تحليل دستور المغرب لسنة 2011، هل هو ديمقراطي أم استبدادي ؟

عبد الرحمان النوضة
2013 / 12 / 30

تحليل دستور المغرب لسنة 2011، هل هو ديمقراطي أم استبدادي ؟
عبد الرحمان النوضة(1)

ينتقد المقال الحالي النظام السياسي القائم بالمغرب، من خلال نـقد دستوره. ويفترض في وثيقة الدستور أنها تجسّد «تعاقدا مجتمعيا» بين الحكّام والمحكومين. ويفترض في وثيقة الدستور أنها تُحدّد ميزات وآليات النظام السياسي الموعود، أو القائم. ويُـحَلّل هذا الفصل بنود الدستور الذي منحه ملك المغرب محمد السادس، في 17 يونيو 2011. ويـفحص مدى إتيانه بالديمقراطية، أو بالملكية البرلمانية، التي تطالب بها جماهير متزايدة من الشعب، وفي مقدمتها "حركة 20 فبراير". فهل هذا الدستور يؤسس الديمقراطية، أم أنه يحافظ على آليات الاستبداد السياسي ؟
للجواب على هذا السؤال، نـقرأ فصول هذا الدستور فقط من الزاوية التالية : هل هذا الدستور يؤسس نظاما سياسيا يسود فيه الملك ولا يحكم، أم أنه يُشرّع نظاما سياسيا يسود فيه الملك ويحكم ؟ لأن الجانب المهم في وثيقة الدستور، هو أنها تُحدد من يحق له أن يقرر على مستوى مختلف السلطات الرئيسية (التشريعية، والتنـفيذية، والقضائية، والاقتصادية، والإعلامية، والثقافية، والدّينية). أما الجوانب الأخرى الواردة في هذا الدستور، فتبقى أقل أهمية، ونتـفادى تناولها، أو التـعليق عليها.
وعلى خلاف الكثير من الأطروحات أو الآراء، بما فيها تصريحات بعض زعماء الأحزاب السياسية، لم يكن المشكل السياسي (أو المشكل الدستوري) في المغرب، هو الفصل بين السلطات الكلاسيكية الثلاثة (التنـفيذية والتشريعية والقضائية)، بل كان ولا زال المشكل هو الفصل بين سلطة الملك من جهة أولى، ومن جهة ثانية هذه السلطات الثلاثة الأخرى. حيث كان الملك يهيمن على السلطات الثلاثة المذكورة. فإذا حدث مثلا في نظام سياسي مُعيّن (سواءً كان ملكية أم جمهورية)، أن أصبحت السلطات الثلاثة مستـقلة تماما عن بعضها البعض، وخاضعة في نـفس الوقت لسلطة رئيس الدولة (سواءً كان ملكًا أو رئيس جهورية)، فإن استقلال هذه السلطات الثلاثة عن بعضها البعض لا يجسّد في هذه الحالة حجّة على وجود الديمقراطية في هذا النظام السياسي، بل يُعتبر هذا النظام السياسي شكلاً من أشكال الاستبداد(2). لأن معيار وجود الاستبداد، هو أن فردا، أو جماعة، أو مؤسسة واحدة، تسيطر على، أو تحتكر، سلطتين أو أكثر (من بين السلطات الأساسية المذكورة سابقا، التنفيذية، والتشريعية، والقضائية).


1) في مجال السلطة التنـفيذية
يقول الفصل 1 من الدستور : «يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط». فهل هذا صحيح ؟ لنـفحص بعض الفصول المعبّرة.
يقول الفصل 47 : «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتـخابات مجلس النواب ... ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها». لكن هذا الفصل يضيف : «للملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم». ويعني حق «الإعفاء» هذا أن الملك هو الذي يتحكم في أعضاء الحكومة، وليس رئيس الحكومة. فكل وزير لا يرضي الملك، يصبح مهددا بالطّرد (= الإعفاء) من طرف الملك.
ويضيف الفصل 47 : «ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة». بمعنى أنه لا يحق لرئيس الحكومة أن يُعفي أي عضو من الحكومة إلاّ إذا وافق الملك على ذلك. وتـؤكد هذه الجملة أيضا أن الملك، وليس رئيس الحكومة، هو الذي يتحكم في تكوين الحكومة. وبالتالي تصبح الحكومة (أو السلطة التنـفيذية) خاضعة للملك، ويصبح مبدأ فصل السلط (وخاصة منه الفصل بين سلطة الملك والسلطة التنـفيذية) غير موجود في الواقع.
زيادة على ما سبق، يقول الفصل 48 : «يرأس الملك المجلس الوزاري». [للتّذكير : يتكون "المجلس الوزاري" من الوزراء، ورئيس الحكومة، ورئيس الدولة (أي الملك). بينما "مجلس الحكومة" يقتصر على الوزراء وعلى رئيس الحكومة]. وكلمة «يرأس» تـعني هنا أن الملك هو الذي يُسَيّر ويُنظِّم ويُقَرّر. و«رئاسة» الملك للمجلس الوزاري تـعني أن السلطة التنـفيذية هي في خدمة الملك، وخاضِعة له(3).
ويضيف الفصل 49 : «يتداول المجلس الوزاري ... في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة». ومعناه أن الملك (باعتباره «رئيس» المجلس الوزاري) هو الذي يقرر، في آخر المطاف، في تحديد هذه «التوجهات الاستراتيجية». ويُضيف الفصل 71 أن «المجلس الوزاري» (تحت «رئاسة» الملك) هو الذي يحسم في القوانين الصادرة عن البرلمان (السلطة التشريعية). كما يحسم «المجلس الوزاري» في الكثير من القضايا الأخرى التي تنص عليها فصول أخرى. فلا يستطيع «مجلس الحكومة» أن يحسم إلا في قضايا قليلة وثانوية. بل الفصل 92 يحدد بدقة القضايا التي يُسمح «لمجلس الحكومة» أن يتداول فيها دون غيرها. ويَتّضح مما سبق أن الملك هو الذي يتحكّم في السلطة التنـفيذية.
ونُلاحظ أن هذا الدستور لم يوضح الطريقة التي يحسم بها «المجلس الوزاري» اتـخاذ قراراته. هل بالتصويت ؟ هل بالإجماع ؟ هل بالتّراضي ؟ هل بأغلبية الأصوات ؟ ما هو وزن رأي رئيس الوزراء بالمقارنة مع وزن رأي الملك ؟ وما العمل إذا تجرأت أغلبية الوزراء على معارضة رأي الملك ؟ هذا الغموض مقصود. الشيء الذي يُؤَوّل على أن كفة الملك (باعتباره «رئيس» المجلس الوزاري) تظل هي دائما الغالبة. أي بعبارة أخرى، كأن الملك يتمتـع ب «حق النـقض»، أو «حق فيتو» (Droit de veto) شامل ومكتوم، على مجمل أعمال «المجلس الوزاري»، وعلى «مجلس الحكومة»، وكذلك على منتجات مجلس النواب. وهذا يؤكد أن سلطة الملك تهيمن على السلطة التنـفيذية، وأن الفصل بين سلطة الملك والسلطة التنـفيذية غير موجود في هذا الدستور.
ويضيف الفصل 49 : «يتداول المجلس الوزاري في ... التـعيين، باقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من الوزير المعني، في الوظائـف المدنية لوالي بنك المغرب، والسفراء، والولاة، والعمال، والمسئولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي، والمسئولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية». معناه أن رئيس الحكومة يقترح مُرشّحين للمناصب العليا، لكن الملك هو الذي يحسم عمليا، وفي آخر المطاف، من خلال «المجلس الوزاري»، في تـعيين هؤلاء المسئولين الكبار في أجهزة الدولة، مثل العُمّال، والوُلاّة، والمُدراء العامّين للمقاولات العمومية، ومديري الأمن، وغيرهم. وذلك عبر «حق فيتو» شامل ومُسْتَـتِـر.
وزيادة على ذلك، كل المسئولين الكبار في أجهزة الدولة، الذين يُعَيّنهم المجلس الوزاري أو الملك، يجبرون على أداء يمين خاص، أمام الملك، وأمام كاميرات التلفازات (أي أمام الشعب). ويقسمون بالعبارة التالية : «أقسم بالله العظيم، أن أكون مخلصا، لديني، ولوطني، ولملكي، ... »(4). وهذا القسم الإجباري، يلزم الموظّف المسئول بأن يكون، أولا وقبل كل شيء، «مخلصا» للملك، وليس للحكومة، ولا للدولة، ولا للشعب. ويَفرض هذا القسم على الموظف السامي بأن يضع الملك في مرتبة الدين كله، أو الوطن كله. بينما تجارب الشعوب تـؤكّد أنه من الممكن أن يصبح ملك مَا في تناقض مع الدّين، أو مع الوطن، أو مع الشعب. ويَتّضِح هنا أيضا، أن كل شيء في هذا النظام السياسي مُسَخّر لخدمة الملك وحده.
وبِالتّالي فإن أجهزة الدولة الأساسية تبقى خاضعة للملك، وليس لرئيس الحكومة. وتظل صلاحيات السلطة التنـفيذية خاضعة لسلطة الملك، بسبب تمتـعه ب "حق فيتو" شُمولي ومكتوم.
وفي مجال مراجعة الدستور، يقول الفصل 172 : «للملك، ولرئيس الحكومة، ولمجلس النواب، ولمجلس المستشارين، حق اتـخاذ المبادرة قصد مراجعة الدستور». فتظهر هذه الإمكانية إيجابية. لكن من خلال الإجراءات المدققة في الفصول 172 إلى 175، يَتّضِح أنه لكي تتطور عمليا هذه المبادرات إلى تنظيم استـفتاء فعلي، يلزم أن يوافق عليها الملك. فيقول الفصل 173 أن اقتراح مراجعة الدستور من طرف رئيس الحكومة يجب أن يمر بالضرورة عبر المجلس الوزاري (الذي يرأسه الملك). ويضيف الفصل 174 : «تـعرض مشاريع ومقترحات مراجعة الدستور، بمقتضى ظهير». والظهير يقرر فيه الملك وحده. وبالتالي، جميع السبل لتـعديل الدستور، يتحكم فيها الملك وحده. وكل مشروع لمراجعة الدستور لا يوافق عليه الملك، مآله هو الفشل، إن لم يتحول إلى تهمة «المس بأمن الدولة».
ويقول الفصل 53 : «الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية. وله حق التـعيين في الوظائف العسكرية». الشيء الذي يخرج المؤسسات العسكرية بأكملها من مجال السلطة التنـفيذية(5). فلا سلطة، وولا نفوذ، ولا مراقبة، ولا محاسبة، ولا تأثير، للحكومة على المؤسّسة العسكرية. فتكون المؤسّسات العسكرية احتكارا خاصا بالملك. بينما في الأنظمة التي تُـعتبر ديمقراطية عبر العالم، تكون المؤسسات العسكرية (ومجمل الدفاع الوطني) خاضعا لتدبير الحكومة.
ويقول الفصل 54 : «يُحْدَث مجلس أعلى للأمن ... يرأس الملك هذا المجلس». ورغم تنوع أعضاء هذا المجلس، يبقى الملك هو الحاسم في قرارات هذا «المجلس الأعلى للأمن». ولا يبقى لممثل السلطة التنـفيذية (أي رئيس الحكومة) سوى مسايرة توجيهات الملك. بينما المُفترض في الديمقراطية (كما هي متـعارف عليها عالميا) هو أن تكون المؤسسات المكلفة بالأمن من اختصاص السلطة التنـفيذية.
ويقول الفصل 59 : أن الملك هو الذي «يعلن حالة الاستثناء بظهير»، وليس رئيس الحكومة. ويضيف الفصل 59 : «يُخَوّل الملك بذلك اتـخاذ الإجراءات التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية». بينما كان يفترض أن يُخَوّل مبدأ فصل السّلَطات تلك المهام المذكورة سالفا إلى السلطة التنـفيذية (أي إلى الحكومة). [ونُذكّر هنا أنه، من بين الحِيل التي استـعملها الملك الحسن الثاني (1929-1999)، والتي استـفاد منها على امتداد عشرات السنين، هي أنه، حينما كان يَقْلَق من مضايقة المعارضة السياسية، يلجأ إلى استـعمال فصل مماثل للفصل 59 الحالي، ويُعلن حالة الاستثناء، أو حالة الحرب، ويُوقِف العمل بالبرلمان، ويعلّق العمل بالقوانين العادية، ويُعَوّضها بسلطته المطلقة].
وجاء فيما بعد (في سنة 2012) قانون رقم 12-01 ، لِتـفعِيل هذا الدستور في مجال الجيش، حيث طرح أن «مُهمّة الجيش هي الدفاع عن الوطن والشعب ومؤسساته الدستورية». ولا ندري هنا ما المقصود بعبارة «مؤسساته الدستورية». وإذا كان المقصود هو «النظام الملكي»، فمن المستحسن أن يكتب ذلك صراحة في الدستور. لكن، إذا أراد الشعب تغيير «المؤسسات الدستورية»، أي تغيير النظام السياسي، فهل يحق للملك، تحت غطاء «حفظ النظام العام»، أن يستـعمل الجيش لقمع الشعب (مثلما حدث ذلك في ليبيا في سنة 2011، أو في البحرين، أو في سوريا خلال سنتي 2012 و 2013) ؟ وهل من المعقول أن يسمح الدستور للدولة بأن تستعمل الجيش ضدّ الشعب ؟ أليس استعمال الجيش ضدّ الشعب من علامات استيلاب (aliénation) الدولة (مثلما حدث في سوريا خلال سنتي 2012 و 2013) ؟
فهذا الدستور يعطي للمك امتياز التّحكّم التام في القوى العسكرية، لكنه لا يحتوي على أية إجراءات قانونية تحمي الشعب من احتمال لجوء الملك إلى استـعمال هذه القوى العسكرية بهدف قمع الجماهير المُعارضة، أو بهدف ردع الشعب الراغب في تغيير النظام السياسي (مثلما حدث في عهد الملك الحسن الثاني).
ويقول الفصل 77 : «يسهر البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة». لكن، بما أن سلطة الملك موضوعة (في الواقع) فوق كل السّلطات الأخرى، وبما أن الملك يبادر إلى تشييد صناديق ومشاريع اقتصادية هامة، وخارجة عن تدبير الحكومة، تـقدّر ميزانياتها بملايير الدّراهيم، فإن هذا الفصل 77 يبقى مستحيل التطبيق، ولا يصلح سوى لتجميل نص الدستور.
إضافة لما سبق، وعلى خلاف ما هو مكتوب في الدستور، اعتاد القصر الملكي (في الممارسة السياسية الفعلية)، واعتادت كذلك النُّخَب السياسية، على التمييز بين مختلف الوزارات المُكوّنة للحكومة. حيث يُقسّمونها إلى قسمين : وزارات عادية، و «وزارات سِيّادَة». وأبرز «وزارات السّيَادة» هي : وزارة الداخلية، ووزارة الخارجية، ووزارة العدل، ووزارة الشؤون الدينية، ووزارة الدفاع الوطني. وتـعتَبر كل هذه الوزارات «احتكارا» يَسْتَأثِر به الملك. بل حتى «الأمانة العامة للحكومة» (Secrétariat du Gouvernement) تـعتبر هي كذلك امتيازا خاصا بالملك. ولا يسمح للحكومة بأن تتدخّل في «وزارات السّيادة». واعتاد القصر الملكي على منح «وزارات السيادة» إلى أشخاص يتميزون بخضوعهم، ووفائهم، وإخلاصهم، بصفة مطلقة، للملك وحده. كما اعتاد القصر الملكي على اعتبار «وزارات السيادة» امتيازا، أو احتكارا، خاصّا بالملك وحده. وأَلِفَت النّخب السياسية في المغرب أن تـخضَع لرغبة الملك هته. وكُلّما جاء وقت تكوين حكومة جديدة، أو تـعيين وزراء جدد، لا تـقدر النُّخَب السياسية على معارضة التـقليد الذي يعتبر أن «وزارات السيادة» هي امتياز خاص بالملك وحده. ومن ينتـقد هذا التـقليد يُتّهم بأنه يعادي النظام الملكي، ويُعَرّض نـفسه لأخطار قمعية كبيرة. والنتيجة العملية هي أن الملك وحده، (وليس الحزب، أو الإتلاف الحزبي، الذي تـفوّق في الانتـخابات البرلمانية)، هو الذي يحتكر حق تـعيين الوزراء على رأس «وزارات السيادة». الشيء الذي يقوي هيمنة الملك على السلطة التنـفيذية.
ومن التـقاليد المعمول بها في الدولة المغربية، وعلى أرض الواقع، أن «مستشاري الملك» (وتسمّيهم بعض الصّحف : «حكومة الظل»، أو «حكومة القصر»)، يُعتبرون في مرتبة أعلى من مرتبة وزراء الحكومة. ولو أن «مستشاري الملك» هم مجرد موظفين لدى الملك. وقد دأب «مستشارو الملك» على الاتصال بالوزراء، واستـفسارهم، وإعطائهم «توجيهات»، أو «تـعليمات ساميّة»، وذلك دون الحاجة إلى إخبار، أو موافقة، رئيس الحكومة(6).
يَتَّضِح مِمّا سبق أن سلطة الملك تُهيمن على السلطة التنـفيذية. ويستحيل الوصول إلى فصل سُلطة الملك عن السُّلط الثلاثة، ما دام "مجلس الوزراء" موجودا تحت رئاسة الملك. وتحقيق الديمقراطية، يستوجب (من بين ما يستوجب) حذف "مجلس الوزراء"، أي الاقتصار على «مجلس الحكومة».


2) في مجال السلطة التشريعية
يقول الفصل 51 : «للملك حق حل مجلسي البرلمان، أو أحدهما، بظهير». ولا يشترط الفصل 96 في هذا الحل سوى «إستشارة» أو «إخبار» رئيس المحكمة الدستورية، ورئيس الحكومة، ورئيسي غرفتي البرلمان. بمعنى أنه إذا لم يُرْضِ برلمان ما الملك، يصبح من حق الملك أن يحل هذا البرلمان(7). وذلك رغم أن الفصل 2 يقول : «السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالإستـفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة مُمثليها». وبما أن السيادة ترجع للشعب (ولممثّليه)، يمكن في هذه الحالة أن نتساءل : إذا كان من حق رئيس الدولة أن يحلّ البرلمان، لماذا لا يحق أيضا للبرلمان أن يغيّـر رئيس الدولة ؟ (ذلك ما أضافه دستور مصر لسنة 2013)(8).
ورغم أن الشعب يعتبر هو مصدر السلطة، وأن الشعب يمارس سيادته من خلال ممثليه المنتـخبين، فإن الفصل 51 يعطي للملك حق حل البرلمان. وحل البرلمان يعني إلغاء ممارسة الشعب لسيادته عبر ممثليه المنتخبين(9). ومعناه أن السلطة التشريعية تبقى خاضعة للملك. فإذا لم يساير البرلمان رغبات الملك، يمكن للملك أن يقرر حَلّ هذا البرمان. وبالتالي، لا يوجد في هذا الدستور فصل بين سلطة الملك والسُّلطة التشريعية، وإنما توجد فيه هيمنة سلطة الملك على هذه السلطة التشريعية.
ويمكن قول شيء مماثل نسبيا عن علاقة رئيس الحكومة بمجلس النواب. حيث يقول الفصل 104 : «يمكن لرئيس الحكومة حل مجلس النواب». ولا يحتاج في ذلك رئيس الحكومة سوى لإجراءات بسيطة، مثل «استشارة الملك»، أو «تـقديم تصريح أمام البرلمان يتضمن دوافع قرار الحل». بينما يحتاج مجلس النواب، لكي يُنْجِح ملتمس الرقابة (المؤدي إلى إسقاط الحكومة أو استـقالتها)، يحتاج إلى «تصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم». النتيجة هي أن مجلس النواب مجبر على مسايرة رغبات الملك، وعلى إرضاء طلبات رئيس الحكومة. وإِلاَّ قُيِّدَت مُبادراته، أو تَمَّ حَلّه. وهذه التدابير تـعبّر عن استـخفاف بالشعب، وبسيادته، وبِمُمَثّليه.
وعدة فصول من الدستور تـقلص حدود مبادرات النواب داخل البرلمان. مثلا، يقول الفصل 79 : «للحكومة أن تدفع بعدم قبول كل مقترح أو تـعديل لا يدخل في مجال القانون». وهذا يعني أن المجالات التي يمكن لأعضاء البرلمان أن يقترحوا فيها مشاريع قوانين، تبقى محدودة. زد على ذلك أن الفصل 71 يحدد بدقة لائحة المجالات التي يسمح لأعضاء البرلمان أن يتناولوها دون غيرها. كما أن الفصل 83 يعطي الحق للحكومة لكي «تـعارض بحث كل تـعديل (مشروع قانون) لم يعرض من قبل على اللجنة (البرلمانية) التي يعنيها الأمر». ويضيف هذا الفصل أن بث البرلمان «يقتصر على التـعديلات المقترحة أو المقبولة من قبل الحكومة». معنى ذلك أن رئيس الحكومة (أو السلطة التنـفيذية) يتحكم في مبادرات، وفي أعمال البرلمان (السلطة التشريعية).
ويقول الفصل 95 : «للملك أن يطلب من كلا مجلسي البرلمان أن يقرأ قراءة جديدة كل مشروع أو مقترح قانون». ومعنى ذلك أنه، إذا اتـخذ البرلمان موقفا أو قرارا لا يرضي الملك، يحق لهذا الأخير أن يطلب من البرلمان أن يراجع موقفه. وفي مثل هذه الحالة، يعتبر طلب الملك ضغطًا هائلا، حيث لا يقدر أعضاء البرلمان على مُعارضة رغبات الملك.
ويقول الفصل 50 : «يصدر الملك الأمر بتنـفيذ القانون خلال الثلاثين يوما التالية لإحالته إلى الحكومة». ويُحتمل أن يتحول هذا المرور الضروري للقوانين بين يدي الملك إلى رقابة مستترة، تدعم "حق الفيتو" المكتوم الذي يتمتـع به الملك.
ويطرح الفصل 52 : «للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان، ... ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نـقاش داخلهما». فيطرح التساؤل : ما الفائدة من خطاب لا يجوز لا نـقاشه، ولا تعديل توصياته ؟ هل من لا تُناقش خطبه مُقدّس ؟ هل المقصود هو فرض تطبيق توجيهات الملك دون السماح لنوّاب الأمة بمناقشة مدى نجاعتها أو ملائمتها ؟
يَتّضح مما سبق أن سلطة الملك تهيمن على السُّلطة التشريعية. وأن هذه السلطة التشريعية مجبرة على تلبية رغبات الملك، و مسايرة رغبات السلطة التنـفيذية، وإِلاّ تَمّ حَلّها.

3) في مجال السلطة القضائية
يقول الفصل 107 : «السلطة القضائية مستـقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنـفيذية». فهل هذا صحيح ؟ وعلى الخصوص، هل السلطة القضائية مستـقلة عن سلطة الملك ؟
يقول الفصل 113 : «يسهر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على ... استـقلال (القضاة) وتـعيينهم وترقيتهم وتـقاعدهم وتأديبهم». معناه أن هذا المجلس هو الذي يحدّد أجرة القاضي، ودَخْله الشهري، ومجرى حياته المهنية. لكن، من يَتحكّم في هذا "المجلس الأعلى للقضاء" ؟ الجواب واضح. حيث يقول الفصل 115، وكذلك الفصل 56 : «يرأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية». وفي الواقع، فإن «رئاسة» الملك للسلطة القضائية، تلغي استـقلالية هذه السلطة. وكون الملك «يرأس» هذا المجلس الأعلى للسلطة القضائية، يعني أن الملك هو «رئيس» (président, patron, chef) هذا المجلس، وهو الذي يحسم ويقرر داخله. إذن، كيف يمكن للمرؤوس (أي القاضي) أن يكون مستـقلا عن رئيسه (أي الملك) ؟ أين هو استـقلال القضاء ؟ «رئاسة» الملك للمجلس الأعلى للقضاء تـؤوّل في الواقع على أن جهاز القضاء هو في خدمة الملك وحده. بينما استـقلالية السلطة القضائية كانت تستوجب أن يترأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية قاض منتـخب من بين القضاة، لتدبيره خلال فترة مُعيّنة.
ويضيف الفصل 57 : «يوافق الملك بظهير على تـعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية». معناه أنه إذا رغِب المجلس الأعلى للسلطة القضائية في تـعيين قاض مَا، وإذا كان هذا المرشّح للتـعيين لا يُرضي الملك، فإن المجلس الأعلى للسلطة القضائية لا يحق له أن يُعيّنه، ويُصبح تـعيينه مُستحيلا. ومعناه أيضا أن الملك يتمتـع ب "حق فيتو" في مجال تـعيين القضاة. فهل يمكن أن يتصرف قضاة معيّنون من طرف الملك، بشكل مستـقل عنه، أو بشكل مخالف لرغباته، أو بشكل معارض لتوجيهاته ؟ لا، هنا أيضا، المرؤوس مجبر على الخضوع التّام لرئيسه. وكلّ مأجور أو موظّف في جهاز الدولة (مثل القاضي) يخضع بالضرورة لمن عيّنه في المنصب الذي يحتلّه. ومؤسّسة الملك تستغلّ بشكل واع سلطة التـعيين هته(10).
وكان من المُستحسن أن يكتـفي الملك مثلاً بامتياز تـعيين خمسة أعضاء في هذا المجلس الأعلى للسلطة القضائية (من مجموع 17 عضوا) الذين يعيّنهم الملك بموجب الفصل 115، دون أو يحتاج الملك إلى «رئاسة» هذا المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ودون أن يحتاج إلى شرط الموافقة على تـعيين القضاة.
ويقول الفصل 107 : «الملك هو الضامن لاستـقلال السلطة القضائية». وهذا إجراء غريب ! لكن، حسب جل المراقبين المُستـقلين، ومنذ استـقلال المغرب في سنة 1956 إلى اليوم، لم يستطع الملك أن يضمن استـقلال القضاء. بل كان، ولا زال، يُعتبر هو سبب غياب استـقلال السلطة القضائية، خاصة في القضايا التي لها بُعْد سياسي. فكيف يُعقل أن يتحوّل الملك في المستـقبل إلى ضامن لاستـقلال القضاء ؟ وعبر أية آلية ؟ ألم يكن مثلا الملك الحسن الثاني يستغل نـفوذه لتوجيه أحكام القضاة في القضايا ذات مضامين سياسية ؟ ألا تستمرّ نـفس الظاهرة في عهد خلفه الملك محمد السادس ؟ الدستور الحالي تلافى الإجابة عن مثل هذه الأسئلة.
وحتى عبارة مثل «الوكيل العام للملك»، كان يستحسن أن تـعوض بعبارة "الوكيل العام للمملكة"، أو "الوكيل العام للدولة"، أو "الوكيل العام للقضاء"، لِتِبْيَان إرادة تـعزيز استـقلال القضاء عن الملك.
ويقول الفصل 124 : «تصدر الأحكام وتنـفذ باسم الملك»(11). وكان يُستحسن أن تصدر الأحكام باسم "القضاء المغربي" فقط، لتـعزيز استـقلال القضاء عن سلطة الملك.
ويقول الفصل 109: «يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة». لكن هذا الدستور لا يحدد معنى «محاولة التأثير»، سواء "بكيفية مشروعة" أم "بكيفية غير مشروعة". ولا يوضح كيف تتمّ معاقبة هذا التأثير. وفي حالة إقدام مُقرّبين من الملك على التأثير على القاضي، فإن نص الدستور لا يوضح كيفيّة التـعامل مع هؤلاء المُقرّبين من الملك.
ويضيف الفصل 110: «يتـعين على قضاة النيابة العامة الالتزام بالتـعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها». وهذه الجملة مُحَيّرة. فلأية سلطة «يتبع» قضاة النيابة العامة ؟ هل يخضعون لتوجيهات الملك، أم لوزير العدل، أم لوزير الداخلية ؟ وهل يعمل قضاة النيابة العامة ب «التـعليمات» ؟ وما معنى «التـعليمات» ؟ وبالتدقيق، من يَحِقّ له إصدار هذه «التـعليمات» ؟ وعلى أية عناصر أو مَعايِير تُبْنَى هذه «التـعليمات» ؟ نـفس الملاحظة حول العبارة : «يُراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية ... تـقارير التـقييم المُقدمة من قبل السلطة التي يَتْبَعُون لها» الواردة في الفصل 116. هل المقصود هو حَثّ القضاة على إدانة المتّهمين (خاصة في القضايا التي لها بُعْد سياسي) عبر الإكتـفاء فقط بتـقارير البوليس (أو الشرطة القضائية) كحجج قاطعة، دون استـعمال حجج أخرى، مثل شهود الدفاع، أو خبرات مُتـخصّصين مستـقلّين ؟ ألا يُشكل خضوع الأجهزة الأمنية لتوجيهات القصر الملكي وسيلة للتأثير على التـقارير، أو على المحاضر، المُعدّة من طرف هذه الأجهزة الأمنية، في القضايا التي لها مضامين سياسية ؟
ويقول الفصل 42 : «الملك ... يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية». ونتساءل : لماذا لا تكون المحكمة الدستورية هي التي تسهر على احترام الدستور ؟ ويمكن أن يُؤَوَّل هذا الفصل، في ما بعد، على أن سلطة الملك هي فوق كل السلطات والمؤسسات الدستورية، وأنه هو الوحيد الذي يُراقبها، ويُرجعها إلى الصّواب. ويمكن أن يعزّز هذا التأويل التّصور الذي يُعطي للملك حق الهيمنة على مجمل السلط، فيؤدي، في هذه الحالة، إلى إلغاء الفصل بين سلطة الملك والسُّلطات الأخرى (التنـفيذية والتشريعية والقضائية).
ويقول الفصل 119: «يعتبر كل مشتبه فيه أو متّهم بارتكاب جريمة بريئا، إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي، مكتسب لقوة الشيء المقضي به». وهذه الجملة لا تكفي للإستجابة لمطلب الشعب في مجال إدانة المتّهم. حيث كانت دائما قوى المعارضة ضحية لِمُيُول، أو انحياز، الجهاز القضائي لصالح القصر الملكي، في مجمل المحاكمات التي لها مضامين سياسية. وكان ينبغي الإشارة إلى أنه لا يحق إدانة متهم فقط على أساس تـقارير البوليس أو الشرطة القضائية، مثلما تـفعل المحاكم، وبشكل آلي، أو ميكانيكي، في مجمل القضايا التي لها مضمون أو بُعْد سياسي. بل كان ينبغي الإشارة إلى أنه لا يحق للقضاة أن يدينوا متهما إلاّ على أساس حجج مادية، يمكن فحصها، ومُراقبتها، والتأكد من صحتها. أي أن الحجج المادية هي أساس الإدانة، وليس اتهامات البوليس، أو تـخميناته، أو الاعترافات المنتزعة من المُتّهم بوسيلة التـعذيب، أو الإعترافات المُوقّعة من طرف المُتّهم تحت التـعذيب، أو بواسطة الإكراه، أو التهديد، أو بواسطة الحيلة.
ويقول الفصل 128 : «تـعمل الشرطة القضائية تحت سلطة قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق». لكن، منذ استـقلال البلاد حتى الآن، تـعمل «الشرطة القضائية»، في الواقع، تحت إشراف وزارة الداخلية، التي تـعتبر «وزارة سيادة»، وتـعمل في تَنَاغُم، أو في تَمَاهٍ، مع القصر الملكي، أو مع خُدّامه (أو مع المُقربين من الملك، أو مع مستشاريه ). لذا، كان على الدستور، لو كان فعلا حريصا على فصل السلط، أن يكتب بوضوح، وبصراحة : (أ) أن النّيابة العامّة (باعتبارها سلطة قضائية) مُستـقلّة عن السّلطة التنـفيذية (بما فيها وزارتي الدّاخلية والعدل). (ب) أن قضاء التحقيق مستـقلّ عن النّيابة العامّة، وعن وزارة الدّاخلية، وعن وزارة العدل. (ت) وأن «الشرطة القضائية» بكلّ مُكوّناتها تـعمل حَصْرا تحت إشراف النّيابة العامّة، وليس تحت إشراف وزارة الداخلية، أو وزارة العدل.
ويقول الفصل 130: «تتألف المحكمة الدستورية من اثني عشر عضوا ... ستة أعضاء يعينهم الملك ...». ولا ندري ما هو مبرر تـعيين نصف أعضاء «المحكمة الدستورية» من طرف الملك. ألا يُجسّد تـعيين نصف أعضاء «المحكمة الدستورية» وسيلة لهيمنة الملك على هذه المحكمة، وعلى أحكامها ؟ ألا يُكسّر هذا التـعيين حيّاد هذه «المحكمة الدستورية» ؟ ولا ندري أيضا لماذا يفرض هذا الدستور بأن ينتـخب الأعضاء الستة المنبثـقين من البرلمان «بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس»، وليس بالأغلبية البسيطة للأعضاء الحاضرين في كل مجلس. حيث أنه من المستحيل أن تحصل المعارضة التـقدّمية على أغلبية الثلثين. ويضيف هذا الفصل 130 : «وإذا تـعذّر على المجلسين أو على أحدهما انتـخاب هؤلاء الأعضاء ... تمارس المحكمة (الدستورية) اختصاصاتها ... وفق نصاب لا يُحتسب فيه الأعضاء الذين لم يقع بَعْدُ انتـخابهم». وهذا أمر غريب ! كأن الدستور يريد دائما تغليب نـفوذ الأشخاص المُعيّنين من طرف الملك على غيرهم !
ويقول الفصل 130 : «يعيّن الملك رئيس المحكمة الدستورية من بين الأعضاء الذين تتألف منهم»(12). فَلِمَاذا يُصِرّ دائما الملك على أن يكون رئيس المحكمة الدستورية مُعَيّنا من طرفه، وخاضعًا له ؟ لماذا هذا الإصرار على التحكّم التام في «المحكمة الدستورية»، وفي أعضائها، وفي رئيسها، وفي أحكامها المُقبلة ؟ أَلاَ تتحوّل هكذا «المحكمة الدستورية» إلى آلة مُسخّرة لخدمة مصالح الملك ؟ وإذا كان الملك يتـق في استـقلالية ونزاهة القضاة، لماذا لا يكتـفي الملك في هذه الحالة مثلاً بتـعيين رُبُع أو ثُلُث أعضاء «المحكمة الدستورية»، دون الحاجة إلى تـعيين نصف أعضائها، ودون الحاجة إلى تـعيين رئيسها ؟ ألا يدلّ هذا الإصرار على التحكّم المُطلق في «المحكمة الدستورية» على عدم ثـقة الملك في استـقلالية ونزاهة القضاة ؟ وإذا لم يتـق الملك في استـقلالية ونزاهة القضاة، فكيف يمكن للشعب أن يتـق بدوره في استـقلاليتهم ونزاهتهم ؟
يَتّضِح من مجمل ما سبق، أن أعضاء السلطة القضائية يُعيّنون من طرف الملك (أو من لدن من هم مُعيّنين من طرفه)، ويخضعون لرئاسته، ويطبّقون توجيهاته. الشيء الذي يُلغي استـقلالية السلطة القضائية.
وقد سبق للفئة المُتنوّرة من قضاة المغرب، المُنَظّمين في جمعية نادي القضاة بالمغرب ، أن أصدروا بلاغا هاما (في يوم 03/10/2012). ومن بين ما طالبُوا بتكريسه وتحصينه، ما يلي : « 1) مبدأ استـقلال قضاء التحقيق عن النيابة العامة، وعن وزارة العدل، في التـعيين، وفي إنهاء المهام. 2)  ضرورة إخضاع جهاز الشرطة القضائية ، بكل مكوناتها، لسلطة النيابة العامة، بشكل مباشر وحصري، وذلك بالنسبة لتنـقيط (القضاة)، وترقيتهم، ونـقلهم، وللغرفة الجنحية فيما يتـعلق بتأديبهم. 3) ضرورة مراعاة مبدأ الفصل بين السّلط في كل جزئياته، وذلك بتكريس استـقلال حقيقي لسلطة النيابة العامة عن السلطة التنـفيذية(13)، باعتبار (سلطة النيابة العامّة) جزءا لا يتجزأ من السلطة القضائية، طبقا للفصل 107 من الدستور، (...) كما نستحضر النـقاشات التي شهدتها الساحة الحقوقية الوطنية بخصوص الانتـقائية وتسييس بعض المتابعات. 4) اعتبار القضاء هو السّاهر الوحيد على ضمان حقوق وحريات المواطنين، أفرادا كانوا أو جماعات، بما في ذلك السلطتين التنـفيذية والتشريعية. 5) احترام وتوقير السلطة القضائية وهيبتها، وذلك من طرف كل المؤسسات، الدستورية منها وغيرها، لاسيما السلطتين (التنـفيذية والتشريعية). ونخصّ بالذكر هنا، ضرورة احترام أحكامها وقراراتها (...)، ونعتبر في هذا الإطار، أن عدم تنـفيذ الدولة للأحكام القضائية الصادرة في حقها، يشكل أكبر مظهر من مظاهر انتهاك حرمة القضاء وجلال هيبته. 6) حق القضاة في الانتماء الجمعوي، والتـعبير عن الرأي بكل أشكاله، والذي يضمنه الدستور، وتـقرّه المواثيق الدولية، وعدم تضييقه تحت ذريعة "واجب التحفّظ"، والترهيب بالتـقاطع مع المطالب النـقابية والسياسية. 7) ضرورة تحسين وضعية (القضاة) المادية المزرية» (انتهت المقتطفات من بيان نادي قضاة المغرب").

4) في مجال الانتـخابات
يقول الفصل 11 : «الانتـخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي. السلطات العمومية ملزمة بالحياد إزاء المترشحين ... وتسهر السلطات المختصة بتنظيم الانتـخابات على تطبيقها». ومن هي «السلطات المختصة» ؟ وكيف تُضمن نزاهة الانتخابات ؟ لا جواب في الدستور الحالي. بمعنى أن وزارة الداخلية تستمر في احتكار الإشراف على الانتـخابات، وعلى الاستـفتاءات، رغم أن قوى المعارضة ظلت، منذ استـقلال المغرب في سنة 1956 إلى اليوم، تتهم وزارة الداخلية بتزوير كل الانتـخابات والاستفتاءات. من يضمن شفافية وحرية ونزاهة الانتـخابات ؟ وكيف تنظّم نزاهة الانتـخابات ؟ ولماذا لا يشرف قضاء مستـقل على تنظيم الانتـخابات(14) ؟ دستور 2011 رفض الاستجابة لهذه المطالب المتكرّرة والقديمة.


5) في مجال الإعلام
يقول الفصل 28، «يحدد القانون قواعد تنظيم وسائل الإعلام العمومية ومراقبتها ... مع احترام التـعدّدية اللغوية والثـقافية والسياسية للمجتمع المغربي». لكن، في الواقع، تستـعمل الدولة وسائل الإعلام العمومية (إذاعات، تلفزات، وكالة أنباء، إلى آخره) كأنها ملكية خاصة في مِلكية الملك. وتُسخّر الدولة وسائل الاعلام العمومية حصريا للقيام بالدّعاية لصالح الملك وحده(15). ولا يُسمح نهائيا لممثلي المعارضة السياسية، ولا للآراء المخالفة الأخرى، ولا لمثـقفيها، ولا لفنّانيها، بأن يعبّروا عن آرائهم المخالفة في وسائل الاعلام العمومية(16). وأضاف الفصل 165 : «تتولى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري السهر على احترام التـعبير التـعدّدي لتيارات الرأي والفكر». وفي الواقع، فإن هذه «الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري» لا تتمتع بأية سلطة حقيقية، ولا بأي نفوذ، ولا بأية استقلالية. ولا تستطيع تقرير أو تنفيذ أي شيء(17). وتبقى مجرد تجميل شكلي ومُخادع. فتظلّ التّساؤلات القديمة مطروحة : هل تبقى وسائل الإعلام العمومية ضمن احتكار الملك، أم أنها تُسَيّر من طرف الحكومة، أم أنها تُسَيّر من طرف هيئة مهنية مُستـقلة ؟ هل يلزم أن تكون وسائل الإعلام في خِدمة الملك، أم في خدمة الشعب ؟ خاصة وأن الشعب هو المصدر الوحيد لتمويل هذه الوسائل الإعلامية ؟ دستور 2011 رفض الاستجابة لهذه المطالب الشعبية القديمة.

6) في مجال الدّين
يقول تصدير الدستور : «المملكة المغربية دولة إسلامية ... والهوية المغربية تتميز بتبوئ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها». ويقول الفصل 1 : «تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي». ويقول الفصل 3 : «الإسلام دين الدولة». لماذا هذا الإصرار على إخضاع الدولة للإسلام ؟ هل الهدف هو تأسيس شرعية الملك على أساس الدين ؟ هل المقصود هو أن الملك يستمد مشروعيته من الإله وليس من الشعب ؟ هل الغاية هي تبرير مؤسّسة «إمارة المؤمنين» الممنوحة للملك ؟ هل الهدف هو إرضاء تيارات إسلامية، أو استـقطابها، أو توظيفها، في خدمة النظام الملكي ؟ هل الهدف الاستراتيجي هو إخضاع إصدار القوانين للشريعة الإسلامية (مثلما تريد بعض "الحركات الإسلامية") ؟ هل معنى هذا أنهم يريدون تحويل المغرب إلى دولة إسلامية مشابهة لدولة "طالبان"، أو للسعودية، أو لدولة الصومال، الذي خرّبته تيارات إسلامية، أو لدولة السودان الإسلامية المُفْلِسة (تحت حكم عمر البشير) ؟ يَتّضِح أن دستور 2011 يرفض مطلب فصل الدين عن السياسة، ويرفض فصل الدين عن الدولة. ويصر على استمرارية استغلال الدين في ميدان السياسة.
ويقول الفصل 41 : «الملك، أمير المؤمنين، وحَامِي حِمَى المِلّة والدّين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية». وفي الحقيقة، لا يوجد في القرآن أي شيء يمكن أن يبرّر إقامة مؤسسة "أمير للمؤمنين". وفي الواقع، الله وحده هو الذي يمكن أن يحمي دينه. وإذا لم يحم الله دينه، فلا أحد غيره يمكنه أن يحميّه. وكل شخصية أو جماعة (من بين البشر) تدّعي حماية الدين، إنما تحمي مصالحها الخاصة، وذلك عبر تغليفها بخطاب ديني. وتاريخ البشرية كلّه يُؤَكّد ذلك. وقد كان ينبغي أن يقول الدستور أن القانون (وليس الملك) هو «الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية». والمواطن الذي حُرم من حقه في ممارسة شؤونه الدينية، يلزمه أن يشتكي للقضاء، وليس للملك.
وجاء في الفصل 3: «والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية». وهي جملة جيّدة. لكن هذه العبارة لا ترقى إلى مستوى مفهوم «حرية العقيدة»(18) (liberté de religion) التي وردت في البداية في مشروع الدستور الذي قدمته اللجنة (المكلّفة بإعداد الدستور) إلى الملك. ولما هدّدت الأحزاب والجمعيات ‘‘الإسلامية’’ بتعطيل أو إيقاف عجلة البلاد عن الدوران إذا لم تسحب هذه العبارة من مشروع الدستور، أقدم القصر الملكي على شطب هذه العبارة من مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء. أما عبارة «والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية» الواردة في الفصل 3، فإنها تصبح بسرعة ملغاة بواسطة الفصول الأخرى المعروضة أعلاه، وخاصة منها الفصل 1، حيث يـنصّ على إخضاع «الدولة»، و «التشريع»، و «الهوية»، و «الحياة العامة للأمة»، لِ «ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الاسلامي». فالمواطنون الذين لا يريدون أن يكونوا مُقَيّدين بتلك «الثوابت الجامعة» الموجودة في الدين الإسلامي (والتي يحدّدها في الواقع التيار الديني الغالب في الدولة)، يكون مآلهم هو أن يصبحوا مضطهدين باسم هذا الدستور.
ويقول الفصل 41 حول الفقهاء في الدين : «يرأس الملك، أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه. ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى، بشأن المسائل المحالة عليه». فالملك يتحكم في تكوين هذا المجلس، وهو الذي يحكم فيه، وهو الذي يتحكم في جدول أعماله، وهو الذي يأمر بإنتاج فتاوى، وهو الذي يقبلها أو يرفضها إذا لم ترضيه(19). بمعنى أنه يحق للملك أن يحتكر تحديد مواقف الإسلام من القضايا الحديثة أو العصرية التي لم يتناولها القرآن بشكل مباشر. وبمعنى أن هذا القانون يُشَرّع التَّحَكُّم التام للملك في الدّين. وحينما يصف هذا الدستور «المجلس العلمي الأعلى» للفقهاء بأنه «علمي» (بدلاً من ‘‘فقهي’’)، فإن هذا الدستور لا يُدرك أن أية مؤسّسة، لا يمكنها أن تكون «علمية» فعلا إلاّ إذا كانت، على الأقل، حُرّة ومُسْتـقلّة عن كل السلطات الموجودة في المُجتمع، بما فيها سلطة الملك، وسلطة الدّين.
ويضيف الفصل 41 : «يمارس الملك الصلاحيات الدينية المتـعلقة بإمارة المؤمنين، والمخولة له حصريا». أي أن الملك، لا يحكم في الدولة فقط، بل يحكم كذلك في الدّين. ومن يجمع بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، يستغل بالضرورة الدّين في ميدان السياسة، وينساق بسهولة نحو الاستبداد(20). وتاريخ البشرية كلّه يُؤكّد ذلك.

7) وفي مجال الحريات
نلاحظ باستغراب أن الدستور يمنع على أعضاء البرلمان انتـقاد النظام الملكي. فيقول الفصل 64 : «لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان ... ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي». ويفترض في ما هو ممنوع على البرلماني، أن يكون ممنوعا أكثر على المواطن العادي. وهذا هو الاستبداد بعينه.
ويضيف الفصل 7 : «لا يجوز أن يكون هدف [الأحزاب هو] المساس بالدين الإسلامي، أو بالنظام الملكي».
وفي باب مراجعة الدستور، أضاف الفصل 175 : «لا يمكن أن تتناول المراجعة [أي مشروع مراجعة الدستور] الأحكام المتـعلّقة بالدّين الإسلامي، وبالنظام الملكي للدولة».
وهذا المنع يتناقض مع الفصل 10 الذي يقول : «يضمن الدستور، بصفة خاصة، للمعارضة ... حرية الرأي والتـعبير والاجتماع». ويتناقض مع الفصل 19 الذي يقول : «يتمتـع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثـقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتـفاقات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب». ويتـعارض ذلك المنع أيضا مع الفصل 25 الذي يقول : «حرية الفكر و الرأي والتـعبير مكفولة بكل أشكالها». ويتناقض مع الفصل 22 الذي يقول : «لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية، أو مهينة، أو حاطة بالكرامة الإنسانية». لأن منع المواطن من نـقد النظام السياسي الذي يحكمه، ومن المساهمة في تغييره عبر السّبل السّلمية المشروعة، هو ممارسة مُهينة، بل تَحُطّ من كرامته الإنسانية، وتَسْلُب منه مُواطنته، وتلغي حرّيته، بل تُحوّله إلى مُجرد رَعِيّة، أو عَبْد.
ومنظومة حقوق الإنسان، كما هي متـعارف عليها عالميا، تضمن حرية التـعبير في كل القضايا، وعلى الخصوص منها، في موضوع النظام السياسي القائم. وحرية التـعبير التي تكون مباحة في التـفاهات، وممنوعة في ما هو أساسي، ليست بحرية تـعبير حقيقية. وكل شعب يبقى محروما من حق نـقد أو تغيير النظام السياسي الذي يحكمه، هو شعب غير راشد، أو غير حُر، أو غير مستـقـل.
لنـفترض أننا نعيش في إطار نظام سياسي ديمقراطي، ولنتساءل بوضوح : هل الشعب هو الذي يجب أن يخضع لإرادة النظام السياسي القائم، أم أن النظام السياسي هو الذي يجب أن يخضع لإرادة الشعب ؟ هل الشعب مجبر على أن يكون في خدمة النظام السياسي، أم أن النظام السياسي هو المجبر على أن يكون في خدمة الشعب ؟ عندما يُصرّ أشخاص أو جماعات على تمرير بند في الدستور يُجرّم التـفكير في تغيير النظام السياسي القائم في البلاد، فإن هؤلاء الأشخاص أو الجماعات يفضحون بأن سيطرتهم الحالية على الشعب هي هشّة، وقسرية، وفاقدة للشرعية. إنهم يخافون من أن يلجأ الشعب إلى محاولة تغيير النظام السياسي القائم، فيضعون قوانين قبلية، أو احتياطية، أو استباقية، لتبرير قمع كل فعل شعبي محتمل يطمح إلى تغيير النظام السياسي القائم.
ومنع نـقاش النظام السياسي، أو نـقده، أو تغييره، يعني أن هذا النظام السياسي "مقدس". فإذا كانت عبارة «قداسة» الملك قد حذفت من دستور 1996 السابق، فقد انتـقلت هذه «القداسة» في الدستور الحالي إلى النظام الملكي. وهذان الشيئان سَوِيّان.


8) في مجال مؤسّـسة الملك
يمكن للملك أن يقرّر إقامة معاهدات مع الدول الأجنبية، أو مع مؤسّـسات عالمية، في مجالات الاقتصاد، أو التحالف الاستراتيجي، دون الحاجة إلى موافقة الحكومة، أو البرلمان، ودون الحاجة إلى دعوة الشعب للإستفتاء عليها.
ويقول الفصل 1 من الدستور : «يقوم النظام الدستوري للمملكة (بالمغرب) على أساس ... ربط المسؤولية بالمحاسبة». وهذا الطرح النظري هو جيّد. لكن نلاحظ في حالة الملك، أنه يترأس كل شيء، ويحظى بمجمل سلطات التوجيه، والتـقرير، وفي مجمل قضايا الدولة الهامّة، أو الحاسمة، وفي نـفس الوقت، لا يتحمّل الخضوع لأية مسائلة، ولا لأية مراقبة، ولا لأية محاسبة. وهذا تناقض في مجال التعامل مع المسئولين الكبار في الدولة.
قد يقول قائل أن «الملك هو حالة استثنائية، وإن إفلات شخص واحد من المحاسبة لا يُشكّل مشكلا» ! لكن الملاحظ في المغرب هو أن مجمل المسئولين في أجهزة الدولة يميلون إلى تقليد الملك، ويقومون بمجموعة من الحِيَل والمناورات الممكنة للإفلات من أية مساءلة، ومن أية مراقبة، ومن أية محاسبة. وهكذا تتحوّل ظاهرة الإفلات من المحاسبة، ومن العقاب، من ظاهرة نادرة، أو استثنائية، إلى ظاهرة سائدة داخل المجتمع.
وإذا كان الملك لا يقبل الخضوع للمساءلة أو للمحاسبة، فإن روح الديمقراطية تستحسن في هذه الحالة أن يَمْلُك الملك دون أن يحكم (régner, sans gouverner). فيكون في هذه الحالة دور الملك رمزيا، أو شرفيا، كحكم غير متحيّز، محايد فيما بين مختلف الفاعلين السياسيين، ومنزوع من السلطات التشريعية، أو القضائية، أو التنـفيذية أو العسكرية، مثلما هو الحال في المملكات الديمقراطية، مثل المملكة المتحدة، وهولندا، وبلجيكا، واسبانيا، إلى آخره.
وفي المقابل، يمكن لمنصب رئيس الحكومة، باعتباره مجبر على الخضوع للمساءلة وللمحاسبة، أن يتمتّع بصلاحيات توجيهية حقيقية، وسلطات تنـفيذية كاملة، مثلما هو معمول به في الأنظمة الديمقراطية البرلمانية. خاصة وأن الشعب مدعو إلى استبدال رئيس الحكومة بعد كل ولاية انتـخابية (تدوم قرابة 4 أو 5 سنوات).
وفي واقع بلاد المغرب، يجمع الملك بين ممارسة السّلطة السياسية، وتدبير أعمال اقتصادية خاصة (أو شخصية، أو عائلية). أي أنه يجمع بين السلطة والثروة. حيث يمتلك، أو يُدبّر، عدّة شركات اقتصادية هامة، تلعب دورًا حاسما في اقتصاد البلاد. وأصبحت العائلة الملكية تتحكّم في عدّة قطاعات من اقتصاد المغرب. ويشتكي سِرًّا بعض المقاولين فيقولون أن المنافسة الاقتصادية النّزيهة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين غدت صعبة، أو مستحيلة. بينما كان يُستحسن أن ينصّ الدستور على تحريم الجمع بين السلطة من جهة أولى (سواءً كانت تنـفيذية، أو تشريعية، أو قضائية، أو دينية، أو عسكرية، أو بوليسية)، ومن جهة ثانية ممارسة الأنشطة الاقتصادية(21).
قد يدافع البعض على مؤسّسة الملك فيقول : «من حق الملك أن يستثمر أمواله وثرواته. وتؤدّي الشركات الاقتصادية التي يمتلكها الملك كميات معتبرة من الضرائب للدولة، وتـخلق فرص الشغل بأعداد كبيرة، وتـقوم بدور القاطرة الديناميكية التي تجر مجمل اقتصاد المغرب نحو التـقدم» ! والتساءل المطروح في هذا المجال هو التالي : هل حقا لا يقدر الملك على تطوير اقتصاد البلاد نحو التـقدم إلاّ من خلال شركاته الاقتصادية الخاصة، وليس عبر السلطات الهامة التي يحظى بها كملك في مجالات تدبير الدولة والاقتصاد والبلاد ؟ هل تتماشى وظائف الملك كملك مع قيامه بدور فاعل تجاري أو صناعي ؟ ألا يوجد أي تضارب في المصالح بين دور الملك كملك، ودوره كمقاول أو كمستثمر ؟ ألا يحتمل أن يستغل الملك (أو الأشخاص الذين يدبّرون شركاته) نـفوذه كملك لمنح امتيازات أو احتكارات لشركاته الخاصة، وذلك على حساب شركات المقاولين العاديين ؟ ألا يحتمل أن يستغل الملك قوته الاقتصادية في المجال السياسي ؟ هل الاقتصاد هو حقّا شيء ثانوي في السياسة، أم أن الاقتصاد هو السّـر الذي يُفسّر السياسة ويحرّكها ؟ وهل يمكن فهم التطورات السياسية بدون تحليل الأنشطة الاقتصادية ؟ وهل يمكن لمواطن عادي، متضرر من مقاولات الملك، أن يسجّل دعوى قضائية ضد الملك، وأن يربح هذه الدعوى إن كان على حق ؟ هل يمكن أن يوجد قضاة يتجرأون على إصدار أحكام قضائية ضد رئيسهم الملك ؟ ألا يحتمل أن يلجأ عدد متزايد من المقاولين والمستثمرين هم أيضا إلى محاولة الفوز، بأية وسيلة كانت، في الانتـخابات البرلمانية، أو المحلية، للحصول على منصب برلماني، أو على منصب عُمدة مدينة، أو منصب مستشار محلّي، وذلك بهدف استغلال مسئولياتهم السياسية لخدمة تنمية شركاتهم وأرباحهم الخاصة ؟ ألا يؤدي مثل هذا السلوك إلى انتشار اقتصاد الريع، أو الزبونية، أو المحسوبية، أو الفساد، أو تـقوية الاستبداد، أو تقويض إمكانية وجود دولة الحق والقانون ؟
إذا كان الإيمان بمباديء الديمقراطية صادقا، فيجب في هذه الحالة القبول بأن ينص الدستور، وكذلك القانون، على أهمّ تدابير الحكامة الجيدة، ومن بين هذه التدابير ما يلي :
• تحديد مجمل الحالات التي يمكن أن يوجد فيها تضارب في المصالح (Conflit d’intérêts)، وسن قوانين تمنع وجود هذا التضارب في المصالح.
• سنّ قانون يجبر كل المسئولين الكبار والمتوسطين، في مختلف أجهزة الدولة، على التصريح بالممتلكات الشخصية (Déclaration des biens personnels)، لدى مؤسسة عمومية، مستـقلة، تـعنى بالرقابة، وتـقدر على النجاح في المتباعة القضائية، ولو كانت ضد رئيس الحكومة، أو ضد الملك. كما يجب إجبار المسئولين الكبار والمتوسطين في الدولة على التصريح الدوري بالتغييرات التي تحدث في ممتلكاتهم الشخصية والعائلية (Obligation de déclaration périodique des variations de patrimoine).
• توضيح وتـقنين مجمل الحالات التي يمكن أن يحدث فيها عدم التوافق، أو تضارب المصالح، فيما بين وظائف أو مهام كل مسئول أو موظف يعمل داخل إحدى أجهزة الدولة (Légiférer sur les cas d’incompatibilités).
• سنّ عقوبات رادعة ضدّ جرائم الرشوة (Corruption)، واستغلال النـفوذ، والتـعسّف في استـعمال السلطة (Abus de pouvoir)، والكسب غير المشروع (Enrichissement illicite)، والتهرّب من دفع الضرائب (Fraudes fiscales).
والمستحب هو أن يتذكّر مجمل المسئولين في الدولة، بما فيهم الكبار والمتوسطين والصّغار، أن الملايين من أفراد الشعب يراقبونهم، ويقلّدون بالضرورة سلوكاتهم، سواء كانت هذه السلوكات حسنة أم سلبية، بناءة أم رديئة.

9) مفاجئات !
و أثناء ورشة النـقاش التي نظمتها منظمة تًرَانْسًبَرَنْسِي المغرب ، في يوم 28 غشت 2012، بمدينة الرباط، سبق للأستاذ محمد الطُّوزِي، أحد أعضاء اللجنة الاستشارية التي كُلّفت بوضع  مشروع دستور يوليوز 2011، أن أدلى بتصريحات أكد فيها وجود ثلاثة اختلافات. اختلاف أول بين مشروع الدستور الذي قدمته اللجنة للملك، والنص الذي عُرض على الاستـفتاء. واختلاف ثان بين نص الدستور الذي صَوّت عليه المغاربة في الاستـفتاء، والنص الذي صدر في الجريدة الرسمية. واختلاف ثالث بين نص الدستور المنشور باللغة العربية، ونص الدستور المنشور باللغة الفرنسية(22).
واعتبرت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان المغربية (المقرّبة من حزب الاستـقلال) أن هذا التصريح من عضو اللجنة الاستشارية (السيد محمد الطّوزي)، يُؤكّد على وجُود «تلاعب واضح بإرادة الأمة، وخرق سافر لمقتضيات القانون، وكذلك لالتزامات المغرب المتضمنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية». ودعت هذه العصبة إلى فتح تحقيق في هذه التصريحات. وعلى ما يظهر، فإن "حزب الاستقلال" تناسى بسرعة هذا الموضوع.
وجدير بالتذكير أن اللجنة الاستشارية التي كُلّفت بوضع مشروع دستور يوليوز 2011 ، لم تكن هيئة تأسيسية منتـخبة من طرف الشعب، وإنما كان أعضائها كلهم مُعيّنين من طرف الملك. وكانت مهمّتهم هي وضع دستور يستجيب لرغبات الملك.
وفي الواقع، فإن السلط التي يعطيها دستور 2011 للملك هي متـعددة، ومتنوعة، ومعقّدة، ومرهقة، إلى درجة أن أي شخص بشري يعجز على تدبيرها الفعلي بوحده. ونتيجة ذلك هي أن الملك لا يقدر في الواقع الملموس على الاضطلاع بتدبيرها الفعلي الدقيق. فيكتـفي بالتدخّل من وقت لآخر، لإيقاف، أو لألغاء، ما يصفه مستشاروه بأنه يستوجب التوقيف، أو المراجعة، أو الإلغاء. وبالتالي، يمكن أن يصبح مستشارو الملك، بدرجة أو أخرى، هم الذين يوجّهون أو يمارسون تلك السلط المنسوبة نظريا للملك، دون أن يكونوا منتخبين، ودون أن يخضعوا للمساءلة، أو للمراقبة، أو للمحاسبة.

10) النّسبية أو التّفاوت في معاني المصطلحات
إذا كانت توجد مؤسّسات في بلاد المغرب (مثل «البرلمان»، و«الحكومة»، و«الوزراء»، و«القضاء»، إلى آخره)، تحمل أسماء مُماثلة لمؤسّسات تشابهها موجودة في البلدان الديمقراطية في أوروبا أو أمريكا، يجب على الملاحظ أن ينتبه إلى أن هذه المؤسّسات في المغرب ليس لها بالضرورة نفس المعانى، أو نفس الصّلاحيات، أو نفس الممارسات، أو نفس التقاليد. وكون هذه المؤسّسات الموجودة في المغرب تحمل أسماء مشابهة لمؤسّـسات مماثلة موجودة في أوروبا أو أمريكا، لا يعني بالضرورة أنها هذه المؤسّسات تتشابه في مضمونها.
وفيما يلي، أكتفي بعرض مثال واحد لتوضيح هذه الظاهرة. فمثلا مؤسّسة «البرلمان» الموجودة في البلدان الغربية الديمقراطية، لها شرعيتها، ولها شخصيّتها الخاصة، ولها استقلاليتها، ولها حصانتها، وقدرتها على المبادرة، ولها حرية التفكير والنّـقد، ولها قيّمها السياسية، وأخلاقها (déontologie)، وكرامتها، وعزّتها. بينما في المغرب، البرلمان هو هِبَة من الملك، ويُعتبر البرلمانيون من ضمن رعايا الملك. ولا يقدر البرلمانيون على معاكسة رغبات الملك. وإذا أمكن للبرلمان المغربي أن يعارض بعض سياسات الحكومة، فلا يسمح له في أي ميدان كان أن يعارض سياسات الملك. ويتصرّف كثير من البرلمانيين كأنهم موظفون من صنف خاص. ويتعامل كثير من البرلمانيين مع منصبهم البرلماني كأنه امتياز، أو هِبَة من النظام الملكي. كأن منصب البرلماني يحكمه تعاقد مكتوم يضمن مصالح متبادلة بين البرلماني والنظام الملكي. ومقابل الوفاء للنظام الملكي، يقوم عدد من البرلمانيين باستثمار منصبهم لتنمية مصالحهم الاقتصادية الخاصة(23). وقد يحظى بعضهم بامتيازات، أو بالإفلات من الحساب. وهندسة قوانين الانتخابات وُضعت خِصّيصا لكي لا ينجح في الانتخابات سوى الأعيان المحليّون، والمناصرون للنظام الملكي. وتوجد حواجز غير مرئية تحول دون ترشّح أو نجاح المعارضين للنظام الملكي. وبعض الملاحظين أو الصحفيين أو الكتّاب يعتبرون أن البرلمان بالمغرب هو في جوهره ‘‘ديكور’’ (décor)، أو واجهة شكلية للتّـظاهر بالديمقراطية، أو بحقوق الإنسان، وذلك للتكيّف مع مطالب ملحّة موجودة على مستوى العلاقات فيما بين دول العالم، لكنه يبقى بعيدًا عن منطق الديمقراطية الحقيقية.

11) وفي الختام
وفي الختام، هل جاء هذا الدستور (الممنوح في سنة 2011) بالفصل بين السلط ؟ هل أتى باستـقلال القضاء ؟ هل يؤسس لملكية برلمانية ؟ هل يَفْصِل بين سلطة الملك والسلطات ألأخرى (التنـفيذية والتشريعية والقضائية والعسكرية) ؟ الجواب هو بالتأكيد لا.
إن مضامين هذا الدستور تتناقض مع ما يَدّعيه الفصل 1 الذي يقول : «نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية». إن هذا الدستور، مثل سابقيه، لا زال يُشَرِّع لنظام سياسي مُقفل (verrouillé)، واستبدادي، ومغلّف بمظاهر خَدّاعة، تُوهِم الملاحظ غير المنتبه أن هذا النظام هو ديمقراطي. بينما هو يؤسس لملكية استبدادية، يسود فيها الملك ويحكم. حيث لم نجد في هذا الدستور الفصلَ فيما بين السلطات الرئيسية (التنفيذية، والتشريعية، والقضائية)، ولا استقلاليتها، ولا توازنها. بل وجدنا أن هذه السلطات منزوعة من أي نفوذ حقيقي، وأن موسّـسة الملك هي السلطة الحقيقية الوحيدة التي تهيمن على كل شيء. ولم نجد في هذا الدستورة لا التداول السّلمي على السلطة، ولا الديمقراطية، ولا الحرية، ولا حقوق الانسان، ولا البرلمانية، ولا العدالة المجتمعية.
ويُرجّح أنه كلّما كانت المؤسّـسة الملكية هي التي تتحكّم في عميلية تحرير الدستور، فإن هذا الدستور سيكون استبداديا، لأن هذه المؤسّـسة تظهر مهووسة بصيانة استمرارية النظام الملكي، ولا تتـخيّل من سبيل لضمان استمرارية الملكية سوى طريق الهيمنة على كل الصلاحيات، وعلى كل السلطات، دون أي حساب، ولا أية رقابة، ولا أية معارضة حقيقية.

(حُرّر هذا النص في الدار البيضاء. ونشر لأول مرة في 21 يونيو 2011. وخضع هذا النصّ فيما بعد لتحسينات متوالية).


-;--;--;--;--;--;--;--;--;--;--;--;--;--;--;--;-

(1) مهندس، كاتب، معتقل سياسي سابق، محكوم عليه بالسجن المؤبّد بتهمة المس بأمن النظام الملكي، سُجن خلال 18 سنة إبّان حكم الملك الحسن الثاني.
(2) أنظر كتاب ""Le politique"، لعبد الرحمان النوضة، وخاصة الفصل الثاني منه، حول السلطة السياسية (Le pouvoir)، ويمكن تحميله من موقع الإنترنيت : http://LivresChauds.Wordpress.Com .
(3) خلال يوم الثلثاء 9 أكتوبر 2012، وأثناء مقابلة تلفزيونية بثّتها القناة الفرنسية فرانس 24 ، على هامش الملتـقى الدولي للديموقراطية بستراسبورغ، نـفى رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، نـفى بشكل قاطع مصطلح "التـعايش" بين حكومته والقصر الملكي. وأكدّ انه : «في المغرب، الملك هو رئيس الدولة (...) ورئيس مجلس الوزراء، وأنا رئيس الحكومة، لذلك فالملك هو رئيسي (...) لذا يجب إيقاف التفكير في مسألة التـعايش ، لأن الأمر محسوم بالقانون (...) وأنا لي صلاحياتي».
(4) للمقارنة، تحدد المادة 165 من دستور مصر لسنة 2013 القسم الرسمي فيما يلي : «أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهوري، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه».
(5) للمقارنة، تقول المادة 201 من دستور مصر لسنة 2013 : «وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعين من بين ضباطها».
(6) سبق لرئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، خلال الشهور الأولي لتولّيه هذه المسئولية، أن إشتكى من اتصال "مستشاري الملك" بالوزراء، وتبليغهم «توصيات» أو «تعليمات»، دون إخباره. وبعد معاتبته، إلتزم الصمت حول هذا الموضوع.
(7) للمقارنة، تقول المادة 137 من دستور مصر لسنة 2013 : «لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب إلا عند الضرورة، وبقرار مسبب، وبعد استفتاء الشعب، ولا يجوز حل المجلس لذات السبب الذي حل من أجله المجلس السابق».
(8) للمقارنة، تقول المادة 161 من دستور مصر لسنة 2013 : «يجوز لمجلس النواب اقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة ... بموافقة ثلثي أعضاءه ... (عبر) إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في استفتاء عام ...».
(9) لا نناقش هنا مدى صدقية تمثيل البرلمانيين الحاليين للشعب المغربي، وإنما نكتفي بدراسة آليات التفاعل (فيما بين السلطات الأساسية) التي يحدّدها نصّ الدستور.
(10) للمقارنة، تقول المادة 185 من دستور مصر لسنة 2013 : «القضاة مستقلون غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون ...».
(11) للمقارنة، تقول المادة 100 من دستور مصر لسنة 2013 : «تصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب».
(12) للمقارنة، تقول المادة 191 من دستور مصر لسنة 2013 : «المحكمة الدستورية العليا جهة قضائية مستقلة، قائمة بذاتها ... لها موازنة مستقلة... وتقوم الجمعية العامة للمحكمة على شئونها...». وتضيف المادة 194 : «رئيس ونواب رئيس المحكمة الدستورية العليا، ورئيس وأعضاء هيئة المفوضين بها، مستقلون وغير قابلين للعزل، ولا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون ...».
(13) للمقارنة، تقول المادة 189 من دستور مصر لسنة 2013 : «النيابة العامة جزء لا يتجزأ من القضاء، تتولى التحقيق، وتحريك، ومباشرة الدعوى الجنائية عدا ما يستثنيه القانون ...».
(14) للمقارنة، تقول المادة 208 من دستور مصر لسنة 2013 : «الهيئة الوطنية للإنتخابات هيئة مستقلة، تختص دون غيرها بإدارة الاستفتاءات، والانتخابات الرئاسية، والنيابية، والمحلية ...». وتحدد المادة 209 كيف ينبثق كل أعضائها من جهاز القضاء وحده.
(15) خلال الشهور الأولى لتولّيه المسئولية، إصطدم رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران بموظفة بسيطة في القناة التلفزية العمومية «2M»، هي مديرة الأخبار. حيث تحدّته بشكل علني، ورفضت توجيهاته. لأن وسائل الاعلام العمومية، على أرض الواقع، تخضع للقصر الملكي، وليس للحكومة.
(16) للمقارنة، تقول المادة 72 من دستور مصر لسنة 2013 : «تلتزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الاعلام المملوكة لها، بما يكفل حيادها، وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية، ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص في مخاطبة الرأي العام».
(17) للمقارنة، تقول المادة 211 من دستور مصر لسنة 2013 : «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، وموازنتها مستقلة ...».
(18) للمقارنة، تقول المادة 64 في دستور مصر لسنة 2013 : «حرية الاعتقاد مطلقة».
(19) في مصر مثلا، مؤسّـسة ‘‘الأزهر’’ هي هيئة إسلامية مستقلة عن الدولة. وشيخ الأزهر ينتخب من بين فقهاءه، وهو مستقل، وغير قابل للعزل من طرف الدولة.
(20) أنظر مقال : "يستحيل تحقيق الديمقراطية بدون فصل الدين عن الدولة"، لعبد الرحمان النوضة، ويمكن تحميله من موقع الإنترنيت : http://LivresChauds.Wordpress.Com.
(21) للمقارنة، تقول المادة 145 من دستور مصر لسنة 2013 : «يحدد القانون مرتب رئيس الجمهورية، ولا يجوز له أن يتقاضى أي مرتب أو مكافأة أخرى، ولا يسري أي تعديل في المرتب أثناء مدة الرئاسة التي تقرر فيها، ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يزاول طوال مدة توليه المنصب، بالذات أو بالوساطة، مهنة حرة، أو عملا تجاريا، أو ماليا، أو صناعيا، ولا أن يشتري، أو يستأجر شيئا من أموال الدولة، أو أي من أشخاص القانون العام، أو شركات القطاع العام، أو قطاع الأعمال العام، ولا أن يؤجرها، أو يبيعها شيئا من أمواله، ولا أن يقايضهاعليه، ولا أن يبرم معها عقد التزام، أو توريد، أو مقاولة، أو غيرها ... ويتعين على رئيس الجمهورية تقديم إقرار ذمة مالية عند توليه المنصب، وعند تركه، وفي نهاية كل عام، وينشر الاقرار في الجريدة الرسمية». وتقول المادة 166 شيئا مشابها عن الوزراء، وعن رئيس الوزراء.
(22) في دراسة قدمها الأستاذ محمد المدني (في 18 أبريل 2013، في كلية العلوم القانونية، بحي السويسي، بمدينة الرباط)، طرح أن المقارنة بين الصيغة العربية والصيغة الفرنسية لدستور المغرب لسنة 2011، تُبيّن أن الصيغة الفرنسية شابتها «تـعديلات» في ما لا يقل عن 30 بندا. وأن مجمل هذه «التـعديلات» تسير في اتجاه التراجع عن تدابير حقوقية أو ديمقراطية وردت في الصيغة العربية.
(23) للمقارنة، تقول المادة 109 من دستور مصر لسنة 2013 حول البرلمانيين : «لا يجوز لعضو المجلس (البرلمان) طوال مدة العضوية، أن يشتري، أو يستأجر، بالذات أو بالواسطة، شيئا من أموال الدولة، أو أي من أشخاص القانون العام أو شركات القطاع العام، أو قطاع الأعمال العام، ولا يؤجرها أو يبيعها شيئًا من أمواله، أو يقايضها عليه، ولا يبرم معها عقد التزام، أو توريد، أو مقاولة، أو غيرها ... ويتعين على العضو تقديم إقرار ذمة مالية، عند شغل العضوية، وعند تركها، وفي نهاية كل عام».

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي