مفردة الحب والمنطق

بهار رضا
2013 / 10 / 4

احسست بكارثة حطت على رأسي عند تشغيلي الكومبيوتر والذي يحمل ملفات مهمة! ملفات تخص مصلحة الضرائب كنت قد تكاسلت في خزنها على مفتاح. اتصلت على الفور بورشة كنت قد تعاملت معهم قبل سنين لنفس الغرض وكانوا على استعداد لفحص الجهاز بغضون ساعة. اخذت الجهاز والتوتر احتلني من باطن قدمي الى شعري، ان يتورط الانسان في هذا البلد بجريمة، أهون بكثير من تورطه بكرونة واحدة مع مصلحة الضرائب.
لم يكن هناك غير المدير. فتح الجهاز وطمئنني بأنها مسألة بسيطة وأن الملفات بخير. سألني بكل فضول بعد ان شاهد الحروف العربية وهي ملصقة على الحروف اللاتينية على اللوحة المفاتيح.
ــ الا تجدي صعوبة بكتابة نص مكتوب من اليسار الى اليمين، لتعيدي كتابته من اليمين الى اليسار؟
أجبته وكأني أبصق بقطعة خبز ساخنة أحرقت لساني
ــ لا ..لا تكمن الصعوبة في ترجمة الجمل او الكتابة اطلاقاً .المشكلة في ترجمة المنطق.
دعني اخبرك عن طبيعة عملي. لي مكتبي الخاص ويتصل بي العميل يحدد التاريخ والساعة والمكان واللغة والمدة المحددة ..يكون الطلب أحيانا ًفي مدرسة ،سجن، بلدية ،الخ الخ ...لدي الكثير مع الاحداث الذين هم من مواليد البلد او نشؤا هنا وتكون لغتهم الدنماركية اقوى من لغتي بأشواط .لكن المطلوب هو ترجمة المنطق.
في مدرسة للأطفال. كان واضح على الام ان الهم نال من روحها كما ينال العمر من معالم الوجه. كئيبة لحد الوجع. هي التي ضلت تعيش كمهاجرة غير شرعية لزوج يحمل إقامة البلد، عدة سنوات. محبوسة داخل المنزل لتنحصر زياراتها للمساجد والمحاضرات الدينية، تلك لمحاضرات التي يتحدث الخطيب فيها ساعات وهو يتوقف عند كلمة او حرف ليفسر لماذا هذا الحرف سبق الحرف الذي قبله، ليبدئ الحضور بالتواضع والخشوع امام اعجاز الخالق. وان المرأة سبب خروج ادم من الجنة.
غياب الزوج في سفره (لزيارة زوجته الثالثة في بلده الام) بعد حصولها هي على الإقامة الشرعية، اجبرها للخروج بمفردها من هذا الجو المقولب الى اجتماع أولياء الأمور لترى مدرسة ابنها وابنها لأول مرة عن قرب ..نعم ترى ابنها ،الولد ،الطفل الصغير بعيون هذا المجتمع عن قرب. بدء المعلم بالحديث
ــ احمد ولد طيب، يمتلك روح المساعدة، حنون على الأطفال الأصغر سناّ، يحترمني كثيراُ (الإيجابيات اولاً)، . قال احمد ان والده قد اوصاه بكم عند سفره فهو رجل البيت في غيابه ! هل هذا صحيح؟
أجابت بابتسامة فخر
ــ نعم. نعم... كلامة ،كليشة نستخدمها لتربية الذكور حتى يتعلموا منذ نعومة اضافرهم تحمل المسؤولية نقول له انت رجل !
ــ عذراً سيدتي لكن الله، كلمة ..الثقافات تنتقل عبر كلمات ...وانتم بهذا الكلام تحملون الطفل مسؤوليات ،يعرف هو حق المعرفة بعدم قدرته على تحملها . بهذا الشكل يبدوا العالم أكبر من حجمه ومخيف، هذا الخوف يسبب له خلل بالمشاعر الان ومستقبلاً. على الصعيد الاني وضعه النفسي واسلوبه في التعامل لا يؤهلانه للتقدم للصف الثاني لأن التقدم في الصفوف يحتاج الى الاندماج في مجتمع الصف واحمد بعيد حالياً عن هذا الخط.

لم تستوعب الام الامر... الولد يعرف جميع الحروف الابجدية والحساب كذلك، يعرف الكلمات ويقرئ جمل! أين الضعف الذي يتحدث عنه الأستاذ؟
حاول الأستاذ ان يوضح اهمية الاندماج بالصف.
ــ أحمد شخصية متسلطة مع الذكور في الصف، يفرض رأيه أحياناً بالقوة وهذا يجعل الاخرين يبتعدون عنه. اما الطالبات، يرفض العمل المشترك معهن وينعتهن بالغباء وهذا الموضوع يشمل المعلمات. هو لا يسمع كلام المعلمات وهذا يعيق تعليمه. هذه التصرفات جعلته وحيداُ .في هذا السن شعور الوحدة يتحول بسهولة للشعور بالوحشة. وهذا يؤثر على طريقة تركيزه، فيفقد قدرته على الاستيعاب. عند قراءتنا لقصة معينة، لا يستطيع هو فهم المغزى منها ،عندها يضجر وعندما يضجر يشاغب وعندما يشاغب يعيق الاخرين عن التعلم كما هو حاله. ما زال احمد يستعين بنا اثناء تغيير ملابسه. هو يحتاج دائما إلى النصح والرعاية التي لا تناسب سنه. احمد عاطفيا وعمليا متأخر بالنسبة لسنه.
بدت الام متشتتة الذهن كعاشق اخبرته محبوبته بأنه من اعز اصدقاءها ..وضلت تصر على الحروف الابجدية والاعداد وبأنها هي الأهم في العملية التعليمية ويصر المعلم ان التعليم ليس الحروف والاعداد بل هو وعي وتربية قبل التعليم.
في اخر اللقاء سألت المعلم وبقلق كبير
ــ أين سور المدرسة والفراش؟
بدء جوني يسألني بعيني جاحظتين كعيني سمكة محاولاً ابتلاع إشارة مني تمكنه من فهم الجملة. وانا كساعي بريد يسلم رسائل معنونه بعنوان يرفض اهل الدار استلامها
ــ أي سور ؟؟ فراش؟؟
شرحت له معنى السور والفراش لأزيده دهشة
ــ الفراش هنا نستخدمه للإصلاح العطب الذي بمقدوره إصلاحه. اما بالنسبة للسور هل حصل وان هرب ابنك من البيت يوماً
ــ كلا ..لكن لا يوجد سور للمدرسة
ــ ادرس هنا منذ 20 سنة ولم اواجه طفل يتهرب من المدرسة
خرجت الام بحيرة تتخطى حد السماء. لم تستوعب أي شيء من الذي قيل. تركت ابنها (الرجل) داخل مدرسة بدون اسوار وفراش !!!..هذا الولد الذي تتملكه ابشع إحساس وهو الوحشة. الوحشة التي لا تشتتها صحبة بل وحده إحساس الحب. وهذا الإحساس مشوش لديه لأنه مرفوق بمسؤولية ومواد أخرى كالتسلط والتحكم، سيضل احمد واحمد وأحمد يعانون من هذا التشوه الحسي الذي يتعسهم ويتعس الاخرين من حولهم , احساس بازدواجية الولد الطفل ودور الابوة المتسلط.
هو... مهما بلغ من العمر بحاجة الى رعاية وتسامح وايثار من جانب المرأة! ولقد أصبح كذلك لأننا لم نحسن تربيته. او لم يسمح لنا بتربيته بشكل بعيد عن تسلط الحضارة الأبوية التي ترمي للتسلط. كدائرة محكمة الاغلاق، وهي تكرر نفسها أو تتعدد حلقاتها إلى ما لا نهاية .دائرة ذكورية بنظره الدين المتشبع بالحقد نحو المرأة . يتلذذ في مسخها وطمس معالم شخصيتها لتكون مستعبدة له .متجاهلا ان المرأة في الواقع هي المدرسة الأولى التي تتكون فيها شخصية الإنسان. وبأنها ستورث من خوفها وجهلها ما يكفيه ليكون أتعس منها. ولتبقى مفردة الحب خطيئة مفردة تعني المتعة وليس مفردة لبناء علاقة مستمرة. يولد الحب عند النزوات العابرة، فالمغامرات تخاض فقط مع الحبيبات. والبكاء بين أحضان العشيقات والعفوية مع الصديقات أما المجون فأكيد مع الغانيات.
مذنبون نحن بحجم الموت، بحجم الحزن الفارغ، بحجم العقم الفكري الذي يحتلنا. مذنبون لأننا مستسلمين لثقافة الاضاحي ..كل يوم تولد ضحية بخيباتها التي تتمدد مع حرارة شموس بلادنا لتتسع رقعتها الى ما لا نهاية .
هل فهمت عالم الترجمة سيدي؟؟؟؟ هل فهمت عالمي الغريب الذي اشبه بجسر لتوصيل ثقافات لا مجرد كلمات؟؟
لم انتهي .....

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار