والدتي ،زوجي وضرتي

بهار رضا
2013 / 8 / 3

والدتي ،زوجي وضرتي

كانت والدتي وما زالت امرأة عسكرية بطباعها. كل شيء يدور بانتظام ادق من نظام عقارب الساعة ، وأدق من نظام منظومتنا الشمسية. كل يوم من أيام حياتها تستيقظ والدتي الساعة الخامسة صباحا وهذا القانون يشمل المناسبات والعطل الرسمية. الحياة عقيدة وجهاد والبقاء في السرير بعد بزوغ الشمس دعوة للشيطان لمشاركة السرير. حتى بعد أن أجبرتنا ظروف تهجيرنا للسكن في مكان جعلنا كسمك السردين في علبته، كانت توقظنا مبكراً بنفس الحجة ( شيتان اچيد له پل پوسدان) كان اخي يشتاط غضبا قائلا
ــ اخ الحگبة وين يجي؟ ها؟؟ ماكو مكان احنة ننام بيه! وين يجي ؟
لكن والدتي كانت تصر على النهوض باكراً. لحظة ... لحظة! والدتي لا تؤمن بالشيطان على هذا النحو الذي تتصوره! لالا هي فقط تشير للكسل وبأننا يجب ان نستغل يومنا ونبدأه بنشاط.
كنت قد اقسمت بيني وبين نفسي ألا يكون في بيتي نظام عسكري !! عهد قطعنه على نفسي. واليوم وبعد مرور 22 سنة على زواجي ما زلت استيقظ الساعة الخامسة وأول ما افعله هوّ الطبخ، تتصل بي احياناً أختي الكبرى قبل بداية ساعات عملها واكون قد بدأت بأعداد السلطة لتسألني
ــ شنو د تسوين؟
ــ خلصت طبخ وهاي الزلاطة
بلهجة اشمئزاز ترد
ــ هاي بعدج ؟ من خرب هالعبشة
علقت احدى صديقاتي بأنها تُفضل الزواج والطلاق 200 مرة على ان تستمر على نفس الوتيرة كل هذه الأعوام. غاضين النظر عن الإرث الذي احمله بين طيات جلدي، عفواً بين طيات روحي لأننا نبدل جلودنا كل يوم وهي تتغبر وتترهل، لكن هذا الإرث المزروع بأرواحنا صعب الإفلات منه وممكن ان نحمله للأجيال القادمة.
هذا من أمر والدتي وأرثها العسكري. أما زوجي فهوّ الولد الذي لم تلده امي! يشبهها بالصفات كل الصفات وأهمها عالم النظافة !! يعني لم تتغبر طريقة حياتي كثيراً بعد الزواج سوى فقداني حاسة الشم والتذوق نتيجة استخدامي المنظفات بطرقة مبالغ فيها. ممكن تتلمسون بعض الملل بين السطور وانا اتحدث عن حياتي، لكن انا سعيدة بما تحمله ايامي من وتيرة روتينية تمدني بالطمأنينة. الى ان جاء ذلك اليوم الذي قدم لي زوجي من يعينني بشغل المنزل قائلاُ
ــ دع القلق وبدئي الحياة ... شوفي بعد ما تحتاجين المنظفات. هذه الماكينة تبث بخار بقوة ... وتحطم التكلس بدون اللجوء للكيمياويات (توجد نسبة عالية من الكلس في المياه في مناطقنا ما يجعل استخدام الكيمياويات ضرورة ملحة لأزالتها) وتزيل كذلك الاوساخ.
زوجي مولع بشراء الأجهزة الكهربائية ولم تزعجني هذه الهواية مخصوصاً عندما اقارنها بهوايات الرجال الاخرين. لكن هذه الماكينة كانت بالنسبة لي بمثابة ضرة، زوجة ثانية، قلق الحياة... تتدخل وتتطفل على أساليبي المعتادة عليها. مطلوب مني ترك الفرشاة المواد التقليدية التي ترعرعت في ظلالها متجاهلة عبارة ((من شب على شيء شاب عليه)).
رفضت استخدام الماكينة وهو يصر على استخدامها الى ان توصلت لحل ديمقراطي
ــ إذا تحب ....استخدمها انت! اني ما راح استخدمها !! أتصور هذا حقي !!
بدء زوجي باستخدامها لكن صوتها كان ينرفزني (زززززززززززززززز). أحب الحياة وعليه ابحث عن الحلول بعيداً عن الشجار .
كنا قد تحدثنا قبل مدة عن شراء بيت صيفي لقضاء العطل فيه، طلبت من زوجي ان يطفئ الماكينة لنتحدث بشأن البيت الصيفي
ــ شوف حبيبي، اني راح اشتري بيت صيفي واقضي بي بعض الأوقات، بس لازم تعرف اني راح احط ملصق (ممنوع دخول الرجال) حتى ما تكون الوحيد المشمول بهذا القرار
ــ حلو ...بس راح اهديلج بقية الملصقات
ــ يا ملصقات
ــ ملصق: ممنوع التدخين، ممنوع الدخول بالأحذية، ممنوع دخول الحيوانات. ولو ضيوفك يعرفون طبعك وما تحتاجين للملصقات. بس هاي هدية مني الك.
انتبهت لكلام زوجي الذي يشير بأن هروبي غير مجدي، لأني سجينة ذاتي، وهربي الى مكان اخر مقيدة بأغلال تمنع اقتحام الحياة بجرؤه وتجربة ما هوّ جديد، هوّ العبث بعينه.
عدلت عن فكرتي وجربت الماكينة وكانت رغم سلبياتها المتمثلة بالبخار الكثيف والصوت المزعج الاّ انها اقل ضرراً على صحتي من الكيمياويات واقل كلفة مادياً.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار