النضال الثوري للبلاشفة بقيادة ستالين ضد التحريفية المعاصرة

عزالدين بن عثمان الحديدي
2013 / 1 / 7

* مقتطف من دراسة "اغتيال ستالين وتصفية البلشفية" لعزالدين بن عثمان الحديدي،

* بعد وفاة لينين وخلال فترة العشرينات من القرن الماضي وحتى منتصف الثلاثينات خاض البلاشفة بقيادة ستالين نضالا شاملا ايديولوجيا وسياسيا ضد شتى الانحرافات اليمينية و"اليسارية" للأممية الثانية و"الثانية ونصف" والتروتسكية والبوخارينية وغيرها. كان ذلك النضال عالميا في الاتحاد السوفيتي وفي جميع الأحزاب الشيوعية وقد أفضى ذلك النضال الى انتصار ساحق للبلشفية وتعزيز الوحدة الايديولوجية والسياسية والتنظيمية للطبقة العاملة السوفياتية والعالمية ورفع درجة النضج النظري والسياسي للأحزاب الشيوعية. كان ذلك تحضيرا ضروريا للطبقة العاملة وسائر الكادحين لخوض المعارك الكبرى التي تنتظرها سواء من أجل سحق البرجوازية وبناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي أو من أجل القيام بالثورة ضد الامبريالية وسحق الفاشية.

كانت النجاحات الباهرة في بناء الاشتراكية والانتصار على النازيين بقيادة الاتحاد السوفيتي وانتصار الثورة ضد الرأسمالية الامبريالية في عدد كبير من البلدان وتشكل معسكر اشتراكي قوي في مواجهة المعسكر الامبريالي تجسيما قويا لصحة الخط النظري والسياسي للحركة الشيوعية العالمية بقيادة ستالين والبلاشفة.

* خلال فترة المعارك والانتصارات العظمى تلك والممتدة من أواسط الثلاثينات حتى حوالي 1947 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، لم يكن الصراع الايديولوجي والسياسي ضد الانتهازية بتلويناتها على جدول الأعمال. كانت المعركة الرئيسية لجميع الشيوعيين الأمميين تتمثل في هزيمة الفاشية الهتلرية تحت قيادة الاتحاد السوفيتي. كان على الشيوعيين في جميع البلدان بناء وقيادة جبهات وطنية واسعة ضد الفاشية تكون حلقات في سلسلة الجبهة العالمية ضد الفاشية بقيادة الاتحاد السوفيتي. ولتحقيق ذلك كان من الضروري بالنسبة للشيوعيين في جميع البلدان أن يتحالفوا مع الاشتراكية الديمقراطية وأن يعقدوا اتفاقات حتى مع ديمقراطيين برجوازيين (أو وطنيين اصلاحيين في المستعمرات وأشباه المستعمرات) معادين فعلا للفاشية.

هذا الاحتكاك والتحالف بين الطبقة العاملة في جميع البلدان والقوى البرجوازية الديمقراطية والبرجوازية الصغيرة رغم ضرورته وصحته لتحقيق النصر على الفاشية بقيادة الاتحاد السوفيتي وفي نجاح الثورة في عديد البلدان في أوروبا الشرقية وآسيا، كان له جانبه السلبي والمتمثل في تسرب التأثير البرجوازي والبرجوازي الصغير في صلب الطبقة العاملة والذي انعكس داخل الأحزاب الشيوعية في تفشي الانحرافات اليمينية والتصفوية المبشرة بالتعاون الطبقي والبرلمانية البرجوازية والداعية إلى التخلي عن النضال الثوري ضد الرأسمالية الامبريالية. هذه "التحريفية المعاصرة" انتشرت في الأحزاب الشيوعية على المستوى العالمي وفي الحزب الشيوعي البلشفي نفسه.

* مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية وبالتوازي مع العمل الجبار لإعادة بناء وطن الاشتراكية، شرع البلاشفة بقيادة ستالين في خوض نضال عالمي نظري وسياسي ضد التحريفية المعاصرة من أجل تطهير الحزب البلشفي والحركة الشيوعية العالمية من تلك العناصر المتفسخة.

ككل التحريفيين، اتخذ التحريفيون المعاصرون من "الخصوصية القومية" و"نبذ الدغمائية" أساسا لتطوير تحريفيتهم وانكارهم للمبادئ العامة للماركسية اللينينية وقيادة البرولتاريا العالمية. تصدى البلاشفة بقوة لهذا الانحراف، نقرأ في الصحيفة النظرية للحزب البلشفي ما يلي : " إن الادعاء القائل بأن كل بلد يسير نحو الاشتراكية حسب طريق أصيلة كليا وبأن هناك عدد من الطرق بمثل عدد البلدان غير صحيح. إن قول ذلك يعني إنكار المغزى العالمي لتجربة البلشفية. إن القوانين العامة للانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية التي اكتشفها ماركس وانجلز وتمت تجربتها من طرف ماركس وانجلز والتي جربها وطبقها وطورها لينين وستالين على قاعدة تجربة الحزب البلشفي والدولة السوفيتية، هي ملزمة لكل البلدان. إن التجربة العظيمة للحزب البلشفي هي مرشد عمل بالنسبة للشيوعيين والشغالين في جميع البلدان" (صحيفة بلشفي – 15 سبتمبر 1948)

اتخذ ماو والحزب الشيوعي الصيني موقفا مغايرا تماما حيث يعتبران أن كل تطور الثورة الصينية كان مناقضا لخط ستالين والكومنترن. يقول الحزب الشيوعي الصيني بعد فترة طويلة من وفاة ستالين : "منذ فترة بعيدة، قد مر الشيوعيون الصينيون في تجربتهم الشخصية الخاصة ببعض أخطاء ستالين. اُرْتُكبت أخطاء خطوط داخل الح.ش.ص. فقد كانت إما انتهازية "يسارية" أو يمينية. في ما يتعلق بأسبابها العالمية، اُرْتُكب البعض منها تحت تأثير بعض أخطاء ستالين. منذ نهاية العشرينات، ثم خلال الثلاثينات، و أخيرا في بداية و أواسط الأربعينات، عمل الماركسيون اللينينيون، و الرفاق ماوتسي تونغ و ليو شاوشي كممثيلهم، على محاصرة تأثير بعض أخطاء ستالين، ثم، بعد القضاء بالتدريج على الخطوط الخاطئة لكل من الانتهازية "اليسارية" و اليمينية، قادوا في النهاية الثورة الصينية إلى النصر." (حول مسالة ستالين).

* وكان الحزب الشيوعي البلشفي السوفيتي يحارب أيضا "التطوير" الذي جلبه ماو للنظرية اللينينية عن الدولة من أجل تحويل الصين إلى دكتاتورية البرولتاريا والفلاحين في مواجهة "الديمقراطية الجديدة" لماو. ففي ندوة علمية أقامها معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفياتية، قدم يي زوكوف المحاضر الأساسي تقريرا جاء فيه " من الخطر أن نرى في الثورة الصينية نموذجا للثورات الديمقراطية الشعبية في بلدان آسياوية أخرى". شدّد أيضا يي زوكوف في تقريره على أن " الديمقراطيات الشعبية هي شكل خصوصي للدكتاتورية الديمقراطية الثورية للبرولتاريا والفلاحين". (طابع وخصوصيات الديمقراطية الشعبية في بلدان الشرق- 1952). وفي نفس الإطار كتب أيضا أ.سوبوليف " في سياق الثورة تبرز الديمقراطية الشعبية كجهاز للسلطة الثورية التي هي من حيث محتواها نوع من دكتاتورية الطبقة العاملة والفلاحين" ( بلشفي عدد 19- أكتوبر 1951)

وفي مقال نشر في الذكرى السبعين لميلاد ستالين يحمل عنوان ( النظرية الستالينية في الثورة الكولونيالية والحركة التحررية الوطنية في افريقيا الجنوبية والاستوائية) شن البلاشفة هجوما مباشرا على التحريفية المعاصرة في مسائل الثورة في المستعمرات وأشباه المستعمرات : "تؤكد النظرية الستالينية في الثورة داخل المستعمرات على أن حل المسألة الكولونيالية وتحرير الشعوب المضطهدة من العبودية، أمر مستحيل بدون الثورة البرولتارية والاطاحة بالامبريالية. فخلال السنوات الأخيرة ومنذ الحرب العالمية الثانية انتشرت فكرة تقول بامكانية محو النظام الاستعماري دون تحطيم نمط الانتاج الرأسمالي خاصة في أوساط المثقفين البرجوازيين في البلدان المستعمرة, ان البرجوازية الوطنية تتمنى لو تحصل على الاستقلال. كما تأمل الحصول على فرصة حكم بلدها بصورة مستقلة مع الاحتفاظ بنمط الانتاج الرأسمالي ومع تجنب كل الاصلاحات الجذرية الديمقراطية. ان الأساس النظري لوجهة النظر هذه هو التصور الكاوتسكي للامبريالية". ويضيف المقال : "ان البرجوازية تساند الحركة الثورية للشعب بهدف استخلاص الفائدة لوحدها من ثمار الثورة وافتكاك السلطة السياسية قصد اضطهاد الشعب في بلدها الخاص. ان هذه المرحلة من الجبهة الوطنية الواسعة ليست ممكنة إلا حينما تكون البرولتاريا غير فاعلة كقوة مستقلة ومحددة وكقطب مضاد للبرجوازية الوطنية وحيث لا تزال البرولتاريا غير قادرة على توجيه نضال الجماهير الشعبية غير البرولتارية" (سوفشكايا اتنوغرافيا عدد 1 _ 1950).

وفعلا كانت الكاوتسكية ركيزة لنظريات مثل "الديمقراطية الوطنية" الخروتشوفية ومن قبلها "الديمقراطية الجديدة الماوية" وتطبيقاتها "العالمية" الرجعية اللاحقة فيما سمي بنظرية العوالم الثلاث. القاسم المشترك بين كل هذه النظريات هو القول بإمكانية حل المسألة الوطنية أو الكولونيالية في ظل الرأسمالية وبمعزل عن الثورة البرولتارية. لقد شكل ذلك عودة قوية للنظريات الكاوتسكية عن الامبريالية والى وجهات نظر الأممية الثانية.

* لقد كان نضال البلاشفة عالميا فبالإضافة إلى العوامل التي ذكرناها والتي ساعدت على تفشي التحريفية على نطاق عالمي، فقد كان لكتابات ماو التحريفية بعض التأثير في أوروبا الشرقية وقد تطور هذا النضال ضد الانحراف اليميني في مسألة الدولة ليصبح سافرا ويؤدي في إحدى حلقاته الأولى إلى طرد التيتويين المكشوفين في صلب الحركة الشيوعية العالمية لا فقط في يوغسلافيا بل في عديد البلدان. لقد كان ماو على حق عندما صرح بأن ستالين يعتبره "من طراز تيتو". ولا شك أن محاولات ماو للتخفي سنوات 1951 و 1952 و1953 قد فشلت وأن ستالين كان يستعد لمواجهته بوصفه من طراز تيتو. لهذا السبب رحب ماو والحزب الشيوعي الصيني بهجومات خروتشوف ضد ستالين في المؤتمر العشرين.

تقول اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلشفي للاتحاد السوفيتي في هجومها على التحريفيين اليوغسلاف :" إن روح سياسة الصراع الطبقي لا يمكن ملاحظتها بعد في الحزب الشيوعي اليوغسلافي. تتطور العناصر الرأسمالية في المدن والأرياف ولا يتخذ قادة الحزب أية إجراءات لمراقبة العناصر الرأسمالية...إن إنكار تنامي قوة العناصر الرأسمالية من طرف هؤلاء الرفاق وتبعا لذلك، احتداد صراع الطبقات في الأرياف في ظل الظروف الحالية ليوغسلافيا، ناتج عن إدعاء إنتهازي يقول بأنه خلال المرحلة الانتقالية بين الرأسمالية والاشتراكية، لا تحتدّ التناقضات الطبقية كما تعلمنا الماركسية اللينينية، وإنما تخفت كما يدعي الانتهازيون من طراز بوخارين الذي كان يراهن على نظرية رجعية حول العناصر السلمية في نظام اشتراكي" ( رسالة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوغسلافي – 4 ماي 1948- ترجمتنا).

* لقد استغل ماوتسي تونغ مجازر الكيومنتانغ وتشان كاي تشيك ضد الحزب الشيوعي الصيني خاصة في المدن وإضعاف قواعده العمالية وكذلك انشغال ستالين والكومنترن بتحضير التصدي العالمي للفاشية والنازية وقام وجماعته باغتصاب السلطة في الحزب بطريقة غير شرعية وبالاعتماد على الجيش في جانفي 1935 في كونفرنس تسون_ يي. أطاح ماو بالقيادة البلشفية للحزب التي ركزها الكومنترن والشيوعيون الصينيين ضد الانحرافات الانتهازية اليمينية وشبه التروتسكية في 1931. إن السيطرة غير الشرعية والمسلحة على السلطة في الحزب من طرف ماو لم يعترف بها الكومنترن أبدا، كما لم يؤيد الكومنترن ولم تعلق الصحافة السوفياتية أبدا حتى وفاة ستالين على أي من انتقادات ماو لما يسميه "28 بولشفي".
يقول ماو بهذا الخصوص " لقد دام خط وانغ مينغ أطول فترة. لقد شكل كتلة في موسكو ونظم 28 بلشفي. وبالاعتماد على قوة الأممية الثالثة سيطروا على السلطة في الحزب واحتفظوا بها طيلة أربع سنوات كاملة" (حول مسألة ستالين – 10مارس 1958 في كتاب خطابات الرئيس ماو، طبعة ستيوارت شرام ص 101).

ويعترف ماو بتصفيته للخط البلشفي داخل الحزب الشيوعي الصيني بعبارات في غاية الوضوح : " وفي تاريخ الحزب الشيوعي الصيني ، من عام 1931 إلى عام 1934 ، كان أصحاب نزعة الجمود العقائدي ينكرون خصائص الصين ، وينسخون تجربة ما عن الثورة الروسية : مما أدى إلى حلول هزيمة خطيرة بالقوى الثورية في البلاد . وقد كانت هذه الهزيمة كبيرة لحزبنا . وفي المرحلة الواقعة بين الجلسة الموسعة التي عقدها المكتب السياسي للجنة المركزية في تسوني عام 1935 وبين المؤتمر الوطني السابع الذي انعقد في عام 1945 ، قضى حزبنا قضاء تاما على نهج الجمود العقائدي هذا الذي سبب ضررا كبيرا" (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا- هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو- 29 ديسمبر 1956).

ويقول ماو مؤكدا ضمنيا عدم اعتراف الكومنترن بانقلابه والتزامها الصمت في تلك الفترة : " ومنذ المؤتمر العالمي السابع في عام 1935 ما عادت الأممية الشيوعية تتدخل في المشكلات الداخلية للحزب الشيوعي الصيني" (خطاب ماو تسي تونغ في 26 ايار 1943 أمام ملاكات الحزب الشيوعي الصيني لتفسير قرار حل الاممية الشيوعية).

* إن قراءة ماو لمسالة "صراع الخطوط " داخل الح الش الص المضمنة في وثيقة "قرار حول بعض المسائل المتعلقة بتاريخ الحزب" المصادق عليها في 20 أفريل 1945 من طرف اللجنة المركزية الموسعة قبيل المؤتمر السابع للحزب، لم تنشر أبدا قبل فيفري 1953 أي شهرا قبل اغتيال ستالين، في المجلد الثالث الذي تضمن لأول مرة أيضا تقرير ماو للمؤتمر السابع تحت عنوان "حول الحكومة الائتلافية " والكتابات التي جسدت الحملة التي قادها ماو لتصفية البلاشفة الصينيين تحت شعار "ضد الدغمائية" و"فلنصلح دراستنا" وهي بالضبط الشعارات التي رفعتها العصابة الخروتشوفية لسحق البلاشفة في الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي.
تركزت سيطرة ماوتسي تونغ على الحزب الشيوعي الصيني بصورة كبيرة في المؤتمر السابع حيث طرح لأول مرة مفهوم "فكر ماوتسي تونغ". لم يعترف الاتحاد السوفياتي بذلك أبدا قبل وفاة ستالين والصحافة السوفياتيية لم تعلق أدنى تعليق حول انعقاد هذا المؤتمر.
لم يدعم ستالين المؤتمر السابع لأنه يشكل انتصارا تحريفيا داخل الحزب الشيوعي الصيني لا يختلف في جوهره عن التيتوية وغيرها من أشكال التحريفية المعاصرة التي تفشت بعد الحرب العالمية الثانية. ويعترف ماو بذلك حيث يصرح في 1956 " لقد ارتكب ستالين عددا معينا من الأخطاء بحق الصين، فمغامرة وانغ مينغ "اليسارية" في أواخر مرحلة الحرب الأهلية الثورية الثانية وانتهازية وانغ مينغ اليمينية في أوائل حرب المقاومة ضد اليابان كلتاهما ترجعان إلى ستالين. خلال مرحلة حرب التحرير، لم يسمح لنا في البداية بالثورة معتقدا بأن الأمة الصينية ستتعرض لخطر الدمار إن قامت حرب أهلية. ولما قامت الحرب كان ينظر لنا بعين الشك. وعندما انتصرنا في الحرب كان يرتاب في أن انتصارنا انتصار من الطراز التيتوي وكانت ضغوطه علينا شديدة في عامي 1949 و1950." (حول العلاقات العشر الرئيسية: خطاب ماو في الاجتماع الموسع للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الش الص – 25 نيسان 1956).

* هذه "الضغوط الشديدة" من ستالين والتي تعرضنا الى بعضها أعلاه، أجبرت ماو على التخفي واستباق إمكانية فضحه وطرده من الحركة الشيوعية العالمية مثلما وقع الأمر مع تيتو والحزب الشيوعي اليوغسلافي، فقام بادخال تعديلات جوهرية على كتاباته بمناسبة اصدار المؤلفات المختارة سنة 1951 بحيث أضيفت اليها بصورة ممنهجة عبارات " بقيادة البرولتاريا" و"بقيادة الحزب الشيوعي " وأزيلت منها مقاطع بأكملها وعديد الجمل المتعلقة بالدور القيادي للفلاحين في الثورة وتمجيد البرجوازية الوطنية...الخ. (للاطلاع على تفاصيل هذا التزييف نحيل القارئ الى دراسة معمقة قامت بها منظمة الاتحاد البلشفي الكندية ونشرت في العدد 15 من مجلتها "خطوط التمايز" في 1980).
يقول ستيوارت شرام وهو أحد الأكاديميين البرجوازيين المختصين في ترجمة ونشر كتابات ماو " لقد خضعت النصوص المضمنة في الأعمال المختارة إلى تغييرات كثيرة وعميقة من طرف الكاتب بحيث لا يمكننا أن نؤكد، ولو بالنسبة لجملة بسيطة، مطابقتها لما كان ماو قد كتبه فعلا دون التثبت بالرجوع إلى النسخة الأصلية"
و من الصعب علينا نحن طبعا أن نفهم كيف انتقل ماو من تكتيك التخفي وتنقيح كتاباته لـ"تفادي" "الضغوط الشديدة" التي مارسها عليه ستالين إلى الهجوم المكشوف على ستالين والأممية الثالثة في فيفري 1953 لو لم يكن يعلم مسبقا أن ستالين سيكون بعد شهر في وضع لا يستطيع معه محاربته بوصفه تيتوي. خاصة وأن ذلك الهجوم المباشر على ستالين والكومنترن حصل في توقيت مرتبط بتواجد بولغانين على رأس وفد سوفياتي في سفارة الصين في فيفري 1953 . وهذا الرجل نفسه، بولغانين، سنجده ضمن وفد سيذهب الى الصين يضم أيضا خروتشوف ومكويان في 1954. وقد أسست هذه الزيارة للتحالف الأولي بين ماو والتحريفيين السوفيات. هذا التحالف الذي كسب منه خروتشوف دعم ماو في الهجوم على ستالين وتصفية القيادة البلشفية في الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي مقابل الدعم المادي والعلمي للصين وبالخصوص الوعد بتقديم المساعدة النووية. كل ذلك يدفعنا إلى التساؤل حول مدى انضمام ماوتسي تونغ بصفة نشيطة إلى مؤامرة اغتيال ستالين وتصفية القيادة البلشفية في الاتحاد السوفياتي؟.
مهما يكن من أمر فالأكيد أنه قدم التبرير السياسي لاغتيال ستالين. يقول الحزب الشيوعي الصيني : " إن بعض أخطاء ستالين قد تحولت في آخر مرحلة من حياته إلى أخطاء خطيرة طويلة الأمد وعلى صعيد الدولة ، ولم يكن من الممكن إصلاحها في الوقت اللازم لأنه كان قد انقطع عن الجماهير والجماعة إلى حد ما وبقدر ما ، وكان قد انتهك مبادئ المركزية الديمقراطية في الحزب والدولة ." (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو-)

* انتشرت التحريفية المعاصرة بعد الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفيتي أيضا وداخل الحزب البلشفي. كان ستالين يعي تماما أن الانشغال بالحرب الوطنية الكبرى ضد النازية والخسائر الكبرى في كوادر الحزب البلشفي ثم المجهودات الجبارة التي بذلت لإعادة البناء في زمن قياسي ونشوة الانتصارات المتلاحقة والنشاطات والمناورات الدبلوماسية مع الدول الامبريالية وتطور العلاقات معها، كلها عوامل أضعفت جاهزية الحزب الايديولوجية والسياسية للتصدي للانحرافات اليمينية وخلقت مناخا عاما من التراخي وضعف اليقظة إزاء أعمال التخريب والمؤامرات الامبريالية.

نشر الرفيق ستالين "القضايا الاقتصادية للاشتراكية" في أكتوبر 1952 قبيل المؤتمر التاسع عشر للحزب البلشفي وكان الأساس لبدء حملة واسعة من طرف ستالين والبلاشفة ضد التحريفية المعاصرة التي برزت على نطاق واسع في الحزب وفي الحركة الشيوعية العالمية. فقد كان ماو وتيتو وغيرهم في المعسكر الاشتراكي يريدون نفي القوانين الاقتصادية الموضوعية للاشتراكية وكانت لهم وجهة نظر مناقضة تماما لوجهة نظر البلاشفة، وجهة نظر قومية "للاشتراكية" تجعل من قانون القيمة قانونا مطلقا في "اشتراكيتهم".

في هذا المؤلف تصدى ستالين أيضا، قبل أشهر من وفاته، بوضوح لتفشي الأوهام التحريفية حول التعايش السلمي مع الامبريالية وإمكانية انتفاء الحروب في عصر الامبريالية. يقول : "للقضاء على الطابع الحتمي للحروب يجب تحطيم الامبريالية". وبيّن ستالين كيف أن "النتيجة الاقتصادية الأكثر أهمية بعد الحرب العالمية الثانية وتبعاتها على الاقتصاد كانت تفكك السوق العالمية الموحدة والشاملة. هذا تسبب لاحقا في تعمق الأزمة العامة للنظام الرأسمالي". هذا التفكك يزيد من المنافسة بين الامبرياليين بفعل تقلص السوق الرأسمالية العالمية مما يجعل الحروب فيما بينهم حتمية. هذا التفكك يزيد أيضا من عدوانيتهم تجاه بلدان المعسكر الاشتراكي ويضاعف بشكل كبير من محاولاتهم لإعادة الرأسمالية. كان ستالين يستشهد دوما بهذا المقطع للينين "لا يمكن تصور أن الجمهورية السوفياتية بإمكانها مواصلة التعايش لمدة طويلة جنبا إلى جنب مع الدول الامبريالية. إما هذا أو ذاك سينتصر في النهاية. وإلى ذلك الحين من الحتمي أن نشهد صدامات رهيبة بين الجمهورية السوفياتية والدول البرجوازية" ( ورد في مقال ستالين "حول الانتصار النهائي للاشتراكية في الاتحاد السوفياتي" 1938)

* وفي خطاب ألقاه في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب البولشفي في ١٦ تشرين الاول سنة ١٩٥٢ نشرته لأول مرة جريدة غلاسنوست الروسية بمناسبة الذكرى المائة والعشرين لميلاده وترجمه إلى العربية حسقيل قوجمان عن مجلة Northstar Compass عدد نيسان ٢٠٠٠، طرح ستالين مسائل جوهرية تهم تطوير دور الحزب وكفاءة القادة في النضال ضد الانتهازية. كان ستالين في هذا الخطاب ذي الأهمية التاريخية مدركا تماما للمخاطر التي تتهدد الحزب البلشفي والدولة السوفيتية وقد عبر صراحة عن تفشي الانتهازية وغياب الوحدة داخل الحزب. يقول ستالين في هذا الخطاب بمرارة واضحة :" لقد عقدنا مؤتمر حزبنا. ومر ذلك بصورة جيدة جدا، وقد يعتقد الكثيرون منكم بان الانسجام التام والوحدة تسود بيننا. ولكننا لا نمتلك هذا الانسجام وهذه الوحدة في الفكر. فبعضكم حتى يعارضون ولا يحبون قراراتنا." (المرجع المذكور)

واضعا بكل وضوح الهدف الأسمى المتمثل في بناء الشيوعية، طرح ستالين في هذا الخطاب مسألة تشبيب قيادة الحزب وضرورة تربية كوادر أكثر كفاءة " يستطيعوا تمييز كافة أنواع الميول الانتهازية والنضال ضدها": يقول الرفيق ستالين : " يجب أن نفكر في أيدي من سنسلم مشعل مشروعنا العظيم، من سيحمله إلى الأمام ليبلغ هدف الشيوعية؟ نحتاج لهذا إلى شخصيات شابة تتحلى بالمزيد من الطاقة، إلى رفاق وقادة سياسيين يكرسون أنفسهم لذلك. وما معنى أن نربي قائدا مكرسا حياته ومخلصا للدولة؟ نحتاج إلى عشرة أعوام أو خمسة عشر عاما لكي نتمكن من إنشاء قائد للدولة قادر على حمل هذا المشعل.
ولكن مجرد الرغبة في حدوث ذلك لا يكفي. لكي نربي كوادر جديدة كهذه نحتاج إلى الوقت والى مساهمتهم في عملية الحكم اليومية للدولة، أن يتعلموا في الأمور التطبيقية التي تشمل كامل سلسلة جهاز وخطط الدولة وجهازها الفكري لكي يواصلوا رفع بناء المجتمع الاشتراكي إلى مستويات أعلى وان على الرفاق أن يستطيعوا تمييز كافة أنواع الميول الانتهازية والنضال ضدها. على الرفيق أن يكون عاملا لينينيا، يعلمه حزبنا تاريخه وتكتيكه وخططه ومستقبل الاتحاد السوفييتي كما تصورها لينين." (المرجع المذكور)

ويهاجم ستالين بعض الانحرافات الخطيرة التي تمس نظام دكتاتورية البرولتاريا وتدفع نحو تفسخه إلى نظام الديمقراطية البرجوازية، هذه الانحرافات طالت حتى قادة كبارا مثل مولوتوف. يقول ستالين : " الرفيق مولوتوف هو أكثر الرفاق تكريسا لقضيتنا. انه مستعد أن يقدم حياته لقضية الحزب. ولكننا لا يمكن أن نتغاضى عن ضعفه في بعض جوانب عمله. إن الرفيق مولوتوف باعتباره وزيرنا للشؤون الخارجية، واجدا نفسه في خضم استقبال ديبلوماسي "زلق"، قدم ضمانا إلى دبلوماسي بريطاني بان الرأسماليين يمكنهم آن يبدؤوا نشر صحف برجوازية في بلادنا. لماذا؟ هل كان هذا هو المكان لإعطاء مثل هذا الضمان بدون علم اللجنة المركزية للحزب؟ أليس من الواضح الجلي إن البرجوازية هي عدونا الطبقي وان ترويج الصحف البرجوازية بين أشخاص حزبنا إضافة إلى تسبيب الأضرار لن يقدم لنا اية فوائد؟ لو سمح لهذا أن يحدث لكان بإمكاننا أن نتوقع ظروفا حيث تبدأ الهجومات ضد الاشتراكية وضد الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، برقة في البداية ثم بشكل مفضوح. هذا هو الخطأ السياسي الأول للرفيق مولوتوف." (المرجع المذكور)

و شملت الانحرافات التي فضحها ستالين في هذا الخطاب مسألة السياسة البلشفية تجاه القوميات في اطار اتحاد الجمهوريات السوفياتية. يقول ستالين منتقدا مولوتوف: " وماذا عن اقتراح مولوتوف الخاطئ بإعطاء القرم لليهود السوفييت؟ انه خطأ فاضح للرفيق مولوتوف. لماذا جاء مثل هذا الاقتراح أساسا؟ على أي أساس قدم الرفيق مولوتوف هذا الاقتراح؟ لدينا جمهورية يهودية ذات استقلال ذاتي. فأية حاجة أخرى نحتاج إليها؟ توجد أقليات قومية عديدة أخرى لها الآن مناطقها المستقلة ذاتيا وكذلك جمهوريات مستقلة ذاتيا. أليس هذا كافيا الآن؟ أو هل هذا يعني عدم الثقة بالدستور السوفييتي للاتحاد السوفييتي وسياسته حول القوميات؟"(المرجع المذكور)

كما تعرض ستالين في هذا الخطاب الهام إلى انحرافات ميكويان في مجال السياسة ازاء الفلاحين وكيف "انه قطعيا ضد أي ضريبة تفرض على الفلاحين ولذلك فهو يناضل ضدها" ويعتبره "تائها" يحاول جر اللجنة المركزية معه في ضياعه. (المرجع المذكور).

عزالدين بن عثمان الحديدي