اغتيال الرفيق شكري بلعيد – من المخاطر المحدقة إلى الكارثة المحققة

عزالدين بن عثمان الحديدي
2013 / 2 / 12

1- لقد جسّد اغتيال الرفيق شكري بلعيد شهيد الحرية لحظة صدام طبقي عنيف ومأساوي، كان توقيعا دمويا على فشل سياسة التوافق والتعايش السلمي بين القوى الديمقراطية الثورية ومن ورائها العمال والفلاحون والمهمشون من جهة، وبين الرجعية الدينية العميلة ومن ورائها كبار الملاكين العقاريين والكمبرادوريين والامبريالية من جهة أخرى.

سبق للقوى الشيوعية أن حذرت وبينت مرات عديدة استحالة التوافق والتعايش السلمي بين القوى الظلامية القروسطية العميلة والقوى الوطنية الثوري :

- "لا يمكن للامبريالية والطبقات الرجعية أن تحكم بلدا أغلب جهاته مهمشة منهوبة ومفقرة، مئات الألوف من البشر محكوم عليهم بالبطالة المؤبدة وبالتكدس في الأحياء "الشعبية" شبه القصديرية، العمال يتعرضون للاستغلال الرأسمالي الوحشي و أغلبهم وقتي وعرضي ولا يتمتع بالخدمات الاجتماعية ويمنع تحت طائلة الطرد من تكوين نقاية. أليس واضحا أنه لا يمكن إنشاء ديمقراطية سياسية في هذه الظروف؟ أتعتقدون حقا أن الامبريالية وحلفائها من البرجوازية العميلة وكبار الملاكين العقاريين يمكنهم أن يمنحوا الديمقراطية للشعب؟. الديمقراطية برنامج متكامل اقتصادي وسياسي يتضمن القضاء على الهيمنة الامبريالية وتصفية الطبقات الرجعية المتحالفة معها."

(مقال الحديدي – "حول بعض التحولات التي تشهدها -الحركة الشيوعية- في تونس بعد 14 جانفي" – ماي 2011)

- "هل يمكن تحقيق "أهداف الثورة" بالتحالف مع حركة النهضة التي أثبتت في الماضي وفي الحاضر سواء في تونس أو في شتى بلدان ما يسمى بالعالم الاسلامي بأنها قوى موغلة في الرجعية ولا تشكل سوى إحدى الخيارات الامبريالية والكمبرادورية لتأبيد وتقوية هيمنة الامبريالية والطبقات الرجعية، ألم تكن لكم تجربة مريرة مع هذه الحركة في "المجلس الوطني لحماية الثورة"."

(مقال الحديدي – "حول ملتقى السبعة أحزاب بسيدي بوزيد أو جبهة السلم الطبقي والالتفاف على انتفاضة الشعب – جوان 2011)

- "ونحن نسأل ... ما هو المحتوى الطبقي لهذا التحالف والتوافق مع الحكومة المؤقتة والأحزاب "التجمعية" والنهضة؟ من تمثل هذه القوى؟ ماذا يمكن أن تكون محصلة التوافق بين الامبريالية والبرجوازية المحلية الكمبرادورية والملاكين العقاريين من جهة وجماهير العمال والمهمشين والفلاحين من جهة أخرى؟"

(مقال الحديدي - حول أحداث اعتصام القصبة 3 أو أزمة -الشرعية الوفاقية- جويلية 2011).

2- كان اغتيال الرفيق شكري بلعيد مأساويا وغادرا. لم تستخدم أسلحة متكافئة في المعركة. فمن ناحية لنا زعيم ديمقراطي عظيم منكشف تماما له برنامج ديمقراطي معادي للامبريالية والطبقات الرجعية يدافع عنه بكل شراسة في وسائل الإعلام العلنية والرسمية والاجتماعات العامة ويفضح سياسة النهضة وحلفائها المعادية لمطالب الجماهير الشعبية في الخبز والأرض والحرية والكرامة الوطنية. وفي الجهة المقابلة ممارسة التشويه والتكفير والتحريض على العنف والتصفية الجسدية وتنظيم المليشيات وعصابات "المائة السود"*.

كان من الواضح ومن الحتمي أن القوى الظلامية ستمرّ بل قد مرت فعلا إلى سياسة التصفية الجسدية والاغتيالات السياسية ضد خصومها. هل استعدت القوى الديمقراطية لذلك؟ هل سعت لامتلاك الوسائل السياسية والتنظيمية لمجابهة عصابات "المائة السود"؟ هنا يكمن ضعف القوى الديمقراطية، وهنا تكمن خطورة الأوهام التوافقية مع الظلاميين العملاء، هنا تكمن خطورة الانحرافات الشرعوية والقانونية للقوى الديمقراطية التي تنخر قوى ما يسمى باليسار بما في ذلك الرفيق الشهيد نفسه. كيف ينشط ويتحرك زعيم كبير مثل الرفيق شكري بلعيد وسط التهديدات الملموسة بالتصفية ووسط التحريض عليه من طرف رؤوس السلطة الرجعية الحاكمة ولا يوفر له حزبه أو الجبهة الشعبية الحماية والحراسة الكافية؟ كيف يفقد الشعب ابنه البار بتلك السذاجة أمام بيته من قبل مراهقين مأجورين؟

كانت القوى الشيوعية قد نبهت مرارا وتكرارا للمخاطر المحدقة :

- "لقد أرسى موسيليني دكتاتوريته الفاشية وأحكم سيطرته على الدولة والمجتمع بالتدرج والمناورة والخداع وتشتيت خصومه وقد استغرق ذلك بضع سنوات (على عكس النظام النازي). لم يكن يخوض جميع المعارك دفعة واحدة، كان يصفي الأحزاب المعارضة واحدا وراء واحدا ويحطم المنظمات الجماهيرية أو يدجنها الواحدة تلو الأخرى. وقد أتقن أسلوب الخطاب المزدوج حيث كانت كتائبه الفاشية تمارس الإعتداء على الحريات الفردية والجماعية عن طريق العنف والتصفية الجسدية والمظاهرات المضادة وتكسير الاضرابات وكانت قيادة الحزب الفاشي تكذب تارة وتعقد الاجتماعات الديمقراطية مع الأحزاب "الديمقراطية" تارة أخرى... وكانت أية معركة مهما كانت صغيرة يكسبها تقوي أكثر مشروعه الفاشي وتضعف القوى التقدمية والثورية. لذلك ينبغي على القوى الديمقراطية والوطنية الثورية والشيوعية لكي تنجح في التصدي للدكتاتورية الدينية الرجعية، أن تخوض جميع المعارك مهما بدت صغيرة بأقصى مايمكن من الجدية والتعبئة والتنسيق المشترك.

(الحديدي- 09-01-2012)

- "على خلفية تزايد الاعتداءات الإرهابية الظلامية : الإعتداء على الطلبة والأساتذة بكلية الآداب منوبة و سوسة، العمل الارهابي الذي طال فرقة اولاد المناجم وجرح مواطنة، مهاجمة المعتصمين وتهديدهم، الإعتداء على مناضلي حزب العمال بسوسة، مهاجمة مقر قناة نسمة، الإعتداءات التي حصلت بسجنان، الإعتداء بالعنف الشديد على كلّ من الإعلامي زياد كريشان وأستاذ العلوم السياسيّة حمّادي الرديسي.....الخ.

ندعو كافة القوى الديمقراطية والوطنية الثورية والشيوعية إلى تكوين "ألوية الحرية" في كل مدينة وجامعة ومعهد...الخ، للدفاع عن الحقوق والحريات الفردية والجماعية ضد الاعتداءات الإرهابية الظلامية"

(الحديدي 24 جانفي 2012)

- "إزاء الرفض الشعبي المتزايد للدكتاتورية الدينية الرجعية وافتضاح سياساتها المعادية للديمقراطية والمعمّقة للهيمنة الامبريالية وإزاء عزلتها السياسية وبدء تفكك تحالفها مع بعض القوى اللبرالية، من المتوقع أن تنتهج هذه الدكتاتورية الدينية الرجعية السياسة التالية :
- مواصلة الإعتداءات على الحريات الفردية والجماعية مع التركيز على إرهاب ولجم المثقفين والإعلاميين وتشويههم وذلك سيرا على خطى الزعيم الفاشي موسيليني
- عسكرة الحياة الاجتماعية والدينية عن طريق المليشيات وتكثيف أعمال تكسير الاضرابات والمظاهرات لا بالبوليس الرسمي ولكن بالمليشيات الظلامية (كتائب موسيليني الفاشية) مع التكذيب المستمر وانكار علاقة تلك المليشيات بالحكومة أو بالحزب الحاكم والدعوة إلى إحداث عشرات "لجان التحقيق المستقلة" الوهمية التي لا تجتمع أبدا ولا تصدر أية تقارير.
- القيام بعديد المناورات لاستمالة بعض القوى اللبرالية ومحاولة شرائها ببعض المناصب الشكلية وذلك لفك العزلة عن الحكومة وزرع الوهم باحتمال نواياها "الديمقراطية"
- تركيز القمع وحملات التشويه ضد القوى الشيوعية والديمقراطية لضرب طلائع الرفض الشعبي ونواته الصلبة ضد سياساتها المعادية للديمقراطية والتحرر الوطني، ولا يستغرب لجوء الدكتاتورية الظلامية إلى فبركة قضايا متنوعة ضد عديد الزعماء والأحزاب "اليسارية" واتهامها بالتآمر على "الوطن" على غرار هتلر الذي كان يتهم خصومه بالتآمر والعمالة. وقد دشّن بعد زعيم الحركة الظلامية الرجعية هذا التمشي وبدأ يقوم بالتحضير الفكري والسياسي لهذا التمشي بحديثه عن "العنف الثوري الستاليني" الذي يمارسه "اليسار" حسب زعمه"

(الحديدي – مقال "الخطر المحدق وكيف نواجهه" 13 أفريل 2012)

- "واهم من يتصور أن النهضة وأذنابها في الترويكا سيسلمون السلطة سلميا وعن طريق "انتخابات نزيهة". النهضة بصدد تركيز دكتاتوريتها الدموية وضمان دوام سيطرتها على الدولة والمجتمع بقوة المليشيات وإرهاب الخصوم و إن لزم الأمر بتدليس "الانتخابات".وستتمحور مناوراتها في الأشهر القادمة أساسا حول 1- تركيع الإعلام والسيطرة عليه بالإرهاب والترغيب 2- تشويه وقمع القوى الوطنية الثورية ومحاولة عزلها 3- ثم التفرغ لخوض معركة تكسير اتحاد الشغل"

(الحديدي 24 أفريل 2012)

- "رغم دروس الانتفاضة وافلاس سياساتها ما قبل "انتخابات" أكتوبر 2011 التي منحت السلطة على البارد لأعداء الجماهير ورغم تصاعد الإعتداءات الإرهابية على الحريات الجماعية والفردية والنقابية والسياسية ورغم تبلور خطر الدكتاتورية الدينية الإرهابية، لا تزال تنظيمات ما يسمى باليسار تمارس بنفس الفئوية الضيقة بل ولا زال بعضها يراهن على الفوز على أعداء الديمقراطية عن طريق صندوق الإقتراع!!! الخوانجية ليسوا أغبياء مثلكم : سيمارسون القمع والإرهاب والتدليس للحفاظ على سلطتهم الدكتاتورية العميلة وتقويتها"

(الحديدي – 14 جوان 2012)

3- لقد حكمت الأوهام البرجوازية الصغيرة والاصلاحية القائلة بامكانية التوفيق بين الطبقات وبوجود دولة محايدة فوق الطبقات وبامكانية تحقيق الديمقراطية في ظل هيمنة الامبريالية وكبار الملاكين العقاريين والبرجوازية الكمبرادورية –على القوى الديمقراطية والوطنية بالعجز عن التصدي للدكتاتورية الدينية العميلة. لقد تجلى ذلك في السعي المحموم لتلك القوى جميعا ومنها الجبهة الشعبية للبحث عن التوافق السياسي، قبل انتخابات أكتوبر 2011 وبعدها، مع أعداء الجماهير الشعبية، مع قوى سياسية غير ديمقراطية أصلا.
أدت هذه السياسة إلى إعطاء المبادرة لقوى الرجعية الظلامية لممارسة الترغيب والترهيب، الانفراج والتأزيم، "الانفتاح " والانغلاق، القمع الدموي والتغاضي عن منابر النقد الكلامي، تبني المليشيات والعصابات الارهابية والتنصل منها، تجويع الشعب والتصدق عليه- كلّ ذلك في إطار استراتيجية مدروسة لأسلمة المجتمع والدولة وإخضاع الخصوم والتقدم الثابت نحو إرساء دكتاتورية قروسطية دينية عميلة.

في المقابل اقتصر دور القوى الديمقراطية غالبا على التنديد بالبيانات وفي الحصص التلفزية والإذاعية وعلى السير في مؤخرة الاحتجاجات والانتفاضات الجماهيرية الباسلة ودعمها لا من أجل تطويرها سياسيا في أفق الإطاحة الثورية بالدكتاتورية الدينية العميلة بل من أجل استثمارها لجرّ هذه الدكتاتورية للحوار و"التوافق على المرحلة الانتقالية".
جميع القوى الديمقراطية واليسارية لها برامج اقتصادية وسياسية وثقافية على الورق لكن ليس لأحد منها بما في ذلك الجبهة الشعبية خطة نضالية تطبق وتتقدم يوميا في اتجاه الإطاحة بالدكتاتورية الدينية العميلة، خطة تعمل على تثقيف أوسع الجماهير وتعبئتها على قاعدة مطالبها اليومية. الجميع كان يعي بالهوة التي تفصل بين الوضع الموضوعي الثوري والمتفجر وبين ضعف العامل الذاتي سياسيا وتنظيميا.

في الجنازة المليونية العظيمة للرفيق الشهيد شكري بلعيد رفعت شعارات ثورية مثل "اليوم..اليوم..النهضة تطيح اليوم"، ماذا كان ردّ فعل الجبهة الشعبية والقوى الديمقراطية واللبرالية المجتمعة يومها؟ "المناداة بتكوين حكومة إنقاذ" !!! من سيكونها لكم؟ لماذا لم تكونوها يوم الجنازة بالذات، يوم أن هبت الجماهير من شمال البلاد إلى جنوبها تطالب باسقاط الحكومة الرجعية؟ كيف سيقع تكوينها بعد تفويت فرصة 6-7-8 فيفري 2013؟

كانت القوى الشيوعية قد انتقدت ونبهت مرارا من خطورة هذا التمشي :

- " ألم يقتنع بعد ممثلو أحزاب الجبهة الشعبية في "المجلس التأسيسي" برجعية هذا المجلس الذي يشكل في نفس الوقت اطارا وغطاءا لارساء الدكتاتورية الدينية العميلة؟ ألم يقتنعوا بعد بدوره التضليلي للجماهير وبتسميم وعيهم لمنعهم من النضال الثوري من أجل انجاز التحرر الوطني والديمقراطي؟ هل مازالوا يصرون على لعب دور شهود الزور في مسرحية ذبح الشعب و"أسلمة المجتمع"؟ نطالب تلك الأحزاب بأن تعلن فورا مقاطعتها لجلسات المجلس المؤامرة وأن تعلن انخراطها الكلي في النضال الثوري من أجل اسقاط الدكتاتورية الدينية العميلة"

(الحديدي – 18 أكتوبر 2012)

- " كفاكم أوهاما بأن تونس "متسامحة بطبعها" و"مدنية بطبعها" وغير ذلك من الترهات.. تونس بلد شبه مستعمر لم يشهد في تاريخه ثورة ديمقراطية تحرره اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا من المؤسسات شبه الإقطاعية ومن التبعية الاستعمارية..لذلك فإن إرساء الدكتاتورية الدينية الظلامية والعميلة لعقود من الزمن يشكل خطرا محدقا له أساسه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولا يمكن التصدّي له إلا بالنضال العنيد صلب أوسع الجماهير وبالاعتماد على مطالبها الاقتصادية والاجتماعية وتجربتها الخاصة."

(الحديدي – 12 نوفمبر 2012)

- " كما بينت نضالات سليانة أن الطريق الوحيدة لهزم الخوانجية هي الالتحام بالجماهير الشعبية وتطوير نضالاتها الثورية انطلاقا من مطالبها وأهدافها الحقيقية وهي رسالة جديدة للعديد من مدّعي اليسارية والوطتية والديمقراطية بأن يكفوا عن أوهامهم الديمقراطوية والانتخابية في إطار الدولة العميلة وفي ظل هيمنة الامبريالية والبرجوازية الكمبرادورية وكبار الملاكين العقاريين."

(الحديدي – "دروس سليانة المناضلة" – 27 نوفمبر 2012)

- " تتكرر الانتفاضات الجهوية (تطاوين، قفصة، سليانة...الخ.) وتبقى معزولة وتعجز الجبهة الشعبية وسائر القوى الديمقراطية والوطنية الثورية على تطويرها وتعميمها لتصبح انتفاضة شعبية على المستوى الوطني ضد السياسة الدكتاتورية الدينية العميلة. وتبين انتفاضة سليانة بهذا الخصوص ضرورة الإسراع بتركيز هياكل الجبهة الشعبية في مختلف الولايات والمعتمديات وضرورة تنسيق النضالات مستقبلا بين مختلف القوى الديمقراطية والنقابية والوطنية الثورية حتى تصبح تلك النضالات أكثر جماهيرية وتكتسب طابعا سياسيا ووطنيا شاملا."

(الحديدي – "دروس سليانة المناضلة" – 27 نوفمبر 2012)


عزالدين بن عثمان الحديدي – 12 فيفري 2013