اللسان الصوفي

حمودي عبد محسن
2013 / 1 / 17

قصيدة حرة
حمودي عبد محسن


1 ـ غراب الليل

أي ليل هذا الخريف ، يذهب ويؤوب
تارة يذهب أكلف ، وتارة يؤوب أغدف
تارة يذهب باكيا ، وتارة يؤوب ضاحكا
كل عام يذهب ، ويؤوب بالنبأ الحزين
كما لو أن الدهر قد خبأ لي عجبا
أرعى أرق ليلي الطويل في سهر
أهو حلم شاحب منهك مثل غمام
أهو رؤيا فظيعة في عالم الأموات
أم طيف سحابة سوداء تسبح في العلا
أم غياب عابر لشبح يحلق مثل دخان
قد يكون ظلا باهتا يتنازع في أعماق
وقد يكون سأمي الواهن يهز الأحزان
هذا ليل اكتحل بإثمد ، اكتحل بقار
ليل حالك السواد ، ليل دجى الظلام
ليل قهر ألبسني ثوبا متمزقا من سواد
غشى عيني في عتمة ، لا أرى سواه
لا أرى إلا فحمة تشتعل في نار
فطواني في سكون ، وفي أمواج بحار
لا أملك ترسا معي ، ولا سيف بتار
أحارب وحوش أو عفاريت الظلام
ولا أحسن الاستقرار على سرج حصان
وكل ما أستطيعه أن أقطع البيداء في جنح الظلام
وأرهف السمع إلى الحداء في قلب الصحراء
أو أستقر فوق عربة الموتى التي يجرها حصان
حصان متعب هزيل ، يهز ذيله ، وقد أزعجه ذباب
هذا الحصان لا يصهل أبدا في بيداء نكداء
أي ليل هذا الخريف ، يذهب ويؤوب
يؤوب بغراب الليل في ظلام كالح أسود
أهو الزاغ الأكحل أم الزاغ الأزرق
أم غراب البين أقرانه غدفان اللئم
أقرانه ابن داية غربيب في الشأم
يأتيني بالنبأ الكئيب ، يلقيه للحزين
شاجح يتعبد ، فهو من لئام الطير
يؤذن للعذاب ، أشك بصدق نواياه
أشك بكذبه ، وأشك بأي خطط
فهو مثل دجى الليل في طول وقصر
تشبه بالبوم ، تشبه بصفاء العين ،
قوي ، نافذ البصر ، له منقار ،
يبغي كل لمعان ، كل براق في ليل أعور
أيعقل أن يغربل الماء بالغربال الأسود
أو يخلط الحليب بالدم الأحمر
أو أن يكون النور من ظلام
أو أن يكون الخير من شر
أو أن تكون الجنة من نار
أو أن تكون الرياح صماء ،
خرساء دون أصداء أشباح
أي ليل هذا الخريف في دجى الظلام
يعالج الموت غراب أسود
مثل كاهن مشعوذ مسحور أحمق
تصبرت ، وتشجعت .......
وكل ما هو آت آت .......
إنه جاء من نار خمدت توا
أي ليل هذا الخريف وقد أظلمت السماء
أيريد القمر أن يمتلأ ضياء من ظلام
أم أن القمر استتر خجلا بالغمام
أم غابت الشمس وغاب القمر الوضاء

2 ـ السوسنة البيضاء

أيقظ نعيب الغراب حبيبتي السوسنة البيضاء
وقد أبرقت أسارير وجهها في ابتهال :
من في سماء ، من في سماء حبيبي
مه مه ......... بخ بخ ...........
فارتسمت على وجهها ابتسامة ضياء
نور / شعاع / قمر بازغ / نجم متلألأ /
درة نادرة مضيئة / ملائكة ساحرة /
حينئذ توارى شبح الغراب الموت
توارى حلم / رؤيا / طيف / هذيان /
تأمل نكد / زائر الظلام الموحش /
همس عذاب السنين / أسى الفناء /
آه ، يا بديعة الجمال والحسن حبيبتي
رائعة ، بارعة في قبة السماء
ها ، ولد ليل جديد في رحم الظلام
وهاج حمى الغرام في الصمت العجيب
أهذا الضوء سجد له الظلام
أهو نفحة من قداح
أهو حر الغرام
أم أريج راح وضاح
منه الظلام يستضاء
أي ليل هذا العميق
يمر كأنه أنسام روض رقيق
بطيء كأنه من الصباح يستريح
إنه ليس سواد الليل المطيق
ولا الظلام على غصن رقيق
القلب لا يستريح في الليل الطليق
والدموع تبيح ما في القلب الحزين
سقت الأرض ماء الجفون الغزار
رياض امتلأت أزهار
أشجار نضجت بالثمار
وصوغ للعروس أسوار
وخاتم الزواج اللامع
ماذا جنيت يا وطني الكبير ...
انتظار طلوع الصباح
بزوغ شمس النهار
عيش غر نظير
قمر باهر منير
هذي الديار أحرقتها قنابل الأخوة الأعداء
قتل / انتهاك حرمات / بيوت تشب فيها نيران
آ ، يا وطني الكبير ! في كل يوم يموت الأبرياء
زه ... زه ... زه ...
نطقت حبيبتي الكلمات
الليل يغازلنا بنوح طائر نشوان
سحره في نداه على البان البليل
يخصفنا بأوراقه على السرير
مثلما تخصف أصابع الحبيب الحبيب
مثل ناسك متعبد يحترس من عفريت
يشق نطاقه ، ويلبس ثوب حرير
ماذا تريد أيها الحبيب ؟!
آه ، رفقا بالهلال الخصيب
العشق الطليق على الغصن الرطيب
بالتثني الجليل الرقيق
هذا ما أراه في الليل العميق
لي عين لم تكتحل بنعاس
أليف الغرام في هواه
رضاب الحبيبة أحلى مشتهى
وأشهى من مسك عتيق
وأعطر من زهر فتيق
ألف ضمة بأزار الليل العجيب
كأننا الأنجم في طلوع
ثم نسترخي على الدهور
ثم قالت ما قالت في همس معبر :
جيء ، جيء ، جيء ،
فقد ابتسمت فرحة ، وبطرف عينها أومأت
جيد خضيب ، صدر صاف أنيق
خصر أهيف مثل قضيب في تثنيه
كأن رياح تهزه ، وينعطف في كثيب
وقد أصبحت لا أدري أين مورد الطيب
سواء كان طعاما أو شراب عشيق
وقد نال منها ثغري لثما في تهذيب
كأنه يطفأ ظمأه من قطر ندى على زهر
أو في دموعي أنا على نحر
أو من طل جلنار على ورد
وصار لثمي يبرق من برد على حر صدر
فهذا جؤجؤها فرحان ، يتوقد مثل سراج
تعلوه رمانتان ناهدتان
برأسيهما قرادان غاضبان
فلما رأتني كعادتي قد فتنت بهما
أومأت لي عن قراد أشهب
كاد من حمرة نار يلتهب
ومن حمرة جلده ينقصف
هذه ليلة الليلاء توقدها ثريا بيضاء
يا منى قلبي ، فما يبقى في الحياة
فيض دموع / طرد هموم / كرم الأصيل /
نار وماء / هواء وتراب / برق في نسيم /
في هذا الصباح ما في الحياة
نخرج إليه متعانقين مثل الخيزران
من مستودع فراش الحنان



3 ـ الصباح

ما هذا الذي يجري في الصباح
حيث كل شيء أصبح للغربان مباح
تهب ريح صفراء ، تهب الرياح من شمال
من شرق ، من غرب ، من جنوب
أينما أولي وجهي أرى خراب ودمار
وتنطق الشفاه : بغداد ، بغداد
أسرتي قلبي يا غادة حسناء بغداد
كامنة في نفسي مثل شعلة نار
أينما أولي وجهي أرى أشباح
تظهر وتختفي في الليل والنهار
مثل قمر يحرق نفسه في عنان السماء
هذا الصباح تعرى من ثوب أسود
وبان البياض ، وبان الغراب من أوكار الظلام
أينما أولي وجهي لا أرى أزهار
ولا أرى حدائق العشاق
أرى مخلوقات مخيفة مثل أشباح الموت
تطارد عطر النسيم وابتسامات العذراوات
والغرة العليلة من أنفاس الأبرياء
وإذا البنفسج تخضل بالندى مصيره الفناء
أهذا الصباح الصادق تبكيه السماء
وقد غابت نجوم صغار وكبار
وما بقي في السماء إلا نجم الصباح
ولم لا تكون بغداد فلكا ثابتا في السماء
أو يدور متحركا كباقي الأفلاك
ماذا بقي من العمر يا بغداد
آه ، يا حبيبة قلبي أنت مثل زنبقة بيضاء
تلاطمها الأمواج في ظلام
بريئة ، خالدة ، ملبوسة ببرد الصباح
في ظلك الباهت يسجع طائر مقصوص الجناح
وبين أغصانك تذرف دموع على الأموات
كم مرة تسكنين في صمت الدهور
في صمت الأحزان
وأسفاه ، كيف لا يصبح الليل الأظلم ضياء
وكيف لا يصبح الحجر الصلد أزهار
استبقين في مصير الموت والطوفان
في هذا النهار ونوره الساطع
إذ لم أر وجوها تبرق باللوامع
ولم أر اخضرار تيجان النخيل الروائع
ما هذا الذي يجري في بلادي
في الوقت السحيق ، في الوقت الضائع
أنت أيتها الغربان ، دعيني أذرف الدموع
فأنا كالطائر المجروح ، كالجائع الظامئ
أينما أولي وجهي أرى الخراب والدمار
دعيني أيتها الغربان المحتشدة على جسد
أن أكمل صلوات الألحان والبكاء
قبل أن تملأ حفر الأرض جماجم
فلا تنفضي ريشك الأسود الكالح
مهلا باللسان الصوفي الحائر
وكفى نعيبا على أبد جائر
أي ، هذا غراب ضخم فوق حائط أطلال
ينعب عن يمين ويسار ، من وراء كل حجر ساقط
يمسح منقاره في رداء ميت خائب
ها قد طار ناشرا جناحيه في الفضاء
أي ، تلك حشود فوق شجرة يابسة
تجيب أحدها الآخر
ثم نعبت بصوت واحد
ووقعت على فريستها تلتقط أحشاء بكل ذكاء
ها أنا أرى غرابين يقتتلان بنقر بعضهما
رافعين هابطين في جو السماء
أحدهما يسقط ميتا ، والآخر يهبط مثل جنح ظلام
يحفر لحدا ، يدفنه ويفر في السماء
أينما أولي وجهي أرى غربان سوداء
هذا يطير مستعليا ثم يهبط بسرور
ذاك يزعجه دبيب ذباب
فتمرغ في التراب ، ونقر بمنقاره ،
ومزق بمخالبه ثم طار فرحان
وأنا أذرف الدموع ،
وأستجلي الدعاء أن تحفظ بغداد في قلبي
أه ، يا بغداد أسرتي قلبي في الليل والنهار


4 ـ الزائر

زارني خفية في المنام طيف خيال
خداع ، ماكر ، كذب الغراب
أشأم من أحمر عاد
وألقى علي سؤال يوافي سؤال
أتنسج بغداد من نجوم على أنوال
أم من أعمدة ذات العماد ؟
فصحت صيحة رهيبة من أحقاف:
بغداد ليست مثل إرم ذات العماد
شيدها في أعوام طويلة شداد بن عاد
كما لو أرادها جنة موعودة
في أرض خصب محظوظة بالجمال
مات شداد في الطريق إليها ،
ولم ير أرض الميعاد ،
فصارت مدفونة في كثبان الرمال
بغداد لا تشبه إرم ذات العماد
ولا هي في الربع الخالي بين التلال
ولا اسمها وارد في كتاب الموتى
وكل الأحياء تحكم على الأشياء
سواء كانوا عمالقة النار
أو أولئك الآتين من عزيف الجن والشيطان
أو أصحاب رس الإرهاب أو سارقي أموال العراق
وبغداد ليست مثل صبعة ، وصعرة ،
وعمرة ، ودوما ، وسدوم ،
ضربتها صواعق السماء
ولم يبق منها إلا أبو رغال
فبغداد أنعم مما أنعم من طسم
وليس لها كلب مثل كلب طسم
وعمرها ممدود وأطول من ألف لبد
فقد أهلك الدهر قوم نوح وعاد وثمود
وطسم وجديس وتفرق العماليق
ها قد انهار سد العرم
وتفرقت سبأ في البلدان
لا ... لا ... لا ...
بغداد لها حكمت لقمان كلما ساءت الأحوال
وهبت عواصف الصبا
وعندما تجف مياه دجلة والفرات
في دجى الظلام ، في دجى الظلام
بغداد لها حكمة لقمان ،
حكمة لقمان ، حكمة لقمان
زارني خفية طيف خيال
خداع ، ماكر ، كذاب الغراب
في ليلة السرار
أصم ، أجرد في السراب
مثل ضباب الغموض
خفت أن العطر يتلاشى من غدائر المحبوبة
وتذوب قطرات الندى على ورد الخدود
في الظلام الغشوم
في الظلام الغشوم
في قصف الرعود


5 – شجرة الأحزان

حين فتحت أبواب الليل أفل القمر
أفل ضوءه بين أغصان شجرة الأحزان
فتناهى لي نعيب الغربان السوداء
التي اتخذت أعشاشها من ريش
وأوراق وأغصان ولوامع ألوان
شجرة الأحزان شغفت بالوحدة وسط حطام
مهشمة الأغصان ، مسكونة بالأشباح
منفرة ، شوهها الموت المخيف
هذه شجرة الأحزان في مجثم الغربان
عارية ، جرداء ، لا تشبه الأشجار
مثلما كانت قبل ألف عام وعام
كأنها شبح عظام أو جمجمة إنسان
في أرض خراب ، في بقايا أطلال
تمتد جذورها في أعماق الصخور
لا تشبه شجرة المعرفة بالجنان
ولا شجرة الحياة والبقاء
ولا مثل شجرة عيد الميلاد
دائمة الخضرة ، تزين بالأنوار
من أشواكها صنع للمسيح إكليل العذاب
فاكفهرت السماء ، غمائم فوق غمائم
وتعالى صراخ في الخرائب ، في الحطام
وصرخت ريح الليل مرارا وتكرارا :
دنيا البشر ، دنيا الخيال .... دنيا العذاب
حلم ووهم ، لابد أن تحلم أيها الإنسان
لابد أن هناك أمل في أيام العذاب
حينئذ وصدت بوابات الليل الجديد
واتقد القلب في أحلام الغفران
تأملت برهة شجرة الأحزان
ثم أخذتني رجفة إلى أوهام أشباح
شاردا ، إذ الكون يغمره السكون
حينئذ لم أعد أسمع صراخا
أو أنينا أو دقات طبول
لا أسمع شيئا على الإطلاق
إذ لم تكن لدي أذن تسمع حتى عواء
قد يكون هذا أملا جديد !
وقد يكون وهما من أوهام الزمان
فأخذتني رجفة وجوه أشباح محتشدة ، غائبة
حاضرة ، تروي قصصا عن إلاهة الولادة
تلك التي اتكأت إلى جذعها عند المخاض
شجرة الأحزان منفلقة تشبه الرحم
بوذا ولد تحتها ، وتلقى الإلهام
قد تكون ذات عناقيد أو ذات عذوق
يرضع منها الكاهن الساحر في أيام الأحزان
متماهيا ببدلته السوداء التي تعانق التراب
وقد تكون شجرة ذات أنواط أو مناهل
أو مقدسة أو مهبط الملائكة والجن
أو تكون مثل شجرة الحديبية
التي أنزلت السكينة تحتها
ووعدوا بالفتح القريب
أنت أيتها الشجرة التي ليست في السماء السابعة
والتي ليست في جنة المأوى ، ولا عن يمين العرش
أنت إلاهة الأشجار المتبقية ، والقمر ، إلاهة الأشجار
والحب ، والعالم السفلي ، والأنهار الجارية العذبة
الإلاهة البيضاء ، الحرمة ، الكريمة ، التي قلعتك الريح
وحملتك مياه الطوفان ، وزرعتي في الحديقة الإلهية
لتكوني شامخة عند باب الجنة ، تمسكين سبع أغصان
إذ لا يمر أحد إلا وأظهر جواز الأحزان
أنت إلاهة القمر ، يا من تستنزل المطر
وتطلق خوارا خفيفا ، فينام البشر
ها أنا في الليل الجديد أسمع دقات طبول
وأرى أشباح الليل تحمل فؤوسا قصيرة مقوسة
وأخرى تحمل بأياديها سلالا لجني الثمار
وأخرى تحمل مشاعل لتضيء طرق الظلام،
وتردد : ها نحن غربان الليل الكئيب
ثم راحوا يطرقون أبواب البيوت ، ويرددون :
ها نحن غربان الليل الكئيب
ثم تناهت إلي دقات عنيفة قاسية
حرت ، ودهشت ، وجزعت حين سمعت بكائك
حين كان يصدر منك صرير التقطيع
ثم تصاعدت أعمدة دخان معطرة بالروائح الزكية
حينئذ لم أعد أسمع شيئا عندما صارت دموعك أشجار
وصارت الأغصان تهمس لبعضها :
أشباح الليل ، وغربان الليل الكئيب تشتعل وسط النيران
أي ليل هذا الخريف ، يذهب ويؤوب في دجى الظلام
كل عام يذهب ، ويؤوب بالنبأ الحزين
أينما أولي وجهي أرى الخراب والدمار


حمودي عبد محسن
2013 / 1 / 16

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي