نحو تشكيل صوت داخلي، و زمن خاص في رواية (سفر اليقظة) لشطبي ميخائيل

محمد سمير عبد السلام
2014 / 1 / 20

تتميز كتابة الروائي المصري شطبي يوسف ميخائيل بأصالة الإحالة إلى الضمير الشخصي، و الوفرة في استخدام اللغة، و تداعياتها الفنية، و أسئلتها الفلسفية، و إمكاناتها التعبيرية عن الذات، و علاقاتها المتشابكة بالآخر، و بالأبنية الثقافية، و الاجتماعية المحيطة بها، و لا يقتصر النص الروائي لديه على التعبير عن أصالة الشخصية، و لغتها الشاعرية الخاصة، و إنما يشتبك مع نصوص، و تيارات فكرية، و فنية عالمية، دون أن ينفصل النص عن الإشارات الثقافية الأصيلة، و المميزة للمكان، و تراثه، و أنماط الشخوص، و الحياة فيه، بما تحمل هذه الحياة من بهجة، و روح فطرية، و رغبة في التناغم، و السلام، و حزن طويل ممتد أيضا، يتعلق بإشكالية الإرادة، و تطوير الصوت الفردي في السياق الاجتماعي.
و يمكننا معاينة هذه الرؤى الفنية، و الفكرية بوضوح في نصه الروائي المعنون ب (سفر اليقظة)، و قد صدر عن دار الهدى للنشر بمدينة المنيا سنة 2011؛ فالسارد في النص يلج العالم الداخلي للبطلة / الأنثى بصورة مباشرة، و قد عبر بصدق عن أحاسيسها، و رغبتها في إنتاج تاريخ خاص، و لغة خاصة جديدة تتعلق بمسألة الحب، و الإرادة، و إعادة تأويل الذات من خلال صورة المولود الجديد المنتظر وسط أنساق اجتماعية إستاتيكية، و قهرية، و يراوح النص بين لغة الحلم، و الطبيعة الاستعارية لعالم البطلة الجديد، و مدى تحقق صرخة المولود في الواقع، و مقاومته للموت، و لمظاهر الإقصاء المضادة لفكرة الاختيار عند البطلة.
و التعبير عن صوت الأنثى له جذور في تراث الأدب، و شكول ثرية، و متنوعة في الرواية العربية، و العالمية؛ فقد عالج يوريبيدس قضايا المرأة في (ميديا)، و (نساء طروادة)، و صور الطاهر بن جلون مسيرة الاختلاف لدى البطلة في (ليلة القدر)، و أعاد ميلان كونديرا تأويل الهوية الذاتية التي تجلت في اختلافات الإرادة، و الانطباعات، و الأحلام من خلال شخصية نسائية في رواية (الهوية)، و عبرت ميرال الطحاوي عن التوتر بين حالات السلبية، و الأمل المتعلق بالحلم، و حلم اليقظة الإبداعي في رواية (نقرات الظباء)، بينما جسد إدوار الخراط التفاعل الإبداعي في الوعي، و الذكريات، و الموروث الثقافي بين رامة، و ميخائيل في روايته (رامة و التنين)، و يختلف تصور شطبي ميخائيل في رواية (سفر اليقظة) في اهتمامه بالتفاعل بين البحث عن لغة خاصة للروح ضمن سياق اجتماعي نسبي، و الواقع المملوء بالحتميات، و التناقضات الداخلية التي تتوزع بين البهجة، و الحزن، و الآلية المفرطة أحيانا.
ثمة ثلاث شخصيات نسائية تعبر كل منها عن نمط من أنماط التفاعل بين العالم الداخلي الخاص، و إنتاجيته المبدعة، و السياق الثقافي، و الاجتماعي، أو المسار الواقعي، و متاعبه النسبية التي اقترنت بكل منهن، و أنتجت موقفها من العالم على حدة؛ و هن عبدة دقش،أو كما تسمي نفسها (بهية)، و قد ارتبطت بها في الذاكرة شخصية (راعوث)،ثم شخصيتي (روشة)، و (مريوم).
و رغم ارتكاز النص بالدرجة الأولى على (بهية)؛ فقد قدم لنا تصورا واضحا من الناحية الجمالية لمريوم، و روشة، و كشف عن عوالمهما الداخلية، و مسارهما في النص الروائي، و تقاطعاتهما الفكرية، و الفنية مع البطلة.
تشكل البطلة / بهية هويتها في مراحل فنية عديدة في النص؛ و تبدأ باختيار الاسم، و التعليم، و تعزيز الحضور الروحي المتعالي للشخصية، بوصفها إنسانا يفكر، و ينتج، و يقدم مشروعا، أو أثرا لا يمكن اختزاله في أبنية سابقة، ثم تدرك أن تشكيل الكينونة الأنثوية يتطلب قوة للخيال، و ثراء في إمكانيات تأويل لحظة الحضور التي تتجسد في علامة البللورة، و الانعكاسات العديدة لصورتها، ثم تنتابها لحظات الصراع، و الرعب؛ إذ تخشى أن تكون غير مرئية، أو غير موجودة، و يتكرر هنا السؤال حول دلالات الاسم، و الحضور مرة أخرى، و عن المعنى الفلسفي للوجود الشخصي نفسه، ثم تنحاز الحركة الداخلية مرة أخرى للتعزيز من الحب، و بزوغ صرخة المولود في النهاية؛ و كأنه امتداد استعاري للهوية الأنثوية، و ما يرتبط بها من اختيار، و إنتاجية تتوافق مع التوجهات التي تكشف عن عمق الاختيار، و اللغة، و التاريخ فيما يخص المرأة، و أنماطها المبدعة.
و أرى أن تطوير الشخصية روحيا قد ارتبط بالشخصيات الأخرى، و خاصة (روشة) التي بدت كضحية لأنساق القوى، و سوء الفهم، و آلية القوة؛ و كأن الطفل جاء كبديل مجازي قوي لفقدان روشة، و اختياراتها في النص، بينما جاءت إرادة البطلة القوية إزاء عائلة زارع كبديل عن حالات الغياب التي كانت تنتاب شخصية مريوم، و تجلت راعوت كصورة ترتبط ببهجة الطفولة، و أخيلتها الجمالية الممتدة في لحظة الحضور.
لقد طورت البطلة نفسها من داخل الأخريات، و استمدت منهن طاقة إبداعية تعويضية عن أبنية العنف، و القهر، و الموت المحتمل.
و ترتكز رواية (سفر الموت) فنيا على تيمة تيار الوعي المبني على السؤال الفلسفي، و استبطان الشخصية رأسيا، و الكشف عن تفاصيل الخبرات الشخصية الممزوجة بثقافة المكان، و آثاره، و قد كشف السارد عن عمق الشخصية عن طريق تقنية المونولوج الداخلي المباشر الذي يقدم محتوى الشخصية مباشرة إلى وعي القارئ؛ و هو ما يعزز من الصدق الفني في التعبير عن البطلة، كما يكشف أحيانا في تداعيات الكتابة عن (مستوى ما قبل الكلام) الذي يميز به (روبرت همفري) رواية تيار الوعي عن غيرها؛ إذ يلج السارد مستوى الصور الحلمية أحيانا قبل أن يهبها الوعي حضورا منطقيا؛ و خاصة عن الحديث عن تطور صور شخصية مريوم التي تجلت في وعي البطلة في إناء للشرب، أو حلة الطبيخ، أو تطل من مرآتها، أو تعذبها فيما يشبه المداعبة البريئة، و تترك أثرا في جسدها، و هي تشبه أيضا عرائس الأحلام.
و الخبرة السابقة الخاصة بمريوم تتجاوز مستوى الإدراك الواعي، و تأتي من عمق الحلم، و لغته الخاصة، و تداعياته الشاعرية في تيار الوعي.
و تثير الصور السابقة دلالة الاختلاف التي ارتبطت بتلك الشخصيات النسائية ذات العمق الذاتي، و الروحي، و المناهض لوضعهن في السياق الاجتماعي للنص.
و النص به عتبات فنية دالة، و ذات مغزى فلسفي، و جمالي؛ فالعناوين، و الاقتباسات، و العناوين الفرعية، و الاستهلالات الداخلية تشكل عند (جيرار جينيت) نصوصا موازية ذات دلالة في فهم النص، و تأويله؛ و من العتبات الاستهلالية في النص ما يكشف عن أزمة البطلة، و الفوارق بينها، و بين الباشا، و تناقض هذه الفوارق مع ذاتيتها المتعالية، و قصة الحب.
يقول السارد على لسان البطلة:
"أين أنا منك؟، و كيف يكون لخادمة نصيب في سيد؟ .. إيه أيها القلب الخائن، جعلتني شجرة وحيدة في برية مثقلة بثمرها، لكن لا أحد يهتدي إليها.. أجنبية أنا عن أهلي، و ناسي، و ها أنا أنتظر، و أنتظر، فأي جدوى في ترقب ما لا يجيء؟".
النص الاستهلالي الداخلي السابق يجسد نغمات التفاوت الاجتماعي المضادة للقيمة الذاتية الداخلية المرتبطة بالإرادة الخاصة، و الهوية لدى البطلة، و كذلك التناقض بين الانتظار العبثي لتحقق الحلم، و الإصرار على الاختيار، و تشكيل الزمن النسبي الخاص.
و تشكل هذه العتبة مفتاحا داخليا لإنتاج توقعات القراءة حول مصير البطلة، و فهم مأساتها الخاصة، و مدى تطورها الروحي في تداعيات الوعي، و تسلسل الوظائف السردية.
و تتناص الرواية في النهاية مع بدايات (سفر التكوين)؛ فتشير إلى امتداد بنية الخطيئة، و دورها في تطور علاقات البشر الاجتماعية؛ فتشير إلى ارتباط مدلول الخطيئة بالطمع، و الغيرة، و الحسد؛ و من ثم بالدم الذي لا تقبله الأرض.
و توحي هذه الإشارات الثقافية بدائرية الخطيئة، و توالدها، و الإيحاء بالرفض الطبيعي لها في سياق النص، و في أزمة البطلة، و في تلك الفكرة كتأويل لأزمات مماثلة يشتبك فيها النص فيما ورائه من سياقات أخرى محتملة.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر




حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول