المسمار الأخير في نعش المسيري... إنهيار المنظومة القومية – الإسلامية!!

سهيل أحمد بهجت
2013 / 7 / 2



كاليفورنيا

إن العلمانية هدفها الأساس هو إتاحة الفرصة أمام الإنسان للإنطلاق و كون هذا الانطلاق يحوي سلبيات، كأي شيء آخر متعلق بالإنسان، لا يعني بالضرورة أن على الإنسان أن يتوقف، إن القوى المحافظة و المتمسكة بالدين وجودها ضروري كما أن القوى الليبرالية و الحرة تملك الضرورة ذاتها، ففي ظل الليبرالية يستطيع كلا الطرفين العمل على نشر أفكاره و الصراع الفكري ـ البعيد عن العنف ـ يتيح لهذين الاتجاهين إيجاد توازن في المجتمع، و مهما حاول المسيري هنا أن يظهر المجتمع الغربي و كأنه "مجتمع وثني مادي" فإن الواقع يشير إلى العكس، بمعنى أن الشعور الإنساني في الغرب في تنامي مستمر، بينما في الشرق المسلم تهيمن ثقافة الموت و إلغاء الفرد.
و بعد أن يتحدث المسيري عن رؤية جلال أمين للإنسان في الغرب و أن هذا الإنسان ذو بعد "مادّي" واحد، ينتهي إلى القول:
"و الحضارة الأمريكية هي حضارة هذا الرجل العادي (فالعلمنة ليست تغريبا و حسب، و إنما أمركة بالدرجة الأولى) فهي الحضارة التي نجحت في الوصول إلى هذا الإنسان العادي و إشباع تطلعاته بأكثر مما نجحت أية حضارة أخرى، و اتساع السوق الأمريكي هو الذي سمح بابتداع و ((نمو فنون الإنتاج الكبير، التي تقوم على إنتاج كميات هائلة من السلع المتماثلة، و على تطبيق درجة عالية من التخصص و 115
إن كون الحضارة الأمريكية هي قمة النتاج العلماني الناجح يرجع في الأساس إلى أن "علمانية أمريكا" قامت في الأساس على أكتاف المتدينين الذين قاموا بتأسيس الدستور الأمريكي على التسامح الديني، و بالتالي لم تقم العلمانية الأمريكية على أكتاف الملحدين أو الذين يرفضون الدين جملة و تفصيلا، كما حصل في فرنسا و روسيا، هنا كان المتدين هو الذي يقوم بالمبادرة، و العلمانية الأمريكية تمثل بالفعل "النموذج الأفضل و الأرقى"، ففي دولة إسلامية كإيران يمنع سفور المرأة و في جارتها تركيا يمنع الحجاب في أغلب المفاصل المهمة للدّولة، بينما نجد النموذج الأمريكي يتيح الحرية لكلا الحالتين، أي الالتزام الدّيني إلى جانب الحرية الأخلاقية، و لا معنى هنا لمصطلح الأمركة الذي هو بنظري مصطلح ذو أبعاد أيديولوجية مستمدة من الماركسية و النظريات الاشتراكية، و ما يسمى هنا بالإنسان العادي لا يمتلك أي صفة سلبية و إنما تعكس النظرة الغربية إلى الإنسان نمطا واقعيا من الفكر، فطوال التاريخ نجد أن الإنسان الفيلسوف أو الفوق عادي يمثل أقلية، حتى في أكثر المجتمعات تطورا و رقيا، و بالتالي يكون من واجبات الدولة الحديثة و العصرية توفير متطلبات الحياة لهذا الإنسان العادي و إتاحة الفرصة أمامه لتجاوز كونه "عاديا" و من هنا نجد أن معدلات التعليم و الثقافة و التأليف و الإبداع الفكري في الغرب لا تقارن قطعا بدول العالم الثّالث و الدّول المسلمة على وجه الخصوص، و لهذا السبب الرئيسي ـ و ليس بسبب المادّية الجافة ـ نجد أن كل إنتاج (الفكري و الاقتصادي و الاجتماعي) في الغرب يحقق معدلات ضخمة، بينما في بلدان التنظير الفارغ و التقديس اللفظي للإنسان الفارغ من أي محتوى حقيقي تنتج المزيد و المزيد من أسباب تخلفها ـ حسب تعبير الأستاذ نبيل ياسين ـ و تدور أسيرة في دائرة مفرغة من اللا معنى و اللا هدف تحت شعار المعنى و الهدف.
ما هو هدف الإنتاج الأساسي؟ إن الإنتاج يأتي نتيجة للطلب، و كلما زاد الطلب زاد الإنتاج، و معلوم أن أسواق العالم القديم ـ ما قبل العصر الصناعي ـ كانت تحوي قوانين اقتصادية مختلفة للتحكم بالسوق تختلف عن القوانين التي تتحكم بالسوق في عصرنا الحاضر، و تلك القوانين كانت تتسم بالبساطة لارتباطها بمجتمعات منعزلة و مغلقة و ذات حاجات تتصل بالرغبة في البقاء، أما إنسان العصر الحديث فقد تجاوز التهديدات الرئيسية الثلاث لوجوده و هي (المجاعة ـ الوباء ـ الفوضى)، و من هنا نجد أن حاجات إنسان الحضارة و التطور تختلف بشكل أساسي عن حاجات الإنسان البدوي ـ أبن الصحراء أو الجبل ـ و حتى طبيعة السلعة المطلوبة تغيرت، ففي الماضي كان الإنسان يحتاج فقط إلى خيمة تكفيه و عياله، أما الآن فإن الأسرة تحتاج إلى البيت المؤثث و المكيف و الماء و الكهرباء و أدوات و أجهزة للتعلم و الاطلاع و التواصل مع العالم، من هنا نجد أن الإشكال الأساسي الذي يلح على المسيري و جلال أمين هو تجاوزهم للواقع و انتقائيتهم في البحث و نظرتهم التي تفصل الإنسان عن بيئته و واقعه، و كأن الإنسان شيء قائم بذاته و لا يتأثر نهائيا بمحيطه الاجتماعي و الاقتصادي، و من هنا لا يملك هذا النوع من النقد الموجّه إلى العلمانية أي فرصة للصمود و يهوي بمجرد وضعه تحت الرؤية النقدية و مقارنته بالواقع، و هكذا فإن تنامي الاقتصاد الغربي عموما و الأمريكي خصوصا ليس إلا استجابة لتطور البشرية و الذي وصل الآن إلى مرحلة "السوق الأرضية" التي تتجاوز الدولة و الإقليم و القارات بأسرها و لا معنى مرة أخرى لما أسماه جلال أمين بـ"التماثل الرهيب في أنماط السلوك و التفكير" حيث أن الإنسان مهما كان متفردا و مبدعا فلا بد أن يشبه في وجه من الوجوه واحدا من أبناء البشرية و ذلك التشابه و التماثل هو بعينه الذي يقف وراء ما أسماه جلال أمين بـ"كميات هائلة من السلع المتماثلة"، إذ لا معنى هنا لتنوع السلعة في كل واحدة من وحداتها إذ سيشكل ذلك ـ إن حصل ـ دفعا باتجاه الطبقية و تقسيم الناس إلى وحدات تتفاوت في القدرة الشرائية بشكل ظالم، فالسيارة التي أشتريها كإنسان فقير ستتطابق مع مستواي و شخصيتي بعكس السيارة التي سيشتريها الملياردير و التي لن تتماثل مطلقا مع ذلك الذي ينتمي إلى مستوى اجتماعي أدنى، بينما توفير بضاعة معينة بكميات هائلة يأتي كردّ فعل طبيعي لاختفاء الطبقية و تقارب الفئات الاجتماعية فكريا و اقتصاديا، و الموضة هي الأخرى تمثل انتقال التذوف الفني للأزياء من مسألة تتعلق بالطبقات الحاكمة و الغنية إلى شأن عام يتعلق بعامة المواطنين كنوع من حبّ التغيير.
في ظل العلمانية تختلف العلاقة مرة أخرى بين المحكوم و الحاكم، و في الوصف الشرقي يأتي الحاكم دائما قبل المحكوم و كأن الحاكم هو العلة الأساسية بينما الحقيقة هي أنه بدون المحكومين لا وجود لصيغة حكم، في ظل العلمانية حيث حرية الفكر و نقل المعلومة و التواصل تكون الأضواء مركزة على شخصيات الحكم و السياسة و الثقافة، على عكس المجتمعات المغلقة و التقليدية التي تفصل بين "أهل الحكم" و الشعب، فأهل الحكم يملكون عالمهم الخاص و من حقهم وحدهم التنافس على الحكم و النفوذ عبر الوسائل الشرعية و غير الشرعية و حتى التغيير عبر العنف و القوة الغاشمة، بينما في النظام العلماني الديمقراطي يملك الشعب الحق (كل الحق) في مراقبة الحاكم و محاسبته و حتى الحديث عن أدق تفاصيل حياته الخاصة و العائلية، دون أن يدخل ذلك في نطاق ما يسميه وعّاظ السلطان ـ و من ضمنهم المسيري و جلال أمين ـ بالـ"غيبة المحرمة"، فالمواطن العلماني محمي من حيث حياته الخلقية و الشخصية على عكس الحاكم العلماني الذي يتوجس من الرّقابة، و هذه المعادلة مقلوبة تماما في بلداننا الإسلامية حيث يمتلك الحاكم و طبقته السياسية الحق (كل الحق) في تجاوز القانون و النهب و السلب و حتى اغتصاب "مواطنة" أو "مواطن" إذا ما كان يتسم بسمات من الجمال و الجاذبية!!
يضيف المسيري قائلا:
"و يلاحظ جلال أمين سمة أساسية أخرى في الحضارة العلمانية الأمريكية، و هي محاولتها هزيمة الطبيعة و نزوعها نحو التجريد، فالإنسان الأمريكي يتناول ((لبنا خاليا من الدَّسم، و سكرا لا يحتوى على مادّة سكرية، و خبزا لا يؤدي إلى السمنة، و قهوة لا تحول دون النوم))" ـ المصدر السابق ص 115
لاحظ الانتقائية في النماذج المسيرية و كيف تتحول في غمضة عين إلى ظاهرة عامة و شاملة، فإذا كانت المواد الغذائية الأمريكية تنزع إلى نزع ما هو ضار في الطبيعة للإنسان سمة من سمات التغذية في الولايات المتحدة؟ فلماذا نعدّ ذلك أمرا سلبيا خصوصا و أن هذه التغذية الصحية أدت بالفعل إلى إطالة عمر الفرد و تجنبه لكثير من الأمراض الخطيرة، و لماذا نتجاهل الأنظمة الصّحية الغربية التي نجحت في تقليل حاجة الإنسان إلى عيادة الطبيب إلا لإجراء فحوصات ليس إلا، و السؤال المهم هنا هو: لماذا ينبغي لنا أن نتوقف عن تحدي الطبيعة و ما هو السلبي في تحدينا للطبيعة؟ و الجواب بسيط و واضح إذا ما تحاشينا الأحكام المسبقة و القائمة على أساس عاطفي لا أكثر.
من واجب الإنسان إذن أن يتحدى الطبيعة التي تنفعه من جهة و لكنها تدمّره و تقتله من جهة أخرى، و لو كان المسيري يتّبع المنهج الغربي في التغذية لكان على الأرجح حيا الآن ليردّ على نقدنا له، و لننظر إلى المسيري نفسه في كتابه "العلمانية الشاملة و العلمانية الجزئية" ـ حيث يقول:
"و يلاحظ أن الطعام، شأنه شأن الملابس، يتجه نحو البساطة و التبسيط، و بدلا من المحشي أو المكدوس على سبيل المثال (التركيب التقليدي)، يظهر الخضار السوتية (التبسيط الحديث للهروب من التركيب و التجاوز!) و تظهر أشكال الطعام الفورية ()، مثل القهوة النسكافيه () و ما يسمى عشاء التلفزيون () و هو طعام له طعم البلاستيك، يخزَّن في فريزر الثلاجة و تقذفه ربّة الأسرة في فرن المكرويف، فيتم إعداده في دقائق ثم يقذفه أعضاء الأسرة في أفواههم و هم متراصون جنبا إلى جنب أمام التلفزيون (لا ملتفين حول المائدة)، و لا ينظر الواحد منهم في عيون الآخرين." ـ العلمانية الشاملة و العلمانية الجزئية ج 2 ص 156 ـ 157
إن هذا النمط من الحياة السريعة لا يمثل حياة الغربيين بشل عام أو حتى الأغلبية كما يُزعم هنا، بل حياة فئة معينة من الناس، و هو يعود إلى تلك العائلات التي تمتلك التزامات كثيرة و تراعي الوقت كقيمة و هو ما يذكّرنا بالمثل القديم "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، فالشعوب المتخلفة التي يُنظّر لها المسيري و غيره النظريات الفلسفية "العصماء"!! و إنكار وجود مصطلحات مثل "تقدم"، "تطور"، "استنارة"، "تحديث" و إنكار نقيضها "التأخر"، "التخلف"، "الجهل = الأمية"، لن يغير من الواقع شيئا في إن الغرب يتعامل مع ما يملك من سلبيات بعقل الباحث الواعي عن حلول و مقابل ذلك يعيش الشرق المدعو عربيا و مسلما كارثة حقيقية في الدكتاتورية و هيمنة الثقافة الأبوية إلى جانب "مفكرين: أشكّ في أنهم مفكرون" يقومون فقط بتبرير السلبيات بل و يتجاهلون كل ما نملكه من كوارث و يركزوا نقـدهم على الآخر ـ التشيع كمؤامرة فارسية كما يسمونها و العلمانية كمؤامرة صهيونية صليبية كما يسمونها أيضا ـ و بالتالي يستمر العقل الشرقي في التخلف و الجمود.
من الواضح أن النقد الموجه ضد العلمانية ها هنا و تحويل الوجود الحضاري ككل، بما في ذلك نمط و نوع الطعام و الملبس، إلى اتهام سلبي و زعم أن العلمانية شوهت الإنسان، لا ينم إلا عن نوع من عقدة التآمر أو جنون الارتياب Paranoia أو عقدة الرهاب من كل ما هو أجنبي Xenophobia و بالتالي فإن كل أفعال الآخر سلبية ـ و نقيضها هو أن كل أفعالنا إيجابية ـ و نقع ضحية قناعة (وهمية) من الأفضلية على الآخر.
يضيف المسيري قائلا في معرض حديثه عن جلال أمين:
"إن الثقافة الأمريكية هي ثقافة الاستهلاك، و لكن المستهلك المستهدف ((يجب أن يكون بدوره شخصا عاديا محدود الذكاء، إذ هنا تكمن فرص التسويق الواسع الانتشار، فإذا بنمط الثقافة السائدة هو النمط الذي يستجيب لنوازع الرجل العادي و ميوله، و إذا بالثقافة الرفيعة تتراجع على استحياء إذ لا تجد لها ممولا، و إذا بوسائل الإعلام تخاطب أبسط غرائز الإنسان و نوازعه لمجرد أنها أكثر انتشارا))" ـ العلمانية تحت المجهر ص 115 ـ 116
هذا الكلام لا يعدو كونه ادّعاءات و مزاعم بائسة لا نصيب لها من الصحة، فمعروف أن هناك علاقة عقلانية لدى المستهلك الغربي "الأمريكي تحديدا" مع المنظومة الاقتصادية، و في أمريكا تتسم مؤسسات حماية المستهلكين و البيئة بحرفية بالغة و التزام قانوني هو الأفضل ـ و لا يخلو من أخطاء كأي تجربة إنسانية ـ إذ لا يمكن للإقتصادي "المنتج ـ المروج" أن يتجاوز مصالح المواطنين أو يقوم بتسويق البضاعة الفاسدة مثلا، و كل هذا التهريج عن انحطاط العلاقة الأخلاقية بين المستهلك و المروج أو الاقتصاد لا يقارن ـ و هو غير صحيح بالتأكيد ـ بوضع بلداننا الإسلامية و العربية التي تكثر فيها حوادث التسمم و استيراد الأدوية أو البضاعة الفاسدة التي تهدد حياة المواطن و المجتمع بأكمله، و الزعم أن الدولة و آليات السوق في أمريكا و الغرب تعمل على إنشاء و خلق "مواطن مستهلك ذي ثقافة بسيطة" لا أساس له و ينافي الواقع، ففي الغرب ترتفع معدلات الثقافة و الاطلاع بشكل رهيب و استثنائي و معدلات القراءة و التأليف في الدول الغربية لا تقارن بأي منظومة أخرى، و طبيعي أن مجتمعا يولي الثقافة هذه الأهمية سيكون واعيا بدرجة كافية لحفظ مصلحته، غير أن المسيري ينظر إلى الثقافة من خلال الأبراج العاجية و يتخيل ـ حاله حال أفلاطون ـ مجتمعا يحكمه الفلاسفة و الحكماء، و الحقيقة و الواقع لا يتلائمان مع هذا الواقع المتخيل "الواقع الذي يوجد في البلاغة فقط"، فمن المستحيل أن نخلق مجتمعا يكون غالبية سكانه "فلاسفة" لسبب بسيط هو أن غالبية الناس و طوال العصور تنظر إلى الحياة اليومية البسيطة و نادرا ما نجد شخصا يطرح أسئلة كبيرة، و الإشكال هنا هو: إذا كان الغرب قد نبذ الثقافة "الرفيعة"!! كما يسميها المسيري؟ فما هي مقومات تلك الثقافة؟ و كيف تجد طريقها إلى الواقع؟ إن الحداثة أصبحت تهمل بالفعل كل ثقافة لا تملك لها صلة بالواقع، فقديما كان للشعر و البلاغة و اللاهوت قيمة عليا ـ طالما أنها تخلق الخيال الذي لا يمس بالحاكم ـ و لكن و في العصر الحديث (عصر الإنسان) انهارت هذه المجالات الفكرية "المثالية" كونها و طوال قرون أبقت الإنسان أسير التقليد و تقديس المتراكمات و تحولها إلى مقدّس، بينما العلوم التي تتيح للإنسان فهم نفسه و واقعه أخذت زمام المبادرة لتتيح للإنسان الحديث إعادة تعريف للمفاهيم التي كانت سائدة في المجتمع كالمقدس و الأخلاق و قضية وجود الإنسان، بالتالي لا معنى لـ"الثقافة الرفيعة" إلا أنها نوع من الجدال البيزنطي الفارغ الذي يجعل فئة من الناس تميز نفسها عن الناس العائديين، كالفقهاء و الشعراء مثلا، فقد كان مجموعة فقهاء مستعدين أن يناقشوا قضية تافهة ـ كالرجل الذي قال لزوجته أنكي طالق إذا نزلت من الدرج ـ فيناقشونها و كل طرف يريد إظهار نبوغه و عبقريته بينما هناك أناس يعانون أزمة انتظار "المخرج الشرعي" للنزول من الدرج، و بالفعل فإن عصر التفيقه قد انتهى ليبدأ عصر العقل.
يضيف المسيري إلى ماسبق:
"((و لم تستطع المجتمعات الأوربية مع كلّ ما أحرزته من تقدّم في الارتفاع بمستوى الثقافة فيها أنها تقاوم ما يحمله نمط الثفافة الأمريكية من جاذبية لجماهيرها، فإذا بالبرامج الجادة في التلفزيون الأوربي تترك مكانها بالتدريج لبرامج الترفيه الأمريكية، و يزداد هذا عاما بعد عام، و إذا بالصحف الأوربية تجاري الصحافة الأمريكية في اعتمادها على التشويق و الإثارة، و إذا بالمطاعم و المقاهي الأوربية تتخلى عن المقاعد الوثيرة و الخدمة المتأنية، لتحل محلها المقاعد الطاردة للجالسين عليها و قيام العميل بخدمة نفسه، بل لم يستطع الإتحاد السوفيتي بعد عشرات السنين من الإنغلاق عن العالم أن يمنع شبابه من الانبهار بنمط الحياة الأمريكي و الاقتداء به))". العلمانية تحت المجهر ـ ص 116
لم يكلف المسيري نفسه هنا عناء طرح سؤال مهم و أساسي هو: لماذا يكون النموذج الأمريكي هو السائد و الغالب في كل مكان؟ و لماذا أخذ النمط الأوروبي "المتكلف" في الانحسار و الزوال؟ إن الإنسان بطبيعته يميل إلى التكلف حينما تكون السلطة و الدين و الثقافة محتكرة أو مجتمعة في أيدي قليلة، و بالتالي تميل الطبقة الغنية إلى أن تميّز نفسها عن الطبقات الفقيرة و المسحوقة، بل إن الثقافة نفسها تتمظهر بمظهر طبقي فتبدو الطبقة الغنية مهتمة بنوع معيّن من الثقافة ـ كالإهتمام بالأنساب و الأصول و التواريخ الملحمية ـ بينما الطبقات المسحوقة تغرق في قصص الأبطال و المنقذين، و حتى المنظومة السوفيتية ـ التي يتجاهل المسيري نقدها لأنها عدوة المنظومة الأمريكية ـ لم تستطع تجاوز القيم الأمريكية و نمط الحياة الأمريكية لسبب بسيط هو غياب التكلف و التصنع عن الحياة الأمريكية و ميلها الدائم نحو العفوية و الطبيعة التي تجعل نمط الحياة (أسهل) و أقرب إلى الصراحة و الواقعية، و الاتحاد السوفيتي سعى إلى المجتمع ذو الطبقة الواحدة عبر الدكتاتورية و القهر، بينما في الولايات المتحدة الأمريكية ـ لاحظ معي تحاشي المسيري و غيره هذه الصيغة حين يتحدثون عن هذه الدولة ـ يتم إلغاء الفوارق عبر عملية تنموية طبيعية لا علاقة لها بأي نوع من الدّكتاتورية و الإكراه.
غالبا ما تنجح المجتمعات التي تعيش نمطا أبسط من الحياة أكثر من تلك التي تميل إلى التعقيد و كثرة التفاصيل و الشعائر و الطقوس، و الإعلام هنا لا يتأثر بأي شيء بقدر ما يتأثر بالمنطق السهل، و هذه البساطة في الحياة الأمريكية هي ناشئة بالأساس من البروتستانتية التي تشبه التصوف الإشراقي في عالمنا الإسلامي التي تؤكد على الدور الشخصي و الفردي في الدين، فالدين إذا كان أسيرا الثقافة الجماعية القائمة على الطقوس و الشعائر فإنه يمنع المجتمع من التقدم و يتحول الفرد إلى أسير لإملاءات الجماعة الأرثودوكسية التي تقيس التدين بمقياس الطقوس لا الحرية الفردية "البروتستانتية" و "العلوية في الإسلام ـ نسبة إلى الإمام علي".
يضيف المسيري إلى ما سبق بالقول:
"و نظرا لانشغاله بتراثه و حضارته، لا يندفع جلال أمين نحو العولمة و النظام العالمي الجديد و عالم المادة الذي لا يعرف الخصوصية أو القيم. فيحذّر من أن الفكرة القومية نفسها قد أخذ مضمونها في الغرب يميل أكثر فأكثر إلى التركيز على المزايا الاقتصادية التي يمكن أن تتحقق من تكوين سوق مشتركة، و من ثمّ زاد الميل إلى التضحية بالخصائص القومية لكل أمة إذا كان في ذلك نفع اقتصادي، فالعنصر المطلق هنا ليس القومية و إنما المنفعة المادّيّة". ـ المصدر السابق ص 117
إن القومية نفسها كمفهوم مرّت بأطوار متعددة و بمراحل مختلفة من تطور الحضارة الحديثة، فكلمة Nationalism التي تترجمها القواميس بمعنى "وطنية" تختلف كليا في اللغة العربية حينما نتحدث عن "الأمة القومية"، خصوصا في الخطاب القومي العربي ـ حزب البعث و الناصريون نموذجا ـ الذي يبدو بوضوح لا يقبل الشك و كأنه ترجمة حرفية لبرامج الفكر السياسي النّازي الذي يقوم على فكرة "الدّم النقي"، و هنا تتراوح الفكرة القومية بين أن تكون مرادفا لكلمة وطنية أو أن تكون بمعنى العنصرية العرقية و بالتالي فإن أي حديث عن "الخصوصيات القومية" لا يعدو كونه سوى مقدمة للفكر العنصري أو بتعبير آخر خلق نوع من الوهم و الخيال بأن شعبا من الشعوب يمتلك خصوصيات و اختلافات معينة عن الشعوب الأخرى ـ كاختلاف الشمبانزي عن الغوريلا ـ تعطي قئة معينة من الناس المتنفذين أو النخبة الحق في وضع العوائق و الحدود بين هذا الشعب أو هذه القومية و القوميات الأخرى و بذرائع شتى كالحفاظ على الهوية و الخصائص القومية، و في اعتقادي أن تحريم الزواج المختلط في اليهودية أو الإسلام يمتلكان جذورا قائمة على هذه العقلية، و هنا لا نجد أي معنى للخصوصية القومية إلا أنها تعني حرفيا "العنصرية" مغلفة بوعظ إنساني فارغ من أي حقيقة فعلية، فالخصوصيا القومية واقعا تكون معرضة للزوال حينما تنكمش و تنغلق على نفسها و تتحول إلى ما يشبه الكراهية و العدوانية، و لكن الانفتاح و التعاون و البناء و التواصل مع الآخرين هو الذي يمنح الخصوصية القومية ـ إن اعترفنا بها ـ الفرصة في تطوير خصائصها اللغوية و الجنسية العرقية، مثالا على ذلك نجد أن الشعوب التي تتزاوج من شعوب أخرى تمتلك بنية أقوى من الشعوب المنغلقة و التي تضيِّق الزواج حتى يصبح أسير عوائل و قبائل صغيرة، و لو لا التحريم الديني لتحول إلى العائلة نفسها، و من هنا نجد أن القومية كبنية للدولة كانت ذات أهمية في مرحلة تاريخية معينة و انتفت الحاجة إلى الدولة القومية في ظل تطور البشرية نحو إزالة الحدود و الفروقات، فخلال القرن 18 و 19 كانت الهيمنة لإمبراطوريات متعددة الانتماءات كبريطانيا و الإمبراطورية العثمانية و إمبراطورية النمسا الهابسبورغية و روسيا القيصرية تحت حكم آل رومانوف، و لكن و في بدايات القرن العشرين تفجرت القضية القومية و راح كل شعب يبحث عن الدولة المنسجمة "عرقيا" كهروب من الدولة القلقة و التي تتفاوت فيها الوطنية بسبب الاختلافات العرقية و الثقافية، و لكن هذا التوجه أثبت فشله فعليا و انتهى العالم إلى نقيضين هما الدولة القومية العنصرية و التي تقسم أبناءها إلى صنفين "مواطنون أُصلاء ذوو دم نقي" و "خونة دماؤهم ملوثة"، و بالمقابل كانت الشيوعية الأممية التي ألغت القومية لكنها أيضا قسمت الناس إلى صنفين مواطنون أصلاء موالون لحكم الشعب "البروليتاريا" و آخرون "خونة" هم من الإقطاعيين أو الملاك و البرجوازية الصاعدة، لكن لا المسيري و لا جلال أمين تعرضا لنقد الشيوعية ـ فهي على مادّيتها تكره النظام الغربي الرأسمالي و هذا كاف لعدم نقدها ـ و انتهت القومية في أوروبا بنهاية النازية و اندحار هتلر، و بالتالي أدرك الأوروبيون أن الاختلاف في العرق و الثقافة ينبغي أن يصبح عامل اتحاد و تعارف لا عامل حرب و كراهية و إبادة، بينما يريد المسيري و جلال أمين إلغاء هذه التنازلات باسم "الخصوصية القومية" التي أهلكت أوروبا، فالإنسان في عصرنا الحديث تجاوز الانتماء العصبي ـ و الانتماء في الدولة القومية أسوأ حتى من الانتماء إلى القبيلة التي تقبل الدخالة و الولاء أحيانا كثيرة ـ و هو ما سيحطم "الوحدة العربية المزعومة" و كل الولاءات القومية العربية و غير العربية في المنطقة، و العراق الآن في طريقه إلى إذابة الهوية القومية لا بإلغائها و إنما استيعابها في عقد اجتماعي عراقي ـ و العراق هنا ليس عربيا بهذا المعنى ـ و سنرى أن هذه الرؤية القومية هي التي تتحكم بنقد المسيري و جلال أمين للعلمانية و للغرب، يقول المسيري موضحا المزيد من مواقف جلال أمين:
"و هو يبين كيف تغلغلت هذه المقولات الغربية (التي هي ثمرة حتمية للرؤية المادية) في الفكر القومي العربي، و كيف حققت النماذج التكنوقراطية و الكمّية هيمنة على هذا الفكر تدريجا، فتم على سبيل المثال علمنة المواجهة مع إسرائيل، ((فقضية إسرائيل كانت دائما بالنسبة لنا قضية قومية، و ليست قضية اقتصادية أو فنية، كانت قضية إسرائيل بالنسبة لنا و حتى وقت قريب جدا، فقضية طرد شعب لشعب آخر من أرضه، و تهديد مستمر لاستقلال إرادتنا السياسية..." العلمانية تحت المجهر ص 117
و هكذا نجد أن القومية كأيديولوجية صراع تستحوذ على ركن أساسي من هذا النقد الضبابي و المشوش للعلمانية، فإسرائيل و إن كانت دولة تحمي اليهود إلا أنها دولة علمانية و العلمانية تمثل لإسرائيل مشكلة لا حلا، فالتطبيع و السلام قد لا يخدمان إسرائيل كدولة متميزة عن دول المنطقة و إذا كان المسيري و جلال أمين يعتقدان أن مجرد "الصراع" كفيل بحل أي خلاف فهما مخطئان بالتأكيد، فكلما تصارعت دول المنطقة مع إسرائيل و رفض الحلول الوسط زادت إسرائيل تركيزا على هويتها اليهودية، و لا عجب أن غفلة و غباء العقل القومي العربي ـ و غير العربي ـ تصل إلى حد أن يطالبوا بطرد مئات الملايين من المهاجرين في القارة الأمريكية لإعادتها إلىبضعة قبائل "هندية"، و هكذا فإن وهم الانتماء إلى "الأرض = التراب" هو وهم تم تجاوزه، بل إن هذا الوهم يشبه عقلية الحيوانات المفترسة التي كثيرا ما تتقاتل في سبيل "مناطق نفوذ" و من أجل التزاوج.
ثم ينتقل المسيري إلى مسألة أخرى مشابهة ص 118 عن الوحدة العربية التي "تمت علمنتها" حسب رأيه و مختزلا فشل محاولات التوحيد في الزعم أنه قد تم تحويلها إلى مسألة سياسية، و كأن المسألة هي قضية "بروتوكولية" تتعلق بجمع تواقيع، متناسيا أن النظام العربي يقوم على الدكتاتورية و هيمنة الثقافة الواحدة و هو ما يكفل إفشال أي محاولة لإلغاء الحدود، و هو الأمر الذي تحقق في أوروبا الحديثة التي تجاوزت كل الدجل الذي كان يروجه القوميون حول "تمايز" differentiation شعب عن آخر على أساس العرق أو الثقافة و أن هناك وحدة أوروبية متكاملة ـ رغم اختلافاتها و تنوعاتها القومية ـ مقابل انقسام عربي و إسلامي رغم المشتركات اللغوية و الدينية و الثقافية، ذلك أن أوروبا حررت الإنسان من كل التبريرات التافهة التي كانت عائقا أمام حريته مقابل عالم إسلامي يهيمن عليه أكثر من طرف دكتاتوري و أكثر من تبرير لقمع الإنسان و تقييده، و كثيرا ما يكون "الصراع العربي ـ الإسرائيلي" من أكبر التبريرات التي تحكم دول المنطقة، مع أن إسرائيل لم تعش حالة الدكتاتورية و التبرير رغم خوضها كل تلك الحروب في المنطقة و هي تستوحي قوتها من حرية مواطنيها.
أخيرا يقول المسيري بعد عرضه لأقكار جلال أمين:
"و في تصوري أن جلال أمين قدّم تعريفا مركبا للعلمانية، لأنه لم يقبع داخل الدائرة الجزئية، و لم يحبس نفسه داخل التعريفات الضيقة التي اتسع نطاق الواقع دونها، بل نظر نظرة شاملة للعلمانية، و تعامل مع الظواهر الاجتماعية العلمانية المختلفة، و مع أثر العلمانية في مجالات الحياة كافة." ـ العلمانية تحت المجهر ص 119
و كما رأينا فيما سبق من نقد و تحليل فإن جلال أمين، كما المسيري و غيره، لم يقم بتقديم بديل واقعي و عملي للعلمانية "السلبية حسب رأيهم" التي لم تواجه لحد الآن منافسا فعليا على الساحة و لكن المسيري يصر على أن العلمانية ذات مستويين: الأول جزئي "إجرائي" كما يعبر عنه و الثاني شامل بحيث يقوم بالرد على جميع الأسئلة الكبيرة، و لكن هذا التقسيم كما قلنا شكلي و يتجاهل الواقع، فالإلحادية التي أرادت فرض رؤيتها الشاملة ـ الماركسية مثالا ـ و عبر القوة و الإكراه هي تبدو لنا علمانية و لكنها في الحقيقة دين مُقنع بقناع العقل و بالتالي اضطهدت أساسا من أساسيات العلمانية و هو (حرية الفكر و الضمير).
يصف المسيري العلمانية الجزئية بالقول:
"هي رؤية جزئية للواقع (إجرائية) لا تتعامل مع أبعاده الكلية و النهائية (المعرفية)، و من ثم لا تتسم بالشمول، و تذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة و ربما الاقتصاد، و ربما بعض الجوانب الأخرى من الحياة العامة، و هو ما يعبر عنه أحيانا بعبارة ((فصل الدين عن الدولة)). و مثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت بشأن المجالات الأخرى من الحياة، كما أنها لا تنكر بالضرورة وجود مطلقات و كلّيّات أخلاقية و إنسانية و ربما دينية، أو وجود ماورائيات و ميتافيزيقا، و لذا لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية، كما أنها رؤية محددة للإنسان، فهي قد تراه إنسانا طبيعيا/ ماديا في بعض جوانب من حياته (رقعة الحياة العامة) و حسب.." ـ المصدر السابق ص 119 ـ 120
ملاحظتي المهمة حول هذا الطرح هو أن هناك ضبابية في الفصل بين هذين النوعين "المزعومين" من العلمانية، فكون العلمانية تقوم كخطوة أولى بفصل الدّيني (المطلق) عن السياسي (النسبي) هو خطوة أساسية حتمية لأي نظام يقوم على منع التبرير الديني "القداسة" التي يحاول البعض عبرها الوصول و الاستحواذ على الحكم و السلطة، و لكن هذه العلمانية ـ المزعوم كونها جزئية ـ تنتهي بالضرورة إلى نشوء الأفكار المتعددة و أي محاولة لقيام نظام علماني مع الإبقاء على حظر نوع من الأفكار و أنماط اللباس و منع كتب أو عقائد معينة لا يمكن له إلا أن يشوه الواقع أشد التشويه و تحويل العلمانية إلى مجرد شعار فارغ من أي حقيقة واقعية، و أظن أن المسيري قام بهذا النوع من التحليل "اللفظي و ليس الفكري" كنوع من الحل الوسط و إبقاء ما يشبه "شعرة معاوية" بينه و بين النظام العربي و الإسلامي السائد في المنطقة، هذا النظام الذي يبقي على "قشر أو غلاف" ذي مظهر علماني بينما الواقع يشير إلى النقيض و هو أن هناك أيديولوجية دينية ـ متطرفة ـ تهيمن على الساحة الفكرية و المجتمعية تحت شعار الحفاظ على الهوية و المقدسات، و هكذا فإن المجالات التي حسبها المسيري تابعة للعلمانية الجزئية (كفصل الدين عن السياسة و الاقتصاد و مجالات أخرى!!) هو داخل بالفعل فيما يسميه العلمانية الشاملة، فعدا السياسة و الاقتصاد لا يبقى هناك الكثير للإنسان ليسرح و يمرح فيه، كما أن الإبقاء على مجالات معينة من الحياة غير معلمنة لا يعني مكسبا للإنسان بقدر ما يعني هيمنة المتطرفين و الإسلام الأرثودوكسي السلفي عليه، إن العلمانية هي واحدة و غير قابلة للقسمة، فهي إما أن تكون ملـكا لكل الشعب و إما تصبح ظلما حقيقيا فيكون لزاما على المواطنين و الفقراء الإلتزام بنوع معين من الدين و الفكر و أنماط العيش بينما بالمقابل يعيش السياسي و صاحب النفوذ حياة مختلفة كليا عن تلك التي يعيشها المحكومون و هو ما ينتهي بالانقسام و التناشز الاجتماعي و تناقض القيم الخلقية.
في مقابل ما سبق يصف المسيري العلمانية الشاملة بالقول أنها:
"رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي (كلّي و نهائي) تحاول و بكل صرامة تحديد علاقة الدين و المطلقات و الماورائيات (الميتافيزيقية) بكل مجالات الحياة، و هي رؤية عقلانية مادية، تدور في إطار المرجعية الكامنة و الواحدية المادية، التي ترى أن مركز الكون كامن فيه، غير مفارق أو متجاوز له، و أن العالم بأسره مكون أساسا من مادة واحدة، ليست لها أية قداسة و لا تحوي أية أسرار، و في حالة حركة دائمة لا غاية لها و لا هدف، و لا تكترث بالخصوصيات أو التفرد أو المطلقات أو الثوابت، هذه المادة تشكل كلا من الإنسان و الطبيعة، و من ثم فالعلمانية الشاملة رؤية واحدية طبيعية مادية تصفي الثنائيات فتلغي الحيز الإنساني تماما.." ـ المصدر السابق ص 120 ـ 121
إن هذه الرؤية الموصوفة بالشاملة ليست أيديولوجيا يتم فرضها من أعلى، و إن كانت قد طبقت بالفعل في ظل أنظمة كالماركسية و الكمالية ـ مرحلة مؤقتة من التاريخ التركي الحديث ـ و في ظل أنظمة عربية "تعمل بشكل انتقائي بمعنى أنها تفرض أنجدة دينيّة حينما تتناقض مصلحتها مع العلمانية و تفرض العلمانية حينما يناقض الدين مصالحها"، لكن هناك ما هو خفي في مضمون الكلام الذي يطرحه المسيري، ففي ظل الأنظمة العلمانية الحديثة يكون من واجب الدولة توفير حس إخلاقي و وعي و حس واقعي يحمي الإنسان من أن يتم استعباده تحت عناوين دينية أو غيبية، فالملاحظ في المجتمعات المسلمة أنها تعيش حالة من اللا واقعية و فقدان التوازن و الحسّ الواقعي بسبب اختلاط الديني لا بالسياسي فحسب و إنما على كافة المستويات الاجتماعية و النفسية و حيث يتم تفسير كل شيء تفسيرا غيبيا تبريريا فتتحول الهزائم و الفشل و الكوارث إلى مجرد "عقوبات" إلهية بسبب العصيان و آثام المجتمع و ينجو المسؤولون عن تلك الكوارث من أي تبعة قانونية أو أخلاقية، و أذكر أن صدام حسين حينما كان يحكم العراق كان ينسب كل المكارم و الإنجازات إلى نفسه و بالمقابل ينسب الكوارث و الآلام و الهزائم إلى الله و إرادته و إلى القدر متملصا من أي خطأ، و هذا الأمر أصبح سمة واضحة للنظام العربي و الإسلامي و بات لازما تغييره تجاه العلمنة ـ نستطيع أن نتلمّس العقل التركي العملي و الواقعي و الذي تم بفضل العلمانية ـ و الشمولية المزعومة هنا تقوم على انتقائية فكرية من حيث اختيار نسق من الأفكار محدد يتعلق بالفكر النازي أو بعض النظريات المادية العبثية و من ثم تعميمها على مجمل النتاج الفكري العلماني أو المنتج في ظل العلمانية و حرية الضمير، و هذا يشبه ما يقوم به بعض المستشرقين حينما يختارون نماذج من النتاج السلفي و الإسلام الأرثودوكسي و من ثم يقومون بتعميمها بحيث يتم تصوير الإسلام على أنه هو هذا الدين السلفي التقليدي الجاف و الذي لا يتقبل أي ثنائية أو مشاركة.
إن كون المادة لا تحوي إلا قوانين المادة لا يتناقض مع الإيمان بقدر ما ينم عن تطهير الإيمان الديني و الغيبي من نواقص المادة و تناقضاتها، فعن المادة ـ كونها متحولة و متغيرة ـ ينتج الشر و النقص و القبيح، و المسيري حتما سيرفض نسبة النقص و الشر إلى الله الذي لا يعمل إلا ما هو جميل و كامل، بل إن المسيري لم يكلف نفسه عناء الإجابة عن ذلك السر و تلك القداسة الكامنة وراء المادة نفسها، فما هو العجيب و المخفي وراء قانون الجاذبية مثلا؟ و إذا عرفنا السر الذي يكمن وراء المادة فإنه في تلك الحالة لا يعود سرا أو أمرا مخفيا، و هكذا فإن الحديث عن سمة عبثية للعلمانية هو مجرد تحامل عاطفي و حكم مسبق بالإعدام على فكرة غيرت العالم و أخرجت البشرية من الظلمات إلى النور و طورت العقل البشري بحيث أن كل حديثنا عن الحضارة و العقل و التطور له صلة عضوية بالتنوير و العلمنة، فالحديث عن كمون العقل الغربي داخل العلمانية هو تهرب من الواقع الذي يظهر لنا بما لا يقبل الشك أن أفكار و مفاهيم الحرية و الديمقراطية و حقوق الإنسان لم تعد حكرا على الغربيين و أن هذه الأفكار و إن كانت انطلقت من الغرب إلا أنها تقوم على فكر و حس إنساني يتجاوز العرق و الدين و الجنس ليشمل البشرية بأسرها.
يقول المسيري:
"و يمكن القول: إن العلمنة هي ((الترشيد المادي)) أي إعادة صياغة الواقع المادي و الإنساني في إطار نموذج الطبيعة/ المادة بالشكل الذي يحقق التقدم المادي (و حسب)، مع استبعاد كل الاعتبارات الدينية و الأخلاقية و الإنسانية، و كل العناصر الكيفية و المركبة و الغامضة و المحفوفة بالأسرار" ـ العلمانية تحت المجهر ص 122
العلمانية ـ و نحن نستثني الماركسية الدكتاتورية من المعادلة العلمانية لكونها إكراها و جبرا ـ لا تلغي دور الدين و البعد الروحي للإنسان، بالأحرى هي تخلق معادلة قائمة على تجنب تسلط أحدهما على الآخر، قارن بين ما عاناه المتدينون في ظل الاتحاد السوفيتي و في ظل الحكم الشيوعي الصيني و كوبا و بين معاناة اللبراليين و الإلحاديين و حتى أصحاب الإيمان المختلف عن عقيدة الدولة في أنظمة السعودية و طالبان و إيران ولاية الفقيه (تذكرني كلمة مرشد أعلى و هو أعلى سلطة غير منتخبة في إيران بكلام فرعون و قوله أنا ربّكم الأعلى) و لا ننسى طبعا بابوية القرون الوسطى و محاكم التفتيش و حرق الهراطقة، سنجد أن الاضطهاد بسبب الفكرة و العقيدة هو السمة المشتركة لكل هذه الأنظمة الاستبدادية، و النظام العلماني يرد ببساطة على كل الأسئلة الكبيرة بالقول أن "تطوير الحياة و الجوانب الروحية للإنسان ليست من وظائف و شؤون الدولة" بل هو ملك شخصي قابل لأن يحتكره كل إنسان لنفسه، و من هنا فإن العلمانية لا تملك جوابا على أسئلة فلسفية بقدر ما تضع نفسها موضع المهتم بالجانب الدنيوي من الإنسان و هو ذلك الجانب الذي يشترك فيه كل الناس على مختلف عقائدهم و أديانهم و مواقفهم الفكرية، لأن ما يسميه المسيري نفسه ب"قدسية المادة" و كون هذه المادة "محفوفة بالأسرار" هو بحد ذاته أمرٌ محفوف بالغموض و تتعلق به أجوبة متعددة للقضية ذاتها مما يدلل على حتمية العلمانية كموقف محايد من غموض الإنسان و مقولة أن العلمانية تنتهي إلى المادية الشاملة هو تجاوز لحقيقة العلمانية التي هي صيغة حكم و منهج حياة ـ بمعنى تعدد الآراء و المعتقدات ـ حيث يسود في ظلها التسامح و الحرية و تقبُّل الآخر.
إن المادية العدمية هي موقف شخصي ديني، بدليل أن هناك من كان يجادل الأنبياء، و نبي الإسلام من ضمنهم، بأن هذا العالم مادّي بحت و أنه لا حياة بعد الموت، كالآية: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} المؤمنون 116 و جدال الإمام جعفر الصادق مع هذا النوع من المفكرين معروف في كتب الأخبار ـ أنظر أصول الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني ـ بالتالي فإن المسيري كان مدركا لحقيقة أن الميتافيزقيا الدينية متعددة الأجوبة و النظريات و أحيانا تتناقض بشكل صارخ و غير قابل للتلاؤم أو المساومة و من خلال هذا الإدراك قام المسيري بحصر الدين أو ما هو متجاوز في إطار "الإله الواحد المنزه عن الطبيعة و التاريخ" ليقتصر التنظير كله و ينحصر في عقيدة معينة ـ هي في نظري أقرب ما يكون إلى العقيدة السلفية الجافة التي لا تقبل أي آخر ـ و بالتالي يتحول سؤال العلمانية من "هل هناك حياة بعد الموت"؟ ليصبح السؤال المطروح "هل من حياة قبل الموت"؟ فالعلمانية تجد مهمتها الواقعية و الفعلية في صناعة الحياة في هذا العالم و ليس في عالم آخر، خصوصا و أن هناك من الأديان (المسيحية مثلا) من يقول بالبعث الروحي دون الجسماني، بالتالي فليس من وظائف عالمنا المادي التعامل مع الخلاص الشخصي إلا بشكل شخصي.
يقول عبد الوهاب المسيري:
"و الإنسان الطبيعي/ المادي ليس فيه من الإنسان سوى الاسم، فهو إنسان لا يتحرك في الحيز الإنساني و إنما في الحيز الطبيعي، فمرجعيته النهائية مرجعية مادية كامنة، و هو إنسان يتم اختزاله إلى بعد واحد (البعد المادي)، و يتحول في كليته إلى ظاهرة علمية مادية قابلة للملاحظة و التجريب، شأنه شأن أي ظاهرة طبيعية أخرى.." ـ العلمانية تحت المجهر ص 123
كون الإنسان جزءا من الطبيعة هو من المسلمات العقلية و البديهية التي سبقت ظهور العلمانية كمنهج و تنظير، فالإنسان في جانبه الأكثر وضوحا و واقعية يمتلك مقومات الحيوان من غريزة و جسم و تغذية، غير أن الإنسان و لكي يدرك أفضليته على سائر المخلوقات ينبغي له أن يكسر كل الحدود التي تعيق عقله و تطور إدراكه للواقع و الوجود سواء كان هذا النظر المثالي اللا واقعي مثالية فلسفية أو عقيدة دينية تقليدية، الإنسان قبل أن يكون كائنا مفكرا هو كائن غريزي و لديه ردود أفعال أكثر قوة حيال الشعور بالجوع أو الخوف و كم من الرغبات غير معروف، بالتالي لا يملك الإنسان طوال تاريخه على الأرض من اليقين القطعي إلا أنه هو ككائن طبيعي و الجوانب الروحية للإنسان لا علاقة لها البتة بنظامه الحياتي الاجتماعي إلا على مستوى الاختيار الشخصي المحض، و الأديان السماوية تجمع على أن العقل و القلب هو مصدر الإيمان و الاقتناع و بدون الاختيار الحر ـ و الذي يتجسد في النظام العلماني ـ لا مكان للدين في حياة الإنسان، و إذا كان المظهر الديني خداعا بحيث يظن المسيري و غيره أن الدين لا يتجسد إلا في الطقوس و اللحية الطويلة و ما إلى ذلك من المظاهر فإن هذا خاطيء بالتأكيد و كان رفض الغربيين لهيمنة الدين على الحياة ردّ فعل بسبب المتدينيين الذين حولوا الدين من مسألة قناعة إلى ما يشبه الانتماء إلى حزب من الأحزاب الفاشية، و فكرة الفرقة الناجية لدى المسلمين هي تجسيد حي لهذا الطرح، إذ تعتقد كل فرقة أنها وحدها ستدخل الجنة بينما يرمى الباقون في النار، و تأويل العقلانية الواقعية بحيث تصبح "واحدية مادية ـ حسب المسيري" يشبه مسألة الفرقة الناجية بحيث يسهل على كل طرف أن يؤول النص بحيث يكون في صفه، النظرية المادية كما يؤلها المسيري لها تداعيات على الأرض ذات صيغة مدمرة و لكننا نشاهد العكس على كل المستويات، فالدول الغربية "العلمانية" استطاعت أن تتجاوز عصور الصراعات الدينية و من ثم القومية لتبقى الفكرة الإنسانية الأكثر قدسية، كما أن نظرية "حوسلة الإنسان ـ تحويل الإنسان إلى وسيلة حسب المسيري" لا تعكس على أرض الواقع ما يفترض أن يكون "صراعا مصيريا" في البقاء على القاعدة الداروينية في أن البقاء للأصلح، بينما نجد المسيري بالمقابل يتعامى و يتجاهل كليا أعظم منتج للحضارة الغربية ـ و إن كان الغرب استفاد جزئيا من حضارات أخرى ـ و هو الديمقراطية الشاملة القائمة على انتخاب الحكومة من المواطنين البالغين و المؤهلين عقليا، و لو لا هذا المنتج الأفضل ـ رغم سلبياته ـ لكان وضع البشرية أسوأ مما هو بكثير.
و هنا فإن المسيري يربط اختفاء الإنسان في المادة و وصفه بأنه شيء من الأشياء في الفلسفة الغربية، يربطه بنظرية غربية أخرى هي "وحدة العلوم " و حسب هذه النظرية يصبح الإنسان قابلا لأن يكون عرضة للمراقبة و الملاحظة و التجريب، و السؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا هو: ما هو التصرف العقلاني المناسب لتجاوز حقيقة أن الإنسان و طوال قرون يكتشف و عبر التجربة المتكررة حقائق عن وجوده كإنسان؟ بل إن الإنسان "الفرد" و منذ نعومة أظفاره يبدأ إدراك محيطه عبر التجربة المتكررة و التكرار يصبح شعورا متدفقا بالإحساس بالواقع و أن هناك في الوجود أشياء لذيذة و أخرى جميلة و قبيحة و مخيفة و خطرة و ممتعة، و سنجد و بشكل واقعي و هو ما يؤيده النص المقدس أيضا "القرآن" بأن الإنسان يولد كالصفحة البيضاء التي ليس عليها أي أثر للكتابة، و الآية { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} النحل 78 هو خير إشارة إلى هذا المبدأ، فالعقل لا يملك أحكاما منطقية جاهزة موجودة ذاتيا فيه، فالمنطق الاجتماعي أو إطلاق الأحكام الاجتماعية هي أحكام يستعيرها الإنسان من مجتمعه و يضفي عليها صفة البديهة و الواقع اليقيني بفعل التكرار، هناك مجتمعات تكررانتاج أفراد يؤمنون بقيمها ـ بحكم الولادة لا بالقناعة ـ و هو ما يستمر لأجيال طويلة، و كلما انعزل المجتمع و انعدمت سبل التواصل مع المجتمعات الأخرى ذات القيم و المقاييس المختلفة عن قيمه كلما ازداد هذا المجتمع إقبالا على التصديق اللا عقلاني الأسطوري للنص المقدس و للمنتج التراثي الذي يسحب على نفسه صفة التقديس، فشرح النص المقدس يصبح مقدسا و شرح الشرح كذلك، بالتالي فإن الخروج من هذا القالب التقليدي إلى الواقعية الموضوعية التي تتيح للعقل فرصة استقراء النص الديني كما يستقريء الواقع ليس رفضا للدين بقدر ما هو فصل الوعي الديني و تأطيره في إطار فلسفي عقلاني عن ذلك التصديق الأسطوري و الذي يجر رداء القدسية ليشمل الملقي و المتلقي في آن واحد خالقا بذلك وهما من التعالي على المخالفين.
هنا نجد إشكاليات العالم الإسلامي و أزمة هذا العقل الذي ينظر إلى كل ما غربي و حداثوي و لبرالي على أنه "مؤامرة غربية لتحطيم دين الإسلام" و خطاب المسيري لا يختلف قط عن هذا الخطاب الديني المغلق و إن تمّ تغليفه بصيغ "عقلانية" بينما هو في صميمه تبريري تسطيحي و مبعثر بمعنى أنه لا يملك الترابط المنطقي الذي يوصل بين العلة و المعلول، فنحن بكل بساطة حضارة عظيمة و سامية و أخلاقية و ما إلى ذلك و كل عيوبنا هي نتاج "الغرب الاستعماري الإمبريالي"!! و بالتالي يقع اللوم كله على الغرب و كل مناهجه العقلية الإيمانية و الإلحادية على حد سواء، فما هي الغاية من وجود الدين إذا كان هذا الدين نفسه يوصلنا إلى ذات العدمية التي يخيفنا منها المسيري و غيره ككارثة حتمية لتبني الفكر الغربي العلماني في منظومتنا الأخلاقية و السياسية، و القول بأن النظرية الغربية تنظر إلى عالمنا هذا على أنه "سوق كبير و مادة استعمالية" تفتيت و تجزئة للصورة الواقعية و تجاوز لإدراك الوجود كما هو إلى إدراك وهمي خيالي دونكيشوتي.
يقول المسيري:
"و الهدف المقصود (و غير المقصود) من عملية الاختزال هذه، هو تقويض كل الأبعاد المركبة للواقع (بما في ذلك الحيز الإنساني)، حتى يمكن توظيف (حوسلة) كل من الواقع المادي و الإنساني بكفاءة عالية على مستوى العالم، إلى أن يتحقق حلم اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية (و نهاية التاريخ) حين يتم برمجة كل شيء و التحكم في كل شيء، بما في ذلك الإنسان نفسه، ظاهره و باطنه." ـ المصدر السابق ص 124
كل مصطلح من هذه المصطلحات، الواقع، المادة، الإنسان، التكنولوجيا.. إلخ تحتاج إلى إعادة تعريف لكي ندرك تناقض الإشكالات المطروحة مسيرياً ـ نسبة إلى المسيري ـ فالواقع ليس إلا نقيضا للإنسان حسب المسيري لكون هذا الأخير يمتلك حيزا آخر غير مادي، و نحن لا نعرف حدود أو مستويات هذا الجانب الروحي، أبعاد الواقع و مهما تنوعت و تعقدت فإنها تبقى في إطار الواقع الملموس عدا كونها تستكشف من قبل الوعي الإنساني، كالعلوم الاجتماعية و علم النفس، فقد كانت ردود الفعل موجودة و ستبقى كذلك و لكن لم يكن الإنسان قد انتبه لها، و عدم تنبه الإنسان لها لا ينفي وجودها و إنما كان يعني عدم إدراكنا و وعينا لشبكة العلاقات و التعقيدات التي تحكم الوجود البشري، و من هذا المنطلق ندرك أن الإنسان هو جزء من القوانين الطبيعية و كثيرا ما يقوم بردود فعل طبيعية على ما يرد إليه من محيطه و لكن نتائج ردود الفعل تصبح أكثر تطورا حينما ينمو الوعي و الإدراك فلا تكون ردود الفعل أوتوماتيكية ـ كالقوانين النيوتونية التي تتحكم بالأجسام و الفعل و ردود الفعل ـ بل عقلانية تتجاوز التوقعات، و كون الإنسان يصبح وسيلة للإنسان هو استنتاج غير منطقي في صيغة منطقية عقلانية كون الإنسان سيبقى "طالما هو موجود" بحاجة إلى الإنسان الآخر الذي يضفي مشروعية على كل نوع من العلاقات كنوع من الشرعنة لكل حالة وجود، فالزواج في بعض المجتمعات هو أقرب إلى العبودية منه إلى العلاقة و التعاقد العاطفي و لكن قيم ذلك المجتمع تجعل الأفراد يتقبلون هذا النمط من العلاقات، فإذا كانت الحوسلة تعني إخراج العواطف و المشاعر الإنسانية من العلاقات الاجتماعية فإن المجتمعات اللا علمانية (الدينية مثلا) تخلق نوعا من العلاقات ذات الأحكام المسبقة، كالزواج بين عروسين فيما يسمى بالزيجات المخطط لها من دون سابق تعارف بين طرفي العقد، فالإنسان يبقى وسيلة للإنسان و إن كان الأمر يتم في كثير من الأحيان بمظهر من الرضا و ينتهي المسيري إلى أن "العلمانية الشاملة و الإمبريالية صنوان" و نحن بدورنا نتساءل: ما هو الفارق أصلا بين العلمانية الجزئية و الشاملة إذا كانت الأولى أصلا هي المنتجة للثانية ؟ بمعنى أن العلمانية الشاملة ـ أُفضل تسميتها بالمادية الإلحادية ـ ليست سوى منتجا للفكر الحر، و لكن المسيري يحاول خلق نوعين من العلمانية أحدهما يتلائم نسبيا مع المنظومة الشرقية ـ العربية و الإسلامية تحديدا ـ و آخر سلبي لا يتلائم حتى مع ذاته المنتجة "الغرب"، و قد مر بنا كيف أن العلمانية المقبولة لدى المسيري هي أقرب إلى الانتقائية و الترجيح بدون مرجح، فهي تشبه العدمية الغربية القائمة على جعل الإنسان شيئا من الأشياء.
إن مقولة أن الغرب بدأ مشروعه بالنزعة الإنسانية التي تجعل الإنسان مركز الكون (مقابل تهميش الإله) و أن هذه النزعة انتهت بأن جعلت الإنسان يختفي بجعله شيئا من الأشياء، هذه المقولة المسيرية لا نتاج واقعي لها إلا صورة مقلوبة، ففي بدايات القرن العشرين و حتى أواخر القرن الماضي، كان الصراع على أشده في العالم الغربي بين صيغ ثلاث لتفسير الوجود الإنسي و علاقات أفراده، الصيغة الأولى كانت الاشتراكية القومية "متمثلة في النازية" و "الفاشية" و كان قد تم القضاء عليها تقريبا في نهاية الحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945 ليبقى في الساحة نموذجان: الأول كان الماركسي الشيوعي الأممي و الذي كان ينظر إلى الإنسان باعتباره كائنا مثاليا و أن قوانين المادة جامدة و حتمية و بالتالي لا دور للأفراد في حركة الديالكتيك ـ التطور في التناقض ـ و أن الطبقة العاملة يجب أن تقود التطور المادي عبر دكتاتورية البروليتاريا أو الطبقة العاملة. و كان المعسكر الثاني الذي وقف في وجه المعسكر السوفيتي هو الديمقراطية اللبرالية التي تؤمن أكثر بدور الفرد في صناعة التاريخ و ذلك لأنها بالفعل أنظمة قائمة على التصويت و انتخاب أفراد الشعب لكل مفاصل الحكم و الدولة و بالتالي لا حتميات تاريخية إذا ما أدرك الإنسان بالفعل قدرته على الإبداع، و بالفعل كان لمخترعات العصر الحديث بدءا من الطاقة البخارية إلى الكهرباء و وصولا إلى الطاقة النووية التأثير الأكبر في تغيير مسارات التاريخ البشري و بالفعل فإن فكرة الحرية استطاعت تجاوز التنظير الاقتصادي لحركة التاريخ التي تقوم عليها الفلسفة الماركسية، و لكننا سنجد المسيري يعلل انهيار المنظومة الاشتراكية بأسباب و علل مادية و اقتصادية بحتة بشكل يناقض الواقع الملموس، فسواء نظّر الغربيون لهذا العالم بالنظرية المادية أو لم يفعلوا فإن هناك "قوانين" و "عللا" سرية تتحكم بالواقع و الوجود الإنساني في هذا العالم ـ حسب المسيري طبعا ـ و لكن هذه النظرية تسقط عبر أبسط عملية نقدية و هو ما سيعني أن الإنسان هو صانع القيم (هذا ما نستنتجه من خلاصة الفلسفة المسيرية إذا قمنا بقليل من التأمل) فالغربي تتحكم به قوانين مادية بحتة فقط لأن الغربي هو الذي يفسر الأشياء تفسيرا ماديا ـ الأصح أن نقول سببيا و عقلانية عبر التفكير في التأثير الفعلي على الأشياء ـ و أن الشرقي تتحكم به أحكام و منطق روحي فقط لأنه هو يفسر الأشياء تفسيرا روحيا دون أن يعني ذلك وجودا فعليا للروح أو نفي الروح في الوقت نفسه!! فهل الإنسان صانع قيمه ـ بمعنى أنها أوهام لا حقيقة ـ و إذا كان الإنسان يدخل هذه الإشكالية فهل هناك من إرادة مسبقة حكمت على العناصر الغربية أن تصنع لنفسها قيما من نمط معين و كذلك للشرقي و سائر التنوعات البشرية؟ بدلا من أن نتيه كل هذا التيه في طرح سؤال: ماهية القيم؟ الأحرى بنا كبشر أن ننظر إلى مدى انعكاسها إيجابيا على أرض الواقع، بل إن القرآن نفسه يطرح الإيمان الديني بصيغة كونه "تجارة ـ شيء مفيد" في الآية : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الصف 10 ـ 11 فكون المنظومة العلمانية تعايش أحيانا أزمات ضمير و عقل و مجتمع فذلك لا يعني عدم أهليتها كمنظومة قيمية، فالإنسان في المنظور الديني نفسه خلق ضعيفا و هذا الضعف يعني وجوب محاولته التغلب على هذا الضعف و الجانب المظلم من الإنسان، و فرض القيم بالقوة لا فرض القيم اختيارا ـ كون هذه القيم تمتلك جمالا ذاتيا كجمال فكرة الحرية مثلا ـ ينتهي بخلق مجتمع مادي سلبي مغلف بالفضيلة و الأخلاق و باطنه الشره و النهم و احتقار القيم ـ لأنها أمر واقع لا أكثر ـ و من هنا ينشأ التناشز الاجتماعي، و نقطة مهمة هنا تتعلق بتجاهل المسيري للمجتمعات الشرقية و كأنها خارج الزمن و خارج التاريخ و قوانينه الضرورية.
يضيف المسيري إلى ما سبق في وصفه ما يسميه "العلمانية الشاملة" بالقول:
"و لذا، بدلا من مركزية الإنسان في الكون تظهر مركزية الإنسان الأبيض (أو الأصفر أو البني... إلخ) في الكون، و بدلا من الدفاع عن الجنس البشري بأسره يتم الدفاع عن مصالح الجنس الأبيض، و بدلا من ثنائية الإنسان الطبيعة/ المادة، و تأكيد أسبقية الأول على الثاني، تظهر ثنائية الإنسان الأبيض في مقابل الطبيعة/المادة و بقية البشر الآخرين (الذين يصبحون جزءا لا يتجزأ منها) و تأكيد أسبقيته و أفضليته عليهم، و بدلا من الاحتكام للقيم الإنسانية تستخدم القوة، و يصبح هم الإنسان الأبيض هو غزو الطبيعة المادية و البشرية و حوسلتها و توظيفها لحسابه و استغلالها بكل ما أوتي من إرادة و قوة". العلمانية تحت المجهر ص 125
اختار المسيري طورا من أطوار الحضارة الغربية و مرحلة من مراحل و تشكل من تشكلات الحضارة الغربية ليقوم بتعميمها و تصويرها و كأنها "المظهر الشامل و الكلي" لهذه الحضارة، ففي طور من أطوار صعود أي حضارة من الحضارات ينشأ نوع من الإعجاب بالذات و كون هذه "الأنا ـ الجماعية" تعيش فترة من الذهول و الفرح و الاعتزاز بالذات يشبه اعتزاز البدوي بنفسه و بقومه، و ليست هناك حضارة مستثناة من هذه الصفة ـ حسب علمي على الأقل ـ التي تنعكس كصفة ذميمة و لكنها طبيعية كنتيجة لتطور الوعي البشري، فقد نظر الغربيون خلال القرون 17، 18، 19، و حتى نهاية الحرب العالمية الثانية إلى أنفسهم كجنس و عرق ممتاز تنتظره مهمة هداية الشعوب الأخرى إلى العقل و العلم و التطور (أنظر كتاب: دروس من التاريخ تأليف ول و آرييل ديورانت ص 65 ـ 66 ترجمة علي شلش)، و هو ذات الشعور الذي ساد ـ و لا زال قائما بين المتدينين خصوصا ـ في العالم الإسلامي حينما كانت الإمبراطورية الإسلامية تتوسع.
إن النزعة الإنسانية السائدة في الحضارة الغربية تكاد تكون هي السمة الغالبة الكلية في الحضارة الغربية بدليل أن أوروبا شهدت ذلك الانقسام الحاد في حربين عالميتين بين عقلية "العرق النقي" و "الأنسنة" و انتهت بانتصار الأخيرة، و هو ما نشهده الآن واقعا في البلدان الغربية من اتساع و تنامي معدلات الهجرة من الأعراق البشرية السامية و السوداء إلى تلك البلدان إلى حد راح اليمين المتطرف في تلك البلدان يشكك في بقاء العرق الأبيض في البلدان الغربية، و لكن المسيري قام بتعميم مناف للواقع تجاه وصف الغرب بالعنصرية و أتسائل لو كان حيا الآن ماذا كان ليقول عن تبؤ باراك حسين أوباما لرئاسة الولايات المتحدة؟ و لكنني لا أحسب أن جوابه كان ليكون مختلفا عن ذلك المتفلسف القومي العربي الذي قال: إن أوباما يفكر بعقلية المستعمر الأبيض و إن كان شكله أسودا.."!! فهذا العقل التبريري لا التحليلي لا يمكن أن يقتنع بأي معادلة إذا لم تتلائم مع أحكامه المنطقية المسبقة، فالغرب سيبقى في نظر هؤلاء "عالم العرق الأبيض الإمبريالي الإستعماري" طالما أن هذا الغرب ـ و هذا من حقه الطبيعي بكل المقاييس ـ يمتلك نظرية كاملة و منظومة أخلاقية و سياسية قائمة على الديمقراطية و الحرية و الأنسنة، و هذه الأفكار تتناقض مع جملة أنماط سائدة في الشرق الأوسط، الأول: المناهج القومية العربية و غير العربية التي تقوم على وهم "الهوية" و "الخصوصية" لتنتهي إلى التنظير لنظرية البطل المنقذ و القائد التاريخي و هذه النظرية تستمد كثيرا من مبرراتها و شرعنتها من النظرية الثانية "الدّينية" و التي تكرر باستمرار ممجوج سير الفتوحات "الإسلامية"!! و حوليات الأبطال كخالد بن الوليد و صلاح الدين الأيوبي، بمعنى أن هذه الثقافة المريضة تخلق نوعا من عبادة القوة فيكون الله أو الإرادة الإلهية مع (المنتصر) دون (المهزوم) و يتم تعظيم الشخصيات ـ حتى على المستوى الديني ـ اعتمادا على مدى العنف أو القوة التي مارسها ذلك الشخص، ففي مجتمعات السنة كان التقديس على الدوام يدور حول شخصيات الزهاد و الصالحين كرابعة العدوية و إبراهيم بن أدهم و بشر الحافي و غيرهم، و لكن تنامي النزعة القومية في المنطقة وجه المتدينين إلى البحث عن الأبطال لا عن المفكرين و بذلك تحول التدين "لدى السنة ـ و للفكر الشيعي آليات أخرى سنناقشها لاحقا" من البحث عن قوة الرمز إلى البحث عن رمز للقوة.
النمط الثالث المؤثر في الشرق الأوسط هو "الماركسية الشيوعية"، فالكارثة في الشرق الأوسط كانت أن كل هذا التراث من الكراهية و الصراع مع الغرب "الروماني ـ الصليبي ـ اليهودي" أضيف إليه كم هائل آخر من التنظير الماركسي حول "الرأسمالية الشريرة" و "ذم الإمبريالية و الإستعمار" و "فساد الديمقراطية" و ما إلى ذلك. و رغم أن الماركسية هي التي رفعت شعار و رمز "العقلنة و التنوير على أساس المادة" نجد المسيري لا يشير إلى هذه الفلسفة ـ و طوال ما يقارب الـ 2000 التي قرأتها له ـ بأي شكل من أشكال النقد، اللهم إلا بشكل خجول و سطحي، و الجدير أيضا بالملاحظة أن المسيري نفسه صرح بأنه "كــان" من المؤمنين بالفكر الماركسي "كان ذلك في لقاء خاص في برنامج زيارة خاصة على قناة الجزيرة القطرية"، و قد قام بالفعل بتجميع الأنماط الثلاث من التبرير "القومية ـ الدينية ـ الماركسية" للهجوم على الغرب و وصم كل ما هو غربي بأنه "عنصري ـ انتهازي ـ متآمر"، و هو ما تسبب في إخراج هذا الفكر المليء بالتناقض و التبرير على أساس عاطفي.
و نحن هنا لن نقوم بتتبع كل طروحات المسيري و الرد عليها لأن ذلك سيكون مضيعة و هدرا لوقت القاريء و لأن المسيري يقوم بمجرد تكرار و تطويل بشكل متعمد لكل ما ناقشناه سابقا، و لكننا هنا سنناقش كل نقطة جديرة بذلك.
يصف المسيري العلمانية (الشاملة ـ يعني الغربية) بالقول ـ كما في العلمانية تحت المجهر ص 125 ـ بأن العلمانية الشاملة "هي النظرية" و أن "الإمبريالية هي التطبيق"، و أن هذه الإمبريالية "التوسع" أخذت شكلين ـ داخلي أوروبي و آخر عالمي ـ و كما هي عادته فإنه حينما يتحدث عن المنجز العلماني في الغرب لا يذكر الديمقراطية إلا كذكره لاسم بضاعة من البضائع التافهة دون أن يذكر أن من أجمل و أحسن منجزات العلمانية في الغرب و في العالم هي الديمقراطية و لا معنى هنا لشمولية العلمانية ما دامت الديمقراطية تحترم رجل الدين و حريته في ممارسته الأخلاقية و الفكرية و الاجتماعية بينما نجد أن صفة "العلمانية الشاملة" تتطابق كليا مع الأنظمة الماركسية ـ خصوصا النموذج الروسي السوفيتي و الصيني ـ هذه الأنظمة التي هدمت المعابد ـ على اختلاف انتمائها الديني ـ و قتلت أحيانا لمجرد الشك في إيمان شخص بالله ـ و تجاوزها المسيري بشكل مجحف للحقيقة أو ربما كرها بأمريكا و بالنظم الديمقراطية الغربية. الإمبريالية تزامنت مع تنامي نظريات التفوق العرقي ـ انسجم أكثرها مع هيجل ـ و أن لهذا التوسع هدف هو تطوير العالم "العــــــقلنة"، لكن الإمبريالية بدأت تتفتت مع انتهاء ألمانيا و اليابان خلال الحرب الكونية الثانية حيث كانت كلا الدولتين تريان في العالم "مادة استعمالية ـ حسب تعبير المسيري" بينما اتجهت أمريكا و بريطانيا إلى إنهاء النظام الإستعماري القديم و الاستعاضة عنه بأنظمة فدرالية و أخرى كونفدرالية كما هو الحال في النظام الفدرالي الأمريكي و الكومنولث البريطاني الذي يضم اتحادا من مجموعة دول مستقلة تتحد في صلاحيات معينة، و ظاهرة النظام الفدرالي في المنظومة السياسية الغربية على ضخامتها و أهميتها لا نجد لها ذكرا لدى المسيري أو جلال أمين لأنها تتناقض و مفهوم الدولة القومية (السائد الآن في العالم العربي و الإسلامي) و كان من الممكن تطبيق الفدرالية في عراق ما بعد البعث و صدّام لولا أنها تشوهت بفعل أحزاب قومية أرادت إقامة ولايات أو إقليم على أساس عرقي شوفيني و هو ما أصاب المشروع الفدرالي في مقتل و منعه من النضوج.
و في النهاية ـ في هذا المجال طبعا ـ يخلص المسيري إلى القول:
"و في تصوّرنا أن أفضل طريقة لتناول قضية العلمانية و العلمنة هي قضية المرجعية (كائنة أم متجاوزة)، فالعلمانية (الشاملة) قد لا تكون إلحادية أو معادية للإنسان على مستوى القول و النموذج المعلن (فهي قد لا تنكر وجود الخالق، أو مركزية الإنسان في الكـون، أو القيم المطلقة، الإنسانية أو الأخلاقية أو الدينية، بشكل صريح و مباشر)، و لكنها على المستوى النموذجي الفعال و مستوى المرجعية النهائية، تستبعد الإله، و أية مطلقات، من عملية الحصول على المعرفة، و من عملية صياغة المنظومات الأخلاقية، كما تستبعد الإنسان من مركز الكون بشراسة و بحدة و تنكر عليه مركزيته و حريته." ـ المصدر السابق ص 126 ـ 127
إن قضية مرجعية المادة و اختصاصها بالله أو قيامها بحد ذاتها تبقى مسألة فكرية بحتة لا يفهمها إلا خواص المفكرين و بالتالي ليست مسألة مبسطة "كتعليمات النظافة أو العمل" بحيث يمكن توجيه عامة الناس نحوها، و إذا كنا سندخل التعليمات الإلهية و الدينية إلى الحياة العامة؟ فعن أي إله و أي دين نتحدث و عن أي منهج حياة؟ فالأديان و كما سبق و ناقشنا تطرح أجوبة مختلفة و متباينة و ربما يعكس كلّ واحد منها جانبا من الحقيقة، فالعلمانية ليست ذات وجهين يكون أولها خطابا أو كما يقول هو: على مستوى القول.."!! و أن هناك وجها آخر يسميه "النموذج الفعال"، فالواقع أن العلمانية الليبرالية ترفض التدخل قطعا في مسألة الضمير الديني و تحديدا ترفض أي محاولة من الدولة الإجابة على السؤال الكبير: هل الله موجود؟ ـ على سبيل المثال ـ لا بالسلب و لا بالإيجاب. و لكن النظام العلماني الأمريكي أكثر محافظة من ذلك الأوروبي فنجد النظام الأمريكي الرسمي يحظ على الإيمان بالله ـ دون تحديد ماهيته هل هو مسيحي أم إسلامي أو أي شيء آخر ـ و كمثال نجد الدولار الأمريكي يحمل عبارة "We trust in God" ـ نحن نثق بالله ـ و التي تشير ضمنيا أن هذه العلمانية تأسست على "الإيمان بإله التسامح"، بينما يقول المسيري أن هذه العلمانية في "النموذج الفعال"!! تنكر وجود الإله و المطلقات (ضمن عملية الحصول على المعرفة) و السؤال المهم الذي ينبغي مناقشته هنا يتعلق بهذه العبارة الفضفاضة المطاطة و الواسعة التي تستوعب مجموعة من التأويلات، فعملية الحصول على المعرفة حق مكفول لكل إنسان و لا يحق لأي جهة أو سلطة منع الإنسان من الحصول عليها، بشرط أن لا تكون هذه العملية البحثية على حساب إنسان آخر أو تؤذي المجتمع أو مجموعة من الناس، و نحن نستثني الفكرة من قضية الإيذاء هذه، فكثيرا ما قام المسلمون و في أكثر من مكان في العالم برفض نشر كتاب أو صدرت فتاوى قتل ـ كفتوى قتل سلمان رشدي مؤلف رواية آيات شيطانية أو بحق أكبر كنجي الكاتب الإيراني أو قضية نصر حامد أبو زيد و قبله اغتيال المفكر الكبير فرج فودة ـ فالفكرة لا تواجه إلا بمثيلتها و بوسائل التعبير السلمية التي لا تنتهي إلى الإيذاء الجسدي أو المادي، فطوال قرون كانت فكرة الإله أو الإيمان أو المقدس ترفع شعارا لمنع كاتب أو مفكر أو حتى معارض من إبداء رأيه، و أود هنا أن أستذكر مثالين في تاريخ الإسلام، غيلان الدمشقي الذي أنكر القدر بمعنى نسبة أعمالهم الشريرة إلى الله فحكم عليه بنو أمية بالقتل بتهمة الزندقة و الحدث الثاني إعدام المنصور الحلاج في بدايات القرن الرابع الهجري في عهد بني العباس و بفتوى الفقهاء، و هكذا فإن اتخاذ الله و المطلقات و اليقينيات حجة لإيقاف العقل البشري عن الإبداع يجب أن يتوقف و كمثال على ذلك نجد الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي و في كتابه "كبرى اليقينات الكونية" يتنقل من اليقين بوجود الله و هذا العالم لينتهي بالدفاع عن مستبد كهارون الرشيد و هو ما يدل قطعا على ضحالة هذا التدين الفارغ و ربط الديني (المطلق المقدّس) بالسياسي (النسبي المدنـّس) و لصالح هذا الأخير.
و الزعم أن العلمانية في الدول الغربية الديمقراطية ـ و التي وصمها المسيري بالشاملة بمعنى أنها إلحادية و هو ما يناقض الواقع إذ تبنى الإتحاد السوفيتي هذا النمط ـ تستبعد الإنسان من مركز الكون "بشراسة" و أنها تنكر عليه "مركزيته و حريته" زعم لا ينهض عليه دليل و ينافي الواقع، ففي نقيض العلمانية (الدولة الثيولوجية الدينية و القومية ذات التبرير الديني) نجد أن الإنسان موجود بالفعل في المركز على المستوى التنظيري و الوعظي و لكن في النموذج الفعال ـ دعونا نستخدم ذات التعبير المسيري ـ يدخل كل شيء ضمن شرعية الاحتكار تحت عنوان كون المقدّس وحده النص الإبداعي القادر على إنتاج المعاني و الرموز و على المستوى الثاني تحتكر جهة واحدة و عبر تفسير واحد (تفسير سني أو شيعي) كل مقومات السلطة و صناعة القيم و تطويرها (بما لا يناقض السلطة) و حتى لو تلازم التفسيران و استطاعا التعايش على أرض الواقع ـ و هو ما لم يتحقق ـ يبقيان سدّا في أن يتحول النص المقدس (بالأخص القرآني) إلى أداة يحتويها العقل ليخرج منها بنمط مختلف من الترميز الذي يتناسب و حاجة الإنسان إلى التغيير بمعية و دعم من المقدس، فهذه التفاسير و الأنماط و الشروط المسبقة التي تتحكم بالنص تتناقض و صلاحيته لكل عصر كونه قد تجمد في عصر معين و في ظرف تاريخي فرض شروطه القسرية و الإرهابية على النص بحيث لم يعد يصلح إلا لذلك الظرف، و بالتالي تمّ ربط الإنسان ربطا قسريا بالماضي ـ و تحديدا بفئة تحكمت في نقل صورة من الماضي ـ و ليصبح المسلم بمعزل عن إبداع الماضي (الذي كان وسم بالزندقة و الإلحاد من قبل السلطةالسلفية السنية و الشيعية في العصور اللاحقة) و إبداع الحاضر الموصل إلى المستقبل (الذي يوسم بتهم مماثلة)، و هكذا فإن الإنسان حرّ على المستوى الشكلي ـ كما في النظرية الإسلامية الشيعية ـ و لا يمتلك أي حرية مطلقا لا شكلا و لا مضمونا في الفكر السياسي الإسلامي السنّي حيث يصبح الإنسان ضحية عبث السلطة و رجال الدين و الطبقة المترفة تحت تبريرات شتى من شريعة و قضاء و قدر إلهي ـ يتم بأمر الحاكم بأمر الله !! ـ و إذا كان نظام "الولي الفقيه" القائم على حكم "السلطان الفقيه" يشهد شيئا فشيئا نوعا من الإنهيار فإن أنظمة الحكم السنية ثابتة في الهيمنة على مجتمعات جامدة و تقليدية، و عبر نقدنا لهذه النماذج المناقضة للنموذج العلماني ندرك أن الإنسان في المنظومة العلمانية الديمقراطية ـ يحرص المسيري على إخفاء هذه الكلمة ـ يقف في المركز نظريا و عمليا، فهو و إن تساوى مع سائر الوجودات في كونه شيئا موجودا إلا أنه و حتى عبر القانون الطبيعي يمتاز بصفات لا تشاركه فيه المخلوقات الأخرى، و عمليا يمنح النظام الانتخابي و عبر تنظيم الحريات حسّا من الخلق لدى كلّ فرد و مواطن و لهذا السبب نجد أن كل انتخابات حرة في الدول الديمقراطية هي مهرجان للتعبير عن الآراء الفردية و الجماعية على حدّ سواء و ليست مجرد تجمع "جماهيري" على هيئة قطعان كما في الأنظمة ذات الديمقراطيات الصورية (الأنظمة الماركسية، نظام الجمهورية الإسلامية، الأنظمة القومية)، و هكذا تتجسد حرية الفرد و الجماعات بشكل واضح.
*******

ناقشنا فيما سبق تعريف العلمانية من خلال نقد موجه إلى نقد المسيري للمنظومة العلمانية و الحداثية، و قد رأينا كيف أن الهوى و العاطفة و الأحكام المسبقة و خلط تجليات جملة من الظواهر بأخرى و الانتقائية و التعميم يغلب هذا النقد المدعو "علميا"، و بالطبع فإن هذا المنطق يجد لنفسه رواجا في الشرق الأوسط بسبب النمط العاطفي السائد في المنظومة الفكرية للعالم الإسلامي و لأن الأنظمة المستبدة تريد استمرار هذا الجمود الفكري و المنغلق في التعامل مع الحضارة العالمية، بل إنه منكفيء على الذات بشكل يثير الاضطراب و التشضي حتى مع ذاته و موروثه الحضاري، و الذي غاب عن العقل النقدي إلى اليوم، بتواطؤ من أكثرية المستشرقين الذين يكررون في أسلوب سمج و تقليدي و أحيانا تعظيمي ـ مع استثناءات هنا و هناك ـ قراءة العقلية الإسلامية بنفس المنطق التقليدي الديني الذي يكرره المسلمون طوال قرون و إطلاق أحكام قطعية بشأن العلاقة بين الإسلام (كمنظومة تراثية منوعة) و العلمانية (كمنظومة فلسفية تنسجم و كافة المجتمعات مع لمسة من الاختلافات الشكلية)، فالإسلام السياسي و الذي انطلقت بوادره خلال القرن الماضي كمنافس للأيديولوجيات القومية و الشيوعية يردد على الدوام مقولات و فرضيات أن العلمانيةهي نتاج مسيحي يهودي لأن هذين الدينين ـ حسب هذا الزعم ـ يناقضان العقلانية و الواقعية و أن الإسلام عقلاني ـ بمعنى أنه يحمل نمطا من الواقعية بعيدا عن الاحتمالاتية ـ و بالتالي فهو ليس ضد العقل و لا يمتلك كهنوتا دينيا ـ بالمعنى المسيحي و اليهودي ـ ليقف ضد إبداعات العقل و نتاجاته و هو كنتيجة دين و حياة و يرتبط بالإنسان مرورا بهذا العالم إلى العالم الآخر و ما بعد الموت، و هذه مغالطات واضحة، غير أن الشيعة و لأن رجال الدين في المذاهب الشيعية (جعفرية و اسماعيلية) لا يرتبطون بالسلطة و يمثلون نخبة اجتماعية، يمتلكون قابلية أقوى للعلمنة و إن لم تتحقق إلى الآن إلى بدايات هذا التحول الكبير و المهم الذي سيؤثر على مجمل التحول الفكري الإسلامي.
ينتقل المسيري بعد نقاشه المطول لتعريف العلمانيّة إلى مناقشة بعض مما يسميه بـ"إشكاليات" العلمانية، يفرق أولا بين متتالية إفتراضية "مثالية" للعلمانية و المتتالية المتحققة "المتعينة" على أرض الواقع، و هنا يحاول المسيري البدء بنقد ما يشبه "التفاؤل المفرط" الذي روجه العلمانيون و أن هؤلاء المنظرين للعلمانية لم ينتبهوا إلى سلبياتها، و المسيري يتجاهل إنسانية هذا المشروع و أن النقص الحاصل فيه هو نقص منسجم مع طبيعة الإنسان الذي يستفيد، و هذه الصفة الأساسية لتاريخ الإنسان، من أخطاءه و تجاربه، رغم ذلك يقر المسيري ـ على مضض ـ بإيجابيات العلمانية بالقول:
"و بالفعل لا بدّ من القول: أن النموذج المعرفي العلماني الشامل نموذج حقق قدرا لا بأس به من السعادة للإنسان، فهو نموذج حركي استبعد المرجعية المتجاوزة و الغيب و التركيب و غير المحسوس و المبهم، و تبنى مرجعية مادية كامنة، و تفاعل مع الملموس و المحسوس و الواضح البسيط، و لذا أمكنه تطوير أدوات و نماذج (في معظمها مادية كمية) زادت بالفعل من معرفة الإنسان و من درجة تحكمه في الواقع (المادي)، كما أنه ألقى الضوء على جوانب معينة من النفس البشرية (غرائزه و الأساس البيولوجي لبعض جوانب سلوكه و شخصيته) و عمّق من إدراكنا لها، و أثبت أن مقدرته التفسيرية لبعض جوانب الواقع الطبيعي و الإنساني مرتفعة ارتفاعا مدهشا، و أن مقدرته الترشيدية لهذه المجالات نفسها (أي إعادة صياغتها) مذهلة." ـ العلمانية تحت المجهر ص 128
إنه من الغبن حقا و من الظلم أن نحقر من المنجز العلماني و نحصره في ذلك الحيز الصغير من الواقع بحيث نجعل القضية كلها محصورة بالجوانب المادية و قضايا الإنتاج و الإستهلاك و الدعاية متجاهلين ذلك الجبل العملاق من الديمقراطية و حقوق الإنسان و حرية الضمير و الفكر و الإيمان، و هذا الكم الهائل من المنجزات ليس له أي نظير في أي منظومة قيمية، بل إن العلمانية نفسها هي حصيلة و فلسفة تمثل مقاصد الأديان كلها و التي تتمحور حول الإنسان كأقدس شيء في هذا العالم، و نحن هنا نعترض على المسيري في وصف العلمانية اللبرالية في الغرب بأنها (شاملة) لسبب بسيط هو أنها لم تقم بتجريد الإنسان من البعد الديني ـ على نقيض التجربة السوفيتية التي أغلقت الكنيسة و المسجد و المعبد ليحل مقر الحزب الشيوعي بديلا عنها ـ بل تركته ينشيء التجمعات و يملأ المكتبات بالكتب الدينية و تجارب روحية و اجتماعية و أعمال خيرية قل نظيرها، فالعلمانية لا تدعي أبدا أنها تجيب على الأسئلة الكلّية و الشاملة لأنها لو حاولت ذلك لانفكت أهم أساسياتها و هو توفير الموقف الحيادي الذي يتيح للناس التفكير الحر و التعرف على لغز وجودنا البشري دون التعرض للتهديد بالقتل أو التهميش كما هو حال المفكرين في كل البلدان التي تعادي العلمانية أو تقوم بتجزئة هذه العلمانية إلى نظام نفاقي يستغل اسم العلمانية لاضطهاد المعارضين المتدينين و يستغل الحسّ الديني تارة أخرى لاضطهاد المعارضين العلمانيين.
إن الإنسان في المنظومة العلمانية يحمل قيمة أساسية من كونه فردا و هو بشعوره بهذه الميزة سيكون بمقدوره بالتأكيد أن يتعامل مع مجتمعه محميا بدرع من الثقة القائمة على نظام متكامل من الحقوق و الضمانات الضريبية التي تتيح عبر تطبيقها بشكل صارم منع تكدس الثروة في بعض الأيدي مقابل آخرين يعيشون أسوأ حالات الفقر و العوز، هذه المنظومة لا تخلو من سلبيات طبعا، ككل منتج بشري، و لكن و كما يقال في الغرب: "فإن الديمقراطية هي أفضل الأنظمة السيئة". و لو أتيح للعلمانية نظام أفضل من الديمقراطية لأتيح بالفعل استيعابه و تطبيقه، و لأن النظام الديمقراطي حركي تغييري و لا يقبل الجمود أو بعبارة أخرى فإن كل شيء فيه متغير إلا نظام التغير ذاته، فإن هذا النظام يوصل المتدينين إلى أعلى السلطة ثم يأتي بالعلمانيين (حتى الملحدين) ليحلوا محلهم و العكس، و هو ما يعني بالفعل أن لا شيء سيطغى على الآخر، فلا الدين يضطهد خصومه و لا الإلحاد ـ الدين اللا إلهي ـ يضطهد الأديان، و هذا يتوفر في العلمانية اللبرالية، و هنا نؤكد مرة أخرى أننا نرفض وصف العلمانية بالجزئية أو الشاملة ـ كما يصفها المسيري ـ لأن العلمانية ترفض كل أنواع الاضطهاد العقلي أو الفكري، مع استثناء بعض القوانين التي تمنع أحزابا أو تنظيمات عنصرية ـ كالنازية في ألمانيا و البعث في العراق ـ أو طائفية إرهابية (مثل القاعدة و الهجرة و التكفير)، لكن رغم المنع يبقى للمنتمين لهذه التنظيمات حقوق إنسانية و حق الدفاع عن النفس في محاكمة عادلة.
و السؤال الديورانتي (نسبة إلى الباحث الأمريكي ول ديورانت) الذي نطرحه هنا هو: ما هو مقياس التقدم و التطور؟ و ما الفرق بين الشعوب المتطورة و المتخلفة؟ و المثير هنا أن الباحث جلال أمين ـ الذي ناقشنا بعض أطروحاته ذات النمط المسيري ـ يقول بأن التطور و التحديث و التقدم هو مجرد وهم لا أكثر إذ أن هذا التحديث هو مجرد "تغريب" و تحويل للهويات المحلية إلى النمط الأمريكي، لكن هذا مجرد حكم سطحي ساذج و مبسط للأمور، و طبيعي أن الشعوب المتخلفة تقلد على الدوام تلك الشعوب القوية و المتطورة، و هذا الأمر انطبق في فترة من الفترات على أوروبا حينما كانوا متأثرين بالحضارة الإسلامية من حيث المأكل و المشرب و الملبس و حتى في أنماط البناء و الهندسة، و إذا كان الغرب قد سبق العالم الإسلامي بما لا يقارن و بالتالي فرض صبغته الحضارية الخاصة لتتحول إلى صبغة لكل ما هو حضاري حديث، فلم تعد القبعات و البدلات و البناطيل و السيارات و المشروبات الغازية و الإنترنت و أنماط البناء حكرا على الغرب، بل أصبح الشرق نفسه غربا بالنسبة للعالم الإسلامي المنغلق، و هنا يقع اللوم ليس على الغرب ـ و أنا هنا أختلف حتى مع أستاذنا الكبير محمد أركون ـ بل غالبية اللوم يقع على حضارتنا التي استسلمت لمرحلة معينة من التاريخ دون أن تحبذ إيجاد أي نوع من التغيير، و هو ما يتناقض حتى مع فلسفة الدين الإسلامي نفسه أو جوهر الأطروحة القرآنية التي تذم التقليد و الركود { وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} الحديد 16 فالدين الإسلامي نفسه ذمّ حالة من حالات أهل الكتاب و التي تمثلت آنذاك بالتقليد، أما و أن أهل الكتاب أخذوا في نقد الذات و نظروا إلى تاريخانية النصوص المقدسة و أنها تتجاوز القوميات و الجماعات لتشمل الزمان و المكان في رحابة المعنى، و المفترض هنا هو أن يحصل ذات الشيء مع الإسلام و القرآن تحديدا كمكنة لصنع المعاني لندرك أن رحابة النص و مطاطيته تتطلب نظرة إلى أن المعنى لا بد و أن يأخذ طابعا نسبيا بفعل حاجة الواقع نفسه إلى النسبية.
هنا ندرك أن المقدرة المدهشة للعلمانية ـ و هذا تعبير المسيري نفسه ـ على التفسير و الوصول إلى الحوافز و الأسباب التي تقف وراء كثير من الظواهر المتعلقة بالإنسان كموجود هي التي تجعل العلمانية حاجة بشرية غير محصورة في مجتمع واحد، فكما أن مفاهيم الديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان و المساواة، تجاوزت الغرب لتصبح قيما عالمية إنسانية حالها حال المأكل و المشرب و الملبس و السكن و سائر ضرورات الحياة، و مقدرة العلمانية في ترشيد الحياة الإنسانية مذهلة كما يصفها المسيري، و إذا كانت هذه المنظومة الأخلاقية و العقلانية مفيدة و فعالة بهذا الشكل ـ و الواقع أن الفعالية التي تمتلكها العلمانية أكبر بكثير مما اجتزئه المسيري و وصفه الفعالية و المقدرة العلمانية مرغما ـ فلماذا راوح مكانه بين اعترافه بضرورة فصل الدين عن السلطة، و هي جزيئة من الكل العلماني، و بين نسبة كل الشرور و الكوارث إلى هذه العلمانية؟ الواضح أن هذا النقد استهدف بالدرجة الأولى ما يلي:
أولا: ذم الغرب و العالم الديمقراطي و نسبته إلى الاستعمار و الإمبريالية و الاستغلال.
ثانيا: إرضاء النظام القومي العربي و النعرة الإسلامية الشوفينية ـ الإسلام السياسي المؤدلج و ليس الدين الإسلامي بكافة انتماءاته المذهبية ـ في صياغة منظومة "خلطة" من النظم الدينية الثيوقراطية و النظم القومية العلمانية الشكل.
و ينتقل المسيري من طرح العلمانية كمفهوم و فكرة إلى مناقشة الواقع كنقيض لما يسميه التفاسير المادية الاختزالية، و كأن الواقع هو مركب مما هو أكثر من الأسباب المادية و قانون العلة و المعلول إلى قوانين الروح و السحر و تجاوز الواقع، و الإشكال المطروح هنا هو: إذا ما طرحنا عللا إضافية لواقع الإنسان تتجاوز قانون العلة و المعلول و الأسباب و المسببات، فأين يبدأ ذلك القانون و أين ينتهي؟ و متى يكون في الإمكان التفريق بين الدين و الخرافة في تأثيرهما على الواقع الإنساني؟ إن المسيري نفسه يرفض كلمة "خرافة" و أجزم أنه يضعها في مصاف الكذب و الأسطورة الخيالية، و لكن المسيري يلوذ بالصمت و يترك هذه المساحة دون نقاش لتصبح من ضمن اللا مفكر فيه ـ حسب تعبير أركون ـ و النتيجة أن هذا الفراغ يمتليء بالإرتجالية و الفوضى و أحكام من منطلقات رغبة و شهوة الحاكم.
يقول المسيري:
"و لكن الواقع ليس بسيطا، و خصوصا الواقع الإنساني، فهو يتحدى الصيغ التفسيرية الاختزالية المادية، أي أن المقدرة التفسيرية الترشيدية للنموذج العلماني الشامل قد تكون عالية حين يكون التعامل مع العالم المادي، أو مع الإنسان في جانبه المادي (جسده ـ أسباب بقاءه المادي ـ دوافعه الغريزية المباشرة ـ ظاهره...إلخ)، و لكنها تكون ضعيفة، بل تكاد تكون منعدمة، حينما يكون التعامل مع ما يميز الإنسان كإنسان (تطلعاته ـ أحلامه ـ آماله ـ إختياراته ـ باطنه ـ قيمه.. إلخ)، و في تصورنا أن هذه هي المشكلة الكبرى للعلمانية الشاملة، فهي لا تكتفي بتفسير بعض جوانب الواقع الإنساني تفسيرا ماديا (كما تفعل العلمانية الجزئية)، و إنما تصر على تفسيره كله، دون أية مهادنة، من خلال النماذج المادية، إنها خطيئة التبسيط و الإختزال و إنكار أية إمكانية إنسانية للتجاوز (و النبرة الجنائزية، و الإحتجاج العبثي في الأدب الحداثي، هي تعبير عن إدراك الإنسان لهذه الحقيقة)." ـ العلمانية تحت المجهر ص 128 ـ 129
تصبح النظريات شمولية ليس عبر محتواها المادي و إنما حينما يتم فرضها من أعلى، فالماركسية مثلا كانت فلسفة كسائر الفلسفات، بمعنى أنها لم تكن لتختلف عن كانط أو هيجل إلا في المحتوى الفلسفي و التنظيري، لكن هذه الفلسفة أصبحت شمولية حينما وضعت كأساس لبناء دولة عقائدية دوغمائية تطرح كل شيء باتجاه المادة ـ المادة من وجهة نظر ماركسية ـ و لأن الواقع الإنساني متغير أصبحت كلمات ماركس عصية على الفهم لتتكون مجموعة تحتكر حق إعطاء المعاني لتلك الكلمات، و كأنها بالفعل طبقة الكهنة أو الملالي و رجال الدين الذين يحتكرون النّص المقدس لصالحهم، و هكذا يوجه المسيري التهمة إلى الشخص الخاطيء الغير مذنب، فالغرب رغم اضطلاعه الكبير بالجانب الواقعي و المادي و توجيه المجتمع نحو الاستثمار و النظم الاقتصادية، إلا أن الدولة الغربية اللبرالية لا تفرض أي أجوبة أو وجهة نظر للحياة، و إنما تترك كل ذلك للناس و للأفراد حيث أنهم يمتلكون الحرية الكاملة في إنشاء نمط للعيش و التفكير و التنظير، غير أن الثابت في الغرب في كيان الدولة الحديثة هو "الفرد" و "الحرية" و "التعددية"، لهذا نجد أن الأقليات المهاجرة إلى الغرب من العالم الإسلامي خصوصا و العالم الثالث عموما تجد أن من الصعب عليها التأقلم مع متطلبات الحياة العصرية الحداثية كونها أقليات لا تزال تعيش في عقلية الأفكار التي يتمّ فرضها من أعلى و بطريقة الإملاء، و هذا النوع من القيم الجبرية لا يصلح إلا لبيئة تسودها الفوضى كبيئة القيم العشائرية حيث تحتاج القيم إلى سلطة تدعمها على نقيض الدولة الحديثة التي تدعمها القيم و تكون القوة فيها بحاجة ماسة إلى القيمة المعنوية التي تعطيها المبرر للعمل، لهذا نجد أن المسيري لا يقوى على نقد هذه المفاهيم الحداثية و إنما يبقى يدور في نقد مظاهر و مشاكل الحداثة دون امتلاك القدرة ـ ربّما لشعوره بالعجز ـ على نقد هذه الأصول و الأساسات، إنه بالأحرى ينتهج نهج رجال الدين الإيرانيين (الثوريين) الذين استعاروا كل المصطلحات الماركسية في نقد الغرب (الإستعماري الرأسمالي) ملبسين تلك المصطلحات "و هي مادية خالصة" جلبابا و رداءا من القداسة الدينية، إنه بالأحرى نقدٌ ماركسي متنكر في زي قدّيس.
إن المجال المعرض للنقد مسيريا يتعلق فقط بالجانب الاقتصادي و المادي من الحضارة الغربية و هو بالفعل داخل حصريا في هذا المجال لأن الباحثين و المفكرين المعرضين للنقد هم أناس مختصون بهذا الجانب، إنه كالذي ذهب إلى خبير في البيئة ليحاسبه عن سبب غياب الإله أو الله عن أطروحاته العلمية، و الجواب الطبيعي هنا سيكون أن هذا شأن لاهوتي بحت و لا علاقة له بأي شأن مادي، فكل العلماء اللاهوتيين و من مختلف انتماءاتهم الدينية و المذهبية، خصوصا الأديان السماوية أو المدعوة سماوية، تتفق على أن الله ليس أمرا أو شيئا ماديا بحيث يتم لنا أن نقيسه بالأمتار أو الباروميتر أو أي أدوات قياسية و لا كيفية أو نوعية ارتباطه بالإنسان و الطبيعة، فصحيح أن الآيات و الأحاديث تكاد تكون متواترة في ربط الطبيعة بالله إلا أن هذا الشأن سيبقى أمرا لاهوتيا بالفعل لأن الإنسان لا يكاد يفهم محيطه المادي فضلا عن ذلك الذي أوجد المادة أو يحركها ـ بالتعبير اللاهوتي ـ فالكون يبدو و كأنه سائر نحو غاية أو هدف إلا أن كينونة الكون و لأنها غامضة و تطرح بشأنها أجوبة تكاد تكون متناقضة كليا فإن الصيرورة نفسها تصبح خارج الوعي الإنساني و تكون مطروحة للتناقض السابق، و هذا لا يعني إلغاء الدين و الإيمان بقدر ما يعني ضرورة استيعاب التعدد الديني و الاستفادة من التعدد اللاهوتي، و ما دمنا هنا نتعامل مع الواقع الذي انتقد المسيري موقف العلمانية منه، فإن الواقع يبقى ماديا و حتى ذلك المجال الذي وصفه المسيري بأنه قابل لتجاوز الواقع ـ كتطلعات و أحلام و آمال الإنسان ـ يبقى مدروسا في إطار المادي أو الملموس لأن ما لا يدرك و لا يعرف لا يمكننا الحكم عليه أو التحكم به، فالوصول إلى الروح لا يتم إلا عبر الروح ـ التجربة الشخصية ـ نفسها، و إن كانت أفلام الخيال العلمي تصور الإنسان مستخدما لآلات في مواجهة الأرواح الشريرة، و هكذا فإن من الواضح و الجلي تماما أن هذا النقد مرتبك و عشوائي و غير مترابط أو عميق، بعبارة أخرى هو سطحي للغاية.
و إذا كانت هناك ثمة نتائج سلبية من العلمنة و التنوير فإن هذه السلبيات تعود إلى جهل الإنسان بمقومات الواقع و كوننا كبشر نصطدم ببعضنا البعض في إختلاف فكري و سياسي و دوغمائي إلى ما مستقبل لا ندري كيف ينتهي؟ و إذا كان البشر يصطدمون مع بعضهم البعض على الدوام، فإننا نرى أن النظم العلمانية اللبرالية و التي تتسم بالديمقراطية و تعدد الرأي و الصحافة الحرة، نجد أن هذه الدول منسجمة و متناغمة و متفاهمة مع بعضها البعض، غير أن المسيري يُصرّ على توجيه الاتهام إلى هذه المنظومة على أساس أن هذا الانسجام الأوروبي ـ الأمريكي (مثلا) هو لمصلحة "استعمارية"، لكن الانسجام المصلحي لا يكفي للوصول إلى هذه الدرجة العالية من التفاهم و التنسيق الدولي بدون أن يكون هناك درجة عالية من الوعي الشعبي و الثقافي في ظل نظام ديمقراطي تعددي، فقد انسجمت دولتان متناقضتان أثناء الحرب العالمية الثانية على أسس مصلحية، و هما ألمانيا النازية و الاتحاد السوفيتي، و لكن سرعان ما انتهت المصلحة السياسية ليحل محلها صراع "إبادة" أيديولوجي، بينما نجد أوروبا في ظل العلمانية الإنسانية ـ بعد أن تم تهميش الدور السياسي للدين و القومية ـ تعيش أفضل حالة استقرار شهدتها أي حضارة من الحضارات، فنحن المسلمون ـ و أرجو ملاحظة التنوع و الاختلاف الفكري و الاجتماعي لهذا العالم الإسلامي ـ نعاني على الدوام من إزدواجية المنطق، فنحن ننسب الأحداث إلى الواقع و مسبباتها و في لحظة أو في طرفة عين ننسب كل التراكم الواقعي إلى الله و القدر و هو ما يجعل المخيال و العقل الجمعي و الفردي يعاني من فوضى مريعة.
إن القيمة و المطلق و الخير و الشر ليسا معدمين في النظام العلماني كما يريدنا المسيري أن نظن، و حتى لغة الاحتجاج و السخط التي تملأ الأدب الغربي لا تعبر عن فراغ بقدر ما تعبر عن تساؤلات و استفهام عن ماهية الإنسان و وجوده، ففي الآداب التي كانت سائدة في العهد الديني ـ في الغرب المسيحي و العالم الإسلامي على حد سواء ـ نجد استقرارا نفسيا ذا مظهر خداع يخفي وراءه جمودا و تقليدا و عقلا أسطوريا، فالإنسان يمتلك صيرورة متحولة مرتبطة بكونه كائنا يمتلك خاصية التلقي و تغير القناعات و التصورات نحو مواقف جديدة و مبتكرة، و لكن الركود حتى في أكثر مراحل الحضارة تطورا ينتهي بكوارث و بتناقض الإنسان مع الواقع المستمر في التحول.
هنا يحاول المسيري الفصل القطعي بين العلمانية = المادية و بين القيم (الخير و الشر و ما إلى ذلك)، و لكي نفهمه نقتبس كلماته:
"و تشكل قضية القيمة و الغاية (و تعريف الخير و الشر) مشكلة أساسية في النموذج العلماني الشامل، فالافتراض العلماني الشامل الأساسي، أو القيمة الحاكمة أو المطلقة فيه، أو المسلمة العلمانية الشاملة النهائية (و لأنها مسلمة نهائية فهي لا تقبل النقاش، و لذا فهي شكل من أشكال الغيب)، تذهب إلى أن ثمة طبيعة (مادية) و إنسانا طبيعيا/ ماديا يخضعان لقانون طبيعي/ مادي عام، متغير بشكل دائم مثل حركة المادة، و من ثم لا يوجد شرّ متأصل في الإنسان، فالطبيعة/ المادة لا تعرف خيرا أو شرا، أو مقدسا أو مدنسا، و ما يسمى شرا إن هو إلا ظواهر مادية مصدرها مادي..". العلمانية تحت المجهر ص 130
كنت أتمنى لو كان المسيري حيا بيننا لنسأله هذا السؤال الملح عن ماهية الخير و الشر؟ فنحن نرى مقاييس مختلفة و أحكاما متفاوتة للخير و الشر، ليس من دين إلى آخر أو بين مذهب و آخر، بل و حتى من فرد إلى آخر، فالإنسان بطبعه يميل إلى تعريف الخير و الشر بما يتناسب و مصلحته الخاصة، و نادرا جدا ما نرى استثناءا لهذه القاعدة، فالنازية بدت لغالبية الألمان خيرا لأنها انتشلتهم من الفقر و البطالة و وجهتهم نحو استرداد "كرامتهم القومية"، و الألمان لم يدركوا أن النازية شر مستطير إلا عندما حولت بلدهم إلى رماد و دفنت ملايين الشباب الألمان في قبور الحرب الكونية، فالإنسان عموما كائن محب لذاته و مصلحة هذه الذات لها الأسبقية على كل القيم و المفاهيم.
بل إن مصطلحات "الخير و الشر" و "الحق و الباطل" و "الإيمان و الكفر" ذات مدلولات ضبابية و يسهل على كل جماعة استغلال هذه المفاهيم لمنافع خاصة بهم، و نستطيع أن نتخذ أي صراع تاريخي بين أي شعب أو فرقة أو مذهب و منافسيه مثالا على استخدام أيديولوجي لهذه المفاهيم، فكل شيء يقاس في العالم بمقياس منفعة الجماعة، فالعالم الإسلامي في عصر الفتوحات كان يعتبر احتلال أرض الغير و إرغامه على عقيدته خيرا و عملا حسنا و هداية "للكفار الضالين"، و أوروبا المسيحية كانت تستخدم ذات المنطق لإيقاف هذا التوسع بل و التوسع المعاكس، فهلا أخبرنا المسيري و جلال أمين في أي صف كان الله و الملائكة و السماوات؟ فكل طرف كان يزعم القدسية لنفسه، هذه المفاهيم يجب أن نكف عن النظر إليها حسب المقاييس القديمة، حيث يحاول كل طرف إثبات أن الإرادة الإلهية و الخير معه مستدلا بنصوص دينية و حتى "عقلية"، ينبغي استثمار هذه التعابير في تحرير الإنسان من الألم و البؤس و المرض و تطويره اجتماعيا و أخلاقيا، بينما يريدنا المسيري أن نستبدل الغاية المادية "الغيبية كما سماها" بغيب آخر، مثل استبدال جلاد بجلاد آخر، هذا بالإضافة إلى وهم العلمانية الشمولية التي نسبها إلى العلمانية اللبرالية.
إن الخير و الشر بدون وجود ملموس متعلق بالإنسان لا معنى له، فالإنسان كفرد هو كائن محايد و ليس خيّرا أو شريرا طالما أنه لم يقم بالفعل بما هو خير أو شر، و هنا فإن المسيري يوقع نفسه في إشكال يجعله قريبا من النظريات العرقية و العنصرية كالنازية و البعثية، فالانحراف الخلقي غالبا ما يكون نتاجا لوراثة أو بسبب بيئة اجتماعية أثّرت سلبا على هذا الفرد، فالإنسان فاعل و منفعل في آن واحد، و الخيرية و الشرية في الأشياء لا تتحقق في الأفعال أو المنجزات إلا بمقدار المنفعة أو الضرر الذي تحققه للآخرين، بل إن القرآن نفسه ككتاب مقدس يحوي هذا المفهوم {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} البقرة 164 { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} البقرة 219 { لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} النساء 11 فالمنفعة تشكل أساسا مهما ليس في القيم العلمانية الحديثة و حسب و إنما حتى في التقييم الديني للأشياء، فالعدالة نافعة و الظلم ضار و مدمر و لذلك يندفع الناس في الإعجاب بالقيم من حيث انعكاسها على الواقع الإنساني أو يرفضونها لانعكاساتها السلبية، و غالبا ما يندفع الناس في تبجيل فكرة أو نظرية من النظريات إلى أن تدخل في حيز التطبيق و التجريب المتكرر و يكون من الأسهل الحكم عليها حين دخولها عالم الواقع بعد أن كانت نظرية، و هذا ما حصل بالفعل مع الماركسية الشيوعية التي بدت جميلة كنظرية و لكن ما أن دخلت مجال التطبيق و الحكم و التأثير الفعلي على الأرض حتى بدت نظرية فاشلة و طوباوية و حتى شريرة، كذلك الأمر بالنسبة للنظريات القومية و الإسلام السياسي، فمثلا كانت نسبة المؤيدين لما يسمى بالحكم الإسلامي و الجمهورية الإسلامية عشية الثورة في إيران كبيرة جدا و لكن ما أن تحولت الفكرة إلى نظام حتى أخذ الرافضون لها يزدادون يوما بعد يوم.
لا يوجد هناك إنسان يولد خيّـرا أو شرّيرا، و إنما تتضامن عوامل اجتماعية و نفسية و وراثية لتحوله إلى دكتاتور أو مجرم أو تجعله مبتكرا و مبدعا أو فنانا أو عاملا في منظمة إنسانية، و لهذا نجد أن نسب الإبداع و الخلاقية و الجريمة و الفوضى تتفاوت من مجتمع إلى آخر، و لو كان الخير و الشر مغروسين بشكل مسبق في نفس الإنسان (الفرد) لفشلت الإحصاءات و النسب و المعدلات التي أصبحت برامج تنتجها المنظمات الدولية للتعرف على أحوال الدول و الشعوب، فالمجتمعات المغلقة و القائمة على الإكراه و الطبقية و الدكتاتورية و شن الحروب، ترتفع فيها نسب الجريمة و السطو و الأمراض الأخلاقية و الاجتماعية غير أنها لا تبدو ظاهرة للعيان لافتقار هذه البلدان إلى البرامج العلمية و الشفافية التي لا تتوفر إلا في ظل الأنظمة الديمقراطية التي لا تتعامل بالخطاب التبجيلي و تقديس الذات.
يقول المسيري:
"و لكن كيف يمكن الاتفاق على مضمون هذه الطبيعة /المادة؟ هل هي طبيعة تنتج مجموعة من القيم، أم أنها طبيعة محايدة لا تكترث بالقيمة، و لا تنتج سوى حركة دائرية متواترة؟ و لماذا يجب أن نعتبر تدمير العالم شرّا و تشجيره خيرا؟ و ما هو الأساس الفلسفي لهذا الإفتراض؟ لا يوجد في المادة ما يجعل التشجير أفضل من التدمير، و لا يمكن للعلم أن يزودنا بمنظومات تساعدنا على الإختيار بيتها فالمادة حركة بلا غاية، و هي تظهر و تختفي، و الذرات تصطدم بلا هدف و لا غاية، و الطبيعة تخلق أنواعا بالمصادفة، كما أنها تدمر أنواعا أخرى بالمصادفة أيضا." ـ العلمانية تحت المجهر ص 130 ـ 131
يكمن ضعف هذا النقد المسيري في استمراره على أساس الافتراض بأن العلمانية المطبقة في البلدان الغربية الديمقراطية ينطبق عليها تعريف (العلمانية الشاملة) و هو ما ليس بصحيح، فحتى في تلك الدول الغربية ذات المنظومات العقلانية فإن الجهات و المنظمات و المؤسسات القائمة على أسس دينية تقوم بالضغط على السلطات التشريعية و التنفيذية في إقرار قوانين مستمدة من القيم الدينية المحافظة كاعتراض كثير من الأمريكيين على زواج المثليين و الإجهاض، فحتى هؤلاء المتدينون المعترضون الذين لا يحتجون على ممارسات المثليين أو الإجهاض خارج القانون و إنما الإعتراف القانوني بهاتين الحالتين، هؤلاء المتدينون أنفسهم قد يبدون في نظر المسيري و كثير من العقليات التي تتواجد بكثرة في مجتمعاتنا المسلمة، يبدون كماديين أو ملحدين في حياتهم الواقعية، ذلك أن المنظومة الدّينية في الغرب تختلف الآن كليا عن منظومتنا التقليدية و المغلقة للعقل الدّيني، فهناك منظومة توائم بين الدين كمقدس و وحي يصنع القيم و بين الطبيعة التي تتلائم مع الدين، فالأساسيات التي تقوم عليها الأديان الثلاثة، اليهودية و المسيحية و الإسلام ـ عدم ذكرنا لأديان أخرى ليس مرده إلى عدم الاعتراف بها و إنما لدراسة العلاقة بين المسلمين و المسيحيين و اليهود ـ هذه الأساسيات تنسجم تماما مع سلامة المجتمع البشري و تطوره، فالقتل و الزنا ـ الخيانة الزوجية ـ و السرقة هي من الأمور التي تضر بالمجتمع، و لكن الفارق بين المجتمعات العلمانية الغربية و بين مجتمعنا المسلم و الذي يمكننا أن نرى المسيري كنموذج لرؤيته تجاه ذلك المجتمع الغربي، هو أن المجتمع الغربي يعطي لكل الناس الحق في غربلة و مناقشة القوانين و المفاهيم و أنماط الحياة و المباديء الدينية و الروحية من دون خوف، بل و التشكيك حتى في الثوابت الأخلاقية التي يكون منشأ كثير منها غير ديني أصلا، بينما المجتمعات المسلمة، و أنا هنا ملتزم بنظرية أركون في أن الفهم المغلق للدين ليس السبب الوحيد لهذا الانغلاق، تريد بناء إنسان (فرد) و مجتمع مثالي خيالي عبر إدخال منظومة "شكلية" و بعض من الوعظ الأخلاقي في منظومة الدولة و الحكم و القانون و المناهج التربوية، و هذا وهمٌ ساذج بل و غبي إلى أبعد الحدود، فالمسيري يريد هنا أن نشحن كتب الفيزياء و الرياضيات و الكيمياء و غيرها بالآيات و المواعظ و الرقائق و اللطائف الدينية و التي ستجعل الطالب و بمجرد تخرجه إنسانا ملائكيا كاملا حسب العقل التقليدي.
إن الطبيعة ليست عبثية كما يتوهم المسيري، و الفارق بين المؤمن بوجود خالق للطبيعة و المؤمن بجمال الطبيعة و قوانينها، هو أن الأول يسأل السؤال الكبير و المحيّر و العجيب : من خلق الطبيعة و وضع قوانينها؟ بينما الثاني يريد أن يتأمل الطبيعة كموجود لأنه لا يريد هنا أن يقوم بدور رجل الدين و الواعظ و إنما أن يدرس الطبيعة و قوانينها مذهولا و مأخوذا بعجائبها، و ربما يكون هذا العجب و الذهول نفسه نوعا من الإيمان و اليقين، بالتالي فإن النظرة التبسيطية إلى تأثير العلم الطبيعي على العلم الديني هو محاولة بائسة ـ تذكرني بمحاولات الوعاظ المعينين في أنظمتنا القمعية ـ في التشكيك في قيمة العلم الطبيعي و الحط من شأنه و تنمية العقل التقليدي عبر التشكيك بقوة و جدارة العقل الحديث الذي فتح الآفاق الواسعة أمام العقل و البحث العلمي، و من الخطأ هنا أن نحكم على العلوم الطبيعية بالمروق أو الإلحاد لمجرد أنها لا تريد أن تسلم بمسلماتنا العقلية و يقينياتنا الدينية، فكثيرا ما يقوم مجتمع ما بخلق مقدسات تزداد قوة كلما مر عليها الزمن دون تعرضها للنقد و البحث، فالعلم الحديث اكتشف أن كل شيء هو نسبي، و قد يأتي زمان تصبح فيها الأديان دينا واحدا بفعل التطور العقلي أو على الأقل تبدو هذه الأديان كمذاهب متعددة في دين أكبر.
إذا كان الوجود المادي عبثيا و لا غائيا إلى هذه الدرجة كما يصور لنا المسيري فإن تناقض الرؤى الدينية يخلق هو الآخر نوعا من العبثية و حق للناس أن يتسائلوا عن سبب تحول الدين إلى أداة و وسيلة بيد بني الإنسان لاضطهاد بعضهم بعضا، فمعلوم أن الدين و مهما امتلك من أسباب للتقديس و من تراث متماسك، فهو يصبح رهنا بالأوضاع الاجتماعية و السياسية و مستوى الثقافة و الاطلاع، و الأكيد مرة أخرى أن كل مجتمع يمتلك تعددية و يتواصل باستمرار مع عقائد و أديان مختلفة، هذا المجتمع يستطيع أن يضع الاختلاف الديني كنوع من الاستثمار الإيجابي لأنه يدرك أن كل طرف و كل فرد يرى أن دينه حق و الأديان الأخرى باطلة كموقف اتخذ في سن لا يمكن اتخاذ قرار منطقي و عقلي سليم فيه، و بالتالي ما يبدو ماديا في نظر المسيري و جلال أمين و محمد عمارة و غيرهم ليس سوى واقعية عقلانية هي نتاج لاطلاع غربي واسع و رحب منفتح على العالم، و إذا ما قبلنا بالمقدمات المسيرية التي تتابع كأحجار الدومينو في نقد العلمانية ـ التنوير ـ الحداثة ـ الواقعية ـ الإبداع ـ التعددية ـ الإدراك الإنساني ..إلخ، سنجد أن هذا النقد بدلا من أن يستكشف أخطاء و نواقص و عيوب العلمانية (كل ما هو حديث)، فهو يناقش الموضوعات المطروحة للنقاش بعقلية العصور القديمة حينما كان النقد لا يهدف إلا إلى إفحام الخصم و هزيمته، بعبارة أخرى لم تكن وظيفة القلم تختلف عن وظيفة السيف إلا في الدرجة.
المادية لا موقف لها كما يريد المسيري أن يقول و هي لا تفرق بين الإنسان و الحيوان و القرد و اليرقة، و إذا كانت المادية عمياء و عبثية ـ و هو هنا لا يتحدث عن المجتمع الشيوعي أو النازي بل عن الغرب اللبرالي ـ فلماذا استطاعت الرؤى المادية أن تتغلغل في عمق المجتمعات و على اختلاف أديانها، بينما لا نجد مذهبين في دين واحد يتفقان؟ ـ اللهم إلا في الغرب الذي يشهد اليوم تعاون المذاهب المسيحية و هي التي كانت تتقاتل في تاريخ قريب ـ و لماذا قام المسيري مقدما و قبل كل شيء بحذف الأديان كلها و الإبقاء على مفهوم ضيق للدين؟ و قد يتساءل القاريء هنا عن علاقة الدين بنقد المسيري هنا للمادية؟ و الجواب هو أن وضع المادية كنظرية واحدة و وصم الغرب بتهمة أنه مادي إلحادي إنما هو نتاج عاطفة دينية لا عن عقل نقدي فلسفي، و هكذا فإن نظرة المسيري نفسها هي نظرية قائمة على أساس مادي، فمادتنا خير ـ بمجرد تزويقها ببعض الوعظ ـ و مادتهم شر لمجرد أنها رؤية واقعية، فالغربي قد لا يتردد كثيرا على الكنيسة كما يفعل المسلم، و لكن طبيعة فهمه للدين تجعله لا يحصر القيم الدينية في المعابد و الطقوس بل في العمل و الفعل الإنساني، بينما في علمانيتنا المسلمة ـ و هي سلبية لحد الآن ـ تنحصر القيم الدينية و الأخلاقية في دور العبادة و الطقوس و الشعائر بينما الحياة خارج هذا الإطار عديمة الأخلاق و لا نظام لها و الفرد مجرد رقم تافه فيها.
المشكلة التي يحاول المسيري التأكيد عليها و الهاجس الذي كان يؤرقه هو "فقدان الإيمان" حيث أن الإنسان و من خلال توسع مداركه و شعوره بحريته ـ و هو يتجاهل جملة من المصطلحات و الحرية إحداها ـ و تضخم موارده العلمية أصبح قادرا على إعادة طرح الأسئلة القديمة و التي كانت تطرح بشكل ساذج، لتطرح مع وجود مؤسسات و أدوات ضخمة للاطلاع من الممكن أن تبدع لنا مرحلة أكثر رقيا و تطورا للدين، و هنا فإن المسيري لا يهضم الإنسان الحقيقي و الواقعي و المتنوع و إنما يريد أن يخلق على أرض الواقع إنسانا كاملا و مثاليا مؤمنا لا يشك في أي من اليقينيات، و هذه اليقينيات حشرت مسيريا و مسبقا في تعريف محدد ضيق، و هذا الإنسان ـ المتجاوز للواقع الملموس ـ ليس موجودا إلا في المخيال و في المنطق الأفلاطوني الذي يقول بأسبقية وجود الأفكار على الأشياء، من هنا فإن تحول الإنسان من عصر الإيمان و التسليم بالحقائق الدينية آخذ بالانحسار بفعل توسع العقل و امتلاكه الحق الذاتي في وضع كل المفاهيم ـ بما فيها تلك الدينية ـ تحت المجهر و البحث و النقد، و نقد العلمانية بمفاهيمها يشبه تشكيك الغزالي و نقده للعقل الفلسفي عبر الأدوات المنطقية و العقلية ذاتها و هو الأمر الذي جعل ابن رشد يسمي نقده لتهافت الفلسفة بتهافت التهافت و ليشكك ابن رشد مرة أخرى بهذا المنطق الغزالي (إذ كيف يشك العقل في ذاته؟) و هو ما انتهى إلى الإبداع الديكارتي العظيم و المقولة المشهورة: أنا أشك، أنا أفكر، إذاً أنا موجود..". فمن السهل التلاعب بالمفاهيم و أن نحكم مثلا على مجتمع معين بأنه (متدين) أو روحاني لمجرد ظاهرة اجتماعية ـ تردد الناس على المعابد الدينية ـ زيادة المناسبات الدينية ـ الإلتزام بالطقوس و الشعائر الدينية و ما إلى ذلك ـ رغم أن هذا المجتمع قد يكون مادّيا إلى أبعد الحدود في كل أنماطه و مقاييسه الفكرية، و كذلك العكس فنحكم على مجتمع متدين بأنه مادي.
خلال المراحل المتتالية من التطور العقلي الذي شهدته الإنسانية، كان من الطبيعي جدا أن تشهد الحضارات المتطورة ـ التي تعيش التطور كواقع من التحولات ـ ظواهر من الشك و فقدان اليقين و اللا إستقرار و الحيرة و حتى الشعور بالعبثية، و هذا ما عايشته الحضارة الإسلامية بالفعل في فترة ازدهارها من القرن السابع و حتى الحادي عشر الميلادي، فكان أن ظهر نوع من الإلحاد و الشك و الأسئلة على هيئة أشعار أو كتب و التي كانت تبدو للفقهاء و الوعاظ أسئلة صعبة تجعل منهم أناسا غير مُقدّسين في نظر عامّة الناس عبر عجزهم عن دحضها بالفكر و المناقشة، خصوصا و أنها كانت أسئلة فلسفية لا يفهمها غالبية أبناء المجتمع، و كان من الأسهل بالنسبة لهم أن يستعينوا بسيف السلطان من استعانتهم بالحجة العقلية و المنطقية، و حينما فقد المسلمون هذا المناخ المليء بالشك و الأسئلة فقدوا حيويتهم كحضارة إبداع و إنجاز إلى الجمود و اليقين القطعي ـ و هو لم يكن يقينا بقدر ما كان استسلاما لتعريف واحد لليقين ـ و هذه الصورة المقتضبة تظهر أن الإنسان لا يملك أجوبة على أي شيء ما لم تكن هناك أسئلة، و ثقافة التساؤل مرتبطة بشعور الإنسان و إدراكه لجهله، و كما يقول المأثور من الأحاديث: لا زال المرء عالما ما طلب العلم فإن ظــن أنه قد علم فقد جهل.." فالاستمرار في الشك هو الذي يولد الحقائق و يطورها و يستثمرها، بينما اليقين القطعي هو أقرب إلى أن يكون إعلان إفلاس و تصريحا بأننا بالفعل وصلنا آخر النفق، فهل من الممكن فتح باب التطور و الإبداع من دون المساس باليقينيات الدينية و الأخلاقية؟ هل يستطيع المسيري أن يضرب لنا مثلا واحدا ـ لو كان حيا أو ليفعل ذلك أي مفكر يتبنى منهجه ـ عن حضارة حرة و ديمقراطية و متطورة و تتبنى الدين منهجا؟ إن جمهورية أفلاطون و أخلاق المدينة الفاضلة ليست إلا حبرا على ورق لأنها ببساطة لا ترتبط بالعلل و الأسباب الواقعية ـ السنن الطبيعية بالتعبير الحديث و السنن الإلهية بالتعبير القديم ـ و بالتالي لا تختلف هيمنة الفكر الواحد من مجتمعات التدين التقليدي و حتى المجتمعات الاشتراكية التي كانت تفرض نمطا واحدا من الفكر تحت شعار الواقعية و العقلانية و الإنسانية، و الشك الذي يراه المسيري سلبيا من خلال رؤيته للأمور بمنطق سلفي بحت، نراه أمرا إيجابيا و حقا إنسانيا أصيلا و بدونه ستمتليء مجتمعاتنا المسلمة بمحاكم التفتيش ـ الموجودة أصلا ـ و ستصبح حتى أبسط الأسئلة الدينية، فضلا عن تلك الكبرى، كفرا يجب استئصاله بالسيف، بل إن أساس و سرّ كل التفوق الغربي يقوم على حرية التساؤل.
يعترف المسيري أن هناك من الغربيين من يرى أن الإنسان هو مركز الوجود، كفلسفة طبيعية، و من ثم يؤمن هؤلاء أن الجنس البشري له مكان خاص و مكانة خاصة في الكون، و أن إنسانية الإنسان لا تكمن في مقدرته على زيادة إنتاجيته، و كم السلع الذي ينتجه و يستهلكه، و تحسين مستوى معيشته و حسب، و إنما هي مسألة أعمق من ذلك بكثير ـ العلمانية تحت المجهر ص 135 ـ لكن السؤال الذي يعجز المسيري عن الإجابة عليه و فرضه كرؤية منطقية قطعية هو أن هذه الحاجة الأعمق في نفس الإنسان ليست الهوية و الخصوصية و ما إلى ذلك من مصطلحات، و حتى ما نظنه (توازنا داخليا في شخصية الإنسان) هو في حقيقته مظهر خداع يخفي بين طياته جهلا و فراغا فكريا و عقليا، فالمسلم و اليهودي و المسيحي (التقليدي) مستقر الشخصية ظاهرا و يملك الإيمان و اليقين و لكن إرادته مقيد بقيد حديدي من القناعة الزائفة و الرضا بالقضاء و القدر و هاتان الكلمتان اللاهوتيتان تصبحان حكما جاريا على كل الأفعال الإنسانية و يكون الله هو الملوم على أخطاء ارتكبناها نحن البشر، و لكن المسيري رغم إدراكه إلى أن أكثرية الغربيين يتبنون فكرة جعل الإنسان مركز هذا العالم، إلا أنه يعود إلى تعميم النظرة العدمية و السلبية لتتحكم بكل المنجز الحضاري الغربي، و إذا كان الواقع سلبيا إلى تلك الدرجة التي يحدثنا عنها المسيري و أن الإنسان الذي "يُصر على إنسانيته"!! يشعر باغتراب عميق، لأن ما بداخله من تركيب و أسرار ينفر بشكل فطري و تلقائي ـ حسب تعبير المسيري ـ من عالم لا قسمات له و لا ملامح؟ فما هو الحل؟ و ما هي الأسرار التي تكمن في داخل الإنسان و تتناقض مع كل هذا الإبداع الإنساني؟ إن النقطة الأساسية التي تربط بين الإنسان ـ الفرد ـ و بين الدين و الروحانيات هو حاجته إلى تلك الرغبة الأعظم (الخلود و الخلاص من الفناء) و هذه الحاجة مهمة و لكن لا يجب أن تتحول هذه الحاجة إلى نوع من الهاجس المدمر و أن لا تصبح بديلا للواقع المعاش و لحاجات الإنسان الأخرى.
و السؤال الأهم المسكوت عنه في عالمنا الإسلامي و هو سؤال ذو أبعاد فلسفية و نفسية و ثقافية هو أن هناك تصورا روحيا سائدا في العالم الإسلامي يقف على النقيض السلبي ـ و ليس الإيجابي ـ من ذلك التصور المادي السائد في الغرب، هذا التصور الروحي يضع الحياة في موضع العدم و اللا قيمة و أن هذا العالم بكل ما فيه من تعقيد و نظام و قوانين هو مجرد معبر و محطة توقف لا أكثر للعبور إلى الحياة الأخرى و التي هي مرة أخرى حياة مادية (حياة مليئة بالجنس و الطعام و الشراب و سائر الملذّات الجسمانية)، من هنا فإن دراسة و بحث المسيري في العلمانية و حصره العلمانية في الغرب ـ مع أن الغرب نفسه ينتمي إلى ذلك التراث السامي و الهلنستي ـ و بالتالي حذف العالم الإسلامي عن عمد من أي دراسة أو تحليل نفسي و اجتماعي الذي هو أحوج ما يكون إليه بالفعل، كل هذا جعل نقده للعلمانية محصورا و مبتورا و حتى مشوها، فقد بقي حتى ذلك الفصل البسيط و المجتزأ و الإجرائي في فصل الدين عن بعض أو المفاصل الرئيسية للسلطة أو الدولة بعيدا أو مجهولا عن النقد و البحث و بقيت حتى تلك العلمانية التي تتقبل الروح ـ حسب المسيري ـ و كأنها لا تختلف بتاتا عن تلك العلمانية الغربية الشاملة.
إن إنسانية الإنسان حسب مفهوم المسيري تعني حرفيا تحوله إلى إله "كائن مثالي كامل" لأنه ببساطة و لأنه ـ أي الإنسان الغربي ـ اكتشف أنه كلما ازداد علما و اطلاعا ازداد شعورة بالجهل و العجز، هذا الشعور أمرٌ طبيعي و يرتبط أساسا بالإنسان ككائن محدود، و على نقيض هذه السلبية التي نشأت كنتاج للتطور و الرقي العقلي للإنسان الحديث، كان إنسان العصر القديم ـ ما قبل العقلنة ـ يعلل كل شيء تعليلا قدريا مبنيا على الوهم، فإذا أصيب المجتمع بكارثة بيئية ـ زلازل أو فيضان أو طاعون ـ سارع إلى نسبة كل ذلك إلى الغضب الإلهي و بالتالي يصاب المجتمع بهستيريا و عقدة الذنب فيدخل المجتمع في صراع بين الوعظيين و أصحاب العقل، و لكن اكتشاف المجتمعات الحديثة لكل تلك المساحة الهائلة من الجهل الإنساني لا تعني قطعا التخلي عما تحقق من منجزات عقلية جبارة، و هنا نلاحظ فارقا مفصليا بين نقد المسيري للعلمانية و التنوير و الحداثة و نقد محمد أركون لها، فالمسيري تعامل مع هذه المفاهيم كخصم ـ أشبه بالملاكم ـ لا هدف له إلا تسديد الضربات القاضية، بينما أركون أراد تحليل المنظومة الغربية و العلمانية باتجاه أنسنتها ـ جعلها إنسانية ـ و اكتشاف نقاط العجز و الجمود باتجاه تطوير هذه المفاهيم لتصبح أكثر فعالية لمختلف الثقافات البشرية، و الإنسان في خروجه من الوهم و تحرره من الخرافة ـ المنفصلة عن الدين ـ لا يملك لنفسه أن يضع حدودا لأسئلته، فهو يمتاز على سائر الحيوانات بأنه ذلك المخلوق الذي يضع الأسئلة على الدوام و لا يملك خيارا إلا البحث حتى آخر لحظة من وجوده في هذا العالم.
نجد المسيري يحدثنا عن تنامي الشك في المجتمع الغربي العلماني و نشوب حربين عالميتين و تسارع إيقاع المجتمع و تآكل الأسرة و الظواهر ذات التكلفة العالية (الإباحية)، لكنه يتخطى كليا زيادة معدلات الأعمار و توفر الحياة الكريمة في ظل حرية التعبير و انتخاب الحاكم و مفاصل الدولة و إشباع الرغبات و البحث عن نمط علاقات جديد في الأسرة الحديثة و ظهور حقوق الفرد كمقدسات بدلا من المقدس الروحي الهلامي المنفصل عن الواقع، لا يخفى أن كل إبداع إنساني ينتج إيجابيات و سلبيات في آن معا، خذ مثلا أحد أقدم الاختراعات الإنسانية "السكين و آلات القطع" و سنجد أنها تستخدم إيجابيا في تقطيع الطعام و الأشياء و الدفاع عن النفس، و لها استخدام سلبي أيضا فتقطع بها رؤوس البشر أو تعتدي جماعة على أخرى بهذه الأدوات الحادة، و كنموذج حديث نجد أن الإنترنت وسيلة للتواصل و الحصول على المعرفة و الاطلاع و التعارف مع أناس آخرين، هذا في جوانبها الإيجابية و لكن الإنترنت نفسه يستخدم للإرهاب أو الجريمة المنظمة أو الإساءة إلى الآخرين، هنا نتسائل عن معقولية طلب أؤلئك الرجعيين الذين يطالبون بوضع الرقابة على الإنترنت أو منعها حتى بحجة وجود كل تلك السلبيات! من الضروري هنا أن ننتبه إلى حاجتنا كمجتمعات تطمح إلى التطور و العقلنة و الخروج من التخلف أن نتحلى بالشجاعة فلا نخاف من تلاطم الأمواج و لا نتخذه حجة للتثاقل إلى الأرض و اقتحام المجهول، لأن السكون و الركود و التقليد نزع الحيوية عن الدين و الدولة و المجتمع و الفرد و بالتالي أصبح رجال الدين أنفسهم ـ الذين نفترض وقوفهم بوجه الظالمين و الفاسدين ـ جزءا لا يتجزأ من ماكينة الفساد و التدمير و التخلف التي نعيشها في عالمنا الإسلامي.
هذه كلها نقاط عامة طرحها المسيري لينتقل فيما بعد إلى "الجانب السلبي للعلمانية في السياسة"، و طبيعي أن ما ترتب على النقاط الاجتماعية من تنظير لا بد و أن ينعكس بنفس الدرجة على عالم السياسة و الذي سبق و أن ناقشنا بعضا من ملامحه، يشير المسيري بهذا الخصوص إلى أن ".. العلمانية الشاملة حولت العالم إلى مادة استعمالية، و القيم إلى مسألة نسبية، و الذات إلى مرجعية، و جعلت من البقاء (و التقدم) الغاية النهائية، و الصراع الآلية الأساسية لحسم كل التناقضات، أي أنها ولّدت عقلية إمبريالية هيمنت على الإنسان الأوروبي، و دفعت به إلى غزو بقية العالم، فاستولى عليه فاقتسمه و نهب المصادر الطبيعية و البشرية لكل شعوب الأرض." ـ العلمانية تحت المجهر ص 139 ـ 140
و نحن هنا لسنا بصدد استخدام ذلك الأسلوب القديم في إيراد أدلة (الخصم) بالتتابع و الردّ عليها بالتتابع، و إنما نستطيع أن نستشف من خلال إشكاليات هذا النقد الموجه للعلمانية و تناقض معاييره حتى من الداخل كيف يقوم هذا العقل السائد أو المنطق الذي يتحكم بمنطقتنا بالتعامل مع أهم مفردة يحتاجها مجتمعنا الراكد و المتخلف، فما يراد من العلمانية لتكون مقبولة مسيريا و أن تكون مقبولة مرة أخرى للتطبيق و بكل ما يرافقها من تحديث و تنوير هو أن تكان مثالية Perfect و غير ناقصة و كأنها شيء جسماني متصل و ليست فكرة مؤثرة و متأثرة بأكثر من عنصر أو منهج، فالعلمانية كمنهج تمتلك جملة من المقومات و لكنها في الوقت نفسه في تغير مستمر و تحول دائم لأنها تنعكس على أرض الواقع من خلال معتنقيها، أي أنها ثمرة تراكم إنساني و خبرة، و هي بالفعل تختلف من عصر إلى آخر و حسب المستوى الثقافي و العقلي للأمم و الأفراد، فالعلمانية كانت جزءا من مفاهيم أخرى كانت تتصارع على الأرض الأوروبية من خلال عصر النهضة، فقد كان هناك نزاع بين القومية و الاشتراكية و الحكم الفدرالي و المركزي و أنماط من القيم التي كانت تتنافس للهيمنة على الفعل الاقتصادي و السلطوي، فالعلمانية و ككل الأفكار ليست دخانا طائرا في الهواء يستنشقه الناس، بل هي تختلط بالرغبات و الغرائز و المخاوف التي تتحكم بالخط العام للتاريخ البشري، و من هذا نستنتج أن العلمانية شهدت بالفعل تحولات مهمة و غيرت من بنيتها مع كل إنجاز علمي يتحقق، ففي البداية كانت العلمانية فكرة غير مكتملة في المجتمعات و كانت لها بذورها حتى في العالم الإسلامي الذي يصوره الإسلاميون و بعض المستشرقين التقليديين على أنه يخلط كل الدين بكل السياسة، ثم أخذت هذه الأفكار أو القيم ـ كفصل الدين عن السياسة و المساواة بين المواطنين ـ تجد لها طريقا إلى التطبيق و لتلغي أوضاعا لا تتلائم و حاجات الناس المستحدثة، و المشكلة أن مجتمعات العالم الإسلامي لا تعرف صراع الأفكار هذا و حتى اليوم.
لقد تطورت العلمانية في وقت كانت أوروبا سائرة فيه نحو اكتشاف قارات جديدة و أفكار جديدة، و لم تكن الإمبريالية و التوسع من نتاجات العلمانية بقدر ما كان للتوسع و الاطلاع على عقائد و أديان و أعراق جديدة الأثر القوي في التشكيك بالمسلمات الدينية و الأنماط الاجتماعية السائدة، فقد اكتشف الأوروبيون مثلا أن ثمة أديان أقدم من المسيحية و تشبهها من حيث الإيمان بالله ذو الأقانيم الثلاث و بأن إبن الله مات و عاد للحياة و من ثم استنتجوا أن هنالك أصولا تاريخية لهذه الديانة، و هكذا نجد إلى جانب سلبيات الإمبريالية الغربية التي أصبحت إنفجارية بعد نهاية عصر الاستكشاف، نجد أن الغرب شهد بالفعل قفزات ضخمة على المستوى القضائي و نظام العدالة و المساواة و راح الغربيون أنفسهم يضعون أيديهم على أخطاء تاريخية ارتكبوها، مثالا على ذلك الاعتذار الذي قدمته الحكومة الأسترالية للسكان الأصليين و فتح باب للتعويض و لإعادة إحياء تراث هذا العرق البشري، و بالتالي فإن أكبر فضيلة تمتلكها العلمانية هي أنها لا تزعم أنها كاملة و تبيح النقد، هذا إذا لم يكن النقد هو السمة الأساسية لهذه المنهجية، و هكذا فإن العلمانية هي في أحيان كثيرة كانت نتاج حاجة بشرية قبل أن تكون ترفا فكريا، فحركة الإصلاح المسيحية و التي بدأت مع مارتن لوثر في القرن 16 م لم تكن وليدة فلاسفة عاشوا حياة مترفة بقدر ما كانت نتاج رجال دين عايشوا معاناة الناس و آلامهم و أدركوا أن غالبية الظلم الحاصل يتم تحت غطاء و تبرير ديني، و حتى أؤلئك المصلحون لم يكونوا إلا وعاظا يؤمنون بكثير من المسائل الخرافية ربما! لكنهم امتلكوا إخلاصا دينيا، و ربما مصلحة دنيوية تارة أخرى، ليقوموا بالفصل بين الدين كقضية إيمانية و بين سعي الكنيسة إلى استغلال التدين لأهداف دنيوية، فهل العلمانية هنا نتاج حاجة أم نتاج ترف عقلي و فكري؟
لو كانت العلمانية نتاج ترف فكري لنشأة مع بدايات الفلسفة اليونانية و حتى بدايات الفكر الإنساني، و لكنها لم تولد إلا بعد أن تحول الدين و الخلاص الآخروي إلى عائق أمام تطور الحياة، و بالتالي وجد الإنسان ـ سواء كان فلاحا أو طبيبا أو كاهنا ـ نفسه يواجه مشكلة و لا بدّ له من حلها، و في بدايات سقوط الامبراطورية العثمانية و انفتاح العالم الإسلامي على الحداثة، انتبه المثقفون و السياسيون و رجال الدين (الطهطاوي و محمد عبدة و علي عبد الرزاق خير نماذج لهؤلاء) إلى أن حالة التخلف و الركود تشكل بالفعل إشكالية ثقافية و أن على العقلية الإسلامية أن تتطور، و لكن محاولات التحديث توقفت منذ نهوض العنصرية و القومية و التي أحاطت نفسها بهالة من التقديس الديني و الخطاب التعبوي، و أرجو ملاحظة أنه كان لتركيا العثمانية أكبر الأثر الخطير في ترويج ثقافة التخلف هذه و التي ركزت عليها السلطات العثمانية في العقود الأخيرة من إنهيارها، كما أن الثورة الإسلامية في إيران شكلت خطوة سلبية بالفعل في زيادة الهوس الديني و التوجه نحو صبغ كل شيء بالصبغة الدينية.
و هو إذ يتهم العلمانية الغربية بأنها ولّدت "الإمبريالية و الاستعمار" فإنه يتجاهل المنطق التاريخي لتطور المجتمعات و الأفكار، فما من فكرة تولد كاملة و من دون أخطاء، فالعلمانية هنا تحولت من كونها موقفا جزئيا من علاقة الدين بالدولة و استغلال رجال الدين لقدسيتهم الوهمية في سبيل الحصول على مكاسب دنيوية و سياسية إلى موقف عقلاني متكامل يفصل كافة الأطروحات العاطفية (الدينية و القومية فيما بعد) عن النظام السياسي الذي يجب أن ينطبع بأكبر قدر ممكن من الإنسانية، و الممكن الإنساني هنا هو أقصى مديات العقل الإنساني الحديث و الذي قطع شوطا بعيدا في هضم المشترك الإنساني نحو عولمة الإنسان و أنسنة العولمة، و أصبحت الإمبريالية العنصرية و التي يحلو لمنظري العالم الثالث الثرثرة بشأنها شيئا من الماضي و كانت أمرا طبيعيا أن تشهد العصرنة تشوهات من هذا الطراز، و من ضمنها النازية و الفاشية، فقد تصور القوميون ـ و قد أحسنوا استغلال مصطلحات العلم و العقل و الإنسان الخارق للترويج لدجلهم ـ أن العلم قد وصل إلى الذروة و القمة و أن لا مخبوء أو مجهول بعد اليوم، غير أن نسبية أينشتاين و مكتشفات علمية أخرى كثيرة أظهرت أن مجالات و مساحة المجهول أكبر بكثير مما نتصور، و أظهر علم الباراسايكولوجي و خوارق ما وراء الطبيعة أن الحدود بدأت تختفي بين المقدس و المدنس أو المادي بحيث أصبح ممكنا لأكبر علماء الفيزياء و الرياضيات ـ مثلا ـ أن يؤمنوا بالمقاييس العلمية و بمقاييس أخرى دينية ترتبط بشكل أو بآخر بمعايير فلسفية و منطقية تتوقف على نمط التفكير الشخصي.
و الإمبريالية ها هنا ليست ظاهرة غربية، بشكل حصري، و لنا في الامبراطورية الإسلامية الأولى و الأموية و العباسية و العثمانية خير نماذج على ذلك، لكن المسيري يريد حشرها و إلصاقها بالغرب حصرا و لغاية في نفس عبد الوهاب المسيري، فالهدف من هذا النقد عمليا هو تدمير فكرة الديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان.
يقول المسيري:
"قام الإنسان الأوروبي بترشيد العالم لمصلحته حتى يتسنى له استغلاله على أكمل وجه، و تضمن هذا الترشيد فيما تضمن القضاء على كل المؤسسات الحكومية و الأهلية التقليدية التي كانت تنتظم الحياة السياسية و الاجتماعية لشعوب آسيا و إفريقيا، و غيرت النظام التعليمي و معمار المنازل و تخطيط المدن، و أعادت صياغة البنية السياسية و الاقتصادية (تغيير البناء المحصولي ـ القضاء على النخب السياسية و الثقافية التقليدية) و أحلت محل كل هذا مؤسسات يديرها مديرون أجانب، و زودتهم بأدوات القمع و الإكراه للحفاظ على الأمن الداخلي، و كل هذا كان يتم لصالح الدول الغربية المستعمرة، و نسمي هذه العملية ((علمنة دون تحديث))، فالعلمنة تقوم بتفكيك أوصال المجتمع، و هذا في صالح الدول الغربية، أما التحديث، أي إنشاء مؤسسات حديثة، تدير المجتمع على أكمل وجه لصالح أهله أو حتى لصالح نخبته الحاكمة، فهذا ما يقف ضد صالح الاستعمار، و قد نتج عن ذلك أن دول آسيا و إفريقيا تدفع ثمنا غاليا للتقدم دون أن تحرز هي تقدم." ـ العلمانية تحت المجهر ص 140 ـ 141
تذكرني هذه العبارات و التي اقتبسناها من كاتب يعتبر واحدا ممن تجله النخب العربية و الإسلامية الحاكمة، بذات الخطاب التمجيدي و التحريضي و اللا موضوعي السائد في العالم الثالث و العالم المسلم تحديدا، فطبيعي أن الدول الغربية حينما جاءت لتحكم القارتين الآسيوية و الأفريقية فإنها كانت تبحث و كحضارة ناشئة على وجه الخصوص عن مصالحها و عن طرق تساعدها في دعم ما تحقق على أرض الواقع من منجز حضاري، و كل حضارة إنسانية تلتفت دائما إلى مصلحتها الخاصة أولا و لا تنظر إلى الآخرين هذه النظرة الإنسية إلا عندما تصل إلى درجة عالية من الوعي الثقافي، فالامبريالية الإسلامية مثلا كانت تقوم و بشكل دوري و شبه دائم بغزو الأراضي الأوروبية و مستعمراتها المعروفة في إسبانيا و جنوب إيطاليا في صقلية و كريت و إسقاط القسطنطينية و غزو اليونان و بلغاريا و هنغاريا وصولا إلى رومانيا و النمسا، كل هذا التاريخ الطويل من الغزو، و هنا يهمنا أن ندرس تأثير هذه الغزوات نفسيا على الغربيين عندما يتعاطون مع جارهم المسلم، قرون متتالية من الغزو و الحرب و تشجيع الحكام في عالمنا المسلم على ترويج ثقافة الحرب و الغزو جعلت من المسلمين يبدون كأعداء للغرب، و النقطة الأساسية في هذا النقد المسيري تفترض و بشكل مسبق أن الغرب ـ و كله كتلة واحدة ـ ليس إلا شرا مطلقا و عدوا متآمرا حتى و هو يقوم بالعمل الإيجابي و معلوم لنا هنا أن المسيري يتعامل مع مفاهيم العلمانية و التنوير و الحداثة و التقدم و كأنها كتل مادية جامدة لا تداخل فيها و لا حراك متجاهلا تلازم هذه المسارات و المفاهيم بشكل متوازٍ parallel و أنها لا تنفصم عن بعضها البعض، بل إن الباحث لا يمكنه كتابة بحث عن واحد من هذه المفاهيم دون أن يدخل في الأخرى، و هنا نجد أن المسيري يفترض مسبقا أن الغرب كان يمكن له إدخال الحداثة في بلدان آسيا و أفريقيا و توفير المؤسسات و الأنظمة من دون المس بشبكة العلاقات الاجتماعية المحلية و نمط العيش المرتبط بظروف مختلفة و غير ملائمة للتقدم و التحديث هنا ستؤدي بالضرورة إلى العلمنة و العكس صحيح، و الموقف المسيري يذكرني بمزاعم الإسلاميين (السنة و الشيعة) حينما يطالبون بتحديث البلدان الإسلامية تقنيا و ثقافيا من دون المساس باليقينيات و الطقوس و البناء الديني الجامد و هو ما نستطيع إدخاله في حكم المستحيل إذ لا مجال للتحديث من دون فتح الباب على مصراعيه لنقد كل التراث الديني و الثقافي الاجتماعي، و من الواضح أن المسيري قلب الصورة رأسا على عقب، فالغرب أخطأ حينما جلب المكننة و الحداثة الصناعية إلى هذه البلدان و لكن من دون ضغط ثقافي و قانوني بحيث يفرض تحديثا ـ حتى لو افترضناها إجبارية ـ واقعيا و ناجحا يستطيع التلائم مع التطور الصناعي، البريطانيون مثلا في العراق و مصر و الفرنسيون في شمال أفريقيا تركوا هذه الشعوب جاهلة تماما بالتطور القانوني و الاجتماعي، فشهدت شعوبنا الكثير من المخترعات و المنتجات الصناعية و هي لا تزال و لكنها بقيت بمعزل عن أفكار الديمقراطية و الحرية و الحقوق و الحريات الفردية و الجماعية و ربما فعل الأوربيون ذلك عن طيب نية كأن يتركوا السكان المحليين يتطورون على سجيتهم و طبيعتهم، و لكنني أعتقد أنه قد كان هناك لبعض المستشرقين التقليديين الأثر السيء في أن تنحو دولهم هذا المنحى كالمزاعم التي انتشرت و لا تزال عن أن العلمانية لا مكان لها في أرض المسلمين و أن الإسلام نفسه لا يسمح بفصل الديني عن الدنيوي و أن الديمقراطية و الحرية و توابعها لا تناسب المجتمعات الغير أوروبية، و كان من الممكن أن تستمر هذه النظريات في الهيمنة لولا التحول التاريخي الذي شهده العالم بنمو النموذج الأمريكي.
بل إن ما يسميه المسيري بالتغيير للنظام التعليمي لهذه البلدان ليس إلا تهربا من الواقع و الحقيقة، خذ مثلا الدول التي كانت تحت الحكم العثماني طوال خمسة قرون على وجه لتقريب، هذه الامبراطورية كانت بالفعل قوية من الناحية العسكرية و توسعت بشكل سريع خلال فترة قصيرة لتشمل بلدان تمتد بين القارات الثلاث الأوروبية و الآسيوية و الأفريقية و هذه الامبراطورية "الضخمة" لم تكن تهتم إلا بشيئين، تأمين الطاعة و جباية الضرائب، و من جانب آخر كانت الدولة تهتم فقط بالفرق العسكرية لتي تؤمّن قوتها و رجال الدين و الوعاظ الذين يضفون الشرعية على السلطة و يبررون تصرفاتها، و لهذا السبب أخذت هذه الامبراطورية تتجه بمرور الزمن نحو الضعف و الانحلال و الفساد المالي مقابل الدول الأوروبية التي كانت تطور أنظمتها و قوانينها مستفيدة من التطور العلمي و العقلي و هو ما افتقر إليه العثمانيون، بل كانت هذه الدولة تعيش وفق نظام هرمي هرم و قديم قائم على طبقية بشعة، بالتالي لم يكن التركي و العربي و الكردي و الشركسي و المسلم و المسيحي و السني و الشيعي و غيرهم يملكون صفة المواطنة و لم يكن هناك رابط حقيقي و نظامي يجمعهم، ما جمعهم كان سطوة العسكر و هيبة الباب العالي و بمجرد أن نشب الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918 انهارت الامبراطورية العثمانية ليبدأ التركي و العراقي و البلغاري و اليوناني و المصري كل يفكر في هموم بلده الخاص، من هنا ندرك أن الغرب لم يأتي ليضع مؤسسات كبديل عن مؤسسات أخرى و إنما بدأت المؤسسات توجد في هذه البلدان بمجرد دخول الجيوش الغربية إليها.
هذا التغيير العنيف كان من الطبيعي أن ترفضه أطراف و نخب حاكمة و تؤيده نخب أخرى كانت مهيمنة في العصر البائد و أصبحت مهمشة و هي صفة ملازمة لكل تاريخ مصحوب بالتغيير ـ أنظر لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث للمرحوم علي الوردي ـ كما أن رجال الدين و الذين كانوا هم النخبة الثقافية في عصور ما قبل الحداثة واجهوا هذا الانقلاب الحضاري و الذي شكل تغييرا لا على مستوى الحاكم و السلطة فحسب بل و على مستوى انحطاط نظرة التقديس التي كانوا يملكونها، بل إن أهميتهم كانت تفوق أهمية المقاييس العقلية ذاتها فكان بإمكانهم عبر فتوى جعل الخير شرا و الشر خيرا و تحويل السلطان الشرعي و الواجب الطاعة إلى مارق من الدين ـ كما حصل مع السلطان عبد العزيز ـ و هو ما اختلف في زمن الحداثة ليصبح رجل الدين أقرب إلى المهرج منه مفكرا و منظـّرا، و المسيري هنا ينظر إلى النخب الحاكمة ـ أي نخبة حاكمة ـ و كأنها كائنات منفصلة من الناس و ليست طبقة نشأت عبر التراكم الزمني لتتحول إلى نخبة = سلطة، فقد كان العباسيون مثلا يعتبرون في زمن بني أمية معارضة "زنادقة" و خارجين مطلوبين و لكنهم و ما إن استولوا على السلطة بالقوة حتى انقلبت الآية ليصبح العباسيون "ظل الله في الأرض" و الأمويون "مارقين ملعونين"، هنا نجد المجتمع نفسه ينتقل من نخبة إلى أخرى بفعل تغير موازين القوى و تغير القناعات رغم أن النخبة هنا بقيت هي ذاتها من خلال استمرار النظام الطبقي و الظلم الاجتماعي و تحكم العقيدة المركزية رغم تغيير العناوين "أموي إلى عباسي إلى فاطمي"، و هذا النقد السطحي الذي انتجه المسيري من المؤسف حقا أنه لا ينتج إلا المزيد من المفارقات و الاستنتاجات اللا واقعية.
الحقيقة أنه لا قوة و لا فعالية لأي بنية اجتماعية تفتقر إلى الرؤية الفردية و يكون الفرد فيها جزءا أساسيا من المعادلة، و في أغلب بلدان العالم الثالث ـ و يعنيني المجتمع في عالمنا الإسلامي تحديدا ـ فإن الفرد لا يمثل إلا ذرة صغيرة ضمن المكونات الجماعية (المذاهب ـ القوميات ـ العشائر ـ الأحزاب) و الفرد في الغالب يجد نفسه كريشة في مهب الرياح التي تنفخها الجماعة و هو بالتالي لا يملك رأيه الشخصي، و هو ما يعني على الدوام ضعف القرار الانتخابي و جمودا سياسيا في هذه المجتمعات المبتلات بأكثر من آفة نفسية و اجتماعية، و كان طبيعيا أن هذه المجتمعات حينما انهارت منظوماتها الاجتماعية و الأخلاقية و السياسية في الحرب العالمية الأولى و ما قبلها ـ في الحالة الأفريقية و الهندية ـ فإن الغرب اضطر بالفعل إلى أن يقيم مؤسسات تحت رعايته في ظل الفراغ الحاصل من السقوط، فلنأخذ نموذجين من السقوط حصلا في العراق بين 1917 و 2003 ـ ففي نهاية الحرب العالمية الأولى انهارت المنظومة العثمانية بكل أساسياتها المحلية و القبلية و التي كانت تتم تحت غطاء و تبرير ديني لتخرج إلى الوجود مصطلحات كثيرة كانت تجهلها هذه المجتمعات ـ المجتمع العراقي خير مثال هنا ـ كالحرية و الوطنية و المساواة و الانتخاب، لكن و حتى بعد الاستقلال فإن شبكة العلاقات الداخلية في هذه الدول بقيت قلقة و غير متوازنة، و فعلا فإن تمسك شيعة العراق بالعاطفة الدينية القائمة على المثالية و ربط المشاركة السياسية في الدولة العراقية التي خرجت إلى الوجود بعد 1920 بمباديء الحق و الحلال و الحرام و سائر المنظومة الدوغمائية العقائدية، تسبب هذا الربط في خلق استقلال مشوه و ناقص و أوصلت أقلية جاهلة "بفضل بعض المرجعيات الراشدة"!! إلى السلطة ليدخل العراق في صراع داخلي على السلطة بين الأقلية الحاكمة نفسها و بين الأقلية و الأكثرية التي وجدت نفسها خارج التاريخ، و لو كانت المرجعية الشيعية آنذاك دفعت باتجاه الانخراط الفعلي في بناء الدولة لربما كان مستقبل العراق مختلفا تماما عما هو عليه الآن، و بدلا من البحث عن بناء دولة تهتم بالبناء الطقسي و الشكلي للدين إلى البحث عن بناء دولة تهتم بالحريات ـ و من ضمنها الحرية الدينية و الفكرية ـ كان البناء الوطني و حتى الديني سيبلغ أعلى مستوياته، كاد الأمر نفسه يتكرر مع التحرير الأمريكي للعراق في 2003 و الإطاحة بالنظام الطائفي القومي و البعثي لو لا أن الضغط الشعبي "الشيعي ـ نعتذر عن التعليل الطائفي لكن هذا واقع المجتمعات البدائية" دفع بالمرجعية إلى الاتجاه المعاكس أي الحث على الانخراط في عملية بناء المؤسسات، فهل هذا العجز عن بناء تجارب حديثة في بناء الدول ـ المثال العراقي ـ كان سببه الاستعمار و الغرب كما يحلو للمسيري و غيره أن يسمعنا؟ أم أنه نتاج أسباب داخلية موضوعية و لماذا يتجاهل تجارب أخرى ناجحة كاليابان و كوريا و تايوان؟ ألم تقام أنظمة جديدة بفعل التدخل الغربي هناك؟ و لماذا نحن المسلمون نبقى متخلفين حصريا؟ و هنا أتذكر مبدأ فلسفيا وضعه المفكر العظيم رينيه ديكارت و هو (أننا إذا أردنا السيطرة على شيء ما فعلينا أولا أن ندرسه و لكي ندرسه علينا أولا أن نتخلى عن هاجس الخوف في كيفية السيطرة عليه). و هنا أود أن أربط هذا المفهوم بشيعة العراق لكي ينخرطوا في إقامة مشروع وطني ينهي الربط المستمر بين الدولة و تبريرها الديني، فعلى الغالبية الشيعية فصل انتمائها المذهبي عن الدولة و دمج نفسها و الآخرين في مشروع وطني إنساني و هذا لا يتم إلا عبر التخلص من هاجس الصراع الطائفي ـ و قد ظلم الشيعة في العراق بالفعل على أيدي أنظمة متعاقبة ـ و البدء في وضع أطر نظامية تكفل الحرية و الحقوق في شكل يتجاوز الانتماءات الهامشية المذهبية و العرقية القومية، و لكن للأسف فإن هناك أطرافا تريد لهذه الهواجس أن تستمر لكي تستمر في السلطة لافتقارها إلى الثقافة و المؤهلات الحديثة للحكم في دولة نزيهة و حديثة.
يقول المسيري:
"ثم جاءت مرحلة الاستقلال و لم يتغير الأمر كثيرا، إذ جاءت نخب محلية صعّدت من عملية تفكيك أوصال المجتمع بالقضاء على البقية الباقية من الجماعات المدنية، و زادت من هيمنة الدولة ((القومية)) و سطوتها و من مؤسساتها الأمنية، فهي نخب مستغربة منفصلة تماما عن الشعوب التي تحكمها و عن خطابها الحضاري، و قد أسست هذه النخب نظما استبدادية فاسدة قامت باستغلال شعوبها، و استمرت في عملية العلمنة دون تحديث، و كل هذا بتأييد دول الغرب العلمانية الديموقراطية" ـ العلمانية تحت المجهر ص 141
أعتقد أنه ما من موضوع تعرض للبتر و الاختصار و الإجمال و الحذف و حتى قلب الحقائق مثلما تعرضت له العلمانية على يد عبد الوهاب المسيري، فتاريخ قارتين "آسيا و أفريقيا" و نتاج قرنين من الأحداث و مئات الملايين من البشر الذين عاشوا تلك الأحداث، تم اختزالها و احتوائها و بترها في نظام فوضوي من العلل و الأسباب و وضع النتائج مكان المسببات و العكس، هذه القراءة المبتورة للتاريخ و الواقع هي التي تتحكم بالواقع الحالي لهذه الدول و بسبب هذه القراءة اللا نقدية و القائمة على إطلاق أحكام اعتباطية على الأشياء هو الذي يبقي على مجتمعاتنا أسيرة الأزمات الراهنة و الجمود، فالنخب الحاكمة ـ و يهمني هنا النخب الحاكمة في المنطقة العربية و الإسلامية الغير عربية ـ لم تأتي من الفضاء و تنزل بالبارشوت كما يريد لنا المسيري أن نظن، بل هي تنتمي في نمط تفكيرها و آليات المنطق المتحكم إلى ذات النمط السائد في مجتمعات العالم الثالث البدائية حيث لا تزال الانتماءات الفرعية و الجانبية هي المتحكمة، فلا يكفي للنخبة الحاكمة أن ترتدي الأزياء الغربية و تحتسي الشامبانيا و تتكلم بلكنة فرنسية أو إنكليزية لتصبح منتمية إلى الغرب، فهذه أمور شكلية دخلت حتى في الشارع و في حياة المواطن البسيط، لكن هذه النخبة الحاكمة و الفاسدة تنتمي واقعا إلى نمط التفكير التبريري المؤمن بشكل مطلق بالقضاء و القدر و تعطيل الأسباب و المسببات و المؤثرات الواقعية، و حتى لو لم تكن النخبة الحاكمة من هذا النمط فهي تجد أنها مستفيدة في الإبقاء على الأوضاع كما هي لأن الشعب الجاهل و الأمي و المؤمن بكل ما هو غيبي و خرافي و يقدس السلطة الحاكمة لا يمكن لنا أن ننتظر منه تغييرا على أرض الواقع، و السؤال الهامّ هنا هو: لماذا يجعل المسيري شعوبنا مستحقرة و عديمة القيمة بحيث لا ينتظر منها تغيير الواقع إلا من خلال نخبتها الحاكمة أو من خلال (المستعمرين الغربيين)! و كأنها مجرد كتل من لحم جامد أقرب إلى اللحم المعلق في محلات القصابين بحيث لا نتوقع منها إلا أن تكون طعاما على الموائد، إن هذه النظرة المؤلهة و التقديسية للنخب الحاكمة ـ رغم الشتائم الظاهرية ـ لا تعكس إلا ثقافة الجمود السائدة (راجع: تاريخية الفكر العربي الإسلامي ـ محمد أركون ص 230 ).
فما هي عملية "العلمنة" التي تنفصل عن "التحديث"؟ و إذا كانت العلمنة ذاتها تعني تثقيف الفرد و تحسيسه بدوره في خلق الواقع بعيدا عن الأوهام و الخرافات، فليس هناك تحديث يأتي بالتطور و التقدم كأنه عملية جراحية بوضع سلسلة من المشاريع العمرانية و الصناعية و الطاقة و في بيئة يؤمن فيها المجتمع بأفكار و رؤى و قيم لا تنتمي قطعا إلى الحداثة و العصر الصناعي، فلنتصور مصنعا يعمل فيه عمال لا يعرفون شيئا عن القانون و الحقوق و الالتزام المهني و قيمة الوقت، هذا المصنع سيغلق أبوابه في أسرع وقت، هذا إن أمكن فتح أبوابه أصلا! فلكل مرحلة من مراحل التطور البشري شروطه و حاجاته و حتى نظمه القيمية التي تقوم بإدارته، فالعلمنة بقيت ناقصة و شبه معدومة في العالم الإسلامي و العربي (أي الناطق بالعربية) لأسباب كثيرة غالبها مرتبط بالظروف الاقتصادية و الثقافية و عوامل القوة في المجتمع التي افتقرت إلى النظام لمئات السنين، من هنا نتوصل إلى استحالة الفصل بين العلمانية و الحداثة، و إن وجد هذا الفصل في أي بيئة كانت فهو لا يهدف إلا إلى إقامة دكتاتورية من أي طراز كانت.
ثم ينتقل المرحوم الدكتور المسيري إلى نقطة مفصلية مهمة للنقاش فيقول:
"لكل هذا يمكن القول: إن ارتباط مصطلح ((العلمانية)) بالتسامح و اتساع الأفق و التعددية و قبول الآخر و الإيمان بالعلم ليس ضروريا، فهذه مجموعة من القيم يمكن أن يتسم بها نظام علماني أو غير علماني، و يمكن أن تكون غائبة عنهما، و لعل مثال إيران و تركيا يبين أن الربط بين العلمانية و هذه القيم الإيجابية ربط تعسفي ليس له سند في الواقع.." ـ العلمانية تحت المجهر ص 141
و هنا يقوم المسيري بمقارنة قبول النظام الإيراني و نظام ولاية الفقيه بانتخاب أغلبية الشعب ـ قطاع كبير من الشباب و النساء و المهمشين ـ و رفض تركيا لانتخاب الإسلاميين (أربكان و جماعته) و كلا الحالتين حدثت في التسعينات من القرن العشرين، لكن و كما قلنا فإن الاستشهاد بنماذج تاريخية انتقائية للاستدلال يوصلنا إلى استنتاجات خاطئة، فخلال عقد من الزمن تغيرت الصورة رأسا على عقب، فالنظام الإيراني دخل في نفق مظلم بسبب رفض السلطة التقليدية لحقيقة أن الشعب الإيراني قد تغير بالفعل و أصبح منفتحا أكثر فأكثر على تعدد الآراء و المواقف و توفير الحريات بعد اكتشاف الإيرانيين أن الربط القسري بين الأخلاق و الدولة لا يصب في مصلحة الشعب بقدر ما هو أداة في يد أقلية تريد الهيمنة باسم الله تارة و باسم الشعب تارة أخرى، و أي تغيير يشهده هذا البلد سيكون باتجاه العلمانية بالتأكيد، في مقابل ذلك لم يأتي التغيير الديمقراطي في تركيا بنظام ديني و لكنه جاء بعلمانيين "متدينين" و منع الجيش التركي للإسلاميين في دخول الحكم كان مردّه إلى أنهم لم يكونوا مهيئين لقبول النظام العلماني و بدليل أنهم وصلوا بالفعل إلى أعلى مراتب السلطة مع أردوغان و عبد الله غول الذي أصبح رئيسا للجمهورية.
إن عدم تلازم القيم الإيجابية كالديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان مع وجود نظام علماني أو دولة علمانية لا يعني بالضرورة أن هذه القيم لا توجد بالتوازي مع النظام العلماني كحتمية بقدر ما يعني أن هناك مجموعة مسببات تمنع اكتمال نضوج هذه المفاهيم على المستوى الاجتماعي و الأخلاقي و السياسي، ففي تركيا ما بعد انهيار الهوية العثمانية جاء التغيير مع النخبة المثقفة و الجيش الذي تعاون مع هؤلاء المثقفين في وقت كان فيه الشعب التركي بغالبيته يعاني من كوارث العهد العثماني كالأمية و الفقر و العقل الخرافي و العشائري حيث تحولت شعوب المنطقة و من ضمنها الشعب التركي ـ و العراقيون أيضا ـ من الانتماء للدولة و النظام إلى انتماءات جانبية كالعصبية القبلية و ثقافة العرض و الشرف و الانتماء الديني، كل هذا جعل الحالة التركية في العلمنة قائمة بحد ذاتها، و التصور الذي يروجه الإسلاميون في كل مكان طوال عقود عن أن مصطفى كمال فرض العلمنة عبر قناعته الشخصية و عبر "دكتاتوريته" في صورة مجانبة للواقع تماما، فلولا دعم المثقفين و الجيش و قطاع من رجال الدين المتنورين لما أمكن لرجل كمصطفى كمال و رغم قوة شخصيته من فرض و إقامة جمهورية علمانية مستنيرة، صحيح أن هذه الجمهورية بدت كنوع من الإكراه على شعب متزمت دينيا إلا أن تطور قوانين الحريات و الحقوق في تركيا ـ و جدير بنا هنا أن نذكر أن الدستور التركي في جوهره هو نسخة مترجمة من الدستور السويسري ـ كالحرية الأخلاقية و الجنسية و التعبير عن الرأي، كل هذا ساهم في تنامي ثقافة علمانية حتى في أكثر القطاعات الاجتماعية تدينا، من هنا ندرك الفارق بين دولة علمانية ذات اقتصاد واعد كتركيا رغم افتقارها للموارد و الطاقة كالنفط مثلا و بين دولة نفطية و زراعية مدمرة بسبب الفوضى الفكرية و الثقافية كالعراق و الذي غرق في فوضى شاملة بسبب إصابته بآفات النظريات القومية و الدينية، فالنظام العلماني الذي لا ينتج الحقوق و الحريات ـ حزب البعث ((العلماني)) خير مثال ـ هو نظام علماني في الشكل و الشعار فقط، و غالبية الأنظمة العلمانية في العالم العربي و الإسلامي هي من هذا الطراز المشوه، و غالبا ما تكون تداعيات هكذا نظام أخطر من وجود دولة دينية بحتة، و كمثال نجد أن إيران الإسلامية و رغم تبنيها للنظم الدينية إلا أنها من بعض النواحي أكثر صرامة في تطبيق كثير من القوانين و مشاريع التحديث أفضل من الدول العربية "النصف علمانية"، لأنها ببساطة أخرجت المواطن الإيراني من المنطقة الرمادية القلقة نحو التركيز على بعض جوانب الحياة العملية و لكنها تبقى في النهاية أسيرة النظرة التأويلية الفقهية التي تجعل الإشكالات رهنا "بأذواق" و اجتهادات الفقيه و من يقف وراء الفقيه من أرباب المصالح.
نعود إلى المسيري و لنتوصل معه إلى حلقات أخرى من النقاش فيحاول تجاوز المثال التركي الآنف و ليذهب مع جلال أمين إلى القول بأن فكرة الاقتصاد الحر و الداروينية الاجتماعية و النيتشوية و غيرها كلها أفكار أو منظومات فكرية "علمانية" صراعية قتالية أبعد ما تكون عن الواقع، و من ثم يضرب الاتحاد السوفيتي كمثال "الذي لا شبهة في علمانيته" ـ العلمانية تحت المجهر ص 142 ـ 143 و كما سبق لنا و أن طرحنا فإن هذه الأنماط الفكرية هي نتيجة لتشوهات طرأت على العقل العلمي في الغرب، و السؤال المهم هنا هو: لماذا ظهر هتلر و النازية كنظام حكم في ألمانيا دون أن يحدث ذلك في بريطانيا أو أمريكا أو فرنسا؟ حقيقة أن هذه الكبوات التي أصيب بها العقل العلمي هو نتاج أكثر من سبب و دافع، فألمانيا خرجت من الحرب العالمية الأولى منهكة و مجزأة و متدهورة و تعرضت إلى عقوبات صارمة من دول التحالف المنتصرة و خلال عقدين من الكساد الاقتصادي و الانهيار الاجتماعي، كل هذا هيأ الظروف لوصول النازية للحكم، و بعد أن رأينا كيف أن العلمانية ـ كأي فكرة أخرى ـ تكون مفيدة حينما يتم استخدامها جيدا و تكون كارثة حينما تتشوه، فإننا هنا نخرج العلمانية من قانون العلة و المعلول الجامد و الذي ينتمي إلى العصور القديمة، فهناك ترابط ضبابي أحيانا بين كل قيمة و أخرى في المنطق القديم الذي يتبناه غالبية المنتقدين للعلمانية خصوصا أؤلئك الذين يتعاملون مع الأفكار و النظريات بشكل جمودي و تقليدي و كأنها معادلات رياضية جاهزة، فالعلمانية ليست جسما ذا حدود مادية واضحة لكي نضع حدا فاصلا بينها و بين الأفكار و النظريات الأخرى و بالتالي فإن أحكام المسيري هنا رغبات أكثر من كونها استنتاجات منطقية.
الإشكال الخطير الآخر و الذي يضعه المسيري كعائق في وجه التحديث و العلمنة و التطور في دول الشرق الأوسط و شمال أفريقيا هو ربطه العضوي بين العلمانية و بين كل القيم التي ترى فيها الشعوب العربية و المسلمة عدوا و خصوما و المتعاملون معها بالتالي خونة و مرتدين يجب قتلهم و القضاء عليهم، إنه بالأحرى يعيد إنتاج الأزمة و لإبقاء الوضع على ما هو عليه دون أي تغيير، فلنستشهد بعباراته كي يكون نقدنا له أكثر وضوحا أمام أعين القراء، يقول المسيري:
"و قد تبدت هذه الأفكار في ظواهر اجتماعية و تاريخية، يمكن أن تشير إلى أول تجارب العلمانية الغربية و هي حركة ((الاكتشافات))، التي تطورت لتصبح الحركة الإمبريالية التي اشتركت فيها كل الدول الغربية (بما في ذلك روسيا القيصرية [في الخانات التركية و بولندا] و الولايات المتحدة [في أمريكا اللاتينية و الفلبين في مرحلة لاحقة] لإبادة الملايين و نهب العالم تقريبا. (و يمكن في هذا الإطار أن نشير إلى الغزوة الصهيونية لأرض فلسطين، فالصهيونية رغم كل ديباجاتها، في جوهرها حركة داروينية علمية، حولت فلسطين و الفلسطينيين إلى مادة استعمالية (تطرد خارج فلسطين)، بل حولت الجماعات اليهودية في العالم إلى مادة استعمالية (تنقل إلى فلسطين)..." ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 143
في كل الكلام المطروح هنا نجد أن المسيري يدور حول مفهوم جامد و سلبي عفى عليه الزمن في ارتباط الإنسان بالأرض و تعامله معها و كأنه جزء عضوي منها أشبه بالنبات، فالقارات الأمريكية الشاسعة امتدادا من كندا و الولايات المتحدة و مرورا بالمكسيك و أمريكا الوسطى و الجنوبية و إلى أستراليا و نيوزيلندا، كل هذه الأرض كان ينبغي لها "حسب المسيري" أن تبقى حكرا على بضعة قبائل من الهنود الأحمر ـ و الذين أبيدوا على أيدي حضارة أوروبية لم تكن قد نضجت بعد كما أنهم أنفسهم أبادوا بعضهم البعض ـ و التسمانيين في أستراليا، فالقضية الفلسطينية مسألة سياسية لا علاقة لها البتة بالموضوع الذي كان قيد النقاش في كتاب المسيري أو أبحاث أخرى مرتبطة بالعلمانية، لكن الهدف المضمر من هكذا ربط هو إضفاء نوع من التخوين و الردة على كل دعاة العقلنة و التحديث الديمقراطي، فطبيعي أن لليهودي ارتباطا نفسيا بالأرض المقدسة (فلسطين = إسرائيل) على اعتبار أن هناك ارتباطا تراثيا دينيا ضخما للديانة اليهودية بتلك الأرض، و قد شكا المسيري في بداية بحثه من أن العلمانية (همشت كل ما هو روحي) و ركزت على الماديات و هنا فإن المسألة الفلسطينية الإسرائيلية تبدو بوضوح مرتبطة أساسا بالدين، ففلسطين هي الأرض الموعودة لليهود حسب التوراة و القرآن، و هي بهذه الصيغة تخرج و تنفي عن نفسها كل صفة مادية كونها تنتزع شرعيتها من تبريرات و حجج دينية و ذات أبعاد روحية و يشبه ارتباط اليهود بالقدس و فلسطين بارتباط المسلمين الروحي مع مكة و المدينة و محيطها.
يحاول الغرب الديمقراطي و منذ ما يقارب الـ 60 عاما، إقامة مشروع عالمي يلغي التباين القومي و الديني و يتجاوز أوهام الخصوصية و الهوية و التمايز، ما يعني أن أن فكرة تعايش أديان و مذاهب و قوميات و أعراق متنوعة في أرض واحدة هي بالفعل الخطوة الأساسية و الأولى لإقرار سلام عالمي مستقر و دائم، و بدلا من أن تتنافس الشعوب تحت ستار "المقاومة" و "العنف" الذي يجد لنفسه كل التبريرات الدينية و الأخلاقية، أن تتنافس في جالات الحياة الطبيعية القائمة على أساس استثمار الطاقات الخلاقة و المبدعة و التعددية و الديمقراطية، و هذا ما لا يمكن تطبيقه حاليا في ظل هيمنة ثقافة الكراهية و الامتياز و الهوية، و لاحظ معي كيف أنه يُصرّ ـ أي المسيري ـ على مقارنة امبراطورية كروسيا القيصرية بدولة كالولايات المتحدة و التي تمتلك تجربة ديمقراطية إنسانية راقية قامت على أيدي أناس متعددي الأعراق و الانتماءات العرقية و الدينية و لكنهم يشتركون معا في قيم الحرية و المساواة.
روسيا القيصرية و خليفتها الاتحاد السوفيتي السابق و من بعدها الاتحاد الروسي القومي تمتلك بالفعل مواصفات الدولة الاستعمارية التوسعية، و لكن مفهوم الاستعمار لدى المسيري و أضرابه يقوم على أساس أن الاستعمار ليس مذموما إلا لأن "أمة ـ ذات تمايز قومي و ديني" تعتدي و تحتل "أمة ـ تنتمي إلى عرق و دين آخر"، فبريطانيا و فرنسا لم يكن لها الحق في "احتلال" المنطقة العربية و الإسلامية إلا لأنها "دول أنكلوساكسونية مسيحية"، و المنطقة ـ عربية تركية كردية إسلامية، و بهذا المفهوم فإن الأمر لا يتعلق بالأفراد و الحريات و القانون و إنما بمسائل عرقية و عنصرية، و حتى الدين هنا يصبح جزءا من التمايز القومي، بالتالي لا يجوز مثلا أن تأكل الأسود الضباع و الثعالب و لكن يجوز للضباع أن تأكل بعضها البعض و كذلك الأمر بالنسبة للثعالب ـ و هذا مثال ضربناه على سبيل الطرفة و التشبيه ـ فالدكتاتور المحلي مهما كان ظالما و مجرما و حتى غاصبا و معتديا على أعراض المواطنين إلا أنه يوصف بالوطني، و أذكر أن البعثيين كانوا يردون ـ و لا زالوا ـ على منتقدي حكم صدام و البعث و ظلمه بالقول:
"على الأقل هو منا و بينا"
و هذه الثقافة لا تنحصر بالقومية العربية و إنما تمتد إلى القوميات الأخرى في المنطقة، و هكذا نجد أن المسيري و من يطبلون للقومية و الإسلام السياسي لا يرفضون إسرائيل كونها دولة "ظالمة" و لكنهم يرفضونها لأنها ذات انتماء قومي و ديني مختلف، و هذا سيعني أنهم سيرفضونها حتى لو كانت أعدل دولة بالعالم، و نحن إذ نفك ألغاز هذه الطلاسم نحاول أن نقوم بنقد سيهدم بالفعل دعائم هذه الثقافة و مفاصلها و بنيتها الأساسية، فالكلام عن الإنسانية و الانفتاح و التعددية في هذا الخطاب الذي يجسده المسيري و جلال أمين و فهمي هويدي و محمد عمارة و غيرهم لا تمثل إلا غلافا رقيقا يخفي تحته نظريات مليئة بالعنصرية و الميكافيلية و احتكار الحق و الحقيقة.
إنهم يحاولون و عبر كل الخطاب المطروح كنقد أن يوحوا للمتلقي بأن العلمانية كمفهوم تعيش (أزمة) و هو ما سيعني حسب كلامهم بداية انهيار لهذه القيمة حالها حال الماركسية الشيوعية و التي أدركنا عبر نقدنا لها أنها سقطت لأنها كانت أيديولوجية ـ دينا يطرح أجوبة على كل الأسئلة و لكن بدون إله ـ بينما العلمانية قيمة متحولة و قابلة للتطور و التمدد و التحول، فغالبية ردود الفعل التي قوبل بها الدين طوال القرون الماضية كان في الغالب ردود فعل لما قام به الدين من خلال البشر الفاعلين باسمه من قمع و اضطهاد و حتى إبادة للآخرين للإبقاء على احتكارهم للحقيقة، لكن و إذ تترسخ مفاهيم الحرية و العقلنة و الواقعية فقد أصبح ممكنا "استثمار" ذلك الجانب المفيد من الدين و تطويره للمجتمع، بينما يبقى الدين في مجتمعاتنا الإسلامية سائدا بمفهومه القديم كجزء من العصبية القبلية و من ثمّ القومية، لذلك نجد أن كل تحليل أو نقد للمشكلة الفلسطينية ـ الإسرائيلية تتم ضمن خطابات "حربية" و تعبئة عاطفية جماهيرية للمواجهة، و الأكيد أن العقل حينما يواجه أي مشكلة أو أزمة بشحن عاطفي ضخم تكون نهايته كارثية و الخوف من الهزيمة يسبب الهزيمة.
و بعد أن يكرر المسيري أكثر من مرة حديثه عن "أزمة العلمانية" في الغرب، ينتقل إلى الحديث عن نماذج علمانية في العالم العربي و هي النماذج التي ناقشها ممثلة بأطروحات كل من (محمد أحمد خلف الله، حسين أمين، وحيد عبدالمجيد، فؤاد زكريا، محمود أمين العالم)، فيخلص إلى القول أنهم يندرجون في إطار تضييق العلمانية لتدخل في "العلمانية الجزئية"، و نحن نرفض طبعا هذا التصنيف المسيري للعلمانية كما و سبق أن ناقشنا، إلا أن من المهم هنا أن نناقش ما نقله المسيري عن "محمد عابد الجابري"، و الذي يذهب إلى أن "... العلمانية جزء من التشكيل الحضاري الغربي و الذي يعني ((فصل الكنيسة عن الدولة))، و هو لهذا يعتبر أن مفهوم العلمانية غريب عن الإسلام، لأنه يرى أن ((الإسلام ليس كنيسة كي نفصله عن الدولة))، و على هذا فالعلمانية ليست قضية في الفكر العربي، و لذا أكد الجابري ضرورة استبعاد مصطلح ((العلمانية)) من قاموس الفكر العربي، لأنه لا يعبّر عن ((الحاجات العربية الموضوعية)) و يرى تعويضه بشعاري الديمقراطية و العقلانية، لأنهما يعبّران تعبيرا مطابقا عن حاجات المجتمع العربي، و الديمقراطية لديه تعني حفظ الحقوق، حقوق الأفراد و حقوق الجماعات. و العقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية عن العقل و معاييره المنطقية، و ليس عن الهوى و التعصب.. ثم يخلص المسيري إلى القول:
"و استراتيجية الجابري هذه هي في واقع الأمر دعوة إلى الوفاق الوطني مع محاولة للإصلاح، تؤكد مثل الديموقراطية و العقلانية، دون تفكيك لنسيج المجتمع العربي." العلمانية تحت المجهر ص 145 ـ 146
من الجدير بالدراسة للتوصل إلى نقاط الضعف الأساسية في هذا النقد أن ندرك صدوره عن عقلية تريد للنقد أن يكون له دوافع و أهداف سياسية و اجتماعية ما يجعل النقد مقيدا بشكل مسبق بقيود تمنعه من أن يعمل بآليات النقد الأساسية و هي أن على النقد أن يكون مستقلا و حرا و بمعزل عن أي شروط مسبقة. فالأفكار و القيم كنظم حينما تصبح غير فعالة و عاجزة عن الفعالية لا يمكن نقدها في ظل الشروط التي تفرض على النقد بشكل مسبق، و قد رأينا كيف أن المسيري و الجابري ينتقلان من الحديث عن "علاقة الإسلام و العلمانية" إلى "الفكر العربي" و "المجتمع العربي" و كأن الإسلام لا يتجاوز العرق القومي العربي إلى أمم و شعوب غير عربية و رغم أن العرب هم "أقلية" في العالم الإسلامي.
إن إلغاء العلمانية كمصطلح من "قاموس الفكر العربي" كما رأينا، هو في الحقيقة لا يتجاوز اللعب بالكلمات، فالتعامل مع المصطلحات بهذه السطحية يحمل في صميمه سطحية مفزعة تكشف لنا عن مدى ضآلة العقل الذي نحن بصدد نقده، فالتعامل مع الكلمات بهذا النمط الذي يصنف حتى الكلمات إلى ما يلائم "الانتماء القومي" هو بالفعل عاجز عن إبداع بدائل، فالديمقراطية و العقلانية مرفوضتان تماما من النخب الحاكمة في الدول العربية و الإسلامية و كذلك النخب التي تعتبر "أنها مثقفة"!! إن حاجة هذه المجتمعات إلى العلمانية هي أكبر بكثير من حاجة الغرب في الماضي و حتى الحاضر، فالغربيون حينما طوروا مسألة العلمانية و حولوها إلى شيء فعال في الحياة الواقعية كانوا ينطلقون نحو هذا الكشف دون أن يكون هناك من ينافسهم أو يسبقهم إلى ذلك، بينما هذه المجتمعات المسلمة تحتاج إلى العلمانية و هي تشهد و تعيش و منذ قرن و نصف على أقل تقدير تقدم الغرب و إنجازاته، و هؤلاء الناقدون سيزعمون أنها إنجازات مادية بحتة، في حكم مسبق كنوع من الخرافة على كل تطور بأنه "سلبي" لكونه ماديا، بينما دول العالم الإسلامي مغرقة في أوهام التدين.
يروج الجابري، و المسيري عبر نقله هذا الرأي من دون اعتراض، لنظرية أن العلمانية ظاهرة غربية بحتة وجدت لمواجهة إشكالية علاقة الكنيسة بالدولة، و هو لم يبدع هذه النظرية بقدر ما استعارها من آخرين قدموا هذا التبرير حتى في أول عهود النهضة العقلية في البلدان المسلمة بين القرنين 19 و 20 كنوع من التهرب من حقيقة فعلية واقعية و إشكال خطير في العلاقة بين الإسلام و الدولة و حتى في علاقة الدين بالحريات العامة، فالواقع يقول أن هناك مؤسسات دينية "إسلامية" سواءٌ كانت سنية أم شيعية تتدخل في النظم السياسية و سنّ القوانين و الممارسات السياسية و الاجتماعية، و منع كتب أو روايات أو صحف تحت ذرائع دينية و تبريرات إيمانية تظهر مدى فشل التنظير الذي نحن بصدده، نظريا فقط لا توجد كنيسة أو وساطة بين الله و العبد، و الواقع نقيض ذلك كليا، و وجود مؤسسة دينية منفصلة عن المؤسسات الأخرى في الإسلام هو ظاهرة شيعية بالدرجة الأولى و هو أمرٌ إيجابي أكثر من كونه سلبيا لأنه يسهل عملية التقسيم و الفصل بين التخصصات و بالتالي يمكن بناء مجتمع قانوني يميز الاختصاصات بين بعضها البعض، و إذا تساءل البعض عن وجود مؤسسة دينية كالأزهر في وسط ذي غالبية سنية كمصر فإن هذه المؤسسة بحد ذاتها تأسست على أيد شيعية فاطمية.
إن سيطرة الوهم القائل: بأن لا كنيسة في الإسلام.." هو أخطر من وجود الكنيسة أو الطبقة الإكليروسية، فرجال الدين أصبحوا في هذه الحالة يعملون كرقابة دينية ـ تابعة للسلطة ـ تفعل من قبل النخبة الحاكمة كلما تصاعد نوع من التحدي و المواجهة تجاه الأقلية الحاكمة، و هي غائبة حينما يكون الشعب بحاجة إليها، فالعلمانية في أوروبا لم تكن انقساما كليا بين نوعين من الثقافة بحيث نضع العلمانيين العقليين في مواجهة المتدينين الرجعيين، بل كان بالإمكان أن نجد رجال دين في الطرف العلماني أيضا، بل إن إسهام رجال الدين في بناء ثقافة و قيم علمانية كان أكثر من أؤلئك اللا متدينين، فقد ذُهل المصلح الألماني الكبير مارتن لوثر و خلفه كالفن لضخامة الاستغلال الذي يمارسه رجال الدين مستخدمين قداسة الدين من أجل النفوذ و الغنى و الحكم، و هذا بالضبط ما يعيشه العالم الإسلامي ـ و على الأخص في الوسط السني مع حالات مشابهة في الوسط الشيعي ـ فلا تكاد الآن تشاهد رجل دين فقيرا أو محتاجا و ذلك لأن الدين أصبح بضاعة مطلوبة و رائجة لدى السياسيين و رجل الدين يجد في السياسي كل مبتغياته في الزواج و السكن و الغنى و حتى التقدير الاجتماعي.
لكن حالة الفصل بين الديني و السياسي أكثر إلحاحا في الوسط الشيعي خصوصا بعد هيمنة نظرية "ولاية الفقيه" و ظهور عيوبها و عدم فعاليتها من خلال تحولها إلى دكتاتورية، و شكل دخول الفقهاء في السياسة ـ و نحن هنا نعني الشيعة ـ إشكالا و تطورا فكريا شكل بالفعل أزمة حقيقية، فمن عزلة الشيعة و كراهيتهم للسياسة و ساحاتها منذ غياب الإمام الثاني عشر، و القفز مباشرة بعد الثورة الإيرانية إلى النقيض (تحكم الفقهاء بكل شيء) و في فترة الغيبة، يلح الآن و بشدة على المفكرين الإسلاميين و غير الإسلاميين في الوسط الشيعي باتجاه إيجاد صيغ و برامج وسطية لا بمعنى الوسطية التنظيرية السائدة الآن و لكن باتجاه بناء ديمقراطية تمتلك شيئا من ملامح التراث الديني الذي يضفي نوعا من القدسية على أخلاق المجتمع مع الحفاظ على الحرية الكاملة للمواطنين، و لكن ما نشهده الآن في التجربة الإيرانية أنها تمت كثورة على "طغيان الشاه" لكن و بدلا من أن نشهد إقامة ديمقراطية حقيقية ـ و لتكن مصبوغة بصبغة إسلامية ـ إلا أن الذي حصل هو أن مجموعة من الفقهاء احتكروا السلطة لأنفسهم و تم منع كل نوع من التعدد الفكري، حتى داخل المذهب نفسه، فيتمّ مثلا اتهام الشيعي العلماني ـ مهما كان متدينا ـ بأنه خارج المذهب و الدين و يعيش حالة الخوف من الاضطهاد تحت عنوان "محاربة المفسدين في الأرض" بالتالي أصبح هناك من يملك حقا في تصنيف الناس على أنهم منتمون أو غير منتمين، و هكذا تعيش إيران أزمة هوية وطنية، و هكذا فإن إلحاح العلمانية كحل لهذه المجتمعات ليس مسألة تلاؤم بين الفكر العلماني و النصوص المقدسة و التراث الديني بقدر ما هو حاجة للخروج من مأزق خلقه التراكم التاريخي للركود الفكري.
و من ضمن النماذج التي طرحها المسيري هنا هو المفكر الإسلامي فهمي هويدي و الذي يصنّفه البعض على أنه معتدل ـ مع أنني لا أعتقد أنه كذلك ـ و وسطي في مواقفه الفكرية، و طرحه كما يبدو لا يختلف كثيرا عن طرح الجابري و الاختلاف بينهما لا يمس إلا الألفاظ و التعابير، و المسيري نفسه يقول ذلك، و برنامجه التنويري ـ أعني هويدي ـ يقوم على أساس ((المشروع الوطني العام))، و هذه عبارة تزويقية تجميلية للواقع المزري الذي تعيشه مصر، فهمي هويدي يميز بين تيارين علمانيين يسمّيهم: "متطرفين و معتدلين (و هم يقابلون إلى حدّ ما العلمانيين الشاملين و الجزئيين في مصطلحنا ـ الخطاب هنا للمسيري ـ) و يعرّف المتطرفين بأنهم ليسوا ضدّ الشريعة فحسب بل ضد العقيدة أيضا، و لذلك فهم يعتبرون الإسلام ((مشكلة)) يجب حلّها بالانتهاء منها و تجفيف ينابيعها لاستئصالها، أما المعتدلون فليس لديهم مشكلة مع العقيدة، فهم يعتبرون أن الدين و الإسلاميين ((حالة)) يمكن التعايش معها، إذا ما أقيم حاجز بين الدين و السياسة، للحيلولة دون ما يتصورونه ((سلطة دينية))." العلمانية تحت المجهر ـ ص 146
بالطبع فإن هذه التحسينات اللفظية لن تحل المشكلة، و ليست حتى مجرد مقاربة فكرية للواقع، فالعلماني المتطرف هنا هو شخص عقائدي "مثل بعض التنظيمات الشيوعية"، لكن الإشكال ها هنا هو أن ما تم على أرض الواقع لا يمثل إلا تسامحا لفظيا فقط، فها هو المسيري حينما يصف الموقف الفكري لفهمي هويدي يقول:
"((إن الإسلام ترك للإنسان حق الاختيار بين الإيمان و الكفر { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} الكهف 29 ، و من ثمّ فلكل واحد أن يعتقد ما يشاء، و حسابه على الله يوم الدين، و لكن ليس لأحد أن يدعو إلى هدم عقيدة الأمة، التي هي رابطتها الجامعة، و محور النظام العام فيها، و إذا كان لكل نظام أن يصون أساسه الذي أرتضته الأمة و أثبتته في دستورها، فمن حق النظام أن يمنع هدم ذلك الأساس.." ـ المصدر السابق ـ ص 147
هكذا و بكل سهولة نقضت نهاية البحث أوله، فمن أسهل ما يكون أن تصبح هذه النصوص دستورا لدكتاتورية قبيحة بكل معنى الكلمة، و هنا تم التعامل مع القضية بتشويه كبير و مقصود، فمن المشروع الوطني انتقل فهمي هويدي و بكل بساطة إلى "الأمة" كمفهوم ضبابي و ألغى المقدمة كلها بتحول العقيدة إلى صنم ينبغي للدولة الحفاظ عليه كما تم إلغاء مفهوم الوطنية و المواطنة تماما تحت هذا العنوان، فمن يقرر ما هي هذه العقيدة و ما حدودها و من يقرر متى تم هدمها و ما مصير الأديان الأخرى أو ما مصير المفكرين أنفسهم؟.. و كما هو معلوم فإن الثورات تأكل أبنائها و غالبا ما يكون أبناءها ضحاياها، فكم من شيوعي قتل على يد النظام الشيوعي و كم من قوميين عرب و إسلاميين قتلوا على أيدي إخوانهم في العقيدة = الأيديولوجية، بل إن هذه النظرية الهويدية لا تحتاج إلى تطبيق لأنها ما يطبق بالفعل على أرض الواقع، و تم ربط هذا التبرير الواهي بحجة واهية أخرى تحت عنوان "و هذا ما تفعله النظم الملكية و الجمهورية و البرلمانية"!! ـ نفس المصدر و الصفحة ـ مع أنه لا يوجد أي رابط بين "عقيدة دينية" و تلك "النظم السياسية"، فالملكية و الجمهورية و البرلمانات هي مؤسسات توجد في أكثر من بلد و في ظل شعوب متعددة العقائد و الألوان، لكن العقيدة الدينية هنا تحولت إلى مبدأ سياسي "مقدّس" غير قابل للنقد و متعالٍ، و لو اقتصر الأمر على نقطة أو مبدأ واضح الحدود لكان الأمر هينا، لكنه فرض على الدولة ـ الزمني المحدود ـ حماية عقيدة دينية ـ المطلق ـ مع ما يتبع هذه العقيدة من كل نقيض لحرية التفكير و النقد و تبريرات الارتداد و غيرها، و المضحك أن هذه العقيدة يتم التعامل معها و كأنها بناء جاهز له حدود و مقاسات ملموسة يسهل للجميع تحديدها و معرفتها.
وفق هذا النمط من التفكير تمّ وضع أحكام مسبقة حول ماهية مجتمعاتنا العربية و المسلمة، فالعلماني يستطيع العيش في "مجتمع إسلامي" لكن عليه احترام ـ و هذه الكلمة تجر جملة من المحظورات ـ هوية و خصوصية هذه المجتمعات، و النتيجة أن العلمانيين و اللبراليين سيبدأون بالإنقراض و الهجرة أو تغيير قناعاتهم لأن كل أفكارهم ببساطة ستعني (كفرا و إلحادا يهدد العقيدة)، فنقد الظواهر الدينية أو الأفكار و حتى ذلك التاريخ الغابر للمسلمين سيكون مسّا و هدما "للعقيدة"، فهمي هويدي هنا يوصي بتقبل "اللبراليين"، "القوميين"، "الناصريين" و "الماركسيين"، ثم يستثني "أهل التطرف العلماني" من هذا التقبل على أساس أن هؤلاء "مخاصمون للدين" و بالتالي لا مكان لهم في الشرعية بحجة أنهم لا يمثلون خطرا على الإسلام فحسب بل على الإيمان ذاته ـ إسلاميا كان أم مسيحيا أو يهوديا ـ و هذا الخلط العجيب رغم ضعفه و تهافته لكنه جدير بالبحث إذ يمثل آلية المنطق الإسلامي "المعتدل" الذي لا يختلف عن خطاب المتطرفين إلا في الدرجة و ليس من حيث الآليات، فنحن نجهل ها هنا ماهية أؤلئك "المتطرفين العلمانيين" الذين تحدث عنهم هويدي ـ و يبدو لي من تعابير المسيري أنه يؤيده فيما ذهب إليه ـ و لا نعرف آليات تصنيف الاعتدال و التطرف هنا، فالماركسي بكل بساطة مثلا لا يؤمن بالله و يؤمن فقط بقوانين المادة، و لا أدري كيف سيعيش شخص ماركسي ـ رغم أني لا أوافق الماركسيين الرأي ـ و كيف يروج أو يدعو إلى أفكاره بدون أن يصبح فكره الماركسي "هدما لعقيدة الأمة"؟
و يضيف المسيري تعقيبا على ما سبق:
"و لعل الذين قرؤوا مقال الأستاذ فهمي هويدي لاحظوا أن مطالبة الإسلاميين بتأكيد قبولهم للتعددية التي تشمل التيار العلماني، كانت موقفا التقى عليه راي آخرين من أهل الفقه و النظر، في مقدمتهم الدكاترة يوسف القرضاوي، و أحمد العسال، و محمد العوا ، و عبد الغفار عزيز، و سيف عبد الفتاح" و يضيف المسيري هنا أسماء أخرى لقائمة مؤيدي فهمي هويدي و هم "راشد الغنوشي (تونس) بارفيز منظور (باكستان) عزام التميمي (فلسطين) أحمد داوود أوغلو (تركيا) طه جابر العلواني (العراق) عبد الحميد أبو سليمان (السعودية) و مجموعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي و غيرهم عشرات" العلمانية تحت المجهر ـ ص 148 ـ 149
إن هذا الخطاب ليس خطاب فكر يعاني التهميش و الإقصاء و المنع بل خطاب هيمنة و سيطرة و يرفض أي حوار إلا بشروطه هو، ليكون الاستثناء هو السائد و يكون الممنوع و المحظور هو الغالب، فمشكلة عويصة و معقدة كعلاقة الدين بالنظام السياسي و المجتمع و احترام حريات المجتمع و الأفراد لا يمكن اختصارها و احتواءها بهذا الشكل التبسيطي و بهذا الاختزال المجحف، و هذا الموقف اللا نقدي للعلمانية هو نتيجة طبيعية لهيمنة ثقافة الرأي الواحد و العقيدة الواحدة التي ترى في الآخرين خصوما يجب احتواءهم.
ثم ينتهي المسيري في كتاب "العلمانية تحت المجهر" ليبدأ الدكتور عزيز العظمة (و هو باحث سوري) بالدفاع عن العلمانية تحت عنوان "العلمــانية في الخطاب العربي المعاصر"، و الرجل بحق يدرك أن قضية العلمانية لم تدرس في بيئة علمية في الدول العربية و أن الطابع السياسي كان هو الغالب على مجمل المفهوم و القضية، كما أن العلمانية لم تكن شعارا سياسيا بقدر ما كانت ثقافة و نمط تفكير "و الواقع أن ثقافة العلمانية لم تكن محاربة للدين و مؤسساته إلا في فرنسا و المكسيك و في الدول الشيوعية سابقا، و لكنها إلى ذلك كانت لا دينية، بمعنى أنها كانت فكرا مساوقا لممارسات اجتماعية و عقلية و قانونية و ثقافية ليس للمرجعية الدينية فيه أثر يذكر" ـ العلمانية تحت المجهر ص 163
هذا الرد العلماني جاء صلبا و رافضا للنقد الآخر باعتباره منطلقا من حالة اضطهاد و صراع من أجل البقاء، فإنكار التأثير الديني في عملية تنمية الوعي العلماني أمر فيه نظر، فالناس سيبقون بحاجة إلى الدين لخلق حالة الأمل و الغوص في أسرار هذا العالم، غير أن مجتمعاتنا الإسلامية و التي لا تزال تعيش مستوى متدنيا من الوعي ذو البعد الواحد، بمعنى أن كل الأمور هي إما أن تكون بالأبيض أو الأسود، بالإيجاب أو السلب، بالتالي لا مجال لتعدد الاحتمالات أو الألوان، بينما في بلدان الغرب يمكن حتى لرجل الدين أن يُساهم في بناء النسيج الاجتماعي و على أسس علمانية عبر تبني ثقافة التسامح و العفو و تقبل الآخرين على اختلاف ألوانهم و عقائدهم، ففي هذه المجتمع يحصل المرء على صورة ثلاثية الأبعاد و بألوان متعددة.
هنا و رغم أننا مع الدكتور عزيز العظمة في نقده لكثير مما طرحه خصوم العلمانية من أنها تنتهي إلى الإلحاد و أنها غريبة عن الإسلام الذي لا كنيسة فيه و أنها تصلح فقط للغرب، غير أن سياقه الفكري و نمط تحليلاته ينتمي إلى المدرسة الماركسية و القومية العربية، لذلك تجد أن من أسهل ما يكون لديه هو أن ينسب نهوض الأصولية الإسلامية و تفشيها في الدول العربية إلى أمريكا و الغرب ـ لاحظ معي كيف ينسب الإسلاميون العلمانيين كعملاء للغرب و أمريكا ـ فهذا أيضا نوع من التبسيط، صحيح أن الغرب استخدم الأصوليات الدينية في وجه الأصولية الشيوعية الماركسية التي كانت تهدد بابتلاع العالم، لكن فشل المشاريع الوطنية و هيمنة القومية و غلبة نمط واحد من التدين و تعاظم نفوذ النفط السعودي، كل ذلك و عوامل أخرى ربما نجهلها تقف وراء تعاظم التطرف الديني.
يقول عزيز العظمة:
"أما في السنوات العشرين الأخيرة، فقد قامت مؤسسات عربية و عالمية باسم الإسلام و الأممية الإسلامية لمحاربة عملية المثاقفة هذه، مؤسسات قامت في المقام الأول لمحاربة الناصرية و البعث في إطار ما وصفناه على أنه الشق الثقافي لمبدأ ترومان الداعي "محاصرة الشيوعية"، و محاربتها بالاعتماد على قوى محافظة اجتماعيا تستصلح مفهوم "الأصالة" معينا لها. و كان أن امتزجت هذه البنى التحتية مع أزمات بنيوية شهدها العالم العربي في العقدين الأخيرين، دونما أفق حلّ عدا ما قد تستصلحه المخيلة الخلاصية." ـ العلمانية تحت المجهر ص 208
كلا المحاورين هنا ـ عبد الوهاب المسيري و عزيز العظمة ـ تفادى وضع اليد على الأسباب الحقيقية الكامنة وراء فشل المشروعين اللذان يتسم كلاهما بالنزعة القومية في العالم العربي، فالقوميون العرب الذين رفعوا شعار العلمانية و خصومهم الإسلاميون (الأمميون في ظاهر الخطاب لا في العمق) تسبب كلاهما بإفشال المشاريع الوطنية و كانت النتائج في العراق و مصر و ليبيا كارثية، فالقومية العربية استعارت العلمنة و التنوير من خطاب المعسكر اليساري المعروف بخطابه الأيديولوجي الدكتاتوري بالإضافة إلى الاستبداد الموجود في التراث الإسلامي ـ السّنّي تحديدا ـ لينتج عنها اختناق فكري و ركود اجتماعي مخيف، فالناصريون و القوميون و البعثيون لم يستثمروا الخطاب العلماني بالكامل، بل تعاملوا مع العلمانية كتعاملهم مع الموروث الدّيني بانتقائية و وفق معايير مزاجية غير علمية، ففي ظل هذه الأنظمة "الثورية" و رغم مواجهتها للتيار الديني في الستينات و حتى التسعينات، إلا أن الأنظمة مثل البعثي و الناصري و القذافي كان على الدوام يضع قيود إعلامية و اجتماعية على نماذج أو مديات أخلاقية، فمثلا بقي الجنس يعتبر من ضمن المحضورات الإعلامية و التابوات الفكرية، و هذا ما يشير ضمنيا إلى أن هناك قائمة "محرمات" تطول و تقصر حسب مزاج السلطة.
يحق للدين هنا ـ مثلا ـ أن يضع للفرد قائمة بالحلال و الحرام و لكن حينما يصبح هذا الشأن حكوميا و تابعا للسلطة لا يكون هناك اختلاف فعلي بين الدولة الدينية و العلمانية، فقرار إطاعة قائمة الحلال و الحرام تعود للفرد فقط، فالإنسان الفرد يستطيع أن يقرر نمط حياته و مأكله و مشربه و العثور على شريك حياته، لكن حينما يصبح للحكومة و السلطة دور ـ إكراه ـ في ذلك فإن صفة العلمنة تسقط عن الحكم و النظام، التجربة التركية كانت على عكس تلك العربية تماما، فقد ألغيت السلطة الدّينية و ترك لرجل الدين أن يقوم بالوعظ و الإرشاد لا أكثر و من ثمّ قامت الدولة بتبني الفرد كأساس لبناء نظام متماسك و منحت أقصى درجات الحرية الجنسية و الأخلاقية و الفكرية، و لو لا هذا النظام لكانت تركيا في مستوى دولة كأفغانستان أو الصومال، و العراق رغم كونه غنيا بالثروات إلا أنه متخلف بكثير عن الحالة التركية، كذلك هي حال مصر التي تتراجع.
إن الثقافة القومية التي تتجاوز الأطر الوطنية تتسبب على الدّوام في تشويه الرابطة الوطنية و لا تدعها تنمو لتصل إلى المستوى الحديث من الرقي، فالثقافة القومية هي النقيض الفعلي لثقافة المواطنة، كمثال على ذلك كان العربي يعتبر في العراق على عهد البعث أرفع درجة من العراقي ذو الأصول غير العربية و النتيجة هي تحطم الهوية العراقية و كانت السلطة الأرفع في العراق هي للقيادة القومية و يقابل ذلك تهميش آخر للهوية العراقية عبر تحويل البعث للعراق إلى قُطـْر بمعنى أنه جزء من انتماء قومي أكبر، فالدين ليس وحده السبب في فشل نمو العقلنة و التنوير في العالم المسلم ـ العربي و غير العربي ـ بل تحويل المباديء و الأفكار إلى أشياء مطاطة قابلة للتغيير لا على أساس الضرورة الواقعية بل على أساس رغبة الحاكم أو كائنا من كان ذلك المسيطر على الحكم، و رأينا بالفعل النماذج الثلاث البعث في العراق و الناصريون و الحزب الوطني في مصر و القذافي في ليبيا، فهذه الدول تهتز و لا زالت بفعل تناقضات اجتمعت في السلطة و هي العلمانية و الدين و القومية.
عزيز العظيمة و من خلال رسمه التنظيري يشير إلى أن الحركة الإسلامية السياسية استوحت من الخطاب القومي العربي و أنه "فهم يحاكي بعض ما جاء لدى الفكر القومي العربي و فكر مصر الفتاة و الفكر القومي السوري، من اعتبار المجتمع و كأنه رابطة عصبوية متجانسة لا تمايزات داخلية فعلية فيها تطال وحدة وجهته أو وحدة إرادته، اللهم إلا ما أحدثته فينا تلبيسات الأفرنجة الملاعين. ذلك أن أية تمايزات لا تتبدى في هذا الفهم إلا و كأنها نتؤات خارجية عن سوية مجتمعنا الإسلامي و سجيته، و أن أية تحديدات داخلية تؤول في هذا الاعتبار ليس إلى عمليات اجتماعية و تاريخية بالغة التعقيد، بل إلى مجرد الخروج على هذه السوية و السجية التي يُعرّفها أصحابها على أنها موافقتهم على أهوائهم الدينية السياسية و الاجتماعية." ـ العلمانية تحت المجهر ص 211
إن القومية و إن بدت متفضلة في خطابها على الحالة الإسلامية أو الإسلاموية إلا أن جذور هذه الثقافة تعود إلى أصول دينية مهما تمظهرت أو بدت كخطاب علماني حداثوي، فالانبعاث أو البعث أو النهضة القومية و ما إلى ذلك هي نوع من إعادة الماضي في الحاضر أو أصولية لا تختلف عن تلك الأصولية الدّينية إلا في الخطاب أو التعبير، ففي عمق هذا الفكر تجد تشابها غريزيا في الميل إلى "عصر الفتوحات" و إعادة المفاخر التي كانت في الماضي و غالبا ما تكون هذه الانبعاثية مركزة على عناصر القوة العسكرية و النظام القائم على القهر و الخطاب الأعلى، و هذا يذكّرنا بخطاب النازية في ألمانيا و التي كانت تريد إعادة عصر الفتوحات الجرمانية و عصر بارباروسا و فردريك و بسمارك، فهناك في هذه الثقافة القومية خالد بن الوليد و هارون و المعتصم العباسيان و صلاح الدين الأيوبي و غير ذلك، هنا امتزجت القومية بالإسلاموية و لم تكن الحالة الدينية ـ و هي من نمط واحد يقوم على استبعاد الآخرين ـ بمعزل عن التطورات بل كانت في عمق الأزمة و لم تكن سوى في انتظار سقوط و فشل ذلك التؤام الشبيه لها ـ أي القومية ـ حتى سارعت إلى الهيمنة على الساحة، مثالا على ما سبق فقد كان البعث في حالة مواجهة مع التيار الدّيني حينما كان المدّ الشيوعي الماركسي في أقوى مستوياته، و لكن ما أن بدأ هذا المدّ ـ الأصولي في ماديّته ـ يضعف و يحتجب منتهيا بانهيار الاتحاد السوفيتي حتى انقلب الخطاب القومي العربي الذي وجد فراغا ذاتيا و افتقارا أيديولوجيا نحو الخطاب الدّيني و أسلمة القومية العربية منذ التسيعينيات من القرن العشرين، بل إن المنظر الإسلاموي الراحل فتحي يكن دعا بكل صراحة إلى إعادة إنشاء البعث العربي الاشتراكي ليصبح البعث العربي الإسلامي، و لا أستبعد حصول ذلك على المدى المنظور.
القومية و الإسلامية تمتلكان معا نفس مقومات التنظير و آليات الفكر بدءا بالتعالي الذاتي ـ تقديس و تنزيه الذات ـ و مرورا بتمجيد الماضي و بطولاته إلى نظريات المؤامرة ـ و هنا يكره كلا الطرفين "الغرب الاستعماري" و لكن مع اختلاف طفيف في الدوافع و الاستنتاجات ـ و حتى في تبني الخطاب الدكتاتوري، إن الفناء الخلفي لكلا التنظيرين واحد و اختلافهما في الواجهة فقط، و ما يربط علاقة بحثنا في هاتين النظريتين بالعلمانية هو رباط تاريخي تجريبي، فالقومية اضطهدت التيار الديني ـ التؤام الآخر للقومية ـ تحت شعار العلمنة و العقلنة و لكن ما أن حدثت مواجهة بين الماركسية و القومية حتى سارعت الأخيرة إلى تبني الحالة الدينية لمواجهة الماركسية و تبعاتها، و من هنا كان حتى المتدين المعتدل يكره العلمانية لأنه عاش تجربة قاسية تحت هذا المصطلحات و مرادفاته، و عبد الوهاب المسيري و عزيز العظمة تجاهلا نقد التجربة العربية مع العلمانية و الإسلاموية لكي لا يقعا في مأزق غرق الطرفين معا، فمع القومية تغرق الإسلامية و العكس صحيح، و فشل الإسلام السياسي لن يعيدنا إلى القومية بالتأكيد بل سينتج حالة ثالثة و هي الاعتدال و اللبرالية و لكن هل هذا سيحدث في المدى المنظور البعيد؟ هذا يصعب التكهن به.
يتحدث عزيز العظمة عن فهم الإسلام السياسي للعمل السياسي فيقول:
"فهو فهم انقلابي يعقوبي يعتمد على تغليب الإرادة على التاريخ و العنف على الإقناع، و على اعتبار التاريخ الثابت – في زعمه – و المجتمع المتجانس – في زعمه – منشأ "طبيعيا" للسلطة الإسلامية، أو للسلطة القائمة باسم الإسلام، التي ستنبثق عضويا، و بالطبع، عن الكائن اللا تاريخي المسمى جماعة المسلمين." ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 212 و 213
إن الخطر الذي يهدد العلمانية فعليا ليس التيار الديني المتطرف فحسب، بل تشكل القومية ـ عربية كانت أو غير عربية ـ تهديدا آخر للعلمانية، و هنا إذ ننتقد القومية فهذا لا يعني تأيدا للإسلاموية بل تفكيكا للتحالف المُبطّن بينهما، فالقومية بلا سلطة ليست ذات قيمة إبداعية ـ بمعنى أنها لا تبدع مفاهيما ـ و الدين السياسي لا معنى له من دون سلطة، لكن الدين الروحي الفردي له معنى طالما أنه لا يلغي الآخر، لكن المشكلة الغالبة الآن هو أن كلا الطرفين لا يتخذ من الإقناع وسيلة، و ليس الطرف الدّيني فحسب كما يقول عزيز العظمة، فالأنظمة القومية كما الدينية وصلت للسلطة بالقوة و حتى لو وصلت عبر الانتخابات فإنها تحاول إلغاء مفهوم تداول السلطة عبر خلق ظروف غير طبيعية كحرب أو تهديد خارجي أو نظرية انقلاب على "الشرعية"، فالنازية مثلا وصلت عبر الانتخابات لكنها ألغت هذا المفهوم و لتدخل ألمانيا فيما بعد في أبشع حرب عرفها العالم.
عبثا حاول عزيز العظمة أن يفكك العلاقة بين التيار الديني و القومية العربية، و هو إذ يعترف بوجود قوميين متحالفين مع الإسلاميين و يحاول فصلهم عن القوميين اليساريين لا يدرك أن القومية بذاتها تميل إلى أن تكون عاطفة أكثر من كونها فكرا أو نظرية علمية، لذلك نجد أن القومية دائما ما تسعى إلى تبني نظرية ما و على سبيل المثال كان الحزب النازي يسمى "الحزب الوطني الإشتراكي و كذلك كان البعث يُسمى "البعث العربي الاشتراكي"، فالقومية هنا ليست موقفا فكريا بقدر ما هي حالة عاطفيا تقوم على أساس غير قابل للنقد كونها تنطلق نحو صراع مع ذلك الآخر، فكل المنتج الفكري للقومية لا يخرج عن كونه "خطابا شعريا" مليئا بمفردات العزّة و الكرامة و السؤدد و الرفعة و الانتصارات و الملاحم و ما إلى ذلك من خطاب تنزيه الذات، و الحالة الإسلاموية ـ السّنّي و الشّيعي ـ كلاهما يتسم بما يشبه هذه الحالة غير أن الخطاب الإسلاموي السّنّي أقرب إلى القومية من ذلك الخطاب الشّيعي المتأثر بالأممية الماركسية، و خطاب تنزيه الذات ينتهي إلى الضمور ثم الموت لأنه و بكل بساطة ليس خطابا نقديا يفتش عن الإشكالات بل يبحث عن المشرق في الماضي.
يقول عزيز العظمة:
"أسرّ لي أحد كبار الأكاديميين العرب منذ سنوات قليلة، بعد إلقاءه محاضرة حول ((الكرامة في الفكر العربي – الإسلامي)) في إحدى الجامعات الخليجية، إلى أنه ألقى المحاضرة نفسها في مكان آخر تحت عنوان ((الكرامة في الفكر العربي)) و أنه حول العروبة إلى العروبة – الإسلامية في مجمل محاضرته. كان واضحا أنه يعتقد أن في الأمر مجاملة لفظية، و أنه غير واع أن الأسماء ليست بالكائنات البريئة، بل إنها مشوبة بتداعيات و استتباعات تربطها روابط سياسية و أيديولوجية أكيدة" ـ العلمانية تحت المجهر ص 221
إن محاولة الفصل بين الخطابين الدّيني و القومي هي محاولات بائسة و فاشلة و عديمة الجدوى، فكلا الخطابين لهما جذور مترابطة في عمق التاريخ و كلاهما أثر في الآخر، فالنزعة القومية التي نعنيها في تعبير "الجذور التاريخية" ليست هي ذاتها القومية في المفهوم المعاصر للكلمة لكنها تشبهها في كثير من الأوجه، فالنزعة القومية وجدت حتى في صدر الإسلام و كان الخليفة الثاني عمر مثلا يعتبر أن العرب "مادة الإسلام"، و لهذا راجت نظرية "الخلافة في قريش" لأنها قامت بالفعل على أساس أن قريش هي خلاصة العرب و دمائها و لغتها و دينها هي الأكثر "عروبة"، و لهذا السبب أيضا راج التشيع و مذهب أبي حنيفة لأنهما لم يشترطا أن يكون الحاكم أو الخليفة قريشيا، و الشيعة و إن كانوا يقولون بإمامة أبناء علي و فاطمة لكنهم يعتبرون هذا التوريث في الإمامة ليس بذي علاقة مع كون قريش خلاصة العرب، لأن قريشا و بكل وضوح عادت النبي محمد و عليا.
لقد أحس البعثيون و الناصريون و سائر القوميين بحاجتهم الماسة إلى البحث عن مصدر استلهام آخر، غير الاشتراكية و الماركسية التي اضمحلت و خرجت من الواجهة، و كان هذا البديل هو التؤام الإسلاموي، لذلك نجد أن البعث و حينما مات مؤسسه ميشيل عفلق ادّعت السلطة البعثية أنه "اعتنق الإسلام" قبيل وفاته، و أن ميشيل عفلق ـ أبو محمد ـ كان مؤمنا ورعا، و بات الصراع الآن، بعد أن كان بين ثلاثة أطراف هي القومية و الماركسية و الإسلاموية، قائما بين طرفين، القوميون و الإسلاميون من جهة و اللبرالية و الحرية من جهة أخرى، و المعسكر الإسلامي و لأنه طائفي فإنه في طريقه للانقسام بين متدينين لبراليين، و هذه الظاهرة في تزايد مضطرد في الوسطين الشيعي و السني، و قسم آخر باق في أجنحة التطرف و المواجهة العنفية و خطاب الصراع.
و بعد أن ينتهي عزيز العظمة من موقفه النقدي ـ و هو قصير و مبتسر مقابل تطويل و تفصيل أكثر لعبد الوهاب المسيري ـ يبدأ هذا الأخير، أي المسيري، في ربط القومية بالإسلاموية، و بنظره فإن القومية بدون الإسلاموية تصبح فاشية، لكن السؤال الملح هنا هو هل أن هذه "الأسلمة" تخرج القومية من إطارها الفاشي، ينبغي أن لا نستعجل الجواب هنا فنجيب بنعم أو لا، بالأسود أو الأبيض، بل ينبغي لنا أن نتعمق في الموضوع لنكشف عن الصورة الكاملة و الواقعية للوضع لنستطيع من ثم تفكيك العلاقة بين الحالتين القومية و الإسلاموية، يقول عبد الوهاب المسيري و بعد أن ينكر على العظمة كون الإسلاميين قد رفضوا القومية فيقول ـ و أسلوبه هنا ركيك للغاية ـ :
"فهل سمع ـ يعني عزيزالعظمة ـ عن البيان الختامي الصادر عن المؤتمر القومي الإسلامي الثالث (الذي عقد في بيروت في يناير 2000) و الذي يتحدث عن ((الأمن العربي – الإسلامي)) و عن ((صيغة التفاعل بين قيم الأمة الروحية و الحضارة الأصيلة، و بين منجزات العصر و ثمار تقدمه العلمي و التقني، فيما فقد العديد توازنه فضاع بين انغلاق و تقوقع يسدان آفاق المستقبل فيدخلان الأمة في ظلمات و فتن، و بين التحاق و تبعية يقطعان الاتصال بالجذور))، و قد لاحظ المؤتمر (ما لم يلاحظه الدكتور العظمة) و هو تطور العلاقة بين التيارين القومي و الإسلامي.." ـ العلمانية تحت المجهر ص 233 ـ 234
من خلال التعمق في هذا الخطاب فإن ما جمع بين القومي و الإسلامي هو تشابه الأطروحتين و كونهما يعيشان أزمة، فكلا الخطابين يعيش على قضية الصراع مع الآخر ـ الكافر المستعمر الصهيوني .. إلخ – و بدون الصراع فإن وجودهما يصبح مشكوكا فيه، كما أن قضية الداخل أو الاعتراف بأزمات الداخل تغيب كليا عن كلا الخطابين، خصوصا حينما يصلان إلى السلطة، و التركيز دوما على الخطر الخارجي و توحيد الصفوف استعدادا للمواجهة، فليس هناك أي مساحة للقضية الديمقراطية و حقوق الإنسان و حرية الفكر، كلاهما يتعامل مع الشعب + الأمة "هذا المخلوق الهلامي" باستخفاف لا يعطي أي قيمة للفرد و تطوره، فهناك على الدوام مخاوف من "الظلمات و الفتن" التي يمكن "للأمة" أن تتيه فيها، و خطاب مغلق كهذا بالطبع سيحاول إيجاد قرين له بهدف البقاء و عدم الانقراض، لذلك نجد أن هناك تقاربا بين الإسلاميين و القوميين و تنافر بين كلا هذين الطرفين تجاه اللبراليين الإنسانيين أو حتى تجاه الإسلاميين المستعدين للتعايش في ظل التعدد، فاللبراليون يعطون الأولوية للاعتراف بالأزمات الداخلية و من ثمّ إيجاد حلول لها، و هذا ما يتناقض مع الإسلام السياسي و القومية ـ العربية و غير العربية ـ كونهما يؤمنان بصهر و دمج الكل و التنوع في نوع واحد، فكما يجب صهر البدع و المذاهب الهدامة في إسلام رسمي موحد موقع عليه من قبل الرئيس و المشايخ، يجب صهر اللغات و الانتماءات العرقية في انتماء قومي واحد، و قد تحولت مناهج قومية كانت تعاني اضطهاد القومية العربية إلى اضطهاد القوميات الأصغر، فهذا الطبع أو المنهج هو صفة ملازمة للتوأمين الإسلامي و القومي.
كما أن تعبير – أمـّة – يشكل أحد أهم أوجه الخلاف بين هذين التوأمين و اللبرالية، فبينما تصرّ اللبرالية على أولوية المواطنة و الوطن على الانتماء القومي و الديني = الطائفي، يلغي الإسلاميون و القوميون مفهوم المواطنة ضمنيا و إن اعترفوا به لفظيا، لأن الأولوية عندهم تتجاوز مساحة الوطن، و مهما قيل عن مفهوم "أمة" بالتعبير القرآني و أنه مفهوم تم تشريعه قرآنيا!! إلا أن مفهوم الأمة ـ السياسي المستخدم حديثا ـ يختلف كليا عن القرآني، فالقرآن أطلق كلمة أمة على أكثر من مفهوم، فالأمة قد تعني شخصا كإبراهيم أبو الأنبياء و قد تعني بتعبير القرآن مدة من الزمن أو شعبا، من هنا نجد أن التباسا في الألفاظ و معانيها هو ما يجعل قطاعا كبيرا من هذه الشعوب تقع ضحية التوأمين القومي و الديني، هذان التوأمان يقومان بإنشاء تعابير ذات عمق تاريخي ديني مقدّس و من ثم يقومون بتلبيسها بلباس الثقافة الفاشية و التطرف الدّيني، مع العلم أن ذلك المأثور أو النص الديني لا يوافقهم إلا لفظيا دون المفهوم المرتبط بالسياق الكامل للنص المقدّس.
و ينقل المسيري عن أحد الكُتّاب القوميين ـ كنوع من الاعتراض على عزيز العظمة و هو عادل حسين ـ القومي الإسلامي ـ (جريدة الشعب المصرية 1 فبراير 2000) و الذي يقول:
"إن الخلافات بين التيارين [القومي و الإسلامي] لم تعد واسعة على النحو الذي كان في الخمسينيات و حتى أوائل التسعينيات، فالقوميون المحتفظون بأصالتهم و صلابتهم بهتت عندهم الآن آثار العلمانية و الماركسية التي أبعدتهم إلى حدّ كبير عن تفهم الإسلام على نحو صحيح، و عن الانتماء العميق له باعتباره عقيدة للغالبية، و باعتباره التراث الحضاري للأمة العربية كافة (مسلمين و غير مسلمين).. و بالنسبة إلى الإسلاميين، فإن القسم الأعظم منهم انخرط في اجتهاد معاصر، و وصلوا من ذلك إلى برامج تحدد الأعداء و الأهداف و الأوليات، فلم يعد الإسلام عندهم مجرد تذكير بالأصول و الأسس العامة، فالاجتهاد المعاصر أصبح معنيا بتنزيل هذه الأسس العامة على المكان و الزمان اللذين نعيش فيهما الآن" ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 234 ـ 235
لاحظ مدى تشابه خطاب التيارين و اتحادهما في التعابير، بل إن ما يُسمى بـ"الاجتهاد" هنا ليس إلا إنشاءا محصورا بـ"تشخيص الأعداء و الأهداف"، أي أن الفضاء المركزي للمنهجين و الذي يتجه إلى الانصهار هو فضاء واحد، فهناك أعداء خارجيون و أعداء داخليون و المنهج بسيط و ساذج ـ عقيدة الأغلبية ـ فليس ثمة نقاش فكري حول فاعلية و فعالية المنهج بقدر ما هو تبسيط ساذج يسهل ترويجه في مجتمعات يغلب عليها الأمية و العاطفة و الفقر المدقع، إن القومي هنا هو ذلك "الأصيل و الصلب"!! و هو أشبه بأحد مقاتلي القاعدة و الطالبان الذي يجب أن يتصف بأكبر قدر من الفظاظة و القسوة، بمعنى آخر أن على القومي أن يكون حادا في الرفض و ذا لون واحد، فلا ديمقراطية و لا حريات لأن كل ذلك هو حرام و سقوط أخلاقي و ما إلى ذلك من تعابير الإسلاميين، إن التحالف القومي الإسلامي سيكون أبشع من ذلك القومي اليساري، لأن التحالف القديم كان معرضا للنقد من خارج على الأقل، لكن هذا التحالف الجديد هو "مقدّس" بمعنى أنه متعال و إلهي، إن الإسلام كتراث و نصوص يحمل في جنباته أصول المحاسبة و الالتزام القانوني { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} الانعام 164 لكن المشكلة تكمن في تحول النص الديني الإيماني إلى شعار سياسي، و هذا التجميل و التنميق اللفظي كـدور "الاجتهاد في الزمان و المكان" و غير ذلك من تعابير، لن يغير من حقيقة أن ما مرّ بالمنطقة العربية و الإسلامية من أيام سوداء في ظل الأصوليات القومية و الإسلامية و الماركسية سيكون أياما مشرقة إذا ما إذا ما قورن بما سوف يتحقق في ظل هيمنة التحالف القومي و الديني، فلكل منهما قائمة طويلة من الأعداء بدءا بالكفار العلمانيين و اللبراليين و الوطنيين الديمقراطيين، مرورا بالروافض الشيعة و المعتزلة و الصوفية و العقلانيين و القرآنيين و المسيحيين و اليهود و الصابئة و اليزيديين و الزرادشتيين و البوذيين و انتهاءا بالفنانين و الفنانات و المبدعين و شاربي الخمر و الشاذين جنسيا و القائمة طويلة.
إن القومية القديمة كانت ترفع شعار الحداثة ـ و إن كان كاذبا ـ لكن التحالف القومي الجديد سيخنق الحداثة و يلهث بعد أن يسمع آخر أنفاسها و هي تختنق، لأن البرنامج السياسي لهذا التحالف ليس إلا جدولا طويلا جدا بأسماء المحرمات و الأعداء و أساليب الحرب، كل طرف يريد الآن الانتقام من ثقافة الحداثة، الإسلاميون يريدون الانتقام لإسقاط نظام طالبان في أفغانستان في 2001 و القوميون يريدون الانتقام لإسقاط نظام البعث في 2003 ، و لا يبدو لي الوضع في الدول العربية ـ عدى العراق ـ مهيئا لثقافة بديلة، و هذا التحالف لن يكتفي بالمواجهة الخارجية فحسب، بل ستكون الكارثة في انقسام داخلي مدمر، و هو ما أتوقعه لمصر كمثال بعد 2012 التي أرشحها أن تكون ساحة تصفية و حرب أهلية في حال لم تنفتح السلطة هناك على المشاركة الحقيقية للشعب.
يواصل المسيري الاقتباس من مقال عادل حسين الذي يقول:
"حين حدث هذا التطور في أهل التيارين، أصبح القوميون الأصلاء على أرض الإسلام مسلحين بتجاربهم السابقة، حيث شكّلوا و قادوا دولا تقارع الحلف الصهيوني الأمريكي، و تكافح ضد التخلف التكنولوجي و الاقتصادي و من أجل العدالة الاجتماعية.. و في المقابل تبلور لدى الإسلاميين المجددين، و مع تحديدهم القاطع للأعداء، و مع تحديدهم للأهداف و الأولويات، أنهم أيضا أصحاب موقف واضح ضد التخلف (مثل القوميين) و من أجل العدالة (و إن تباينت التفاصيل في المناهج).. و يدرك أصحاب التيارين أن سعيهم المشترك لتأسيس حضارة بازغة أصيلة لا يقوم على مسلمي المنطقة وحدهم، فالحضارة الإسلامية هي إرث لأبناء المنطقة العربية مسلمين و مسيحيين، و بعث هذه الحضارة (بتدينها و قيمها) لا يتحقق و يثبت إلا بمشاركة الجميع كمواطنين متكافئين" ـ العلمانية تحت المجهر ص 235
هذا الخطاب نفسه يُدرك أنه في أزمة، فهو إذ يتحدث عن إمكانية دخول الأمة ـ القومية أو الدينية ـ في الضلال أو الزيغ أو الافتقار للأصالة (حسب تعبيرهم) إنما يعكس شعوره و إدراكه أن منهجه أصبح مهددا بالانقراض لأن الشعوب في هذه المنطقة أدركت أنها أفكار لا تنتمي إلى المرحلة الحالية حيث العولمة و تعدد الأفكار، كما أن هذا الخطاب لا يحاول إلا دغدغة المشاعر، فهو إذ يُدرك أنه بدمجه القومي ـ الإسلامي (لاحظ معي أن هذا الإسلام الذي يرفعون شعاره طائفي أيضا) قد أثار مخاوف المسيحيين ـ و مصر كمثال لديها أكبر ثاني ديانة ـ و هو بالتالي و عبثا يحاول دغدغة مشاعرهم و عطفهم.
مواجهة التيارين لظاهرة (التخلف) ليست بالبرنامج الفعلي أو لنقل أن هذا التخلف هو أصلا من انتاج التيارين عبر تعميقهما ثقافة الهيمنة و السيطرة و تعدد الأعداء، فلكل منهما مجموعة ثوابت سياسية و أخلاقية و التعدي على أحد هذه الثوابت سيشكل بالفعل مشكلة لأنه سيعتبر كفرا و خروجا و تمردا على إرادة الله، جوهر المشكلة يكمن في تجاهلهما لتهميش المشاركة الشعبية، و السائد ثقافيا في دول المنطقة هو أن المشاركة تعني الخروج في مظاهرات تأييد لا أكثر، أما حرية الضمير و الرأي و انتخابات تعددية و التداول السلمي للسلطة و حرية الفرد و تشريع قوانين ترسخ حرية الصحافة، كل هذه المصطلحات غائبة بالكلية عن هذين التوأمين اللذين يتم أو تم بالفعل دمجهما في بعض المناطق، هذا إن لم نقل أن هذه التعابير ـ الغائبة ـ تعتبر أصلا من قبل القوميين و الإسلاميين هي "لغة الآخر – العدو" و هي مرفوضة جملة و تفصيلا، النتيجة الطبيعية هنا هو استمرارية الحلقة المفرغة ـ ثقافة الكراهية و الحرب تنتج احتقانا شعبيا و الاحتقان ينتج سلطة أكثر تطرفا و السلطة تنتج هذه الثقافة مجددا.
لم يقل لنا هؤلاء كيف سيواجهون أزمة التخلف التكنولوجي و الاقتصادي في غياب حرية التجارة و هيمنة عقلية المقاطعة، و لم و لن يتحدثوا بشكل مفصل أو واضح عن ماهية تلك "العدالة الاجتماعية" التي يناشدونها، فقبل أي عدالة اجتماعية ينبغي أن يتمتع المواطن بالحرية و أن لا يخشى التعبير عن رأيه و مواقفه الفكرية تحت غطاء من التكفير أو التخوين، كل المشاريع هي حبر على ورق ما دامت المواجهة و الحرب من ضمن البرنامج السياسي.
في عراق ما بعد إسقاط البعث، أصبحت الأحزاب العراقية رغم كونها من النمط القديم من حيث التنظيم و الإدارة، أصبحت تتجنب استخدام الخطاب القومي و الديني و تتجنب أي حديث عن "تحرير فلسطين" و "مقارعة الاستعمار و الإمبريالية ـ أو الأمبرة بتعبير عادل إمام في مسرحية الزعيم"، لأن هذه التعابير تثير سخرية الشعب العراقي، و حينما يقوم حزبُ من الأحزاب بذلك فإنه يفعل ذلك بعجالة و بشكل سريع لئلا يثير سخرية الآخرين، فالطراز القديم من هذا الخطاب التبجيلي و التنزيهي آخذ في الانقراض، و كما توقع علي الوردي فإن كلمات "أظن و أعتقد و من المحتمل و ربما" أخذت تملأ الساحة الفكرية بدلا من "أؤكد و يقينا و قطعا" و غيرها من تعابير الثقة المطلقة.
يحاول هذا التوأم إقناعنا بأنه يسعى إلى بناء ثقافة يشترك فيها المسلم و غير المسلم – المسيحي مثلا – و لكن الإشكال الكبير هنا هو أن الدّين ما دام تحول إلى السياسة فإنه لن يقبل ولاية "الكافر" على "المسلم" و هناك من يستخرج هذا المفهوم من القرآن و يستشهد به، و هو إشكال حقيقي ما دام لم يُنظر إليه نظرة تاريخية، كعلاقة هذه القضية ببدايات ظهور الإسلام، بينما الحاضر و في ظل الانفتاح و الحرية بات ممكنا لكل إنسان أن يدعو إلى دينه و بكل حرية، و لكن الإسلاميين و القوميين الجدد يتعاملون مع الإسلام و كأنه لا يزال مهددا بالانقراض و كأن مليار مسلم عدد غير كاف أو قليل.
و يضيف عادل حسين ـ كما ينقل لنا المسيري ـ :
"و غني عن البيان أن مفهوم الوحدة العربية أصبح واحدا لدى الفريقين، و أصبح حاكما لحركة الكل، فلا القوميون (خاصة في المشرق) يرون الآن أن الدعوة لوحدة العرب منفصلة عن السعي للتعاون الوثيق مع الدائرة الإسلامية الأوسع، و لا حديث الإسلاميين عن الأمة الإسلامية أصبح يتعارض عندهم مع أولوية الدائرة العربية.. و بهذا الالتقاء في المقصد، فإن فكر التيارين أصبح مناط الأمل لتجاوز التمرس الحالي حول الدولة القطرية، التي أصبح التعصب لها عائقا ثقيلا في وجه إقامة الدولة العربية الواحدة" ـ العلمانية تحت المجهر ص 236
إنه خطاب المشاريع الكبيرة و من دون مقدمات موضوعية أو عقلانية، إنه ذات الخطاب التبشيري الذي يلتقي فيه القوميون ـ البعثيون ـ و تنظيمات القاعدة ـ الإخوان ـ حزب الله و المؤمنين بولاية الفقيه، هذا الخطاب يتعامل مع العالم الإسلامي و العربي كمعسكر يجب تحضيره للمواجهة و المعركة القادمة مع إسرائيل أو الغرب، و في هذا الخطاب لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لذلك فإن كل الأزمات الداخلية تبقى مؤجلة و لا يمكن مناقشتها فضلا عن البتّ بشأنها.
إن قيام أي وحدة سياسية، كالإتحاد الأمريكي أو الأوروبي، مرهونة بمدى تماسك البنية الداخلية، و قضية التماسك و الترابط الوطني أو العقائدي يتم معالجتها في العالم الإسلامي و العربي عبر فرض (عقيدة – أيديولوجية) يتم فرضها مركزيا محملة بجملة من المحرمات و الممنوعات، و ما دامت هذه المنهجية هي المسيطرة فإن التماسك الداخلي يضعف بشكل تدريجي، كما حصل في الاتحادين السوفيتي أو اليوغسلافي، بينما الاتحادات القائمة على الديمقراطية و التعددية و حرية التعبير متماسكة و هي نشطة أكثر، لأنها تنطلق من حرية مواطنيها كأساس لها، و ليس من عقيدة أو أفكار مفروضة سلفا و هي غير قابلة للنقاش، و كمثال فإننا نجد أن بوسع أي مفكر أو خبير سياسي أن ينتقد حتى أدق تفاصيل هذه الاتحادات ـ الأمريكية و الأوروبية ـ من كافة النواحي السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية دون أن يخشى اتهامه بالارتداد أو الخيانة و ما إلى ذلك، إن الصنمية ليست حجرا أو بشرا يُعبد، بل إن كل فكرة لا تقبل حق الآخرين في نقدها أو مناقشتها هي صنمُ معبود و يجب تحطيمها، و الوحدتان العربية و الإسلامية صنمان يجب تحطيمهما لا بالقوة و الانقلاب و لكن عبر النقد و البحث العلمي، فالإسلامية مثلا ليست مجرد شعار أو علم عاطفي كما نرى في الواقع الحالي، و لكنها يجب أن تصبح مجالا رحبا للبحث و النقد ـ الهدّام و غير الهدّام ـ لأننا إذا كنا سنفرض مسبقا شروطا معينة لهذا الدرس و البحث فإن هذا البحث لن يخرج بجديد، و سنكون قد جمدنا في المكان ذاته.
يحاول المسيري و مفكرون آخرون بعث الروح في ذلك الكائن القومي الميت عبر حقنه بدماء جديدة (إسلامية) تتمتع بنوع من الأممية – حالها حال الماركسية – لتتجاوز مرة أخرى أُطر الوطنية و المحلية ليتم فرض "همّ" أو "قضية" تلغي كل الهموم و المشاكل المحلية و الوطنية، و السؤال هنا هو: (هل أن بالإمكان بعث الحياة في جسد القومية الميت)؟
قد يبدو للقارئ أننا قد ابتعدنا كثيرا عن موضوعنا الأساسي الذي يجب أن يرتبط بالعلمانية، لكن في الواقع فإننا هناك ارتباطا عضويا بين مصير و نهاية الأيديولوجيتين الإسلاموية و القومية و حاجة هذه المجتمعات – المتأزمة في أكثر من مجال – إلى تفكير عقلاني و تنويري و علمانية مُعززة بحرية الفكر و الاختيار، فكل أزمة لا يتم مناقشتها في جوٍّ من الحرية و الانفتاح تنتهي بجملة أزمات أخرى، حالها حال أحجار الدومينو.
يوجه عبد الوهاب المسيري إلى عزيز العظمة جملة أسئلة فيقول:
"هل المطلوب إذاً هو نزع ما تبقى فينا من خصوصية و إلقاء أنفسنا في تيار العلمانية العامة و العولمة الشاملة؟ هل الحفاظ على اللغة العربية، الوعاء المستمر للمنظومة الحضارية العربية و القيمية الإسلامية، و على الحرف العربي من قبيل الماضوية؟ هل أن يُترك شعب بأسره، بعد أن قام آتاتورك بتغيير الحرف العربي و تبني الحرف اللاتيني، دون تراث أو ذاكرة هو النموذج الذي يحتذى؟ هل ينبغي علينا إذاً استيراد كل شيء: الأزياء و الطعام و القيم و صورة المستقبل و اللغة؟.." ـ العلمانية تحت المجهر ص 238
هذا الخطاب التسطيحي يختزل جملة أمور، فما هي الخصوصية؟ و ما الفائدة من الخصوصية أو الهوية إذا كانت هي أصلا سببا لكل المشاكل؟ و ما هي اللغة العربية التي يريد المسيري و هويدي و الإسلامويون أن يحافظوا عليها؟ و إذا ما دققنا في سايكولوجية هذا الخطاب سنجد أنه مبني على المخاوف، إذ من السهل تحطيم الإسلام و اللغة العربية و القرآن بجرة قلم من جنرال، و هذا التعامل مع الحاكم بصفته "الإلــه" هو الذي يجعل من المتلقي المسلم و العربي سريع التصديق في أن هذه المخاطر واردة، فمن الناحية التاريخية و العلمية فإن اللغة – كما الثقافة – شيء متحول و يؤثر و يتأثر في الوقت نفسه، فاللغة العربية في زمن النبي تختلف عن العربية في عصر العباسيين ثم الممالك فالعثمانيين و انتهاءا بالعصر الحديث، و ما قام به آتاتورك تجاه اللغة التركية كان بسبب هيمنة نمط إسلامي ـ سني واحد على الساحة التركية و كان هذا النمط يهدد بالفعل مستقبل تركيا كدولة حديثة، فقد تم حصر الدّين و تدريسه بعد التغيير الجمهوري بالمعممين و من ثم أمكن لرجل الشارع التركي البسيط أن يتفرغ لحل مشاكله من دون هيمنة رجال الدين، و العربية التي يريدوننا أن نحافظ عليها تناقض القرآن نفسه، و حسب النحو العربي فإن القرآن فيه أخطاء، فأيهما أحق باللوم، القرآن أم ذلك النحو الذي لم يعد إلا – في أغلب مسائله – مادة للجمود و التقليد و قل و لا تقل، و كأن كل أزماتنا الحضارية و الفلسفية و النفسية هي أزمة (ألفاظ) و (مسمّيات) و (تعابير) و بمجرد معالجتنا لها بهذا المنظور اللفظي نكون قد تجاوزناها، و لكن النظرة العلمية هي على العكس تلح علينا في أن ندرس الأزمة بما يوافق تطور الأفق الإنساني و متغيرات الواقع.
إن ما يخيفنا منه هؤلاء هو متحقق بالفعل على أرض الواقع، و إذا كان عبد الوهاب المسيري يسأل:" هل المطلوب إذاً هو نزع ما تبقى فينا من خصوصية و إلقاء أنفسنا في تيار العلمانية العامة و العولمة الشاملة؟" فإن طرحه هذا و محاولته إيجاد صيغة أخرى غير تلك التي تجري بالفعل كنواميس طبيعية و تاريخية لن يغير من الواقع شيئا، فهذه الشعوب تم إيقاعها في أزمة حقيقية حينما تمّ تعقيد الوضع عليها فلم تعد تستطيع تقبل الحداثة و لغة العصر و التنافس الطبيعي مع الآخر الحضاري، و في الوقت نفسه نجد أن الوجه الآخر لهذه الأزمة الفكرية و النفسية يتمثل في الموروث الدّيني الذي أصبح متصلبا و جامدا و ممنوعا من التفكير، بل حتى يتجاوز حدود الممنوع ليصبح من "اللا مفكر فيه"، و انهيار هذه الشعوب أمام العولمة يتمثل في ازدواجية الخطاب في رفض العولمة و السقوط كضحية لهذه العولمة في الوقت نفسه، و هو تناقض يضيف مزيدا من الازدواجية و التناقض لما هو موجود أصلا في شخصية المسلم و العربي، و هذه الشعوب سواءٌ رفضت العولمة Globalization أو لم ترفضها فالواقع الذي لا يحتاج إلى برهنة أو دليل يُظهر لنا كيف أن هذه الشعوب أصبحت بالفعل تستورد كل شيء بدءا من اللباس و الطعام و حتى سجادات الصلاة و العباءات التي تخفي المرأة عن أعين الرجال، إن المسألة هنا ليست ما إذا كانت الحفرة التي وقعنا فيها قبيحة أم مريحة؟ بل كيفية الخروج من هذه الحفرة و إيجاد طريق للخلاص من هذا الواقع.
التبرير الأهم الذي يستخدمه عبد الوهاب المسيري لرفض العلمانية جملة و تفصيلا ـ و هو إنما أعلن تقبله لنوع من العلمانية (الجزئية) لا عن قناعة و إنما إرضاء لطرف سياسي ـ هذا التبرير يتمثل في "الافتقار إلى المعنى"، ففي الدول الغربية نجد كثيرا من المفكرين الذين لا يجدون في الكون معنى أو غاية، و هنا يطرأ في الذهن هذا السؤال البسيط – قبل مناقشتنا للموضوع بشكل مستفيض - : الطبيعي في الإنسان أنه كائن متلازم مع المشاكل فهو إذ يفكر فهو ذو مشاكل و إذا لم يفكر فإنه سيبقى صاحب مشاكل فللإنسان مشاكله حينما يكون متخلفا و للإنسان مشاكل حينما يكون متطورا.. اللهم إلا إذا أصبح كالحيوان عديم العقل و فهذه الحالة فقط لن يكون لديه أي مشكلة"..
يستشهد المسيري بكريستول في حديثه عن أزمة العلمانية و أنها انتهت إلى ما يشبه الطريق المسدود، و يرتكز – أي كريستول - في الاستنتاج على نقطتين أساسيتين: أولا: أن الأخلاق لا يمكن أن تعتمد على العقل دون البعد الديني. ثانيا: أن الجماعة يضعف انتماؤها و تماسكها في عالم يفتقر للمعنى "العلمانية تحت المجهر ص 245 – 246".
يجدر بنا ها هنا أن نناقش هاتين النقطتين بشكل مستفيض لكي تتوضح لنا ماهية هذه النظريات و الفرق الشاسع بين مجتمعاتنا التي تتخذ من هذه الأسئلة الفلسفية الغربية تبريرا للبقاء حيث هي في عالم التخلف و الخرافة و بين ذلك الغرب الذي تكيف مع التطور.
ففي النقطة الأولى المتعلقة بالأسس الدّينية للأخلاق نجد أن الأخلاق الدينية نفسها متغيرة و متحولة و تتكيف حسب كل مجتمع و مدى رُقيّه العقلي و الثقافي، فالمعترضون على العلمانية هنا يستدلون بظواهر أخلاقية في المجتمعات الغربية – كالشذوذ و زنا المحارم و غيرها – و الغرب لا ينفي هذه الظواهر بل يتداول المجتمع و بكافة قطاعاته المتدينة و غير المتدينة مناقشة هذه المسائل، و يتم طرح هذه الظواهر – كما يفعل عبد الوهاب المسيري و أضرابه – كنقيض للشرق "الملتزم أخلاقيا"!! و الإشكال العقلي و العلمي هنا هو: هل أن الشرق أو المجتمعات الملتزمة دينيا أكثر تماسكا و ارتقاءا من حيث الأخلاق؟ الواقع يقول أن هذه المجتمعات "الدينية" مليئة بالتحرشات الجنسية و الاعتداء على الأطفال أو الحيوانات و جرائم القتل "تحت تبريرات دينية أو غير دينية" و المشكلة هنا هو بحث المفكرين "المثاليين" عن ذلك الإنسان الذي لا يرتكب الجرائم و المستقيم أخلاقيا.
إن الخطأ أو المخالفة أو الخرق للمبادئ الدينية أو القانونية شيء يكاد يتلازم مع وجود الإنسان تلازم البلل مع الماء و الحرق مع النار، و لكن هذا التلازم لا يعني أن نلغي القانون أو المبادئ الأخلاقية، و الفرق هنا بين النمطين – المجتمع الديني و المجتمع العلماني – أن الأول يقوم بتغطية و إخفاء الحقائق إما بدافع من السلطات الدّينية أو بفعل التابوهات و المحرمات الاجتماعية التي تمنع الفرد من إظهار ما لحق به، و كثيرا ما تسببت هذه الثقافة بإخفاء جرائم اغتصاب أو حالات اعتداء على الأطفال أو الأيذاء الجسدي "لاحظ أن المسيري و أضرابه يستثيرهم فقط ذلك الجانب الجنسي من الأخلاق"، بينما النمط الثاني السائد في الغرب يمتلك ثقافة الصراحة و الشفافية و حق الجميع في الوصول إلى الحقيقة، و هذه الثقافة بالتأكيد رغم أنها تعترف بمشاكلها إلا أن بداية حلّ أي مشكلة هو الاعتراف بوجودها مقدما.
يحاول المسيري الوصول عبر هذا النقاش و الاستدلال بكريستول للوصول إلى التالي:
".. إن المتوقع أن يحدث بعث جديد للمسيحية في المجتمع الأمريكي، و هو توقع أكدت الأبحاث صدقه." ـ المصدر السابق ص 246
بمعنى آخر هنا هو يلح على المجتمعات الشرقية في العودة إلى القيم و المبادئ الروحية، و لكن المشكلة التي يعانيها العالم الإسلامي و العربي ليست في "هيمنة الدين" بقدر ما هو هيمنة "الدين الخرافي" و "الإيمان السلبي بالقدر"، و هو ما يعني هيمنة نقيض ذلك الدين الإيجابي و الذي لا ينمو و يتوسع إلا في ظل الحرية و حق الجميع في طرح الأسئلة، إن عودة المسيحية بحد ذاتها في الغرب تمثل ردّا قاطعا على عبد الوهاب المسيري و أمثاله من الناقدين، فهذه العودة لن تلغي حقوق الإنسان و حق الفرد في البحث و طرح الأسئلة، بينما في مجتمعات العالم الإسلامي لا مجال أصلا لطرح السؤال لأن الأجوبة معروفة سلفا و مقرة و موقعٌ عليها من قبل "الحكومة الرشيدة"!!، ففرق كبير بين أن يختار مجتمع ما انتماءه العقائدي أو الإيماني و بدون إكراه و بين الانصياع لعقيدة ما بواسطة "الحرس الثوري" أو "هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر" ـ يستحضرنا هنا النموذجان الإيراني و السعودي.
فالنقد المسيري هنا إذ يعترف – على استحياء – بأن للعلمانية منجزات ثم، و عبر الإشارة إلى مساوئ هذه العلمانية، و بجرة قلم، يصفها بالمظلمة و البربرية و الهمجية، هذه العملية النقدية المشوهة ليس هدفها النقد البحثي الذي يبغي الوصول إلى محطة عقلية جديدة و إنما التبرير لاستمرار الوضع الحالي على ما هو عليه و التنظير لدمج الخطابين الإسلاموي و القومي، و هي خطة قيد الإنجاز حاليا لمواجهة المشروع الديمقراطي العلماني الإنساني و الذي يطمح إلى إيجاد توازن بين الحرية الفردية و الحريات الأخرى، و من ضمنها حرية الدعوة الدينية، و هنا فإن المشروع الذي يهمني هو المشروع العراقي الذي بدأ فيما بعد إسقاط البعث و صدام، و مناقشتنا لأفكار و أطروحات مفكرين عرب هو لأننا لسنا بمعزل عن تدخلات هذا المحيط و انعكاساته على الأرض العراقية، خصوصا و أن الوحش القومي العربي يهيء نفسه للانقضاض من جديد على العراق.
يشير المسيري إلى أن المفكرين القوميين و اليساريين العرب قاموا بمراجعة "نقدية" لمقولات الحداثة الغربية و أنهم وجدوا "ما تحقق منها يبشر بالخير" ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 246 ثم يضيف إلى ذلك أنهم وجدوا البعض الآخر له نتائج سلبية و مظلمة، و أنها جاءت مع "قوات الاحتلال – حسب تعبير المسيري" و الاستعمار و هجمته على بلاد العرب و المسلمين..!! و هذه ليست مراجعة نقدية كما يريدنا هو أن نظن، بل موقف عاطفي مسبق يهدف إلى وقف عملية النقد الفعلية التي ستنتج موقفا مغايرا لموقف الصراع و العداء، فالغرب و من خلال مؤسسات الاستشراق قام بدراسة الشرق الإسلامي و بشكل موسوعي و موضوعي – بالقدر الممكن – و عبر هذا المنهج استطاع الغربيون أن يستوعبوا المستوى العقلي و الثقافي للعالم الإسلامي المغرق في الخرافة و الوهم، بمعنى أنه مستعبد للطقوس الدينية لا للحقائق الدينية، كما أن قضية الغزو و العلاقة العدائية هي ظاهرة إنسانية موجودة في كل التاريخ البشري، و لا ننسى هنا أن المسلمين أيضا قاموا و طوال العهود الأموية و العباسية و العثمانية بمحاولات غزو أوروبا و العالم المسيحي حتى بلغ جنوب فرنسا و إيطاليا و أوروبا الشرقية.
ما يهم القوميين العرب و غير العرب في العالم الإسلامي و تحالفهم مع التيارات الإسلامية في نقدهم للعقل الغربي، هو أنهم يريدون من الغرب التقنية و التطور المادي فقط، بعيدا عن روح الحضارة الغربية التي تحمل في داخلها مفاهيم العدالة و الحرية و نظام حقوق الإنسان، هؤلاء أنفسهم الّذين ملأوا الأجواء بخطابهم عن "الغرب المادي" يريدون من شعوبنا أن ينظروا إلى الجانب المادّي فقط من الحضارة الغربية، و كأن هذه المادة و التطور الصناعي ليست نتاج مبادئ و مفاهيم عقلانية و إنسانية!! إنهم ـ المسيري و القوميون و الإسلاميون ـ مغرقون في المادية و النظر المادي الجامد لذلك يتجاهلون المنجز الروحي الغربي، و هنا فهو ـ عبد الوهاب المسيري ـ ينسب أحد أسباب تخلف العالم الإسلامي إلى الغرب الذي خلق نخبا حاكمة يقول عنها أنها:
"مهزومة مستلبة أمام الغرب، أسست نظما سياسية منفصلة عن الشعب و عن رؤاه و مصالحه، و طوّرت مجتمعات تفترسها الرغبات الاستهلاكية و تراقبها المؤسسات الأمنية، حتى يمكن إدارتها بكفاءة لحساب الإمبريالية و لحساب أعضاء هذه النخبة (و أبناءهم و بعض أقاربهم)، هؤلاء اليساريون السابقون يؤمنون بأننا لسنا محكوما علينا بتكرار أخطاء الآخرين و كأننا آلات صماء أو حيوانات عجماوات لا ذاتية لها و لا حرية إرادة، و أنه يمكن العودة عن بعض أوجه الحداثة و العلمانية و يمكن ترويضها و تعديلها، و يمكن إعادة النظر في بعض جوانبها، بحيث نطرح رؤية جديدة للحداثة لا تؤدي بالضرورة للغربة و الاغتراب و التنميط و التشيؤ و موت الإله و الإنسان و الطبيعة." ـ العلمانية تحت المجهر ص 247
هذه العقلية التي تنطلق من استلاب الذات و تنظر إلى الإنسان كموضوع لا مفهوم و شيء لا كالأشياء، من الطبيعي أن تنتهي بتحويلنا ـ نحن الشرقيين ـ إلى ذوات مفعول بها لا فاعلية لها، فنحن نستقبل الآخر ـ الغربي و غير الغربي ـ مجردين من كل فاعلية، فما أسهل أن يخلق ذلك الغرب "المتآمر ـ حسب المسيري " نخبا حاكمة و ما أسهل أن يتم تحويلنا إلى "مجتمعات تفترسها الرغبات الاستهلاكية" و ما أسهل أن يتم إنشاء مؤسسات أمنية (أشبه بمربّي الحيوانات) تقوم بمراقبة هذه المجتمعات، هذه العقلية الانفعالية هي نتاج أوتوماتيكي أو متلازم مع من لا يستطيع من خلال عملية النقد أن يُفرق بين الواقع كما هو أو الواقع الذي نريده و نتخيله، فمن السهل عبر الألفاظ و التنظير في الأبراج العاجية و قصور النخبة أن نفكك و نحلل الواقع و ما يجب أن يصبح عليه!! لكن حينما نشرع بالتنفيذ ندرك أن كل الحديث عن "الواجبات" و "ما يجب أن يكون عليه الواقع" هو محض تخيلات دونكيشوتية لا تنتج إلا المزيد من الفوضى الهدامة، فلكي تغير الواقع لا بدّ من البدء بالانطلاق نحو فهم الآخر و بدون قيود، لأننا ما دمنا نجهل حقيقته و أساليبه و قوانينه سنبقى تابعين و محطمين لأننا نتمسك بمنطق عفى عليه الزمن، فلكي تواجه الإعلام يجب أن تمتلك إعلاما حرّا ناقدا، و لكي تمتلك وسائل انتاج ناجحة يلزمنا سوق منفتحة و حرة و واعدة بالاستثمار و البناء، كذلك الأمر لكافة جوانب الحياة، فقد بدأ الإسلام كدين يخسر أمام الأديان الأخرى لأنه تحول و عبر حفنة من الفقهاء و المستبدين إلى تبرير سخيف و تافه أمام الحرية و التطور و الإبداع.
إن هذه النخب الفكرية الفاسدة ـ التي يمثلها المسيري و هويدي و من على شاكلتهما ـ بالقدر التي تنسب فيه النخب العربية و الإسلامية إلى العمالة للغرب هي ذاتها المدافعة عن بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه، إذ لم يكف أن يكون هذا الوضع مليئا بالتناقضات و بأنظمة علمانية انتقائية ـ علمانية حسب رغبة الحكام ـ حتى يأتي هؤلاء المنظرون و يطالبون بالمزيد من القيود على هذه المجتمعات المقيدة أصلا، فهذه الشعوب لا تمتلك أصلا رغبة في الحياة، فضلا عن حب التملك و الاستهلاك، لكي يصفها المسيري كلها بهذه التعميمية المضللة، فأي مجتمع لكي يتحرك بالاتجاه الصحيح عليه أولا أن يمتلك مقومات الحركة الاجتماعية المتمثلة في الرغبات و الطموحات و نظام التنافس على أسس قانونية، بدون ذلك لن يكون هناك سوى مجتمعات جامدة و متخلفة تنتظر قيام الساعة ليل نهار و لا يهمها إلا النجاة من عذاب القبر، و المثير للسخرية أن هذه المجتمعات كالأخريات تمتليء بالاعتداءات و التحرش الجنسي و الشذوذ و القتل و العنف، و لكن الفرق هنا هو أن المجتمعات المريضة المصابة بفايروس الخرافة تخبيء عيوبها تحت حجاب غليظ من التقوى الريائية و النفاق و تعظيم الشعائر الدينية و الحياء و أخلاق القبيلة القائمة على التقييم من خلال "كلام الناس أو الآخرين"، و المثير للدهشة هو أن هذه النخبة السياسية و الذين يصفهم المسيري بأنهم "يساريون سابقون" لا ينتمون إلى نمط العلمانية الغربية بقدر ما ينتمون إلى النمط الماركسي، كما أن هناك الكثير من النخب الحاكمة ذات الطابع العشائري و القبلي أكثر تفاهما و استسلاما لما يسميه المسيري بـ"الغرب"، و نماذج دول الخليج هي خير مثال على كلامنا، لكن يبدو لي أنه تجاهل هذه النماذج عن قصد، ربما لغاية في نفسه أو بسبب ارتباطات مصلحية كانت لديه.
إن النقطة الأساسية التي يتجاهلها المسيري و هويدي هي كون أنظمة العالم الإسلامي و دول العالم الثالث لا تمتلك أي انتماء فكري، و لكنها جميعا تتشابه كأنظمة في نقطة واحدة و هي أنها مجموعة أنظمة دكتاتورية استبدادية قائمة على القهر، و ما أسهل عليها أن تنتقل من تبرير إلى آخر للاستمرار في الهيمنة و التسلط، و كنموذج نجد أن البعث في العراق و نظام حسني مبارك في مصر و القذافي في ليبيا كان من أسهل الأمور عليهم أن ينتقلوا من شرعية الحكم القومي اليساري إلى القومي الديني أو الإسلامي و الوطني، إذا ليس من الجائز في البحث الموضوعي نسبة هذا الاستبداد إلى أي انتماء أيديولوجي لأن الأيديولوجيا بالنسبة لهؤلاء المستبدين ببساطة هي مجرد تبرير للبقاء في الحكم، و في ظل أنظمة كهذه لا معنى لأي نقاش أو جدال حول حرية الإنسان و موقفه من الوجود، لأن حصر الحرية بحرية الدولة هو تماما ما يريده المستبدون، فالدولة و من خلال رجالاتها تستطيع فعل ما تشاء، فهي تعلن الحرب و تنهيها و تعقد الصفقات السياسية و التجارية من دون أن يكون للمواطن أي حق في أن يطرح السؤال أو يعترض على الحكومة و رجالها، و بالفعل إذا ما قرأت كل ما كتبه المسيري و قلبت آلاف الصفحات التي سطرها، لن تجد حديثا إلا على مستوى النخب و الحكومات و هو ما يعني أن الفرد هو لا شيء بالمقارنة مع مصالح الدولة و نخبتها، و ما يثير السخرية بالفعل هو أن هذه النخب "المهزومة و العميلة" لا تتعرض لأي نقد فعلي من المسيري و لا حتى تحريك الشارع للتخلص منها و إنما النقد كلّه موجه للخارج و لمواجهة (ذلك الغرب اللعين)!!.
ترى ما هي حقيقة التطور الذي يريده المسيري أن لا يكون مقترنا بـ"..الغربة، الاغتراب، التنميط، التشيؤ، موت الإله، موت الإنسان و الطبيعة"؟ مع العلم أن كل هذه الأزمات و التساؤلات متلازمة مع الفرد و محاولاته في البحث عن ماهية وجوده و إيمانه، و لاحظ معي أن هذه المسائل تلازمت مع صعود الحضارة الإسلامية نفسها و التي انتقلت من عهد الشعور بالفخر في عز الإمبراطوريتين الأموية و العباسية لتصبح شيئا فشيئا حضارة تهتم بما يمتلكه الآخرون من منجز حضاري و ثقافي، فكنت تجد في العالم الإسلامي شكوك الغزالي ـ و الذي انتهى إلى نوع من الفصل بين الإيمان و العقل ـ و أبي العلاء المعري و قبله بشار بن برد و كذلك ابن الراوندي المعروف بهجومه على الأديان و الموسوعي البيروني الذي فتح الباب أمام العلوم التجريبية و دراسة الطبيعة، فهل هؤلاء أيضا كانوا آنذاك "متأثرين بعلمانية الغرب و حداثته"؟ أم أن العكس هو الصحيح، فإبن رشد مثلا اكتسب في الغرب جمهورا واسعا ـ و لا زال كذلك إلى اليوم ـ بينما نعته المسلمون (السنة) بالكفر و الضلال.
و نحن هنا لا يهمنا ذلك النقاش السطحي الذي دار بين عبد الوهاب المسيري و عزيز العظمة في الكتاب الذي ألفاه مناصفة (العلمانية تحت المجهر)، و لكن يعنينا تعرية و كشف الأسس الواهية للمشككين في إيجابية العلمانية، فالعلمانية المادية الجامدة التي دائما ما يستشهد بها المسيري هي بنت الفترة الممتدة من القرن التاسع عشر و حتى منتصف القرن العشرين، تلك العلمانية ذات الصبغة الأيديولوجية المتمثلة في الماركسية التي حكمت على الدّين بالإقصاء و الإبعاد التام عن الحياة و المجتمع، لكن هل فعلت الأنظمة العلمانية الغربية الشيء نفسه؟ الأكيد أن الدين لم و لن يختفي حتى في أكثر الأنظمة تطورا، و لكن الأكيد أن انبعاث الدين من جديد لن يعني نهاية العلمانية كما يحلم المسيري و من معه، لأن هذا الدين و التدين نفسه يطلب من الدولة العلمانية المزيد و المزيد من الحريات و التي هي من أسس أي نظام علماني متكامل.
هنا نطرح سؤالا مهما: هل أن فتح باب الحريات و التعددية و الديمقراطية ـ و هي الكلمات التي يتجاهلها الراحل عبد الوهاب المسيري و محمد حسنين هيكل و غيرهما من النقاد العرب ـ سيعني أن البديل هو مجرد فراغ أو دين آخر (كالمسيحية مثلا)؟ أم أنّ البديل هو شيء آخر لا يريدوننا التوصل إليه؟ ألا و هو سقوط هذه النخب الحاكمة الفاسدة من كل الوجوه.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول