الاخوان وصدمات المرحلة الجديدة

نجيب غلاب
2013 / 3 / 18

الاسلامويات الاخوانية في ظل التحولات تعيش صدمات متلاحقة ومتنوعة، فالانتفاضة التي تخلقت من حراك الشباب ليست إلا انبثاق ليبرالي يبحث عن مستقبل مختلف عن العدالة واشواق الحرية في واقع تقليدي تجسيده الاكثر فاعلية المعيق للتغير الجذري والشامل هو الاسلاموية. مع الاحتجاجات انحرفت الاخوانية باتجاه تبني خطاب ثوري مناقض لطبيعتها، لذا فقد كان الخطاب مشوشا ومتهورا وبلا ملامح واضحة، اصابها الذعر من حركة الشارع لأنها القوة الاكثر قدرة على تدمير الماضي والقوى التي تحميه.
حرك الاخوان طاقتهم باتجاه احتواء الفعل الثوري التلقائي والتحكم فيه وتحويله الى فعل محاصر بآلتها التنظيمية الضخمة ومن خلاله أعادة صياغة وجهها بشرعية ثورية، لم يتبنى الاخوان عبر مناهجهم فكرة الثورة بل كانوا ضدا لها، ولم تستوعب طبيعة ومغزى الشعارات التي حركة الشباب والقوى الجديدة التي افرزها واقع التحولات الداخلية والخارجية بل ان الأخوانية مناهضة فعليا للقيم التي اسست للانتفاضة وهذا يفسر طبيعة حكمها اللاحق الاحتجاجات ردود الفعل على سيطرتها من قبل القوى الجديدة لان الاحداث اللاحقة اثبتت ان الاسلاموية نقيض لطبيعة المسار الذي انتجته الانتفاضة.
والمراقب سيجد الواقع بعد ان مسكت بزمام القوة وكأنها تعيد أنتاج الماضي بشكل مضاعف وتقود معركة لمواجهة الجميع ومحاصرة الطاقة الاكثر فاعلية في الفعل الثوري ودخلت في صراعات شتى لمواجهة المقاومة التي انتجها سيطرتها وإستراتيجيتها في بناء قوتها، لذا فإن خيارها لتجاوز معضلة كهذه ان تنتج استبداد مركب في المجتمع والدولة ولان الامر مستحيل بفعل الحراك المناهض لمعوقات التغيير ونتيجة لتركيبة القوة المتنوعة والمعقدة في المجتمعات وخياراتها المتناقضة مع الاسلاموية فإنها ستجد نفسها امام خيار احدث تحول في الايدولوجيا ولان هذا الامر يحتاج الى وقت وتجربة وقد يدخلها في صراعات بينية يفقدها تماسكها الراهن في مواجهة الجميع لهذا ستتحول الى بؤرة لانتاج صراعات في كل الاتجاهات وهذا الصراع قد يجعلها ضحية لثورة فعلية قادمة ستنتج عن مخاض قد يأخذ سنوات وربما اكثر.
أما الصدمة التي ستعاني منها باستمرار تتركز بجوهر مطالب الانتفاضات والتي ركزت على حقوق الانسان وتفعيل دور الفرد كذات فاعلة متحرر من سياق هيمنة الطائفيات بشتى انواعها، ولان الاسلاموية الاخوانية بحكم تركيبتها تشكل طائفية متحيزة للتنظيم وايدولوجيته فقد شكلت قوة مضادة للتغيير المأمول من قبل القوى الجديدة، واصبح التنظيم معسكر مغلق متحفز لخدمة الايدولوجيا باعتبارها الحق وتحول الافراد في بنيته الى فاعلين لمواجهة الآخرين باعتبارهم اعداء مناهضين لله ولرسوله ولشرعه وللمرشد السيد الاول في الدولة والمجتمع.
من جهة اخرى لأن الحراك الذي انتج الانتفاضة متماهي مع الانفتاح على العالم وهو نتيجة لعولمة مكتسحة لمجتمعات مغلقة ومحاصرة في ثقافة مناهضة للحرية والتواصل مع الآخر شكلت الاسلاموية حلقة منظمة وضخمة معيقة لتحول ايجابي باتجاه التغيير الحامل للفكرة الانسانية واصبحت الاسلاموية متماهية مع مصالح السيطرة الخارجية لا مع الانخراط في العالم بما يساعد على بناء قوة قادرة على المنافسة بثقة، واصبح المجتمع والدولة محاصر بتقليديتها وبايدولوجية تبرر التواصل مع العالم بما يساعدها على بناء قوتها في مواجهتها مع منافسيها وخصومها وليس مهما ان تفقد الاوطان ثقتها وعزتها.
اما صدمة الحرية بالنسبة لها فإشكالية اكثر تعقيدا فالايدولوجيات الشمولية فهي الاشكالية لا يمكنها ان تنسجم مع الحرية لان تفعيلها يقود الى حصارها وتحرر الافراد من الاوهام التي تنتجها الايدولوجيات الشمولية وتفتح الحرية افق للنقد وهذا سيفكك تماسكها الحالي ويهز عرش خطابها الدعائي الغوغائي المثير لغرائز الجمهور وكلما تجذرت الحرية تفقد الاسلاموية هيبتها ولان الحرية طريق العقل لاكتشاف واقعه وتدمير القيود التي تعيق الانسان من التقدم. ولان الايدولوجيا الشمولية سمها مرتبط بتفعيل الحرية فإنها ستنتج قمع مع للفكرة المحورية لفكرة الثورة والمرتبطة بتأسيس الحرية، مع ملاحظة ان الحرية ترتبط لدى الاسلاموية بالآليات الديمقراطية وهي في سعيها الديمقراطي تنتج نقائضه ناهيك انها تريد تحويلها إلى طاقة مسنودة بقوة الدولة والتنظيم لفرض هيمنتها كمدخل لإعادة صياغة وعي الجماهير بادوات القمع المتنوعة.
والصدمة الاكثر مثيرة للجدل ان الاسلاموية وجدت نفسها بفعل الحراك الجديد تتبنى شعارات القيم المدنية التي انتجتها التجربة الاوربية وهي قيم غير منسجمة مع بنيتها الايدولوجية التي راكمتها خلال صراعها وأنتجت جدران عازلة في وعي كتلتها التنظيمية مناهضة لتلك القيم، وفي سعيها من اجل الكرسي تبنتها النخبة ومع الاحتجاجات اصبحت الكتلة التنظيمية مجبرة على التأكيد على القيم الجديدة، ولأن الوعي الاسلاموي المؤدلج معيق لها فقد اربكها واحدث خلل مقلق لتماسكها، لذا لجأت الى تبرير التبني بطبيعة المرحلة والصراع، ولكي تتجاوز جدل قد يقود الى تناقضات مؤلمة جعلها تبحث عن اعداء بشكل دائم واندفعت في الصراع السياسي مستخدمة أدوات انتهازية وتبرير كل فعل مناهض للقيمة والمبدأ بمنطق سياسي مبرر دينيا وصياغة وعي كتلتها لصالح صراع بناء القوة بإدوات واقعية غير منسجمه مع القيم المدنية ومتناقضة مع القيم الدينية وهذا ولد انفصام لدى اعضائها واصبحت مشتتة ما بين الايدولوجية والخطاب الجديد والواقع بتحولاته المذهلة وتناقضاته وصراعاته.
الصدمات التي تواجهها الاسلامويات كثيرة وهذا ربما يفسر انخراطها في إدارة الصراع بمنهج وادوات انتهازية وكلما اشتد الحصار عليها وزادت الصدمات تحول اعضائها الى قوة متهورة للسيطرة على الموارد لاشباع حاجاتهم والتعامل مع المسألة باعتباره إرادة الهية للتمكين للفئة المؤمنة.
وما يزيد الامر تعقيدا ان الايدولوجيا الاسلاموية لا تملك مشروع واضحا وانما خطاب عام وشعارات كلية، لذا وجدت نفسها فجأة تمارس واقعية سياسية حولت التنظيم الاسلاموي الى قوى مصالح يديرها تنظيم مشكل من خلفيات اجتماعية مختلفة تجمعها ايدولوجيا غير منسجمة مع الحركة الاجتماعية التي انتجها واقع التحولات وهذا الامر سيحولها الى ضحية لحركة اجتماعية اقوى منها ولو بعد حين!!
الصدمات الاقوى التي ستواجهها الاسلاموية الاخوانية وغيرها من الاسلامويات لم تأت بعد فالسلوك التصويتي بعد الانتفاضة لصالح الاسلاموية مبني على امل مخلص للخطاب الديني واعتراضا على ماضي لم يكن قادرا على الاستجابة لحاجات الواقع ومتطلباته ومع الفشل الذي يتراكم يوميا فإن الخطاب الاسلاموي سيتحول الى فضاء مدان ومرفوض مع الوقت وستفقد الاسلاموية قدرتها التحشيدية وهذا سيحاصرها في تشكيلات نخبوية قد تتفكك او تنتج عنف او تتحول الى جماعة مصالح لخدمة مشروع اقلية مهيمنة على التنظيم الاسلاموي!!

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير