حول النضال المزعوم لماوتسي تونغ والحزب الشيوعي الصيني ضد التحريفية المعاصرة

عزالدين بن عثمان الحديدي
2013 / 1 / 9

1- عرف ماو تسي تونغ على أنه مدافع عن ستالين ضد هجومات خروتشوف وعلى أنه متبني لسياسات ستالين ضد سياسات التحريفيين السوفيات الذين أعادو الرأسمالية إلى الإتحاد السوفيتي. هذه الصورة وقع تشييدها وترويجها من طرف الحزب الشيوعي الصيني الذي أظهر ماو على أنه مواصل لعمل ماركس، انجلز، لينين وستالين بل ومطورا أعمالهم "إلى مرحلة جديدة" في "حقبة جديدة" هي حقبة ما يسمى "فكر ماو تسي تونغ" وأن ستالين كان يدعم ماو تسي تونغ..

هذه الأسطورة يكذبها التاريخ الحقيقي للحزب الشيوعي الصيني والثورة الصينية. في الواقع لقد خاض ستالين نضالا عنيدا من أجل بلشفة الحزب الشيوعي الصيني ضد ماو وخطه السياسي، هذا النضال بدأ منذ المراحل الأولى للثورة الصينية ولم ينتهي إلا بعد وفاة ستالين (سنتناول هذا الموضوع في دراسة خاصة سننشرها لاحقا)..
انه ماو نفسه الذي يعتبر أن كل تطور الثورة الصينية كان مناقضا لخط ستالين والكومنترن. يقول الحزب الشيوعي الصيني : "منذ فترة بعيدة، قد مر الشيوعيون الصينيون في تجربتهم الشخصية الخاصة من بعض أخطاء ستالين. اُرْتُكبت أخطاء خطوط داخل الح.ش.ص.، فقد كانت إما انتهازية "يسارية" أو يمينية. في ما يتعلق بأسبابها العالمية، اُرْتُكب البعض منها تحت تأثير بعض أخطاء ستالين. منذ نهاية العشرينات، ثم خلال الثلاثينات، و أخيرا في بداية و أواسط الأربعينات، عمل الماركسيون اللينينيون، و الرفاق ماوتسي تونغ و ليو شاوشي كممثيلهم، على محاصرة تأثير بعض أخطاء ستالين، ثم، بعد القضاء بالتدريج على الخطوط الخاطئة لكل من الانتهازية "اليسارية" و اليمينية، قادوا في النهاية الثورة الصينية إلى النصر." (حول مسالة ستالين)

ولم تنشأ تحريفية ماو ومعاداته للخط الشيوعي البلشفي في أواخر حياته كما يروج لذلك البعض، ولم تنشأ أيضا بعد وفاة الرفيق ستالين. لقد ظهرت تحريفية ماو وتطورت منذ بداية نشاطه السياسي وكان هدفه الثابت يتمثل أولا في ازاحة وتصفية الخط اللينيني-الستاليني حول الثورة الصينية ، ثم بعد ذلك في ازاحة وتصفية هذا الخط على المستوى العالمي واحلال محله "فكر ماو تسي تونغ".

إن المطروح اليوم على جميع العناصر الشيوعية الثورية القيام باختيار بين الماركسية اللينينية كما مارسها وطورها ستالين وطبقتها الأممية الثالثة وبين "فكر ماو تسي تونغ". من جهته، ماو قام بالاختيار عندما أعلن صراحة أن ستالين والكومنترن، وبالتالي ماركس وانجلز ولينين، كانا مخطئين، وأن طريق الثورة العالمية يعتمد على تبني "فكر ماو تسي تونغ".

2- لقد استغل ماوتسي تونغ مجازر الكيومنتانغ وتشان كاي تشيك ضد الحزب الشيوعي الصيني خاصة في المدن وإضعاف قواعده العمالية وكذلك انشغال ستالين والكومنترن بتحضير التصدي العالمي للفاشية والنازية وقام وجماعته باغتصاب السلطة في الحزب بطريقة غير شرعية وبالاعتماد على الجيش في جانفي 1935 في كونفرنس تسون_ يي. أطاح ماو بالقيادة البلشفية للحزب التي ركزها الكومنترن والشيوعيون الصينيين ضد الانحرافات الانتهازية اليمينية وشبه التروتسكية في 1931. إن السيطرة غير الشرعية والمسلحة على السلطة في الحزب من طرف ماو لم يعترف بها الكومنترن أبدا، كما لم يؤيد الكومنترن ولم تعلق الصحافة السوفياتية أبدا حتى وفاة ستالين على أي من انتقادات ماو لما يسميه "28 بولشفي".
يقول ماو بهذا الخصوص " لقد دام خط وانغ مينغ أطول فترة. لقد شكل كتلة في موسكو ونظم 28 بلشفي. وبالاعتماد على قوة الأممية الثالثة سيطروا على السلطة في الحزب واحتفظوا بها طيلة أربع سنوات كاملة" (حول مسألة ستالين – 10مارس 1958 في كتاب خطابات الرئيس ماو، طبعة ستيوارت شرام ص 101).

ويعترف ماو بتصفيته للخط البلشفي داخل الحزب الشيوعي الصيني بعبارات في غاية الوضوح : " وفي تاريخ الحزب الشيوعي الصيني ، من عام 1931 إلى عام 1934 ، كان أصحاب نزعة الجمود العقائدي ينكرون خصائص الصين ، وينسخون تجربة ما عن الثورة الروسية : مما أدى إلى حلول هزيمة خطيرة بالقوى الثورية في البلاد . وقد كانت هذه الهزيمة كبيرة لحزبنا . وفي المرحلة الواقعة بين الجلسة الموسعة التي عقدها المكتب السياسي للجنة المركزية في تسوني عام 1935 وبين المؤتمر الوطني السابع الذي انعقد في عام 1945 ، قضى حزبنا قضاء تاما على نهج الجمود العقائدي هذا الذي سبب ضررا كبيرا" (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا- هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو- 29 ديسمبر 1956).

ويقول ماو مؤكدا ضمنيا عدم اعتراف الكومنترن بانقلابه والتزامها الصمت في تلك الفترة : " ومنذ المؤتمر العالمي السابع في عام 1935 ما عادت الأممية الشيوعية تتدخل في المشكلات الداخلية للحزب الشيوعي الصيني" (خطاب ماو تسي تونغ في 26 ايار 1943 أمام ملاكات الحزب الشيوعي الصيني لتفسير قرار حل الاممية الشيوعية).

* إن قراءة ماو لمسالة "صراع الخطوط " داخل الح الش الص المضمنة في وثيقة "قرار حول بعض المسائل المتعلقة بتاريخ الحزب" المصادق عليها في 20 أفريل 1945 من طرف اللجنة المركزية الموسعة قبيل المؤتمر السابع للحزب، لم تنشر أبدا قبل فيفري 1953 أي شهرا قبل اغتيال ستالين، في المجلد الثالث الذي تضمن لأول مرة أيضا تقرير ماو للمؤتمر السابع تحت عنوان "حول الحكومة الائتلافية " والكتابات التي جسدت الحملة التي قادها ماو لتصفية البلاشفة الصينيين تحت شعار "ضد الدغمائية" و"فلنصلح دراستنا" وهي بالضبط الشعارات التي رفعتها العصابة الخروتشوفية لسحق البلاشفة في الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي.
تركزت سيطرة ماوتسي تونغ على الحزب الشيوعي الصيني بصورة كبيرة في المؤتمر السابع حيث طرح لأول مرة مفهوم "فكر ماوتسي تونغ". لم يعترف الاتحاد السوفياتي بذلك أبدا قبل وفاة ستالين والصحافة السوفياتيية لم تعلق أدنى تعليق حول انعقاد هذا المؤتمر.

لم يدعم ستالين المؤتمر السابع لأنه يشكل انتصارا تحريفيا داخل الحزب الشيوعي الصيني لا يختلف في جوهره عن التيتوية وغيرها من أشكال التحريفية المعاصرة التي تفشت بعد الحرب العالمية الثانية. ويعترف ماو بذلك حيث يصرح في 1956 " لقد ارتكب ستالين عددا معينا من الأخطاء بحق الصين، فمغامرة وانغ مينغ "اليسارية" في أواخر مرحلة الحرب الأهلية الثورية الثانية وانتهازية وانغ مينغ اليمينية في أوائل حرب المقاومة ضد اليابان كلتاهما ترجعان إلى ستالين. خلال مرحلة حرب التحرير، لم يسمح لنا في البداية بالثورة معتقدا بأن الأمة الصينية ستتعرض لخطر الدمار إن قامت حرب أهلية. ولما قامت الحرب كان ينظر لنا بعين الشك. وعندما انتصرنا في الحرب كان يرتاب في أن انتصارنا انتصار من الطراز التيتوي وكانت ضغوطه علينا شديدة في عامي 1949 و1950." (حول العلاقات العشر الرئيسية: خطاب ماو في الاجتماع الموسع للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الش الص – 25 نيسان 1956).

* هذه "الضغوط الشديدة" من ستالين، أجبرت ماو على التخفي واستباق إمكانية فضحه وطرده من الحركة الشيوعية العالمية مثلما وقع الأمر مع تيتو والحزب الشيوعي اليوغسلافي، فقام بادخال تعديلات جوهرية على كتاباته بمناسبة اصدار المؤلفات المختارة سنة 1951 بحيث أضيفت اليها بصورة ممنهجة عبارات " بقيادة البرولتاريا" و"بقيادة الحزب الشيوعي " وأزيلت منها مقاطع بأكملها وعديد الجمل المتعلقة بالدور القيادي للفلاحين في الثورة وتمجيد البرجوازية الوطنية...الخ. (للاطلاع على تفاصيل هذا التزييف نحيل القارئ الى دراسة معمقة قامت بها منظمة الاتحاد البلشفي الكندية ونشرت في العدد 15 من مجلتها "خطوط التمايز" في 1980).
يقول ستيوارت شرام وهو أحد الأكاديميين البرجوازيين المختصين في ترجمة ونشر كتابات ماو " لقد خضعت النصوص المضمنة في الأعمال المختارة إلى تغييرات كثيرة وعميقة من طرف الكاتب بحيث لا يمكننا أن نؤكد، ولو بالنسبة لجملة بسيطة، مطابقتها لما كان ماو قد كتبه فعلا دون التثبت بالرجوع إلى النسخة الأصلية".

و من الصعب علينا نحن طبعا أن نفهم كيف انتقل ماو من تكتيك التخفي وتنقيح كتاباته لـ"تفادي" "الضغوط الشديدة" التي مارسها عليه ستالين إلى الهجوم المكشوف على ستالين والأممية الثالثة في فيفري 1953 لو لم يكن يعلم مسبقا أن ستالين سيكون بعد شهر في وضع لا يستطيع معه محاربته بوصفه تيتوي. خاصة وأن ذلك الهجوم المباشر على ستالين والكومنترن حصل في توقيت مرتبط بتواجد بولغانين على رأس وفد سوفياتي في سفارة الصين في فيفري 1953 . وهذا الرجل نفسه، بولغانين، سنجده ضمن وفد سيذهب الى الصين يضم أيضا خروتشوف ومكويان في 1954. وقد أسست هذه الزيارة للتحالف الأولي بين ماو والتحريفيين السوفيات. هذا التحالف الذي كسب منه خروتشوف دعم ماو في الهجوم على ستالين وتصفية القيادة البلشفية في الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي مقابل الدعم المادي والعلمي للصين وبالخصوص الوعد بتقديم المساعدة النووية. كل ذلك يدفعنا إلى التساؤل حول مدى انضمام ماوتسي تونغ بصفة نشيطة إلى مؤامرة اغتيال ستالين وتصفية القيادة البلشفية في الاتحاد السوفياتي؟.

مهما يكن من أمر فالأكيد أنه قدم التبرير السياسي لاغتيال ستالين. يقول الحزب الشيوعي الصيني : " إن بعض أخطاء ستالين قد تحولت في آخر مرحلة من حياته إلى أخطاء خطيرة طويلة الأمد وعلى صعيد الدولة ، ولم يكن من الممكن إصلاحها في الوقت اللازم لأنه كان قد انقطع عن الجماهير والجماعة إلى حد ما وبقدر ما ، وكان قد انتهك مبادئ المركزية الديمقراطية في الحزب والدولة ." (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو-).

3- لقد وقع اعتبار وصول الحزب الشيوعي الصيني الى السلطة في الصين كنتيجة حصرية لأعمال هذا الحزب تحت قيادة "فكر ماو تسي تونغ". مع تقديرنا العميق لدور ملايين العمال والفلاحين الصينيين الذين ضحوا بحياتهم من أجل انتصار الثورة على الامبريالية، نؤكد أن وصول الحزب الشيوعي الصيني إلى السلطة كان وإلى حدّ كبير نتيجة انتصار الجبهة الثورية العالمية بقيادة الاتحاد السوفياتي ضد الفاشية، جبهة كان الحزب الش الص جزءا منها، جبهة انتصرت على الفاشية وهيأت الظروف للثورة الصينية. كان ذلك نتيجة تنامي قوة المعسكر الاشتراكي بقيادة ستالين وإضعاف المعسكر الامبريالي بفعل الضربات القاتلة التي تلقتها الامبريالية العالمية بالقضاء على رأس حربتها الفاشية واقتطاع جزء كبير من العالم الرأسمالي الامبريالي والتحاقه بالمعسكر الاشتراكي والثورة العالمية.

بالإضافة إلى ذلك كان للعون المباشر الذي قدمه الاتحاد السوفيتي بقيادة ستالين دورا حاسما في انتصار الثورة الصينية. ففي أوت 1945، اجتاح الجيش الأحمر منشوريا لطرد الامبرياليين اليابانيين، هذه المقاطعة هي الأكثر تصنيعا في الصين وذات أهمية استراتيجية بالغة. لما انسحب الاتحاد السوفيتي منها بعد استسلام اليابان، حرص على أن تؤول المقاطعة إلى سيطرة الحزب الش الص ومنع الكيومنتانغ من السيطرة عليها، وأمن بذلك حصول جيش التحرير الشعبي على مخزون هائل من الذخائر اليابانية. وفي منشوريا وقع تركيز حكومة مؤقتة دعمها الاتحاد السوفيتي عسكريا واقتصاديا، وقد منع الاتحاد السوفياتي قوات الكيومنتانغ من استخدام دايرن وبور آرثر للهجوم على القوات الثورية. وانطلاقا من هذه القاعدة في منشوريا أجرى جيش التحرير الشعبي استعداداته لشن هجماته على قوات الكيومنتانغ في 1948 و1949 وتحقيق النصر.

4- بعد موت ستالين مباشرة سارع التحريفيون السوفيات الى الحصول على دعم قيادة الح الش الص. ففي أكتوبر 1954 توجه بولغانين ومكويان وخروتشوف نفسه الى بكين وحصلوا على دعم القيادة الصينية مقابل صفقة تشمل بالخصوص انسحاب الاتحاد السوفياتي من بورت آرثر والتخلي عن أربع شركات مختلطة صينية-سوفياتية في مجالات التعدين والبترول والطيران وبناء السفن لصالح الصين، وتقديم قروض اضافية للصين بقيمة 130 مليون دولار وبناء سكة حديدية في الصين. ولم يتأخر الدعم الصيني للتحريفيين السوفيات من خلال مساندتهم للتقارب مع تيتو في 1955 ومساندتهم لهجمات خروتشوف على ستالين و للأطروحات التحريفية في المؤتمر العشرين.

ولكسب دعم الحزب الش الص لتصفية بقية القيادة البلشفية ومولوتوف وما يسمى بــ"المجموعة المعادية للحزب" وعد خروتشوف بتمكين الصين من السلاح النووي. وبالفعل وقع إبرام اتفاقية لتمكين الصين من السلاح النووي وإعطائها المخططات الضرورية لصنعها وذلك سنة 1957 بعد أربعة أشهر من طرد مولوتوف. وبعد شهر من الاتفاقية يأتي ماو إلى الاتحاد السوفياتي في زيارة عرفان بالجميل ويعلن تصريحه الشهير "ينبغي أن يكون للمعسكر الاشتراكي رأس وهذا الرأس هو الاتحاد السوفياتي...ينبغي أن يكون للأحزاب الشيوعية والعمالية لجميع البلدان رأس وهذا الرأس هو الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي"

5- ان الخلافات بين القيادة الصينية والتحريفيين السوفيات لم تكن تناقضا بين الماركسية اللينينية والتحريفية بل تناقضا برجوازيا قوميا بين قوة عظمى وبين من يريد أن يصبح قوة عظمى. لقد كانت سياسات خروتشوف، خاصة انطلاقا من 1959 ، المعادية لطموحات الصين في أن تصبح قوة عظمى هي التي أجبرت الصين على التغلف بالاشتراكية و الستالينية و"محاربة" التحريفية. ففي جوان 1959 ألغى خروتشوف الاتفاقية النووية مع الصين، وفي سبتمبر من نفس السنة التقى ايزنهاور واتفق معه على الحد من "طموحات الصين". وتبعا لذلك طلب خروتشوف من القيادة الصينية الاعتراف بوجود "صينيتين" والقبول بسيطرة الولايات المتحدة على تايوان، كما رفض دعم مطالب الصين حول جزر كوموي وماتسو. وكان له خاصة موقف معارض للصين في خلافاتها الحدودية مع الهند. وكرد فعل على ذلك رفع ماو والحزب الشيوعي الصيني من "سقف" النضال ضد التحريفية السوفيتية دون أن يقطعا مع خروتشوف أو يواجهانه بوصفه عدوا للشيوعية.

ولم ينخرط الحزب الشيوعي الصيني فعليا في "النضال" المزعوم ضد الخروتشوفية الا في سنة 1963 لما أقام الاتحاد السوفيتي علاقات وثيقة مع كينيدي والامبريالية الأمريكية ولما يئس من مساعدة السوفيات في الحصول على الأسلحة النووية بعد أن أمضى هؤلاء اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية. وحتى بعد الاطاحة بخروتشوف سارع قادة الحزب الشيوعي الصيني إلى زيارة الاتحاد السوفيتي لتقديم التهاني وطلب العون النووي و اقترح شو-آن- لاي على بريجنيف تحقيق الوحدة من جديد. لكن بريجنيف رفض طموحاتهم القومية، فما كان من ماو والحزب الشيوعي الصيني إلا أن "يفتحوا النار" على التحريفية المعاصرة ويأخذون على عاتقهم الدفاع عن "النقاط الايجابية" لدى ستالين بعد أكثر من عشرة سنوات على اغتياله.

6- كانت البرجوازية تعرف بغريزتها الطبقية وكذلك خدمها المفضوحين أمثال تيتو أن الهجوم على ستالين هو هجوم على الماركسية اللينينية وتقويض لدكتاتورية البرولتاريا، فاستغلوا المؤتمر العشرين وما تلاه لشن هجوم شامل على الماركسية اللينينية وعلى دكتاتورية البرولتاريا، لكن الوسطيين من أمثال ماو كان ما يزال بحاجة لغطاء الماركسية اللينينية ليحافظ على مساندة والتفاف الجماهير في الصين والعالم ليقوي مركزه كقومي صيني ضد الأطماع الامبريالية في الشرق و الغرب، فالصين مازالت بلدا متخلفا وفي خطواته الأولى نحو التصنيع.

و يقر ماو والحزب الش الص بشعبية ستالين في العالم وفي الاتحاد السوفيتي وأن التحريفيين يخشون ردة فعل البرولتاريا لذلك ابقوا التقرير سريا بتواطئ من ماو وأنور خوجة لأن هذين الأخيرين كانتهازيين وسطيين ( مثل معارضة كاوتسكي الانتهازية الوسطية لبرنشتاين) ما زالا بحاجة لغطاء الماركسية اللينينية من أجل المحافظة على دعم الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في صراعهم مع غطرسة الامبريالية الغربية التي لا تزال تهدد "الديمقراطية الجديدة" الماوية و"الديمقراطية الشعبية" الخوجية. لذلك هم يعارضون "رفض ستالين بشكل كامل"، و"يعارضون القضاء عليه بضربة واحدة" حتى "لا تنفر الجماهير" منهم. يقول ماو والحزب الش الص : "لا تقبل الأغلبية الساحقة للسوفيتيين على أن نشتم ستالين بهذه الطريقة. فهم يظهرون دائما متشبثين بذاكرته. لقد انفصل قادة الح.ش.ا.س. عن الجماهير بشكل خطير. إذا كانوا يحسون بأنهم ملاحقين و مهددين بشبح ستالين في أي لحظة، فذلك لأنهم في الحقيقة يصطدمون بالسخط العميق للجماهير الشعبية الواسعة تجاه الرفض الكامل لستالين. لازال خروشوف لا يجرأ على إحاطة الشعب السوفياتي و شعوب المعسكر الاشتراكي علما بالتقرير السري الذي يرفض ستالين بشكل كامل و الذي ألقاه في المؤتمر العشرين، لأن الأمر يتعلق بتقرير غير صادق ، تقرير سينفر منه الجماهير ويبعده بشكل خطير عنها."

- ويفضح ماو والحزب الش الص منطلقاتهم القومية البرجوازية في الهجوم على ستالين. يقول : " وكما قيل اعلاه ، ان ستالين كان يبدي في علاقاته مع الاحزاب الشقيقة والبلدان الشقيقة ميلا ما الى شوفينية الدولة الكبيرة . وقوام هذا هو الاستخفاف بالوضع الاستقلالي والمتساوي للاحزاب الشيوعية والبلدان الاشتراكية في الوحدة الاممية" (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا-هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو- 29 ديسمبر 1956).

7- دعم التقرير السري والأطروحات التحريفية للمؤتمر العشرين:

-" اننا لمقتنعون ، نحن الشيوعيين الصينيين ، بأن الانتقادات القاسية التي طرحت في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي ستسمح بالتأكيد لجميع العوامل الايجابية التي خنقتها تدابير سياسية مغلوطة بأن تتفتح من جديد على الحياة في كل مكان ، وبأن حزب وشعب الاتحاد السوفياتي سيوطدان وحدتهما بحزم اكبر أيضا في النضال لبناء مجتمع شيوعي كبير لا سابق له في تاريخ الانسانية ، وفي سبيل سلم دائم في العالم قاطبة ." ( حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا" - جريدة (( جيمنجباو )) في 5 نيسان 1956 ، خلاصة المناقشات التي دارت في اجتماع موسع للمكتب السياسي التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني).

- ولعب ماو دورا قذرا ونشيطا في دعم الانقلاب الخروتشوفي و التصدي للستالينيين في الاتحاد السوفيتي وخارجه الذين أدانوا التحريفية : " إن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي قد باشر إصلاح أخطاء ستالين وإزالة عواقب هذه الأخطاء ، وهو ينجح في ذلك . ولقد أبدى المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي حزما عظيما وجرأة بالغة في العمل على إزالة تقديس ستالين ، وعلى تبيان خطورة أخطاء ستالين ، ومحو عواقب أخطاء ستالين . وان الماركسيين اللينينيين ومن يعطفون على قضية الشيوعية في العالم كله ، يساندون الجهود التي يبذلها الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي بغية إصلاح الأخطاء وهم راغبون في ان تتكلل جهود الرفاق السوفياتيين بالنجاح التام . ومن الجلي كل الجلاء ان إصلاح أخطاء لن يتم بين ليلة وضحاها ، لان هذه الأخطاء لم تكن ذات امد قصير ، بل ان هذا يستلزم بذل الجهود خلال مدة طويلة نسبيا ، ومن الضروري القيام بعمل دقيق ايديولوجي وتربوي . ونحن واثقون من أن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي ، هذا الحزب العظيم الذي تغلب فيما مضى على صعوبات لا تحصى ، سيتغلب دوما دون ريب على هذه الصعوبات أيضا ويبلغ غايته . (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا-هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو- 29 ديسمبر 1956). تتكرر عبارة "أخطاء ستالين" المزعومة في هذه الفقرة الصغيرة وحدها ثماني مرات !!!


* دعم ماو والحزب الش الص للهجوم على ستالين تحت يافطة "عبادة الشخصية" :

- "بيد ان ستالين ، بعد ان حاز على حظوة كبيرة لدى الشعب ، سواء في داخل الاتحاد السوفياتي أم خارجه ، بتطبيقه الخط اللينيني تطبيقا صحيحا ، وقع في خطأ المبالغة في دوره الخاص وعارض القيادة الجماعية بسلطته الشخصية . ونجم عن ذلك أن بعض أعماله سارت في طريق مخالف لمباديء الماركسية – اللينينية" ("حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا" - جريدة (( جيمنجباو )) في 5 نيسان 1956)

- " إن ستالين ، بإهماله استخلاص الدروس من الأخطاء المنعزلة ، الجزئية العابرة ، المتعلقة ببعض المشاكل ، لم يستطع ان يتجنب تحولها إلى أخطاء فادحة تمس الأمة بأسرها ولمدى طويل . ولقد راح ستالين ، في الجزء الاخير من حياته ، يزدهي أكثر فأكثر بعبادة الشخصية تلك . فخرق نظام المركزية الديمقراطية في الحزب ونظام الجمع بين القيادة الجماعية والمسؤولية الفردية . وهذا قاده إلى اقتراف بعض أخطاء فادحة" (نفس المصدر). ونقرأ أيضا : " ان النضال ضد عبادة الشخصية الذي شن أثناء المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي نضال عظيم وشجاع يخوضه شيوعيو وشعب الاتحاد السوفياتي لإزالة العقبات الايديولوجية التي تعرقل مسيرتهم إلى الإمام (نفس المصدر) .


* موقف ماو من التيتوية ومساندة تقارب خروتشوف مع تيتو :

" إذا كان الرفاق اليوغسلافيون يكنون كرها خاصا لأخطاء ستالين ، فقد يكون ذلك مفهوما . إن الرفاق اليوغسلافيين قد عرفوا ظروفا عسيرة في الماضي ، وبذلوا جهودا ثمينة للدفاع عن الاشتراكية . وهم قد حققوا في المؤسسات الصناعية وغيرها من المنظمات الاجتماعية خبرة بالإدارة الديمقراطية ، مما لفت كذلك أنظار الناس . والشعب الصيني يرحب بالتسوية السلمية التي تمت بين الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية من جهة ، ويوغسلافيا من جهة أخرى" (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا-هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو- 29 ديسمبر 1956)

- مساندة تيتو في نزاعه مع ستالين ومباركة التقارب الخروتشوفي التيتوي : " ان جهود الحكومة السوفياتية في سبيل تحسين العلاقات بين الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا ، وبيان الحكومة السوفياتية بتاريخ 30 تشرين الاول 1956 والمحادثات التي جرت بين الاتحاد السوفياتي وبولونيا في شهر تشرين الثاني 1956 ، لتؤكد عزم الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي والحكومة السوفياتية على محو أخطاء الماضي في العلاقات الخارجية محوا نهائيا . وكل هذه التدابير من جانب الاتحاد السوفياتي هي قسط هام يؤدي في قضية توطيد التضامن الأممي البروليتاري ." (نفس المصدر)

* التخلي عن الخط الستاليني في مقاومة مؤامرات الامبريالية لإعادة الرأسمالية وتبني خط خروتشوف:

- عندما يتعلق الأمر بإدانة ستالين ودعم خروتشوف، يدعي ماو أن الطبقات زالت في الاتحاد السوفياتي وأن لا مبرر للقمع في حين أنه صدع رؤوس الجميع هو والحزب الشيوعي الصيني بـ"تطويرهم الخلاق للماركسية اللينينية " بالقول بتواصل واحتداد الصراع الطبقي في ظل الاشتراكية ونقدهم لستالين عندما صرح في نهاية الثلاثينات بتصفية البرجوازية كطبقة. يقول الآن كلاما معاكسا : " رغم إن دكتاتورية البروليتاريا ضرورية أيضا لمكافحة بقايا الثورة المعاكسة داخل البلاد حتى بعد القضاء على الطبقات المستثمرة وتصفية القوى المعادية للثورة في الأساس ( ولا يمكن القضاء بشكل تام على هذه البقايا ما دام الاستعمار موجودا ) ، فانه ينبغي لها أن تكون موجهة بصورة رئيسية ضد القوى العدوانية الاستعمارية الخارجية لدفع خطرها (...) لا التشبث كما في الماضي بزيادة حدة النزاع الطبقي وقد اضمحلت الطبقات ، ولا ما يترتب على ذلك من عرقلة لتطور الديمقراطية الاشتراكية تطورا سلميا كما فعل ستالين . إن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي قد أصلح أخطاء ستالين في هذه المسألة إصلاحا حازما ، وهذا شيء صحيح كل الصحة ."


* دعم أطروحة خروتشوف حول التحول السلمي من الرأسمالية الى الاشتراكية

- اعتراف الحزب الش الص بخيانته وبعدم تصديه للهجمة التحريفية على المبادئ العامة للماركسية اللينينية : " عندما قدم خروشوف مسألة (( الطريق البرلماني )) لأول مرة في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي ، اعتبر الحزب الشيوعي الصيني أن هذا كان خطأ عظيما ، كان نقضا للنظريات الأساسية للماركسية اللينينية ويستحيل قبوله على الاطلاق .
ولكن نظرا لأن تحريفية خروشوف كانت وقتذاك في مرحلتها الابتدائية ، ولم يكن قادة الحزب الشيوعي السوفياتي أثاروا المجادلات العلنية بعد ، أمسكنا لحين من الوقت عن كشف خطأ خروشوف الذي ارتكبه بتقديمه (( الطريق البرلماني )) كما لم ننقده علنا أيضا ." (الثورة البروليتارية وتحريفية خروشوف -بقلم هيئتي تحرير صحيفة (( جينمينجيباو )) ومجلة (( العلم الأحمر ))31 مارس ( آذار ) 1964- دار النشر باللغات الأجنبية بكين 1964)

- وحتى بعد مرور أكثر من 7 سنوات على الانقلاب الخروتشوفي، يواصل الحزب الش الص تمسكه "بالوحدة" مع التحريفيين ويؤيد من جديد أطروحات برنشتاين وكاوتسكي حول الانتقال السلمي :" وفي اجتماع الأحزاب الشقيقة عام 1960 ، ... وتمشيا مع الرغبة العامة التي أبدتها الأحزاب الشقيقة في وضع وثيقة مشتركة في الاجتماع ، قدم وفد الحزب الشيوعي الصيني تنازلا آخر في النهاية حول هذه المسألة ووافق على ادراج الصياغة الحرفية التي وردت في تصريح عام 1957 بشأنها ، وافق على ادراجها في بيان عام 1960 ، وكان السبب أيضا هو مراعاة حاجيات قادة الحزب الشيوعي السوفياتي"
- ولا يخجل الحزب الش الص من تقديم مثل هذه التبريرات ويتشدق بأنه " وقد وزعنا في نفس الوقت في هذا الاجتماع عرضا عاما خاصا بآرائنا حول مسألة الانتقال السلمي باسم الحزب الشيوعي ... وأوضحنا أن مراعاتنا لقادة الحزب الشيوعي السوفياتي فيما يتعلق بهذه المسألة ، هي آخر مراعاة لهم وسوف لا نكرر هذا مرة اخرى."
يوافق إذن على الوثيقة التحريفية الرجعية التي ستنشر لدى الطبقة العاملة العالمية والشعوب المضطهدة ويتشدق بتوزيعه داخل مؤتمر مكون من زعماء تحريفيين لوثيقته الخاصة الانتهازية الوسطية كما أسلفنا. (الثورة البروليتارية وتحريفية خروشوف -بقلم هيئتي تحرير صحيفة (( جينمينجيباو )) ومجلة (( العلم الأحمر ))31 مارس ( آذار ) 1964- دار النشر باللغات الأجنبية بكين 1964)

* بناء "الاشتراكية" مع البرجوازية الوطنية :

الخصوصية الصينية بالنسبة لماو أقوى من المبادئ العامة للماركسية اللينينية ومن نظرية لينين وستالين عن الدولة ودكتاتورية البرولتاريا.هذه الخصوصية على درجة من القوة بحيث تغير من طبيعة البرجوازية وتجعلها تقبل الاشتراكية. يقول ماو :" فى بلادنا التناقضات بين الطبقة العاملة و البرجوازية الوطنية تناقضات تظهر فى صلب الشعب. صراع هاتين الطبقتين يحدد عموما ضمن مجال صراع الطبقات فى صلب الشعب لأن ، فى الصين، للبرجوازية الوطنية طابعا مزدوجا. فى مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية ، كانت ذات طابع ثوري و لكن فى الوقت عينه ظهر لديها توجه نحو الإتفاق [مع الإمبريالية] . فى مرحلة الثورة الإشتراكية ، تستغل الطبقة العاملة و تكسب منها مرابيح و لكن فى ذات الوقت تساند الدستور و تبدو مستعدة للقبول بالتحول الإشتراكي . إنها تختلف عن الإمبرياليين و الملاك العقاريين و البرجوازية البيروقراطية. التناقضات التى تجعلها تتعارض مع الطبقة العاملة هي تناقضات بين مستغِلين و مستغلين وهي بالتأكيد ذات طبيعة عدائية .مع ذلك ، فى الظروف الملموسة لبلادنا ، هذه التناقضات العدائية يمكن أن تتحول إلى تناقضات غير عدائية و تحل بصفة سلمية إذا عولجت بصفة حكيمة. لو أن التناقضات بين الطبقة العاملة و البرجوازية الوطنية لم تحل بشكل صحيح يعنى إذا لم نمارس تجاهها سياسة وحدة و نقد وتربية أو لم تقبل البرجوازية الوطنية مثل هذه السياسة ، فإنها يمكن أن تمسي تناقضات بيننا و بين أعدائنا." ("حول الحل الصحيح للتناقضات فى صلب الشعب " ماو - فيفري 1957)

* وفي الأخير يعترف الحزب الشيوعي الصيني بالضرر الفادح الذي أحدثته التحريفية الخروتشوفية على الحركة الشيوعية العالمية، ويهدد بعد 11 سنة على اغتيال الرفيق ستالين وبعد أكثر من 8 سنوات على مؤتمر الخيانة العشرين بأنه لن يسكت مستقبلا عن أفعال التحريفيين :" لم تمض على انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي غير ثماني سنوات فقط . وفي هذه الفترة القصيرة جدا من التاريخ ، ألحقت تحريفية خروشوف أضرارا أكبر الدرجات وأخطرها بالاتحاد السوفياتي وبالقضية الثورية لدى البروليتاريا العالمية .
لقد حان الوقت الآن وقد بلغ السيل الزبى ، لدحض تحريفية خروشوف ولمحاسبتها ." (الثورة البروليتارية وتحريفية خروشوف -بقلم هيئتي تحرير صحيفة (( جينمينجيباو )) ومجلة (( العلم الأحمر ))31 مارس ( آذار ) 1964- دار النشر باللغات الأجنبية بكين 1964).