بين قرابين الاديان الابراهيمية والنرجسية .

بهار رضا
2013 / 9 / 28

الاتصال المباشرة مع الناس في أحيان كثيرة يكون أكثر الهاماً وفائدة من قراءة كتاب.
أعماق الانسان عوالم قصيّة ولذيذة في نفس الوقت...متهات تتحمل الغوص دهور وليس دهر واحد. لهذه الرحلة هناك قوانين. ليس أهمها الحصول على التأشيرة .. لا ..قوانين السير، التقرب من الأماكن المحضورة ،أماكن تفتقد الدليل السياحي .لا اشارات ولا لوحات تحذير ،هنا، الحذر يجب ان يكون اكبر حجماً ،من الدهشة.
علينا ان نتذكر أضداد النفس. النفس التي تشبه ادغال كثيفة تسكنها اليراعة والوحوش. لكن المغامرة ممتعة ومفيدة. اقصد مغامرة الغوص في أعماق الاخرين. اضافة الى اليراعات والوحوش نصطدم بذاتنا اثناء محاولة الغوص هذه. ولأننا نظرتنا للحياة تتغير ببطيء لا ننتبه لهذا التغيير الا من خلال الصدفة والاصطدام عند محاولة التوغل هذه.
في احدى رحلاتي الى أعماق النفس قال لي أحدهم بأني نرجسية! كانت مفاجئة لي. هذه الصفة التي هي بعيدة كل البعد عن بهار التي اعرفها ويعرفها الاخرين. حاولت ان اتعمق واعيد النظر في دواخلي. لأجد تفسيراً.
انتبهت... ما زلت اعمل ما لا يقل عن تسع ساعات يوميا. أضف عليها أعمال المنزل التي تقع على عاتقي من التسوق حتى رمي كيس الزبالة في حاوية القمامة! واراعي زوجي وبناتي. لم يتغير الكثير في حياتي، لون شعري شكلي حتى قياس ملابسي منذ ان بلغت سن الرشد وليومي هذا لم يتغير. بعد إعادة النظر والتدقيق تبين لي ان كل شيء على رتيبته المعهودة. لكن الذي تغير نظرتي الى ما حول الرتيبة. بدأت ان استغل انعطافات حياتي الصغيرة لأحسن يومي. واستبدلت اللهي باله للأشياء الصغيرة. تعلمت من ركوب الطائرات وطريقة شرح حالات الطوارئ ان أنقذ نفسي اولاً لكي أستطيع انقاذ بقية افراد اسرتي.
مجتمعاتنا تحمل من الخلل حجماً كارثياً كافي لتدمير مجرة درب التبانة بأكملها. ثقافة القربان التي توارثناها عن الأديان الابراهيمية كونت نسيج نفسي رخوًا، مترهل، أجوفَ بلا حياة، ازدواجي، قمعي وقاسي بولّد في نفس كل فرد من أفرادها دكتاتورا، وكل فرد فيها ومهما شكا من الاضطهاد يكون مهيئ سلفاً لأن يمارس هذا القمع ذاته حتى على نفسه. تسخر جميع الطافات لإخماد أجمل الاحاسيس المشاعر والخيال وتحويلها الى طاقة سلبية مدمرة. محاولات البعض منا لحماية بعض خصوصياته تنسب للنرجسية، التفاؤل وحب الحياة عند بلوغ مرحلة عمرية معينة يسمى بالمراهقة المتأخرة !! مصطلح غبي! لا توجد مراهقة متأخرة، المراهقة حماقة وغرور، يعتقد المراهق انه يعرف كل شيء في حين من تقدم بهم قطار العمر وصلوا الى قناعة بأن العالم أكبر من يكون يقين. يجعلهم ان يدركوا ان السعادة تكمن في الحقيقة ولا أحد يملك معيار الحقيقة غير الأطفال فيعودوا بمرح الأطفال لا صبيانبتهم بل للمرح.
تعلمت من الحرب التي عايشتها كفلم صامت اسود وابيض، حيث منفاي طهران. التي كانت بعيدة عن القصف، تعلمت من خلال شوارعها الباردة التي تغيرت اسماءها الى أسماء من كانوا يحلمون بحياة وحب فيها. ومن خلال نسوة بشادر اسود. نسوة يشبهن والدتي الارملة الشابة وهن في طوابير بطاقات الحصة التموينية. ان أكون سوية مع اقداري وان اتصالح مع الموت بعد ان أهدتني قساوة الزمن، تعويذة زرقاء تحصصني ضده. . حصنتني ضد موت زارني وعائلتي مرة اخرى في مطار بودابست، عندما كشف امر جوازنا المزور ونحن في طريقنا في طلب اللجوء في احدى البلدان الاوربية. اصرت السلطات تسليمنا لحكومة بغداد واحتجزنا في مطار عسكري ليتم ترحيلنا وتسليمنا الى نظام بغداد. كنت ضجرة ولأني احمل التعويذة كنت فقط ضجرة. كان الوقت يمر ببطيء شديد كأنما صار جوفه خاوياً. ساعات تفصلنا عن وطنن لطاما هزنا الشوق اليه. سيرموننا في فرامة لحم ونكون غذاء لأسماك نهر دجلة.
بعد ان مرت العاملة لتبيع لنا بعض الكعك. استبدلت بقة الدولارات بالعملة المحلية ,وصار بأماكني اللهو بالهاتف العام الموجود في المطار الخالي الا منا .وقعت عيني على رقم هاتف كتب بالعربية والى جنبه(أبو شذى) عدت مسرعتاً الى اختي وطلبت منها ان نتصل بالرقم وتكون آخر محاولة لنا، او على الأقل احد سيعرف قصتنا. بالفعل اتصلنا وكان الرقم لمقر الحزب الشيوعي العراقي في هنغاريا وبعد ان تعرفوا الينا ساعدونا لنواصل مسيرتنا. تكرار مواجهتي والموت جعل الأشياء تأخذ حجماً وبعداً اخرين في حياتي. لا شيء يضاهي لحظات التأمل بعد نهار طويل من الكفاح.
اليوم وبعد هذا العمر وجميع التجارب أقول باني لا ابالي ببركة او لعنات الاخرين هذا ان كان لديهم على من سلطان. اليوم انا متكاملة من الداخل، اما ما هوّ خارج عني لن ينال مني. متت عدة مرات وولدت أكثر وتجددت مع كل ولادة. لأصل الى قناعة

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار