اليمن بين القبيلة والاسلامويات الطائفية

نجيب غلاب
2014 / 2 / 7

من يتابع التحولات في منطقتنا العربية سيلاحظ أن القبيلة ببنيتها التقليدية قابلة للتغيير فالحراك الاجتماعي والسياسي والثقافي ونمو الاقتصادي الوطني يمكنها من تطوير خبرتها ويمكنها التجريب مع المتغيرات في خوض والتوائم مع الوقت باتجاه الحركة الكلية للدولة والمجتمع الذي يخوض غمار التحولات بشكل دائم وان ببطئ، وكلما زاد عدد متعلمي القبيلة ونمت ثروات الفقراء منهم ولو بالحد الادنى للدخل الكافي لحياة ملائمة قريبة من الطبقة الوسطى فانها لا محالة تبدأ في ضبط عصبيتها بما ينمي قوة الدولة وتغلغلها ومن المؤكدة انها ستعمل تلقائيا لتكون قوة ضامنة للسلم الاجتماعي وفي اليمن مثلا فإن تقدم دورها الايجابي لصالح السلم الاجتماعي يحتاج الى ان يلعب شيخها دورا ايجابيا في تكتيل مصالحها بما ينفعها لا صاعق لتنمية الصراعات العصبوية وتوظيف القبيلة لخدمة مصالحه وحرفها مسارها بجعلها كتلة معسكرة لتهديد الدولة لتحصيل الغنائم.
ونلفت الانتباه هنا حتى تنتبه القوى المدنية ان خطر العصبيات الاسلاموية اشد وطأة واكثر خطرا على السلم الاجتماعي وعلى امن المجتمع والدولة لانها كتل مغلقة قد تبدو انها قوة مضافة في التأسيس المدني وتأسيس السلام الدائم في المجتمع إلا ان الواقع وتجربتنا تؤكد انها تدير حروب دائمة بشتى الوسائل لتتمكن من السيطرة على الدولة والمجتمع، تبدو كقبيلة ناعمة وعنيفة وتمتلك تنظيمات حديدية معبئة بايدولوجيات قهرية شمولية اما اذا اغتصبت هذه الاسلامويات الحزبية القبائل التقليدية بايدولوجيتها وتنظيمها فانها تبالغ في طموحاتها ولا تتوقف عن بناء القوة بكل المتاحات حتى تحتل كل مفاصل القوة الصلبة والناعمة في الدولة والمجتمع واذا وجدت اسلامويات متناقضة في اطروحاتها وحتى لو كانت متشابهة في العقائد فانها تدير صراعات متنوعة فيما بينها ومع المجتمع والدولة والنتيجة انهاك الجميع وتخريب حياة المجتمع اضافة الى انها تجعل الدولة بلا هيبة ولا وظيفة لها إلا تنفيذ اجنداتها اذا سيطرة عليها او تقاسمت غنائمها وهذا ما يجعل الاسلامويات ايا كانت ايدولوجياتها ووسائلها لتنفيذ اهدافها مصدرا لانتاج فساد دائم!!!
ونشير هنا ونشير هنا إلى ان تحيزات شيخ القبيلة لصالح الحزب الاسلاموي يثير الفوضى والنزاع داخل القبيلة ويفتح الابواب لحروب أهلية بين أبنائها وبالذات اذا كان ابنائها ينتمون الى تيارات اسلاموية متنازعة، أما إذا اشتغل الفقيه الديني على تعبئيها سياسيا وعمل على السيطرة عليها فإنها تصبح معسكرا مغلقا متمردا على الدولة وكيانا فوضويا لنشر الحروب داخل القبيلة وخارجها، وتصبح القبيلة مع الفقيه الاسلاموي شيعيا كان او سنيا حزب قبلي ميلشاوي لا ينتج الا العنف والانقسام الحاد المدمر للمجتمع والدولة!!
وفي تجربة اليمن اليوم سنجد ان الاسلامويات التي انتفضت ضد النظام تدير صراعات عنيفة وسلمية ضد بعضها وبادوات متنوعة ليست القبيلة إلا أخطرها وفي ظل المتغيرات الاقليمية واتجاهات الصراعات الاقليمية والدولية والنزاع على النفوذ في المنطقة فإن التحدي الأكبر الذي يواجه امننا القومي في اليمن اليوم مركز في تعاظم دور التيارات الاسلاموية بكافة تنوعاتها .. تبدو كبوابة للشر والخراب والدمار وستتعامل مختلف القوى الاقليمية والدولية مع اليمن كمكان لإدارة صراعاتها الباردة والملتهبة كلما زادت قوة الاحزاب الاسلاموية وتعاظمت سطوتها. والأمر يقتضي ان كان صانع القرار يمتلك الرشد وهو اليوم بين انيابها يبدو محايدا إلا انه في قلب الصراع لا يفكك بل ينمي من العنف لانه يخافها ويرقص على ظهري الوحشين وسيكون ضحيتها، ولان تفكيكها صعبا ويبدو مستحيلا لأنها ايضا متنفذة في كل مؤسسات الدولة فإن إضعاف هذه التيارات او اعادة صياغة ادوارها لابد ان يكون اولوية وبدون ذلك فإن اليمن كل اليمن سيكون خاسرا، اعتبروني متطرف وحتى ارهابي، اليمن يعاني ويتألم ومستقبله على كف عفاريت الاسلامويات. اليوم لا للنفاق لا للانتهازية الباحثة عن مصالح فردية، لقد قدت خلال السنوات الماضية معركة طويلة ضد الاسلامويات والنخب القبلية التي دمرت القبيلة واضعفتها وانتهكت الدولة بالفساد والنهب واضعفت هيبتها واوقعتها بين ايديها ككيان ذليل تديره محسوبيات لا تؤمن بقانون او دستور ولا حتى بمصالح قبائلها مع تنامي الاسلامويات واختراقها للقبيلة ومحاولة تعميم قوتها لصالحها يبدو لي ان القبيلة بشكلها التقليدي مخاطرها بالامكان تجاوزها أما مخاطر الاسلامويات فكارثة وبالذات اذا التحمت بالقبيلة!!
وهنا نشير الى ملاحظة جديرة بالاهتمام ان الاسلامويات اليمنية مثل غيرها من الاسلامويات في منطقتنا تنمو في ظل الفوضى وضعف الدولة لذا تلجأ الى فرض سيطرتها على القبيلة إلا انها تجهل القبيلة كتكوين تاريخي متجذر لكنه متحول ومتغير ايضا ومن لا يفقه منطق القبيلة وتركيبتها وتعقيداتها وطبائعها سيخسر كثيرا مع ملاحظة ان التغيير اصابها بتصدع ومكن الاحزاب الاسلاموية من اختراق بعض تكويناتها إلا ان هذا التصدع لم يفقدها حيويتها العصبوية ولا قدراتها على إعادة بناء لحمة من التحالفات لمواجهة الحرب الاهلية التي تبثها الاسلامويات المتناقضة في بنيتها، فالقبائل راكمت في ظل ديمقراطية مسيرة تجربة سياسية واصبحت أكثر اتقانا في فهم مصالحها ومنحها العهد الجمهوري طاقات زادت من ذكائها السياسي.
قوى المصالح الاخوانية تريدها معسكر خلفي لفرض سيطرتها على مؤسسات الدولة وكتلة مغلقة على خصمها الديني الممثل بالحركة الحوثية الشيعية التي تمكنت من إدلجة بعض القبائل بمذهبية زيدية متطرفة متأثر بالايديلوجية الخمينية وادواتها الثورية ويتعامل مع ابناء القبائل كباشمرجة ينشدون الزوامل القبلية الحماسية وتعتقد الحركة ومنظريها ان القبيلي شخصية ساذجة وجاهلة بالامكان تحفيز عواطفها بالخطاب الديني المبالغ في خلق الاعداء الوهميين ومن خلال تفعيل وعي القبيلة بالدين وتنمية الغرائز القبلية وتعبيئتها (بالزامل والهيدة) والاغاني التقليدية التي تثير اعماق القبيلي وتدفعه بحماس الى المعارك.
لا خيار لليمن إلا ان ينمي من دور القوى المدنية فهي البديل والمنقذ، وعليهم ان يراهنوا بالمطلق على الدولة ويقفوا صفا واحدا بالمرصاد للتيارات الاسلاموية فإنها كارثتنا اليوم وغدا وفي كل حيت!! واقول لهم لقد سعيتم لمنع مشاركة العسكر في الانتخابات وفي الترشح للرئاسة إلا بعد عشر سنوات من ترك المؤسسة والدستور والقوانيين تحرم الحزبية على القضاة والعسكر والسلك الدبلوماسي فإن الاجدى والنافع والمفيد ايضا حرمان مشايخ الدين من ذلك وايضا مشايخ الضمان في كل القبائل اليمنية!! وكل من اراد من مشايخ الدين او مشايخ القبائل الانضمام الى الاحزاب او الترشح في الانتخابات فعليه ان يتخلى عن المشيخ الديني او القبلي.. ويا دار ما دخلك شر!!
بعض القوى المدنية وساسة اليمن منخرطين في صراع الاسلامويات وهي تتقاتل على الدولة والمجتمع وأؤكد لهم اننا لن نستوعب كارثة اختطاف القبيلة من قبل التيارات الاسلاموية إلا عندما يقع الفأس في الرأس!!
والاسلامويات لا تكتفي بإدارة الحروب الطائفية تحت لفتات حزبية بل تسعى للسيطرة على الجمهور وساحات الاحتجاج فالحوثي اليوم مازالت ساحاته في العاصمة صنعاء قائمة حتى اللحظة ويدير حروب شرسة في منطقة القبائل وفي بعض محافظات اليمن والاخوان انسحبوا من الساحات بعد ان اخذو نصيبهم من الحكم وهاهم اليوم يعيدون تكرار انتاج الشوارع كفاعل سياسي في لعبة الصراع، مثلهم مثل الطامحين الآخرين الباحثين عن شارع ليكون أداة ضغط لاعادة تركيب القوة التنفيذية. وفي ظل التحولات التي تجري وبعد تجربة الثلاث السنوات لا شرعية للشارع عبر المظاهرات والتحشيد إلا في حالة واحد ان تمتلئ شوارع صنعاء الرئيسية بالجمهور المنظم وبدون ذلك يظل الشارع انفعالات في لعبة الصراعات التي تديرها مراكز القوة، من المؤكد ان الشارع اليوم في اليمن صار لغة فوضوية ولا يعبر إلا عن نزعات تصفوية واستبدادية، وعلى ابناء اليمن وبالذات القوى المدنية ان تعمل بكل طاقتها للوصول إلى تحكيم إرادة الشعب كل الشعب ولن يكون ذلك إلا عبر الصندوق وبدونه تظل الادعاءات التي تحتكم الى الشارع باطلة ولا أساس لها في تأكيد شرعية أو نفيها!! أما من أراد ان يعمم الشرعية بالقهر فالخيار الواقعي هو القوة الصلبة عبر الرصاص وهذا لا تمتلكه إلا الاحزاب الاسلاموية، وان حدث فإنه البوابة الكبرى لتدمير اليمن وتدمير ما تبقى من دولة!! يبدو لي ان اللجوء الى العنف الشامل اصبح اليوم في اليمن مستحيلا إلا اذا كان الانتحار هو الخيار الذي يريدوه لنا ولهم.
ما يجعلني محبطا في ظل المتغيرات التي تعيشها اليمن ان كتل الشابة تتحرك باحثة عن وجودها وتراكم الخبرة السياسية الا انها تدير حراكها في فراغ معرفي لذا ستجد نفسها كقوى مناضلة بشكل دائم موظفة في صراعات المصالح للقوى المالكة للثروة والسلطة، وسيتم توريطها بشكل دائم في نزاعات مستدامة تراكم مشاكلنا دون ان نتمكن من الانطلاق الى المستقبل .. تكرار ممل لاعادة انتاج الفساد باسم محاربته، والامر كله مرتهن لثقافة عامة جامدة ونخب سكرانه بالسياسة تدير صراعاتها على الموارد وتبحث عن ريوع الدولة والجميع مؤجل تنمية الموارد البشرية واشطر حزب سياسي برنامجه شعارات باحثة عن جمهور لاعادة تركيز القوة دوان امتلاك مشروع واضح للتغيير، قد تتغير تركيبة القوة الا ان الجذور الثابتة للوعي لا تتغير لذا لن نتمكن من الانتقال الى افق جديد الا عبر الاشكال مع ثبات المضمون!!!
وأخيرا اقول لكم ان اليمن تعاني من فقر وبؤس مؤلم في القيادة والشعوب وهي في طور الانتقالات الكبرى وبالذات في المجتمعات التي لم تتمكن من بناء قواعد الانطلاق التي تؤسس للرشد والحرية الفردية تحتاج الى قادة كبار يفتحوا لهم أشواق العمل وتقديسه ويمنحوهم الأمل ويغرسوا في قلوبهم وارواحهم البذل والعطاء والتضحية، يقنعوهم كم هو التسامح والتعايش اعظم الانتصارات في ملحمة بناء مصالح الناس وحاجاتهم، يبذلون من اجل مجتمعاتهم كل طاقتهم ليكونوا هم القدوة والمرشد القوي في بناء الاستراتيجيات الكبرى والبرامج الفاعلة التي تفيد الاغنياء والفقراء وتسهم في تعمير طبقة وسطى واسعة تكون عمود الأمن والاستقرار .. القيادة ليست تمرد ايدولوجي ولا عصى عقائدية أنها ملحمة متكاملة عاشقة للحياة من أجل الذات والانسان .. لا يمكن لقائد مؤدلج ان يسهم في البناء والتعمير وان حاول فإنه يسقط في حفر العقائد ويشغل المجتمع والدولة في صراعات عبثية لتفوز الايدولوجيا على حساب القائد والدولة والشعب.. نريد قيادات محايدة تفهم دورها عبر تقنيات عملية تنمي قدرات المجتمع وترسخ قوة الدولة دولة خادمة للاقتصاد لا دولة لتوزيع المحسوبيات بين النخب.
نصيحة:
اذا أراد الرئيس هادي ان يسهل الانتقال ويتم انجاز المبادرة الخليجية فعليه ان يقدم استقالته في 21 فبراير بعد اعلان دستوري ينظم الانتقال كما ورد في وثيقة الضمانات ويتم تشكيل مجلس رئاسي سباعي ويكون المجلس برئاسته مع تشكيل مجلس عسكري يجمع القوة العسكرية والامنية بمجلس عسكري ايضا برئاسته أو برئاسة وزير دفاع قادر على ان يملئ المكان مع تغيير الحكومة بكاملها. ووضع خطة تنفيذية او خريطة طريق واضحة وبينة ومزمنة للفترة الانتقالية التي حددت بسنة>

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير