسه؛ إنه يؤكد قيمة التشابه المعجمي الخاص في منهج الخليل، و عنوانه في سياق اختلافي متجاوز للمركز، و لثبات المدلول في الوقت نفسه.
و نلاحظ تأكيد الشاعر لخصوصية المنظور، و التجليات الفريدة للمفاهيم، و التكوينات المتجاوزة لثنائية (المركزي، و الهامشي) في موضوعات الديوان المختارة؛ مثل (في مديح العتمة، و القاهرة – نظرة طائر، و عن الكتابة، ووقائع الأشياء الصغيرة).
أما دوال (الغين)، و ما يرتبط بها من نصوص داخلية، تتفاعل إبداعيا مع الموضوعات، و العناوين السابقة، فقد تنوعت بين إيحاءات القوة اللاواعية في (الغريزة، و الغضب، و الغيبوبة)، أو الإيحاءات السلبية التي يعاد تكوينها في علاقات مجازية جديدة؛ مثل (الغواية، و الغرق، و الغمة، و الغبش)، أو إيماءات القوة الصاخبة، و تحولاتها الاستعارية الممكنة في (الغزو، و الغريم، و الغول)؛ و كأن تحولات الحرف، و المدلول تؤكد الاختلاف، و الثراء، و إعادة التأويل التي ترجع إلى فكرة التشابه و العلاقات النظامية، ثم تفككها في اتجاه استبدالات، و نغمات شعرية أخرى محتملة.
و طبقا لتقنيتي الفهرسة الموضوعاتية، و التأويلات الممكنة بين عتبات العناوين، و العناوين الفرعية، و النصوص المرتبة في وضع الترقيم العادي للصفحات، تتشكل طرق متنوعة من القراءة التي يمكن أن تسير طبقا للعلاقات الممكنة بين القصائد، أو تسير وفق التقسيم الموضوعاتي؛ و من ثم يضع الشاعر المتلقي، و توقعاته ضمن بنية تشكيل الديوان، و تداعيات الكتابة فيه، بحيث يلتفت إلى انفتاح العلاقات الداخلية بين النصوص، و العلامات في إطار مختلف من القراءة الإبداعية لبعض دوال معجم الغين.
و يمكننا ملاحظة أربع تيمات رئيسية في الديوان؛ هي الحياة الإبداعية للعلامات الهامشية، و تحولات الصورة، و السرد المجازي في القصيدة، و العتبات المؤولة للنص.
أولا: الحياة الإبداعية للعلامات الهامشية:
القصيدة تمنح العلامات الهامشية حضورا آخر، و فاعلية جديدة، و طاقة إبداعية تتجاوز وضعها السابق في ذاكرة المتلقي؛ و من ثم تربك هذه الحياة الأخرى للعلامة ثنائية (الأصلي / الهامشي) القديمة؛ فيتبادلان المواقع، أو يتخذ الهامشي موقع الأصل طبقا لتجدد طاقته الإبداعية المضافة لمدلوله السابق؛ فالعلامات الهامشية تقع في حالات جزئية من التفاعل، و اللعب في النص، بحيث يصير السياق النصي لامركزيا في القصيدة، و يصير المدلول الفلسفي للعلامة أدبيا بفعل تداعيات الكتابة، و تحولاتها، و فراغاتها الدالة، و ما تستدعيه من مكملات تأويلية ممكنة في القراءات الأخرى التي يتخذ فيها الهامشي مواقع جديدة من الحضور النسبي في وعي المتلقي.
و بصدد ما بعد الحداثية يرى إيهاب حسن أنها تبدو كمراجعة ذات مغزي لما سبقها إذا لم يكن هناك شكل رئيسي من المعرفة في القرن العشرين في المجتمعات الغربية، و قد أعيد فهم تصورات كل من سيزان، و بودلير، و نيتشه، و فرويد، و غيرهم مرات عديدة، و أنتج تصورا تخطيطيا لاختلاف ما بعد الحداثية عن الحداثة، و من هذه الفروق المميزة لما بعد الحداثية الاستنزاف، و الصمت في مقابل السيادة، و التفوق، و التناثر في مقابل التمركز، و الإيماءة في مقابل الاستعارة، و الانقطاع مقابل الاتصالية، و غيرها.
(Read / Ihab Hassan / The Postmodern Turn / 1987 / an excerpt at: http://www.mariabuszek.com/kcai/PoMoSeminar/Readings/HssnPoMo.pdf).

و تتميز العلامات الهامشية في (معجم الغين) بتجاوز المركزية، و الاتجاه إلى الانتشار النصي العابر للحدود القديمة باتجاه القيمة المضافة؛ و من ثم فالعلامات الهامشية تستنزف مدلول الهامش نفسه، و تترك مساحة من الصمت، و الانقطاع للإكمال المحتمل، و لكنها تتصل بالماضي اتصالا تأويليا، أو اتصال مراجعة، أو سخرية؛ و من ثم يومئ الشاعر بشكل كبير إلى القيمة المضافة للعلامة، لا إلى حضورها المركزي السابق في الأنساق المعرفية.
يتجاوز (الظل) حضوره الهامشي السابق، و تكشف القصيدة عن حياته الإبداعية الهامشية، و أصالته في المشهد في نص (الغابر) ضمن موضوع (الخواء)، و الغابر بقية من الشيء، أو الماضي في المعجم اللغوي، و كأن الظل يستنزف كونه بقية للشخص؛ فيبدو شخصا، أو يومئ إلى أصالة الطيفية في الحضور الشخصي.
يقول:
"الباب يدق
فمن سيفتح ساعته للفراغ !
... في وهن الهواء
ستسلم الحجرة حيطانها لضيوف
يتركون عليها
ظلالا
حميمة" ص 8.
الأثر / الظل هنا يكتسب وهجا، و حياة مجازية جديدة تستبدل صلابة الطارق باختفائه الاستعاري الآخر؛ أما الأصل الافتراضي الذي كان يمكن أن يدق الباب، فهو يختلط بالحضور الطيفي المتواري خلف الأثر؛ و كأن (الظل) مفتتح لاكتشاف هامشية الأصل، أو أصالة الهامش حين يعيد تمثيل الأصوات على جدران الحجرة.
و يقدم الشاعر صورة للتكوين الإبداعي النسبي حين يتشكل في حالة كونية تحور بنيته في سياق آخر، أو تعيد تكوينه في عوالم تداخلية جديدة؛ فالموسيقى تمرض حين تختلط بالصقيع، ثم يختلط الشتاء بصورة الخجل في تداعيات القصيدة؛ و كأن البرد أحد المجالات الطيفية المتداخلة في المشهد، و المتجاوزة لهامشية الفرقة الموسيقية؛ فثمة موسيقى أخرى قيد التشكل في تنويعات المشهد الإنساني – الكوني.
يقول في نص (الغبطة) ضمن موضوع (الانمساخ):
"الموسيقى
تتعثر في الهواء،
لا تبدد هذا الصقيع،
لذا كان الشتاء
سافرا مثل الخجل". ص 12.
تكسب القصيدة الشتاء حضورا شعريا يشبه الخجل، و يفكك مركزية اللحن الإنساني المتعب، بينما تتصل موسيقى اللحن بقوة الموسيقى الكونية؛ فتتداخل العلامات، و العوالم الإبداعية دون مركز واضح في النص.
و قد يؤول الشاعر بعض المفاهيم الفلسفية انطلاقا من أدبيتها الأصيلة، و حضورها الاستعاري الآخر في النص؛ فهو يستنزف مركزية النهايات، و يحيل المتلقي إلى نموذج الخلود في النفس من خلال الصراع الداخلي في بنية النهايات الأولى في نص (الغريم) ضمن موضوع (العماء)؛ إذ يقول:
"هذا الكون
يمرق
في عروقي كل يوم
دون أن يدري
أنه يقطع من عمره أيضا". ص 38.
نلمس هنا دائرية الزمن الخفية في فجوات القصيدة، و فراغاتها الموحية؛ فضمير المتكلم الذي يفكك النهايات الزمنية يرتكز على نموذج الخلود في وعيه المبدع؛ فهو يستنزف زمنية الكون من داخل نهاياته المجازية التي تسخر من النهايات من داخل تواترها، و صراعها مع العوالم الدائرية اللامرئية.


ثانيا: تحولات الصورة:
تتجاوز تداعيات الكتابة المدلول الأول للعلامة في (معجم الغين)؛ فالنصوص، و السياقات الجزئية تبرز جماليات الدال، و ثراءه أكثر مما تؤصل لمدلول ممتد في القصيدة؛ فالوعي المبدع يواكب عملية انتشار الدوال الإبداعية، و تحولاتها في الكتابة.
إن الصورة لتختلط بالمفهوم، و تستدعيه من ذاكرة المتلقي، ثم تحوره بفعل الوعي المبدع، أو تناغمه مع صيرورة الكتابة؛ فتتنامى الصورة، و تقبل الزيادة؛ و من ثم نلاحظ الانتشار التشبيهي الواسع لضمير المتكلم من جهة، و انتقال المفاهيم من صورة إلى أخرى من جهة ثانية.
تتسع صورة البحر في الذاكرة، و مرجعيات المتلقي إلى حضوره الآخر كفضاء مائي واسع في عوالم اللاوعي في نص (الغادف) أو الملاح في موضوع (الراهنامج) و هو الكتاب المرشد للبحارة؛ فللماء تحولات داخلية في الروح، و تأملاتها التصويرية؛ إذ يختلط بضمير المتكلم فيكسبه اتساعا روحيا، و يبعث فيه مخاوف الموت الصاخب الممزوج بقوة الأمواج، و حركة الأسماك الحتمية.
يقول: "من العادي في البحر:
أن يكسر الماء عود الخشب،
و يدس في اليد ثغرة ..
تنسل منها الثقة.
لكنني لا أضيع مائي!
فالماء لا يبقي للغريق ..
سوى نية في النجاة
و أسماك جائعة". ص 21.
الدال الأول للماء في النص يرتبط بقوة الماء نفسه، و يشير إلى إمكانية الغوص فيه، و الاتحاد الحقيقي، أو المجازي بمادته، بينما ينبع الماء من العوالم الروحية الداخلية في علامة / (مائي)، فيكتسب الماء الأول دلالات التعاطف الكوني، و التجدد الذاتي الإبداعي للمتكلم، و تفكيك حتمية الغرق، و تبدو آلية مغالبة الماء للذات طريقا يلتبس فيه الموت بالتبديل، أو ولوج البحر الداخلي الآخر.
و يقبض الشاعر على وهج الحياة، و تجلياته، و آثاره، و جذوره، و أطيافه المستمدة من الذاكرة الجمعية من خلال شاعرية مشهد يومي نسبي بسيط في نص (الغريزة) ضمن موضوع (الانمساخ) أو التشوه؛ فالمشهد الذي كان يبدو آليا، و يحيطه طقس بارد صار ديناميكيا بفعل رقصة الجسد التي تشير في بنيتها الخاصة إلى تجليات الحياة الأولى، ثم الإيماءات الأنثوية التي تجلت كمفتتح لبهجة الربيع، و ما يرتبط بها من أخيلة، و أساطير، و حكايات للعشق، تتجلى كممر دافئ يقاوم برودة الشتاء في النص.
يقول: "أما عيون الطيبين فراقبت في برود:
ساقا تلهو من خلف ظهر الطاولة !
... الدفء يمر .. سرا
يرحب بالمدعوين ..
في الردهة الضيقة
و البرد - الآن - ضيف خفيف:
فالشهوة فتحت
باب الحديقة .. بغتة". ص 29، و 30.
ثمة امتلاء بالدفء، أو بوهج التجسد المناهض للتغيير السلبي في مدلول الانمساخ، أو التشوه؛ فإيماءات الربيع الاستعارية تبعث صورة الربيع المكتملة في المشهد، و تشير إلى مناخ إبداعي للحياة، أو إلى ولادة أخرى لها في مجازات الجسد، و إيحاءاته في صيرورة الكتابة.
و قد يمتزج الماء بأخيلته في الوعي المبدع؛ فيعيد تكوين صراعات الإنسان القديمة مع البحر، أو تكويناته، أو مع وحش أسطوري يمثل اندفاعة الغرائز؛ و من ثم تتماس صورة الغول النابعة من الماء عند علاء عبد الهادي مع أطياف، و إيماءات، و تحولات عجوز همنجواي، و إحاب عند ملفل، و كذلك مفاهيم فرويد حول تفسير الأحلام، كما تبدو القوة الإبداعية للماء الحلمي، و كأنها تتهيأ لاندماج، أو صراع، و كل منهما مؤجل دائما.
يقول في نص (الغول) ضمن موضوع (الراهنامج):
"و النهر هدف تقلبه الذاكرة،
مع قبضة الربان،
كان البحر يتفتح رويدا ..
يتحول إلى ساعد هائل،
يسعى إلي ..!
بينما أسعى ..
في اتجاه الهدف!!". ص 93.
ثمة اتساع استعاري في المشهد من النهر إلى البحر، ثم من البحر إلى الساعد الأسطوري الذي يبعث أخيلة الغول التي ارتبطت في التراث بالجن، أو الحية، أو الكائن المخيف، ثم إلى الصراع، أو التعاطف المؤجل دائما.
إننا أمام يد محدودة إبداعية للربان كأنها تتحول إلى يد كاتبة أو شاعرة في المشهد؛ فتتجلى قوة الماء، و اندفاعاته بين الداخل، و الخارج، و تؤجل اكتمال اليد من داخل الاختلاف الذي تجلى في ساعد الغول، أو ساعد الماء الواسع الذي يقع بين الحلم، و الواقع.
ثالثا: السرد المجازي للقصيدة:
تسائل الكتابة الشعرية مدلول النوع في مشروع د. علاء عبد الهادي الإبداعي؛ إذ تتضمن القصيدة سردا مجازيا، أو حكايات كثيفة، يغلب على بنيتها المجاز، و لكنها تشبه المتوالية السردية في كونها تحمل منطقا خاصا، و تتابعا للوظائف السردية الجزئية التي تقاوم التماهي في السرد في الوقت نفسه؛ و من ثم فالسرد هنا ذي طبيعة مجازية في القصيدة، بينما تكتسب دلالات القصيدة ثراء، و اتساعا من خلال العمق السردي في النص، و دلالته الثقافية، و الذاتية.
يستعيد الشاعر إشراقات الوعي الأولى في مواجهة الذات، و العالم، و ما يصاحبها من تشكل للهوية، و بكارة إدراك العالم، و أحاسيس الأصالة، و تكوين انطباعات شخصية متناثرة من موقع الذات؛ و من ثم تختلط لحظة الحضور، أو الكتابة بلحظة القص التي يستعير فيها الشاعر منظور الطفل في النص؛ و هو ما يشبه العلاقة بين زمن الحكي، و زمن القص لدى راوي القصة؛ إذ يتعلق الأول بالراوي، و خطابه، بينما الثاني بترتيب القصة نفسها في بناء النص القصصي، و إن كانت استعادة منظور الطفل هنا مؤولة لشاعرية وقائع الذاكرة، و أحداثها التي تتجلى كإيماءات كثيفة في القصيدة.
يقول في نص (الغرفة) ضمن موضوع (البوح):
"كثيرا ما كنت أغلق بابي علي،
و أمد يدي،
فيقفز من علبتي .. في الظلام
ثدي أمي،
يوم الدراسة الأول،
تلاميذ الصف الثاني .. الكبار جدا،
سري الذي لم يغادر درس الحساب، ...
شطيرة مشقوقة من المنتصف،
و قلمي الذي كنت أخاف أن أمنحه الآخرين
فأخذته المعلمة بعد ذلك عنوة ..". من ص32: ص 34.
ثمة متوالية تتضمن مراقبة استدعاء أحداث الطفولة، و شاعريتها، و بكارة المنظور في الوعي المبدع لحظة الكتابة، أو الحكي، و أخرى تحوى بعض الذكريات التي تتجلى كصور إبداعية، أو إيماءات مجازية قد اكتسبت – بفعل الكتابة – حياة أخرى في الوعي؛ فرائحة الجدار البارد القديم تجمع بين بكارة الحضور الأول، و الانتشار، أو الطيران خارج بنيتها في الحكاية؛ لأنها تجلت في القصيدة كصورة روحية مجددة للهوية، و لحالة التعاطف الكوني كنغمة تنقل نفسها في بدائل أخرى محتملة، و في بكارة زمنية جديدة تحمل أثر الطفولة في المستقبل.
لقد كثفت القصيدة الحكي، و استعادت شاعرية الحكايات القديمة، بينما بدت المتواليات المشكلة للقصة كإيماءات استعارية كثيفة؛ فالذات تشبه الغرفة، و الذاكرة علبة تخرج منها الأحداث، و الوقائع الصغيرة تشبه تداعيات الكتابة، و تجاوزها للنهايات، و تفكيكها للماضي ضمن حضوره الدائري الآخر.
و قد تحمل إيماءات القصيدة، و متوالياتها السردية دلالات ثقافية محولة، أو مختلطة بتداعيات الكتابة الفريدة، فالشاعر يحكي فكرة الجمع، و التجسد لتكوين أنثوي كوني، أو طيفي؛ و كأنه يحول دور إيزيس إبداعيا، و يجدد الدلالات الثقافية لمدلولي الموت، و الخلود من خلال الإيماءة السردية الاستعارية في القصيدة.
يقول في نص (الغرام) ضمن موضوع (عن الكتابة):
"يقولون مرت منذ عام و رحلت.
ها أنا أتتبع آثارها في الهواء ..
لكن الهواء .. قاتم.
الهواء .. شقت ظهره العاصفة
الهواء .. أغرقه المطر .. مرتين.
لكنني لم أزل .. منذ عام ..
أقتفى أثرها في الهواء،
و أجمع ظلها .. في العيون ..
حتى .. تجسد .." . ص39.
تجتمع في القصيدة متوليتان سرديتان تتعلقان بمنطقي الرحيل، و الجمع، و التجسد معا؛ فالأنثى التي اقترنت في الوعي المبدع بالغياب، قد انتشرت كطيف كوني في الهواء، و في نفوس الآخرين، و في الكتابة حتى تجسدت، و كأنها تتشكل في صخب الهواء كمادة كونية خيالية طيفية في القصيدة.
هل كانت أخيلة الهواء تأويلا للحضور الطيفي للكينونة؟
هل كانت العاصفة سؤالا مجازيا للجسد؟
أكان الغياب أحد تجليات الحضور، أو التجسد في النص؟
هل كانت الأنثى صورة مختلطة بين إيزيس، و أوزوريس في التجلي الثقافي الآخر للأسطورة المصرية؟
إن المتواليتين القصصيتين تكسبان الغياب وهجا جديدا، و تحولا مجازيا يقترن بأحلام الهواء، و شدتها الطيفية المتدرجة التي تشبه التنويعات الموسيقية المختلفة من لحظات الحضور، أو لحظات التجسد، و سيمفونية الحياة، و طاقتها فيه.
أما تشكل الكينونة فيستنزف الغياب من خلال حيواته المجازية الخفية في إيحاءات القصة، وعلاماتها، و نغماتها الخاصة في القصيدة.
إن الموت في النص انتشار آخر للعلامة، و تجسداتها المتجاوزة لبنيتها الصلبة نفسها، و التي لم تكن ترجع كليا إلى صورة الجسد الأولى؛ فهي هوائية، أو طيفية، و تبحث عن أصالتها فيما وراء الحدود، و الحتميات.
رابعا: العتبات المؤولة للنص:
تمنح العناوين، و العناوين الفرعية، و طرائق تنظيم القصائد تبعا لدوال الغين، أو الترتيب الرقمي، أو الموضوعاتي لديوان (معجم الغين)، و علاماته ثراء دلاليا، و روابط تأويلية عديدة ممكنة؛ فالنصوص الجزئية لا يمكن فصلها عن نغمات العناوين، و طرق انتظامها الجمالية في الديوان؛ و من ثم فإيماءات العتبات هنا هي جزء أصيل من البناء الفني، و توقعات القارئ في آن.
و يرى (جيرار جينيت) أن أهم ما يميز العتبات الرسمية هو افتراض المسؤولية الأكيدة عنها من قبل المؤلف، أو الناشر؛ مثل العناوين، و المقدمة الرئيسية، و التعليقات الموقعة باسم المؤلف؛ أما العتبات الأخرى التي تشمل الحوارات، و المحادثات، و الاعترافات، فقد لا تتطابق تماما مع تصورات المؤلف.
(Read / Gerard Genette, and Marie Maclean / Introduction to the Paratext / New Literary History Vo. 22 / John Hopkins Univesity Press / p. 267. At: http://www.jstor.org/discover/10.2307/469037?uid=3737928).

تقع – إذا - الرسائل التي تومئ بها العناوين، و الموضوعات في متن العمل، و دلالاته، و تأويلاته المحتملة في (معجم الغين) ابتداء من العتبة الرئيسية التي تتعلق بالمعجم، و تكشف الاختلاف، و الثراء في دواله، و سياقاتها الشعرية المحتملة.
و من الأمثلة الدالة على أصالة الرسائل المتعلقة بالنصوص الموازية، أو العتبات، العلاقة قصيدتي (الغربة)، و (الغريب)؛ فثمة روابط تفسيرية متواترة في تداعيات الكتابة، و طرق انتظامها المختلفة في الديوان تكشف عنها العلاقات المحتملة بين النصين.
يقول في نص (الغربة) ضمن موضوع (العماء):
"ليس من الضروري
أن تعرف شيئا
كي تدركه !
مثلا:
من العادي أن تعرف صورتك
في المرايا .. !
و لكن ..
من النادر أن تدرك نفسك فيها .. !". ص24.
تؤول القصيدة مسألة الغربة عن الذات، أو الانشطارات المحتملة لضمير المتكلم، أو درجات الاختلاف بين الذات المتعالية في الكتابة، و الذات التي تتجلى من داخلها كأثر يقع بين الحضور، و الغياب.
و لعنوان الموضوع / (العماء) امتداد تأويلي في العنوان الآخر (الغربة)؛ إذ يوحي العماء بالنقص، أو بنغمة التحقق الناقص للهوية، أو بانتظار ولادة أخرى مكتملة لها؛ و من ثم يؤولها عنوان (الغربة) الذي يشير إلى تجسد الانشطار، و انتظار الهوية المتناغمة المؤجلة دائما، و التي تقع بين في شفافية علامة المرآة المعلقة بين الحضور، و الغياب.
و يجسد نص (الغريب) امتدادا لآخر بين عتبة العنوان، و عتبة الموضوع الأسبق (العماء) في آن، و يقع ضمن موضوع (القاهرة .. نظرة طائر).
يقول فيه:
"ثمة ريح تخشاكم،
تاه صديقها الحميم في المدينة،
لقد سلمته الحديقة إلى الشجرة الفارهة،
و خطه الغبار في الشوارع البهية،
و في الليل ..
بتر السور قدميه،
هكذا .. مات ..
بعدما حاصرته الحوائط،
و عراه ضوء الطريق !". ص 25.
تتجلى صورة الغريب الطيفية كعلامة (الريح) كممثل مأساوي يؤدي دورا عبثيا في المشهد؛ إذ ينفلت من السمو إلى ميكانيكية الموت، و لكنه يتحد بآثار نغمة الغربة، و تداعياتها النسبية في الكتابة، و في عوالم التلقي.
الغريب هو أثر للعربة، ووعي آخر بالعماء في النص الأسبق، و هو الموت الذي يبدأ بطاقة الغياب؛ و من ثم يستنزف بنية الموت من داخل الغربة، أو التحول الأول بعيدا عن اكتمال التجسد، و تأتي المدينة كفضاء توليدي للغربة، و الغريب، و انتشاره المستمر خارج بنيته الأولى.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر
































حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول