المفكر والباحث فارس كمال نظمي

حمودي عبد محسن
2012 / 10 / 19

إن الدارس لإصدارات المفكر والباحث فارس كمال نظمي أو المتابع لمقالاته والحوارات التي جرت معه، ويتوقف عند كتابه الأخير الموسوم ( الأسلمة السياسية في العراق ) يجد أن هناك منهج جديد متطور في البحث تتجلى في منظومة فكرية برؤيته لعالم اليوم، إذ هذه المنظومة تشكل مدرسة بحثية متجددة تنتمي إلى اتجاه أو تيار فلسفي يمكن أن يطلق عليه ـ الواقعية الجديدة ـ خاصة وقد تبلور هذا التيار في أوربا وبشكل أساسي في قوى اليسار بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وقد شهد العالم تغيرات حاسمة ن وهو يحاول أن ينقذ أوربا في ج شعوبها في حروب رأس المال العالمي وجشعه في البحث عن أسواق الربح في العالم الثالث ن ويسعى هذا التيار الحفاظ على منجزات الاشتراكية الديمقراطية التي حققتها في العدالة الاجتماعية، وأخذ هذا التيار يجلب انتباه الباحثين والأكاديميين في البلدان العربية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 حيث رافقته تقلبات كثيرة في الفكر سواء أثناء الاحتلال وما بعده، وكذلك ما انتجته ثورة المحرومين العرب التي أطاحت بعروش الدكتاتوريات وتوجت بصعود التيار الإسلامي، هذه ـ الواقعية الجديدة ـ الذي يعتبر الاستاذ فارس كمال نظمي أحد مفكريها تنقذ الفكر الانساني التقدمي من تلك الصياغات الجامدة التي صدئت مقولاتها في قوالبها المتكسرة المتكلسة المتحجرة في ظل الأحداث العاصفة السريعة التي تهدم وتجرف كل ما تجده في طريقها مثل سيل عرم، وتغير، وتأتي بأنماط أخرى سواء في العلاقات الدولية أو مجموع الدول أو في الدولة الواحدة . إذ ما يحدث اليوم يحتاج إلى فكر متنور عقلاني بمنهج جدلي تاريخي ترسي فيه مفاهيم تناسب التطورات والمتغيرات والصراعات والتناقضات المتجلية في طبيعة الوجود البشري المعاصر، لذلك نجد أن هذا التيار الفلسفي الذي يدمج في فكره أيضا السيكولوجية الاجتماعية، وأحدهم الاستاذ فارس كمال نظمي، أي أن هذا التيار يخوض صراعا حادا بين لينه ويبوسة الآخرين، بين تقدميته ورجعية الآخرين، بين إنسانيته العاطفية والمتوحشين الدمويين ،بين حبه للناس والكره الذي يتجسد عند الآخرين ، بين روحه المتآلفة وعدوانية الآخرين، فلذلك صار هذا التيار يتطلع إليه الكثير من المثقفين الذين وجدوا فيه تجددا في النظرة إلى عالم اليوم، خاصة وقد امتاز باستقلاليته الفكرية والسياسية في الدول العربية وهو يتطلع إلى عالم جديد خال من الحروب والمجاعة والأمراض وتلوث البيئة، ويدعو إلى السلام والعدالة والمحبة والتآخي والعيش بتآلف على كوكبنا الأرضي الذي يسهم البشر أنفسهم في تدميره .
هذا ولنتوقف هنا قليلا عند إصدار الباحث الأخير ( الأسلمة السياسية في العراق ) فيما يخص العراق، إذ من مشاهد ولقطات وظواهر يومية سواء كانت متكررة أو متراكمة التي استمدها الباحث من الواقع السياسي ـ الاجتماعي حيث انتقاها من جذرها لتكون مصدرا ومادة معاشة في الكشف والفهم والتفسير وهو يرسي عليها معرفته الحسية ـ المدركة، لتشكل عنده منابيع بحثه وانبثاق فلسفته، ثم عندئذ أصدر أحكامه عليها، فهذه المواضيع التي بلغت 25 موضوعا لم تكن نظرية بل ـ واقعية ـ عيانية ـ من حقيقة الحياة اليومية المشاهدة، وهذا ما أضفى على المواضيع نكهة معاشة وقد صيغت بأسلوب رشيق شيق كي تسهل على القارئ أن يجري مراجعة لكل ما يجري من أحداث اليوم، فهذا التوهج في المعرفة، والتجدد في البحث يجعلنا نتواصل مع حدث اليوم المتحرك المتغير، لنستقرأ منه مدلولات ذات معاني تنتمي إلى الحقيقة الواقعة فيها يحيا القارئ ويتوارى مع تواري الحدث، وتتشكل عنده رؤية عميقة، ربما ـ تحرره من هامش وجوده، وينفتح ذهنه على معرفة معاصرة، فالواقع ليس ساكن او ثابت بل هو يتحرك، وقد يغلي ويهيج، ويتحول إلى بركان متفجر حالما تتوفر له تلك القوى المحركة مثلما حدث في ثورة المحرومين العرب، وفي نفس الوقت أن الشخصية العراقية محور هذه الموضوعات، إذ نجد في سفر الباحث مدلولات طالما حيرت المؤرخين في البت بها وقد اختلفوا كثيرا حولها والتي كانت حجر الأساس في الجدل التاريخي عن ما آلت إليه البشرية من مصير معاصر وتكون الانسان على مختلف ألوانه وأمزجته ، فمن سفر الباحث الأخير ومجمل إصداراته يجعلنا نتوقف على الأمور الآتية :
أولا : سلطة الاستبداد
لقد تكونت سلطة الاستبداد بعد اكتشاف الآلة وتحولت الملكية من عامة مشاعية إلى خاصة فردية وعندها أيضا ظهر النقد في التعامل االتجاري ، ثم تكونت فئة سائدة لتنظم الحياة اليومية في المجتمع البسيط المتبلور ، وظهرت قوانين العيش حتى لو كانت شفوية ، وبدأت الخروقات التي على أساسها برز قانون العقوبات الذي راحت هذه الفئة السائدة تسنه لمصالحها الذاتية حينئذ برز التفاوت بين فئة عامة وخاصة ، وقد بدأ صراع التفاوت والضد ن وهذا ليس فقط يرجع إلى الطبيعة السيكولوجية لذلك الانسان وإنما أيضا إلى طبيعة التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية التي تكونت في خضم مراحل زمنية طويلة لاسيما بعد أن انتقلت السيادة للرجل الخشن القاسي أحيانا وصارت السلطة أبوية بعد أن كانت أمومية شفافة رقيقة فيها العاطفة والحنان، ولا يمكن أن ننكر حتى في ظل العبودية التي تجسدت في المدن في وقت متأخر من مراحل البشرية أن اختفت نهائيا تلك المجتمعات الأولية البسيطة فبينما كانت بابل كانت هناك أيضا مجتمعات بسيطة بعيدة عن بابل تعيش حياة الجماعة المشتركة على ضفاف الفرات ، وبينما كانت روما العبودية كانت خارج روما مجتمعات متآلفة العيش في مناطق نائية عن روما ، وفي مرحلة متأخرة من تاريخ المجتمعات التي كان همها العيش المتآلف لمقاومة الكوارث الطبيعية والتي انتقلت من رسومها في الكهوف التي بدأت عبادتها بغية أن تتقي شرها أو تصيدها حدثت طفرة تاريخية إذ صار لها دين يرتبط بالسماء فتلك الرعوية تعبد القمر ، وتلك الزراعوية تعبد الشمس . وغالبا ما كانت السلطة السائدة تختار لها أيديولوجية تعبدية من خلالها تحكم سيطرتها على عامة المجتمع فباسم القمر الإله ارتكبت مذابح وباسم الشمس ارتكبت مذابح ، وما اختيار الملك امشتاسب الزرادشتية إلا ليحكم سيطرته على شعبه وليس حبا بزرادشت أو معتقده الديني وما اختيار الامبراطور الروماني الدين المسيحي إلا من خلاله يفرض سلطته ويتحكم بالشعب وليس حبا بالمسيح الذي لم يره، وهذا ما يحدث اليوم ، ويتكرر شكل آخر أو وجه آخر ، والقناع الحقيقي هو نفسه، فمثلا كل الدكتاتوريات التي اختارت القومية كأيديولوجية دولة صارت نازية أو فاشية ورموزها هتلر ، موسليني ، صدام ومثال آخر ما علاقة ستالين بفكر ماركس وقد ارتكب مذابح برفاقه وضد البولونيين وضد الحرية الفردية للشعب السوفيتي حتى قرار لينين بتصفية العائلة الإمبراطورية الروسية التي منها أطفال ونساء لم يكن إلا قرار جائر ودموي. ونرى في هذا المجال مدى أهمية العلم الذي ينتمي إليه الباحث وهو سيكولوجية علم الاجتماع الآن يتوقف بشكل جدي على طبيعة الدكتاتورية التي تتخذ من الأيديولوجية الشمولية أو القومية أو الدينية مسار سلطة استبدادها ، وما هم إلا مرضى بمرض الشيزفرينيا فنيرون حرق روما وقتل أمه وارتكب حماقات باسم الآله .
من كل ما تقدم نرى أن التراجيديات تتكرر اليوم في العراق، والبلدان العربية فباسم الاسلام ترتكب مجازر ضد ناس أبرياء، وتصدر أحكام موت، وتسلب الحريات الفردية، وتتعرض المرأة إلى الاضطهاد،وتشاع الخرافات، ومكونات السلطة الاستبدادية تسرق أموال الدولة وتدخرها في البنوك الأجنبية خوفا أن يأتي اليوم الأسود، والفضائح هي نفسها تتكرر كل يوم، وسلطة الاستبداد تمارس كل الاساليب بغية أن تدوم سلطتها مستغلة الطائفية والمحاصصة ، وقد نجح الاستاذ فارس كمال نظمي في الصور الحية التي اختارها في الخمسة وعشرين موضوعا ذات بحث سيكولوجي تاريخي ليندرج في تيار فلسفة ـ الواقعية الجديدة ـ وهو يغوص في سيرورة الشخصية العراقية التي تلازمت معها أحداث خطيرة راحت تسهم في التأثير عليها، وربما ـ كونتها سواء كان ذلك سلبا أم ايجابا في معمعان مجريات سياسية واقتصادية واجتماعية لتنفرد هذه الشخصية في كينونة جديدة أو بالأحرى لتظهر مكوناتها الداخلية المتراكمة فيها في ظل سلطة الاستبداد التي ارهقتها وحطمتها لتعيش في معاناة ، ذلك يجعلنا في معرفة ودراية بأنفسنا ذاتها وأنفس الآخرين، ونشعر بتلك الصرخة المدوية في وسط عالم غير موفق : اعرف نفسك، اعرف الآخرين !
وهنا من الاجدر ان نقتبس ما أشار إليه الباحث في مقدمة كتابه ( الأسلمة السياسية في العراق ) ، إذ يقول :
( لا يملك أي باحث في العلوم الاجتماعية اليوم إلا أن يقف متأملا أمام حقيقة أن الدين قد أصبح متموضعا في قلب الحدث السياسي المتحكم بمصائر ملايين الناس في بلدان الشرق الأوسط ومحيطه. ونقصد بهذا التموضع أن الهوية السياسية لكل السلطة والدولة في أغلب هذه البلدان أخذت بالتحول التدريجي أو المفاجئ من العلمانية الاستبدادية التقليدية التي ارتبطت تاريخيا بالفساد والقمع والظلم الاجتماعي، إلى هوية إسلامية تلهج بديمقراطية ضبابية لا ترى في السلطة أو الدولة إلا خيارا من خيارات الحكم الإلهي الواجب فرضه على المجتمع، آخذين بالاعتبار وجود فروقات في درجات هذه الهوية بحسب نسبية أوضاع البلدان التي جرت فيها هذه التحولات، ومنها العراق وتونس ومصر وليبيا ) .

ثانيا : الصراع
من خلال دراسة فكر الباحث فارس كمال نظمي نجد أنفسنا أمام فهم وتفسير وتجلي أن الصراع في المجتمعات البشرية على مر التاريخ هو صراع بين الحكم والشعب سواء كان ذلك في مرحلة رفاه أو مرحلة تعسف، وهذا الصراع تارة يكون ظاهرا وتارة يكون خفيا ويتوقف على طبيعة السلطة الاستبدادية، ومهما كانت الأيديولوجية التي تتخذها السلطة الحاكمة كنهج لدولتها فإن هذا الصراع يتخذ أشكال مختلفة بالرغم من أن سلطة الاستبداد تحاول أن تعطيه صبغة صراع ديني ـ طائفي أو مذهبي ـ أو صراع أيديولوجي أو صراع عرقي، وإن الصراعات الكونية القديمة في عصور أنظمة عالمية متعاقبة لم تكن إلا صراع أكاسرة وأباطرة وقياصرة من أجل ديمومة سلطتهم والاستحواذ على خيرات البلدان واستعبادها، ومما يعزز النظرة أن تاريخ الصراع هو بين الشعب وسلطة الاستبداد هي الثورة الفرنسية الكبرى وثورة اكتوبر الروسية التي قضت على الإمبراطورية القديمة وحاليا يطلق عليه المفكرون الرأسماليون بأنه صراع حضارات ـ تصادم الحضارات ـ ويمتد هذا منذ قدمه إلى وقتنا الراهن وما الحروب الصليبية إلا تصادم بين حضارتين، وإن ثقافة الرأسمالية الاحتكارية ما بعد الحرب الباردة أو في القرن الواحد والعشرين ستصدم بالإسلامي والصيني بعد أن تجلى النظام الكوني بسيادة الإمبريالية العالمية فلابد من صياغة جغرافية عالم جديد، هذه نظريات مفكري الرأسمالية التي هدفها الأساسي خلق بؤر توتر في العالم ، يعج بصراعات دموية لترويج بيع السلاح والسيطرة على منابع النفط وتوفير أسواق ربح ، ولذلك نجد في فكر فارس كمال نظمي الدعوة الانسانية لتلاقي الحضارات بين الشعوب التي وحدها الكفيلة لإدامة التآلف، وتتصدى للطغيان والاستبداد ، فعلى أساس هذا التلاقي يبنى كوننا البشري ويصاغ نظامه العالمي. فليس اعتباطا أن يكون عنوان الكتاب ( الأسلمة السياسية في العراق ) إلا على أساس الحداثة أي تحديث الدين ليكون متلائما مع التطور الحضاري، والسعي للارتقاء بركب العلوم .


ثالثا : النظرة الجمالية
قال العرب : ( إن الله جميل ويحب الجمال )، وقد نسب البعض هذا القول إلى حديث للنبي ، فالجمال هو الشيء المناسب الذي يوحد الناس ، وفيه تتكامل الصورة الإنسانية كغاية وجودية ومتعة حسية ، عندئذ ينتشر الحب ، ويفهم ويفسر العالم على أساس الجمال وليس التشويه والقبيح ، إذ بهذه النظرة المتسقة ذات الذوق العالي التي تبعث على الشوق والحنين والعاطفة كانعكاس للواقع الاجتماعي يبنى الصدق الجمالي، ويشيد مجتمع سعيد خال من الاستغلال والاستعباد الذي أسس الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية ليسمو التآلف المعاش في المجتمع معياره الوحيد القدرة والكفاءة والحاجة المتبادلة ، إذ أن اغتصاب الحرية الفردية في المعتقد والتعبير الحر تؤول إلى كابوس مرعب يسطو على الانسان ، وقد بين الباحث آرائه بهذا الصدد في الحوار الذي جرى معه في دار المدى حول ما كان يتعرض له شبيبة مدينة الثورة في بغداد من قتل بشع وحشي لأنهم يرتدون ملابس على ذوقهم ، ولأنهم يرقصون الروك .
وأخيرا استطاع المفكر والباحث فارس كمال نظمي أن يخرج القارئ من ذاته، ويغوص في عالم المعرفة ( الأسلمة السياسية في العراق ) ، وهو يعرف نفسه ، ويعرف الآخرين .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي