ولد الخطيئة

بهار رضا
2013 / 11 / 18

بعد هذا العمر. لا اقصد هنا المرحلة العمرية بحد ذاتها , بقدر ما هي مرحلة نضوج نفسي وفكري.. بعد كل التجارب المثمرة والاقل ثمراً حصلت على قناعة ان بعض الاقدار التي تدير شؤن حياتنا وتغير مجراها بأماكنها تنير طرقاتنا بمفاجئات ...تطفي حكايات. تزج بنا الى خطايا لنكون اسفل السافلين, او تجعل منا ملاكاً يحلق سابع سماء...
سألتني أبنتي
ــ هل انت ملحدة ماما؟
ــ دعيني أفكر
ــ هل يعني هذا انك لم تفكري في هذا الامر من قبل ؟
ــ لا بالطبع لا... لكن لم أسأل نفسي بهذه الصورة المباشرة! أتصور اني أحس بقرب الله عند عوزي له, وغير ذلك لا ! لأن ان افترضنا يوجد خالق لهذا الكون فلن يعوزه ذكري له ! بالتأكيد له مشاغل اهم من يراني اتوسل ويتلذذ هو بأذلالي .وأن مقولة ان الله أصلب من ان يتسامح , يؤمن بها فقط ,من هو أتفه من أن يسامح. والله وجداننا الذي مهما ابتعدنا عنه نعود نتصالح معه من جديد.
من باب الايمان بقدري لم ادخل عالم المنافسة مع زملائي في العمل وأصبحت لي علاقات متوازنة مع من ينافسني سوق عملي. لم تكن هذه الصفة الوحيد التي جعلة زميلي ( نصير)ان يتصل بي لأدخل عقر دار عمله مما يعني سأنافسه برزقه, بل الى جانبها كان مؤمن بقدرتي على الاقناع او على الأقل هكذا كنتوا ابدوا له. بانني لدي قدرة لا يستهان بها على العثور على ثقب ابرة في قلب الظلام .
حدثني وكأن نور الشمس قد هجر مجرتنا وكارثة حلت بالبشرية لا قيامة لها
ــ بهار بعد الله التجئ لك. أوعديني بأنك ستساعدينني ..وصل جدي وجدتي بعد عناء طويل عن طريق الأمم المتحدة امس . وأول طلب لجدي من المشرفة الاجتماعية هو إتمام معاملة الطلاق ! فضيحة . بعد كل هذه السنين والأولاد والاحفاد يريد تطليق جدتي . تعرفين انت حجم عائلتنا في هذا البلد ..سيبدد كل ما بنيناه من سمعة. طلبت من المشرفة ان تتصل بك كمترجمة لاعتبارات كثيرة أهمها ان تقنعيه بالعدول عن فكرة الطلاق.
خطر ببالي ان اساله عن سبب طلب الطلاق لكن عدلت في اخر ثانية لان دكره للسبب سيكون وجهة نظره هو, مما يجعل تفاوضي مع الجد سيكون على أساس حكم مسبق وهذا يعني فشل مهمتي
ــ سأحاول ...أوعدك سأحاول .سأكون في زيارته قبل الموعد بساعة . مليني العنوان
وصلت العنوان قبل ساعة من اتفاقي مع المشرفة . تركنا نصير, انا والجد لوحدنا بانتظار المشرفة .
عجوز، اسنانه المتساقطة وشحوب وجهه كانا يتحدثا ببلاغة عن حياة من الحرمان والياس.
انتظرت ان يبدأ هو الحديث حتى لا يرتاب من أسالتي. بدأ يسالني عن المدة التي قضيتها في هذا البلد وعن أمور الحياة العامة وحياتي الاجتماعية. هنا استغليت انا هذه النقطة لصالحي وبصورة غير مباشرة ذكرت له ان والدتي ايضاً وحيدة والوحدة صعبة مخصوصاً في هذه السن ونحن اغراب أجابني بتحدي
ــ من قال اني ارمل او وحيد ؟ الم يخبرك نصير عن المشكلة ؟
لا احب الكذب والكذابين . ان لا أذكر الحقيقة , شيء وان اكذب شيء آخر, ما كنت مستعدة ان اخبره عن المعلومة ومدى معرفتي بها. أجبته
ــ هل بودك ان تخبرني ؟
شعرت به وكان الذكريات الموجعة بدأت تطفوا كجثة غريق. ركب الهم ذهنه كشراع اسود وبدء كأنه ينظر الى هناك..الى الماضي
ــ لقد قررت أن أطلقها منذ لحظات العقد القران الأولى .قبل ان اراها قررت ان أطلقها . كنت قد عاهدت الله أن لا ارحل من هذه الدنيا وهي على ذمتي .
تنفس بعمق وهو ينتظر مني إشارة او تعليق, وجاء تعليقي كأول مراوغة .
ــ وهل طلبت الشيخ لإتمام المراسيم ؟
ــ كلا ..لقد زوجني شيخ وكان يعرف ان قلبي معلقاً بأخرى ..لقد ذهبت اليه يومها وحدثته وتوسلت اليه ان يقنع ابي بعدم إتمام الزيجة .هو شيخ المسجد والجميع يقدر كلامه لا بل يكن له القدسية. انه بمثابة صوت الله بيننا .لكنه رفض وقال لي رضى الله من رضى الوالدين.
ــ المهم لا ينفع ان تطلق قانونياُ على ورقة الكفار دون صيغة ديننا
نظر الي وهو يجر يده على ذقنه وكأنه يحاول اختراقي ليرى مدى جدية كلامي ,بدوري انا جمعت كل ما بداخلي من دهاء لأبدوا خرقاء ونظرة اليه بعين السؤال
ــ أسمعيني جيداً ,عشت ضعف عمرك ومن ذاك الزمن والظلم والدين لهم نفس الوجه ونفس النمط اللذان عليهما اليوم, وعليه يجب ان نغير تعاملنا مع هذه الأوجه هذا اذا افترضنا ان نتعامل معهما. طول فترة زواجي الست والخمسين كنت اتعمد عندما يجمعنا فرش الزوجية الى عدم وجود بصيص نور ، كنت اريد لخيالي ان يسكن أماكن أخرى ..هناك حيث تضحك نفيسة عند النبع. هذا الزواج بهذه الطريقة هو عين الخطيئة. أن الزواج بمهر قدره مادي يفقده ذات المهر ,قدره المعنوي .هنا الجسد مقابل المال وأن اتيت بشيخ المذنب ليقرأ الورد ,كأني أغسل الخطيئة بالنفاق.
بدأت اقتنع بكلامه اكثر من قناعتي السابقة بالنسبة للزواج على يد الشيوخ وقيمة الجسد مقابل المهر المعنوي. لكن كنت قد وعدت زميلي بأقناع الجد وعدولة عن فكرة الطلاق وكانت هذه اخر محاولة مني
ــ لكن عدم قبولك لصيغة الزواج يجعل من اولادك واحفادك أولاد غير شرعيين .تقبلك صيغة الزواج يتبعها صيغة الطلاق واليوم فقدان الصيغة يصادر مصداقية الطلاق.
تردد في الجواب ..نظر الى البعيد.. الى بعيد جداً ..الى سنوات معاناته تعلوها مسحة خفيفة من الوجع ...لذت بصمتي. الذي كان يكفر بكل ما بناه اسلافنا من صروح المقدسات التي يحرم هدمها ..صروح من الحقيقة المطلقة .... ليجيبني
ــ لا صلاح للدنيا الاَ بزوال الكبت واقتلاعه من جذوره ..نحن بحاجة الى الابتراء أكثر من الاتعاظ سواء جاء على شكل موعظة أو نصيحة أو كلمة رقيقة .انت تخيرينني بأن يكون اولادي شرعيين او عزوفي اليوم عن الطلاق ..لا تقاطعيني ..سأجيبك عن كل الذين باعوا أجساد بناتهن بمقابل. ان كان هذا المقابل جاه او مكانة او مال. ماذا تبيع المرأة في المبغى ؟ الجسد مقابل مهر مؤقت وتبيع الزوجة الجسد مقابل مهر دائم وفي تلك الحالتين الأولاد من نفس المصدر...اولاد المقابل ..اولاد خطيئة .. الحب هو القدس وهو صيغة جميع أناشيد الطهارة .كل من ولد في لحظة حب هو قدسي, وكل من يولد وقد دفع المقابل هو ولد الخطيئة.
كانت المشرفة قد وصلت وباشرنا بمليء قسيمة الطلاق.
اعتذرت لاحقاً لزميلي دون اعلان هزيمتي. لان اعلان الهزيمة يكون عندما نؤمن بمبدأ ولا نستطيع اقناع المقابل به .لكني كنت قد اقتنعت بمبدأ الجد وهذا ما وضحته لزميلي .

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار