قطار المساء الحزين

لويس ياقو
2013 / 7 / 2

أعود اليكم من قطار جديد
محملاً بالمرارة وبخيبات جديدة..
لقد تعودتم—او عودتكم—على رحلات ضياعي
اللامنتهية..
وقطار اليوم في لندن ومنها وعنها...
وها أنا جالس في مقصورة غربة جديدة
في ساعة اللازمان..
في طريقي إلى اللامكان..
**
في المقصورة عدد كبير من الركاب
كل يشغل نفسه بشيء حتى يصل إلى المحطة التي يظنها صحيحة..
البعض انظارهم شاخصة على شاشات هواتفهم الحديثة (الآي فون)...
والبعض الآخر يقرأ الجرائد اليومية كالأصنام، دون ان يحسّوا بأحد
ودون أن يحس أحد بهم..
وأخرون يختلسون النظرات على الركاب الآخرين
على أمل ان يلاحظهم أحدهم
أو يسمع لصوت الصراخ والعويل في عيونهم الوحيدة..
وبعضهم يتحدث بلغات أجنبية لا يفهمها سواهم
محّولين جو المقصورة إلى ما يشبه الأيام الأخيرة لتشييد برج بابل..
وأخرون، مثلي، يراقبون الشاشات الصغيرة في الأعلى بحذر
لئلا تفوت عليهم محطتهم...
وعلى الجانبين العلويين من المقصورة تجد إعلانات مختلفة:
فهذا إعلان يدعو القارئ لتدخير المزيد من الجنيهات
المدفوعة على قوائم الخدمات الشهرية..
وآخر يعد بأيجاد حل لمشكلة الصلع وتساقط الشعر..
وهناك إعلان يحّذر من ممارسة الجنس دون وقاية
وإعلان يشجع على ترك التدخين..
وآخر يبدأ بالكلمات الرنانة التالية:
"هل تتوق لأن تكون في مكان آخر؟"
إتصل بنا من أجل عطلة صيفية لا تنسى!
وهذا آخر يقول:
"هل تشعر بالوحدة في زحام المدينة؟"
نرجو ان تزور موقعنا الإلكتروني
لإيجاد شريك حياتك الذي طالما حلمت به!
وبجانبه إعلان آخر تتوسطه وردة جورية حمراء يقول:
"هل انت متعب من المواصلات العامة؟ هل لديك موعد رومانسي الليلة؟"
إتصل بنا لنجهزك بسيارة خاصة تقلك لمنزلك مهما كان الوقت متأخرًا!
**
وبعدما سأمت النظر إلى هذه الإعلانات،
أعود ببصري إلى الوجوه الماثلة أمامي-
وجوه مليئة بالهم والغم..
وجوه لم يعد يغريها شيء
ولم تعد تصدق شيء
ولم تعد ترغب في رؤية شيء..
وجوه تخشى من ان تتأمل ذاتها في المرآة
لئلا تكتشف كم هي مهزومة
وكم كانت مخدوعة طيلة تلك السنين!
وهكذا يستمر قطار المساء اللندني الحزين في سيره
وأظل أنا أبحث بين الوجوه
على أمل العثور على عينان يملؤهما بريق الأمل
ووجه يشوقني إلى الزمن الآتي؛
زمن الحب والحلم..
زمن الصحوة من الأوهام والخديعة...