نحو تطوير الاطار النقابي

حزب دعم العمالي
2005 / 3 / 30

وثيقة حزب دعم
نحو تطوير الاطار النقابي
فيما يلي مقتطفات من وثيقة المكتب التنفيذي لحزب دعم التي أقرّتها اللجنة المركزية باجتماعها في الناصرة في 6 آذار 2005.

الدفاع عن العلاقة بين دعم ومعًا

الاجتماع السابق للجنة المركزية لدعم (5 كانون اول 2004) خُصّص لحملة الدفاع عن جمعية معا، بعد تهديد مسجل الجمعيات بإغلاقها. وركّز الهجوم الحكومي على العلاقة بين الجمعية وحزب دعم بادعاء ان العلاقة غير قانونية، وان معًا لا تفعل سوى تشكيل غطاء للحزب. في الحملة المضادة ركّزنا على تفسير العلاقة القوية بين الحزب والنقابة، وجوهرها: ان بناء النقابة هو من اهم اهداف الحزب الذي تأسس لخدمة الطبقة العاملة وتحقيق برنامجها في التغيير الثوري.

وكان الالتفاف العمالي الواسع حولنا، ودعم النقابات العالمية ومعظم الجمعيات العربية والشخصيات الاسرائيلية، اثباتا على صحة خطنا الدفاعي.

من خلال هذه الحملة تمكنّا من احباط محاولة ابتزاز تنازلات سياسية من الجمعية، وعلى رأسها قطع علاقتها بالحزب. وكنا قد اشرنا في وثيقة اللجنة المركزية السابقة، ان المستهدف الرئيسي من الحملة كان الحزب وليس الجمعية. ولكن مصداقية الحزب وروح التضحية التي يتمتع بها اعضاؤه، كانا عاملين اساسيين في انجاح الحملة وتثبيت الجمعية كعنوان سياسي للطبقة العاملة في البلاد.



مرحلة جديدة

يمكن وصف انتهاء حملة الدفاع عن معًا المستمرة منذ اربع سنوات، كبداية لمرحلة جديدة في بناء النقابة. ولا شك ان ازدياد اهتمام النقابات الاجنبية بعملنا النقابي اثناء الحملة، اثر على اهتمامنا بما تقوم به النقابات في العالم اليوم. فالقاسم المشترك الذي يربطنا هو سياسة اقتصادية عالمية تستهدف الطبقة العاملة في كل الدول المتطورة.

مبادرة معًا هي واحدة من مبادرات نقابية بديلة في انحاء مختلفة من العالم، نمت بسبب جمود النقابات الرسمية التي تركت ملايين العمال دون تمثيل نقابي. وفي كل مكان تكتسب هذه المبادرات اشكالا مختلفة حسب خصوصيات البلد وتركيبة الطبقة العاملة فيه. فهناك مثلا مراكز الدفاع عن العمال الاجانب والنقابات الخاصة بهم، وهناك مراكز للدفاع عن حقوق العمال، واخرى للعاطلين عن العمل، وتجارب نقابية كاملة، مثل اتحاد النقابات البديل في الارجنتين CTA. ولكل منظمة تجربة خاصة في التنظيم وسبل تجنيد العمال، بامكاننا تعلمها والاستفادة منها وبناء اواصر التضامن معها كاساس لتطوير عملنا النقابي.

ان النقاش المستمر لدينا حول الطرق الملائمة لبناء النقابة وتجنيد العمال، يأتي ضمن نقاش حاد وحيوي في معظم نقابات العالم، التي تشعر اليوم بنتائج تراجعها الكبير وبالخطر على ما تبقى من انجازاتها. ان واجبنا في هذه المرحلة هو التعمق في فهم طبيعة هذه النقاشات والمشاركة فيها، لأنها تشير الى تحولات مهمة ونهضة معينة في الحركة العمالية، بعد ان كانت قد فقدت دورها وطريقها منذ زمن طويل.



النقابات الامريكية ودولة الرفاه

لم تتطرق وثيقة الاجتماع العام السادس لحزب "دعم"، الى وضع الحركة العمالية الامريكية وسياستها، الا من باب التذكير بانه مع تسلم الرئيس ريغان مقاليد الحكم، ضُربت النقابات وتهمّش نفوذها. والحقيقة اننا ما كنا لنتطرق لما يحدث في امريكا في هذا المجال، لولا النقاش الحيوي داخل هذه النقابات عشية مؤتمرها العام القادم الذي سينتخب رئيسا جديدا للاتحاد.

جوهر النقاش هو ضرورة تجنيد العمال للنقابات، بعد ان تقلصت نسبتهم من 40% الى 13% فقط من القوى العاملة. وجاء هذا التراجع انعكاسا لتراجع في مستوى معيشة المجتمع الامريكي برمته. فهناك 90% من عمال الصناعة الامريكيين غير منظمين ومحرومون من الحقوق الاجتماعية، وتحولوا من اساس للطبقة الوسطى الامريكية، الى جماهير يائسة وعاجزة.

لقد كان الهم الرئيسي للحركة النقابية الامريكية ضمان مستقبل الطبقة العاملة ورفع مستوى معيشتها لتصبح اقرب للطبقة الوسطى، بمعنى امتلاك منزل، سيارة، برنامج صحي، تقاعد، وإمكانية تعليم ابنائها في الجامعات الغالية. وقد حققت هذا المكسب من خلال الوفاق مع رأس المال الذي كان مستعدا للمساهمة ايضا في دولة الرفاه التي وضع الرئيس روزفيلت اسسها في الثلاثينات. ولكن ثمن هذا الوفاق كان تنازل النقابات عن سياستها المستقلة، فسلمت رقاب الطبقة العاملة للحزب الديموقراطي الرأسمالي بطبيعته.

في اطار الوفاق نفسه دعمت النقابات الحكومة الامريكية في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي. فكانت النقابات رجعية لدرجة انها ساهمت بشكل مباشر في ضرب الحركة النقابية التقدمية في كل العالم، وساعدت المخابرات الامريكية في محاربة الحركة النقابية في امريكا اللاتينية واغتيال قادتها. وكان واضحا بان رأس المال الامريكي مستعد لشراء الطبقة العاملة الامريكية مقابل مساهمتها في نهب واستعمار الطبقة العاملة في سائر انحاء العالم.

ولكن شهر العسل لم يدم طويلا. فبعد عشرين عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية قررت النخبة الرأسمالية الحاكمة الانسحاب من الوفاق بشكل احادي الجانب وتدريجي، دون ان تواجه اي رد فعل من النقابات. وقد تحول هذا التراجع التدريجي الى انهيار حقيقي بعد ان حققت البرجوازية الامريكية الحاكمة هدفها الاساسي في دحر الاتحاد السوفييتي، ولم تعد لها حاجة بدعم النقابات لأن العالم اصبح رهن مشيئتها. وسمي هذا النظام بالعولمة، او القرية العالمية التي يسيطر عليها رأس المال الامريكي بشكل مطلق.

في الانتخابات الاخيرة اكتشفت النقابات الامريكية مدى ضعفها. فقد عجزت عن انجاح مرشح الديموقراطيين، جون كيري، في حين تمكنت المنظمات الدينية المحافظة من انجاح مرشحها، جورج بوش، لولاية ثانية. وما كاد بوش يتربع على العرش مجددا حتى اعلن حربا شعواء على دولة الرفاه، من خلال خطته خصخصة برامج التأمين الوطني والتقاعد. ومع ان الخطر داهم الا اننا لا نسمع صوت النقابات، هذا بينما تقوم نقابات اوروبية باضرابات ومظاهرات ضخمة ضد برامج حكومية شبيهة.



النقابات وراء الحركة ضد العولمة

التراجع كان نصيب النقابات الاوروبية ايضا، وليس الامريكية فحسب. وهو لا يتجلى في عدد الاعضاء فقط، بل يعتبر جزءا من تراجع سياسي عام. فالنقابات في ايطاليا، فرنسا واسبانيا مثلا محسوبة على الاحزاب الشيوعية، ولكنها تركت الاتحاد العالمي للنقابات الذي كان تابعا للاتحاد السوفييتي، وانضمت في التسعينات لاتحاد النقابات الحرة المنافس الذي يشمل النقابات الاكثر رجعية مثل AFL-CIO الامريكية، DGB الالمانية والهستدروت الاسرائيلية.

الانضمام لاتحاد النقابات الحرة كان اشارة واضحة الى ان النهج النقابي النضالي فقد قيمته. ولكن الانضمام للاتحاد الرجعي تبين هو ايضا كسابق لاوانه. فنهج الوفاق مع البرجوازية انتهى، وادى نظام العولمة الى كوارث اجتماعية. ان اتحاد النقابات الحرة لم يعزز التضامن والتنسيق بين النقابات في العالم، بل ادى الى تراجعها على نطاق شامل، مما جعل وقع الكوارث اكبر.

ورغم ان الضحية المباشرة لنظام العولمة هي الطبقة العاملة، الا ان من تولى الوقوف ضده لم تكن النقابات، بل حركة فضفاضة مكونة من كل انواع المنظمات المحتجة على افرازات العولمة مثل التلوث البيئي، استغلال الحيوانات، استغلال الاولاد، قضايا المرأة، دون سلم اولويات او برنامج واضحين. الامر الاساسي الذي اجمعت عليه قيادات الحركة ضد العولمة هي منع اقحام السياسة والاحزاب السياسية في الحركة.

وبعد ان فرضت الحركة ضد العولمة نفسها عنوانا رئيسيا لكل ضحايا العولمة، انضمت اليها النقابات الاكثر راديكالية، وتبنت شعاراتها رغم انعدام الآلية لتنفيذها. وقد كانت النتيجة ان تلاشت الحركة ضد العولمة مع اندلاع الحرب على العراق، وذلك بسبب اصرارها على تحدي البنك العالمي، دون تحدي سياسة الادارة الامريكية التي فرضت الحرب نهجا لتحقيق اهدافها الاستراتيجية في السيطرة على العالم.

اليوم اكتشفت النقابات الاوروبية والامريكية الآثار السلبية للعولمة عليها. ان نقل المصانع للخارج، استيراد الايدي العاملة الرخيصة للبلاد، تشغيل العمال حسب عقود خارج الاتفاقات الجماعية، العمل غير المنظم، تشغيل العمال ساعات اضافية وتشغيلهم بشكل جزئي - كل هذا مكّن الشركات من جني الارباح السهلة، وقلص بشكل ملموس نفوذ النقابات التي كانت العمود الفقري للمجتمع.

اليوم لم يعد بمقدور النقابات غض الطرف عن ظروف التشغيل في الصين، او التفاوت المريع في مستوى الاجور بين دولة واخرى، او عن حقيقة وجود 90% من العمال غير منظمين. ولم يعد يكفي الاهتمام بما يحدث ضمن الحدود القومية، لأن رأس المال الكبير لم يعد "وطنيا" بل اصبح دوليا. من هنا، فالتنسيق بين النقابات وتشجيع المبادرات النقابية في العالم الثالث، لا يأتي دفاعا عن العمال المساكين بل دفاعا عن النفس.

الحضور المهم الذي كان للنقابات في الحركة ضد الحرب على العراق، جاء استجابةً لتعاطف رأي عام واسع في اوروبا وامريكا. ولكن رغم ذلك، فاننا لا نرى حتى الآن مبادرات جادة في اتجاه بناء بديل سياسي للاحزاب الاشتراكية في اوروبا او الحزب الديموقراطي في الولايات المتحدة. فإذا كان الخطاب على المستوى النقابي قد تغير نحو المواجهة مع الشركات، ولو لفظيا، فلا يزال هناك قصور في المستوى السياسي، ما يشير الى تناقض وضعف كبيرين في الحركة العمالية.



الحزب الثوري والنقابة

العبرة مما تقدم هي ان المكاسب لا تدوم ما دامت السلطة السياسية في ايدي البرجوازية. دولة الرفاه كانت حلا وسطا جاء تداركا لازمة اقتصادية عميقة اندلعت عام 1929، ولكنها اليوم باتت مهددة بالزوال. ومن المتوقع ان تؤدي زيادة نفوذ المحافظين الجدد الموالين لبورصة وول ستريت، لمزيد من الضربات للنقابات ولكل الانجازات والحقوق العمالية.

هناك من يدعي ان استنهاض الحركة النقابية لم يكن عملية تراكمية، بل في اوضاع ثورية ناجمة عن ازمة عميقة يمر بها النظام الرأسمالي، كالحرب مثلا او انهيار البورصة او الارتفاع الحاد في نسبة البطالة. وحتى اذا صح هذا الاعتقاد، فلا احد يقترح السياسة البديلة التي من المفروض ان تأتي في حالة الاستنهاض المأمول. فالنقابات لا تزال تحلم بدولة الرفاه، مما يشير الى عدم الاعتبار من الماضي. فدولة الرفاه لم تكن سوى حل مؤقت لترويض الحركة العمالية حتى يستعيد رأس المال انفاسه، وبدأ انقلابه على هذا الترتيب لان الاستغلال لا يعرف حدودا والارباح لا تعترف بالقيود.

الهدف الاستراتيجي لا يمكن ان يبقى مجرد اعادة بناء قوة الحركة النقابية. فالمطلوب هو استنهاض النقابات كوسيلة لتحقيق الهدف الحقيقي وهو تغيير النظام السياسي نحو الاشتراكية، لضمان رفاهية العمال وتثبيت المكاسب الاجتماعية. الهدف يجب ان يكون تصفية العولمة بشكلها الرأسمالي الذي احدث الفقر والبطالة وافقد الانسان أبسط حقوقه مثل العمل، المأوى، التعليم، الغذاء، الصحة وحتى استنشاق الهواء النظيف.

المشكلة التي تواجهها الحركة النقابية هي بالاساس سياسية لا تنظيمية. ان تجنيد عمال للنقابة من خلال مجهود تنظيمي لا يكفي، فالعامل الذي ينضم للنقابة ينبغي ان يكون واعيا لمصالحه الطبقية السياسية وليس فقط النقابية. ان الفصل بين السياسة والنقابة هو خطأ فادح، فالعامل الذي يميل الى اليمين لا يمكنه دعم نقابة تميل الى اليسار. ان هذا الفصل هو خدمة لرأس المال، الذي يستغل هذه الثغرة لإبعاد العمال ليس عن السياسة فقط بل عن النقابة ايضا.

التجربة معًا في مشروع اعادة العمال لاماكن العمل المنظم، تساهم في تفسير هذه الحقيقة. فما يتم انجازه يبقى مؤقتا لأن الامر غير متعلق بنا وحدنا، بل بالحكومة. فهي التي تقرر سياسة التشغيل، وسياستها واضحة لصالح المقاولين وفي غير صالح العمال. ان عدم الاستقرار خاصة في مجال العمل هو الحالة الطبيعية الراهنة في مكان وليس في اسرائيل وحدها، وهو ما يحدد الوتيرة البطيئة لتنظيم وتجنيد العمال في النقابة.

هنا يأتي دور الحزب في بناء النقابة. فالتزام وجدية الكوادر المنخرطين في العمل النقابي، نابعة جميعها من قناعات السياسية المتقدمة. وعملية بناء حزب عمالي ثوري هي نفسها عملية صعبة، متعلقة بتطور سياسي ثوري على المستوى العالمي. ولكن انجازها يبقى شرطا اساسيا لاستنهاض الحركة العمالية.

ان الهدف من النضال العمالي لا يمكن ان يكون التحول الى طبقة وسطى على حساب بقية عمال العالم، بل إحداث تحول سياسي اشتراكي ثوري. من يواجه البرجوازية دون بديل سياسي، يفتقد اهم سلاح في النضال، فاهم وسيلة للبرجوازية تبقى سيطرتها السياسية على الحكم لضمان مصالحها.

ويبقى محور الصراع الاساسي بين طبقة رأس المال وطبقة العمال، وليس بين مؤسسات مالية عالمية وبين حركة فضفاضة من المنظمات الاجتماعية عديمة الصفة السياسية. من هنا فليس بوسع الحركات النسائية، البيئية، الشبابية وغيرها ان تحقق مكاسبها الا بالانخراط في نضال الطبقة العاملة، ضد سياسة الحرب والسياسة الاقتصادية التي تهمّش مليار عامل وعاملة وشاب في العالم اجمع.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية