الشرير فريق باشا / حب في ظلال طاووس ملك / رواية في قيد الكتابة

حمودي عبد محسن
2012 / 10 / 10


... فصل من رواية ـ حب في ظلال طاووس ملك ـ
رواية في قيد الكتابة
الشرير فريق باشا
في يوم من أيام هذا الشتاء القارص أصابت الحمى الحارة الجد ، فراح طريح الفراش ، تارة يئن وتثار عنده جروح الماضي ، وتارة يستيقظ هلعا ، وقد تصبب جسده عرقا وهو ينظر إلى ميرزا الذي كان يغط في نوم عميق ، فيتألم قلبه وهو يكافح ضد هذه الحمى اللعينة التي لم يعرف كيف غزته على حين غرة ، فيضع رأسه على الوسادة وتأخذه كوابيس مرعبة تشده إلى ظلال التاريخ ، هو الشرير ــ فريق باشا شبح خرج من رماد معتم أو خرج من تجويف مظلم أو من مقبرة مظلمة أو إنه متوحش ليس من رس الجنس البشري . بعدئذ صارت عيني الجد في نصف إغماضة ليتكيف مع كابوس الحلم ، ليظل الجد ساكنا في فراشه ، كان ذلك صعب جدا ، حيث خارج غرفته كانت تسحب الرياح ذيولها في أزقة بحزاني ، تتوسع ، وتشتد مسرعة ، تقود غمائم ، وتسوق سحاب قطع صغيرة متدانية بعضها فوق بعض ، تتفرق متراكمة مكللة السماء بها تارة غليظة ، تارة رقيقة ، بعضها يركب بعض في تلبد واكفهرار ، وسحاب يتعلق بسحاب ، فأبرقت سحابة صادقة صواعق ، وأخرى جرت أهدابا ، فارتجست رعدا ، ولمع برق ، وقد حارت به الرياح ، فحفت الغيوم بوارقها ، وقد تجلجل رعد في ضحك وبكاء ، وراحت لوامع تبتسم ، وتمد جناحيها على بحزاني النائمة في دفء وحنان ، بل في ليلة ظلمة تنام ، إذ صار سراجها ومض برق يمحى السواد ، فجعلت من برقها المتبسم ضياء ليلغي عبوس وجه الظلام ، وثنيت سواد الغمام مطرا ، وثنيت بحزاني من أجفان ماء . أهي الرعود ألبست الجد ظلا موغلا في زمان مجرورا إليها بأنفاس الرياح ؟! الشرير في عيني الجد ليس حيوان ، والشرير كلمة لا تعني كائن جسده نصف إنسان ونصفه الآخر حيوان أو وجهه مركب على جسد حيوان ، وقد اختلفت الروايات والحكايات حوله ، فهذا يقول أنه عفريت ، وذاك يقول أنه ثعبان ، وهذا يقول إن حجمه أكبر من الذئب يسرق الفتيات الجميلات ، وذات مرة وجد شعر رأس فتاة وحليها على صخرة ، فالشرير وحش في كل الأحوال ، وأولئك يقولون أنه جن ، وغيرهم يقول أنه غول ، لكن يتفقون جميعهم على أنه غريب الأطوار سواء كان حيوان أو إنسان ، إنه متوحش ، ومن أبرز ميزته تقدح عيناه دائما شررا ، ويعيش في الظلمة ، إن هذا الشرير العجيب الغريب يظهر ويختفي ، ولا أحد يعرف متى ظهوره ، وكم تستغرق مدة غيابه ، ولا أحد يعرف إنه يفنى ويزول ، والأكثر من هذا أتفق أهل بحزاني إنه الشرير الأوحد الذي يضاف إلى قاموس الأشرار ، وأن روحه عدوانية متوحشة ، متعطشة دائما للدماء ، وإنه يكره بحزاني ولطف أهلها وغابات زيتونها ومياهها العذبة لذلك كان يتربص لها ، وينتظر الفرصة لتدميرها ، ولا يريد لها سوى الخراب ، لأنه بارع في التدمير ، وهو بارع في الانقضاض على فريسته أي إنه بارع في القتل ، وله خبرة في فن القتل ، إذ إنه يتلذذ به كأي متوحش جائع خرج من التاريخ فهو يعتقد بمقولة : أن التاريخ يصنعه تارة الجهلاء ، وتارة أخرى يصنعه القتلة . لذلك شاعت أخبار مشوهة يطغي عليها التضخيم في القرى البعيدة والقريبة أن الشرير فاتك جبار قبيح الوجه ، فمه كبير يبتلع الفريسة ، ويمضخها في أنيابه التي تشبه أنياب ذئاب ، بقرنين كبيرين ، وجثة ضخمة ، يكسو جسده الشعر الأسود ، وشعر رأسه طويل يتدلى على كتفيه ، إنه الكائن الخرافي ، لكن الشرير الحقيقي الذي كان يتلاطم شكله في الحلم الكابوس لدى الجد هو الفريق باشا ، هو الشرير الذي فتك بالأيزيدين ، ليطعم غريزته الدموية ، ويطيب قلبه برائحة الدماء ، فهو يذبح مثلما يريد ، وهو صاحب الصدر الأعظم في الآستانة ، المليء صدره بالنياشين والأوسمة ، وتفترش على كتفيه الرتب ، وهو صاحب الكفاءة العالية في تنفيذ المهام في المذابح لتتلاءم مع العقيدة العثمانية ، فهذا الشرير الشرس صار هو المتسلط المستبد والجلاد الطاغية المشهور في بحزاني ، فقد سمع عنه أهل بحزاني أشياء تثير الرعب والجزع من جرائمه ، فهو يترك ذبيحته تموت ببطء حتى تستفرغ دماءها ، عندئذ يغمس سيفه في بقعة الدم كأن ذلك أمرا إلهي ينفذه بأبرياء ، وغالبا ما يترك سيفه مغروزا في عتبة بيت الضحية أو في واجهة باب المنزل ، إنه الشرير صاحب المآثر البطولية العظيمة في تنفيذ القرار السماوي المطلق الذي يأتيه من واسطته السلطان الأعظم الجالس على عرش الإمبراطورية ، لذلك أصبح الشرير مشهور جدا ليس في بحزاني وحدها ، وإنما في سائر العالم الأيزيدي ، ذات مرة أجلس أيزيدي على خازوق ، ثم قطع يده اليسرى ، ورماها إلى الأيزيديين المربوطين بحبال ، ثم قطع يده اليمنى ، ورماها إليهم ، وهو يصرخ : موت ... موت... ثم ضرب عنقه . ثم وضع مئات الرؤوس على أسنة الرماح بين جثث الموتى ، وكانت تتعالى أصوات جنوده ابتهاجا لعظمته ، وهو كعادته يرفع رأسه إلى أعلى ساكنا ، لا يتأوه ، وعندما وطأت قدماه سنجار فلم تنج منه قراها ، ذبح كما أراد ، وأحرق أحياء في بيوتهم لتشويهم النار ، وباع أطفال في سوق النخاسة بالموصل ، هو الفاتح الجبار، المتوحش المختار ، الذي لا نظير له في العدوانية ، ولا نظير له في تعذيب البشر ، فكلمة الشرير تنطبق على همجيته المتوحشة ـ روح شريرة من قوى شريرة ـ لا علاقة له بشيء أسمه رحمة أو شفقة أو حياء ، وقد تجاوز عصره إلى ما قبل التاريخ في إجرامه لأن قلبه من حجر ، وكان بحذائه الأسود الطويل يدوس كل قوانين البشر ، فهو مذهل في التعذيب ، والعنف ، وأساليبه مقرفة ودنيئة ضد ناس أبرياء ، وإذا تساهل في التلذذ فإنه يضرب الضحية بأخمص البندقية أو الجلد على الظهر ، وقد اشتهر بربط أيدي الأيزيديين في الموصل إلى حيوانات ، وتم سحلهم في الشوارع ، تنهال عليهم الهراوات والحجارة والأسواط ، ذات يوم وضع أيزيديا في قدر كبير يغلي ماء تحت نار ملتهبة متأججة ، ومرة استبد به الحزن وهو يسأل نفسه : كيف يمر اليوم دون أن أقتل أحدا . أمر آنذاك بتعليق جثث الموتى في الساحات والطرقات ، عندئذ نفخ البوق ، ودق الطبل ، وصرخ المنادي : إعدام ... إعدام ... وجاء بالأبرياء ، أجلس البريء على ركبتيه ، وقطع رأسه بضربة سيف في عنقه ، ثم أتوا إليه بالثاني ، والثالث ، والرابع حتى وصل تلذذه إلى المئة ، حينئذ غادره الحزن بعد ضرب الأعناق ، حينها جنح خياله بعيدا إلى الإبادات الجماعية ، واستقرت أحلامه المجنونة في بحزاني ، بيد أن الشرير فريق باشا كانت له ميزة فريدة ، وهي كرهه للشمس ليس لأنها تعطي الضوء والدفء ، وليس لأنها شبهت بسراج الأرض أو وجهها إلى السماء وقفاها إلى الأرض أو بالعكس أن وجهها إلى الأرض وقفاها إلى السماء ، بالطبع ليس كل هذا السبب أنه يكره الشمس ، أنه يعرف أنها مستديرة ، وإن لها مستقر في السماء ، ليس كل هذا أيضا ، وإنما كان يجنح بخياله أن يمتلك الشمس ، ويمتد استبداده إلى أشعتها ، عندئذ يقدر أن يتحكم بشروقها وغروبها ، فيجعلها تشرق في الغرب ، وتغيب في الشرق ، عندئذ تكون الشمس في كف يده ، يقبض عليها قبضة قوية متى أراد ، ويخفف قبضته متى أراد فيما إذا غادره الحزن ، فستخر الشمس شاحبة ساجدة بين أصابعه ، وإذا أشاء أن يجعل الدنيا بلا نهار ، أيام كلها ظلام ، فهو يقدر عندئذ أن يتحكم بمصير العالم ، يؤذن لطلوع الشمس متى أشاء ، هو الشرير فريق باشا أراد ما أشاء أن ينزع الموت من الموتى أو أن ترجع الشمس إليه أي ترجع من حيث خرجت من كفه ، ليكون كفه طلوعها وخروجها من سجنها ، هذا هو الشرير فريق باشا العظيم الجبار الغول ، العفريت ، العملاق ، الجن ، الدموي المتوحش ، وكل شيء من هذا القبيل . غالبا ما يتحول حلمه إلى خرافة يتناسب مع خرافته هو أن يحرق ما يريد ، هو الطموح جدا ، الذي أيضا له طموحات أخرى مثلا أن يجعل الكواكب السبعة ملكا لديه ، ويصبح إله اليابسة والمياه ، وإنه قادر أن يفكك الأرض ، حيث يفصل الجبال عن الوديان ، ويجعل غابات الأشجار تذهب راكضة إلى الصحراء ، خاصة أشجار الزيتون تلك الموجودة في بحزاني ، حتى المياه لا تخلص من أحلامه ، فأرادها أن تغلي وتفور ، إن كل ما يريده هي الميزة الوحيدة الفريدة أن يقدر على كل شيء ، فهو في قناعة نفسه أشهر رجل في العالم ، وأشهر من الشمس ، لأنه دائما في طلوع حتى عندما يكون في منامه ، فهو يهذي :
ـ الشرير فريق باشا .
لكن هذا الشرير فريق باشا عندما يكون في بحزاني تكون الشمس في أوارها ، حينئذ ينتابه الغضب الشديد ، إذ ليس بوده أن يقترب من ضيائها أو يتظلل في فيء شجرة ، غالبا ما يتقي الشمس باليد على جبينه لكي لا تغشو عينيه ، دائما كان يفر منها ليس بسبب الحر ، هو يدرك بالتأكيد أن الشمس منيرة دون حاجب ، وهو يدرك كم هي بازغة تبدو ، ثم ترتفع صفراء حمراء ، هي دائما مليحة ينبسط شعاعها على الأرض ، وفي نفس الوقت كم يفرحه أن تكون عليلة في المغرب ، ليس إلا إنه يفهم ملاءتها الحمراء الذهبية تناسب راحته ، بالرغم من ذلك فإنه لا يديم النظر إلى حمرة الغروب ، فكلما نظر إليها وجدها صفراء حمراء ، وهذان اللونان لم يتناسبا مع مزاجه ، ربما ـ أراد أن تكون الألوان كلها وفق ما يريد ، بيد أنه لا يستطيع أن ينكر النهار على الإطلاق بسبب بسيط جدا إن أغلب مهمات سيفه في النهار ، وبمرأى الجماهير المحتشدة الخائفة من جنونه .
الكابوس الحلم اختفى من رأس الجد حينما هز كتفه ميرزا ، وهو يقول بصوت وديع :
ـ إنه الصباح يا جدي .
استيقظ الجد تنضح ملابسه عرقا ليس فقط من كوابس الأحلام ، بل لأن الحمى اشتدت عليه ، لم ينهض من فراش المرض حين فززه ميرزا ، وهو يخرج براته من تحت الوسادة التي حملها معه من لالش ، وقال بصوت متلعثم :
ـ اجلب لي كوب ماء يا ولدي .
فهرع ميرزا إلى خارج الغرفة ، وعاد مع كوب ماء ، فوضع الجد البراة في الكوب ، لم تمض لحظات حتى صارت البراة تذوب تدريجيا في قدحها وتتعالى حبيباتها إلى أعلى الكوب كأن الماء صار يفور فيه ، وقد تغير لون الماء ليكون لون التراب ، ثم رفع الكوب بيد مرتجفة ، وأطبق بشفتيه على حافة الكوب بعد أن اتجه وجهه إلى لالش ، شرب الماء الفوار داعيا متضرعا أن تغادره الحمى ، ثم طلب من ميرزا أن يجلب له شريطا أسودا وخيطا أحمر ، فذهب إلى أمه ، وطلب منها شريط أسود وخيط أحمر ، وهو يتسلمهما ويقول بصوت حزين :
ـ جدي مريض اليوم يا أمي .
، ثم عاد إلى جده الذي راح يشد الشريط الأسود على رأسه من جهة الجبين ، وأخيرا وضع يده على كتف ميرزا وخرجا سوية من البيت ، والجد يسحب بتثاقل ساقيه حتى وصلا مزار الشيخ مند ، وانسلا فيه ، انحنى الجد على الأرض ورفع من أرضية المزار قبضة تراب ، عفر جبينه بالتراب ، وتقدم إلى نبع صاف تخرخر فيه المياه بهدوء ، غرف بكلتي راحتيه الماء ، وصبه على وجهه ، فشعر ببرودة الماء تلسع وجهه بعد أن رسمت جداولا فيه تنزلق إلى صدره ، ثم تقدم إلى شجرة زيتون ، وقطف ورقة زيتون ، ووضعها في فمه ، وراح يلوكها حتى أحس بمذاقها المر ينخز في بلعومه ، ثم قفلا خارجين من المزار يبحثان عن شجرة الدفلى ، فوجداها ليست بعيدة عن المزار ، فشد الجد الخيط الأحمر في أحد غصونها ، وراح يحل عقد الخيوط ذات الألوان المختلفة التي تشبه قوس قزح التي تزين الغصون ، ويرميها على الأرض ، وهذا يعني أن هؤلاء المرضى قد فلت عقدتهم ، وإنه سيأتي شخص ما ، ويفل عقدة الجد ، وينقذه من الحمى اللعينة ، ثم طلب الجد من حفيده أن يأتيه بجرة فخار مكسورة من البيت ، وهو ينظر إلى أحواض معاصر الزيتون المتروكة ، وقد تجمدت المياه فيها ، عندئذ أدرك شدة الزمهرير ، التقى مع حفيده عند ساقية المياه ، وسارا سوية إلى مزار حجر كرمك في جنوب القرية ، فعفر جبينه بتراب المزار ، وأخذ من حفيده الجرة المكسورة ، وراح يغرف بها المياه ويصبها على حجر كرمك ، ثم قفلا راجعين إلى البيت ، وقد شاع الخبر في القرية أن الجد الكبير قد أصابته الحمى ، وأن وجهه صار شاحبا ، وقد خارت قواه ، وهذا لم يعتاده أحد من قبل عليه إذ أن الجد الكبير قوي البدن ، وقلبه واسع ، وصبره لا ينفد ، وقد صقلته المخاطر والصعوبات ، ربما ـ حسدته عين شريرة ـ هذا ما راح يردده أهل بحزاني بينما كان يمشي الجد متوكئا على كتف ميرزا حزينا صامتا لا حيلة له ، وعند عتبة الباب وجدا ميرزا والجد ديكا مذبوحا ، فأدركا أن الأهل ذبحوا الديك كنذر للشيخ آدي كي يغادر المرض جدهم الكبير.
وفي الليل وعلى فراش مرضه غزته رؤيا تلو رؤيا ، مرة أن الشرير الحيوان اختطف هنار ، فهرع ميرزا حاملا فأسه ليحطم رأس الشرير الحيوان ، وإذا به وهو يبحث عنها وجد حليها وأقراطها وضفيرتيها على صخرة ، عندئذ أدرك أن الشرير الحيوان أكلها ، فذرفت عيناه الدموع ، وبكى بكاءا مؤلما ، فأيقضت هذه الرؤيا الجد من منامه مكتئبا متذمرا حائرا وهو يتصبب عرقا ، وكانت الحمى تشتد عليه ، وهو يضع رأسه على الوسادة ، ويحاول أن ينام ، إنه الآن ينام في رؤيا أخرى : وجه جنائزي جامد ، صارم وقاسي ، يخون الموتى ، نظرته غريبة فيها تهديد ووعد ، تحركها عضلات الوجه بصعوبة ، نظرة غريبة مرعبة ، كئيبة متعمدة ، الآن يرى الوجه قد تغير ، وأتاحت له الفرصة أن يميزها بوضوح ، ففتح الجد شفتيه ، وتمتم بأقوال :
ـ لا ... ليس ميرزا ...
كان قوله أشبه بصرخة في منامه ، وصار الوجه وراء قناع ضخم هائل متوحش ، فأتت الكلمات
ـ أيها الشرير ابتعد عن ميرزا ...
كان هذا يؤلمه ألما شديدا ، إذ الوجع الشديد يؤذيه ، فقد تمثل له الرعب وفظاعة الموت والشهوات المتلهفة للسياط والأغلال والقتل في غزو جديد ، ويبدأ العذاب ، وانتهاك الحرمات ، فالوجه الجامد الميت ، الآن لن يراه وهو يرفض أعوام ألسنة اللهب التي تفرقعت في بحزاني ، ألا يكفي تلك الإبادات التي امتدت قرون ، إذ مذبحة تلو مذبحة ، لم يرد الجد أن يثوى جسده وهو يكافح الحمى العدو ، الشرير العدو ، كان يجاهد في منامه أن يقنع نفسه إنه ينتصر على العدو ، إذ لابد أن يقاوم لتكتمل رسالته إلى حفيده ، وهذا يتطلب سلسلة تتابع أزمنة ، لتكون مسيرة حياة جديدة مليئة بالحنان والمحبة ، فليطرد هذا العدو الظالم القاسي من رؤاه ، هذا هو لغز الخلود الإنساني ، فلم يعرف كيف فز من نومه ، ليرى مدهوشا وجها لوجه قبالة المستبصر ( الكوجك ) الصامت ، وقد راودت الجد رغبة أن ينهض من فراشه إلا إنه تسمر فيه ، وقد احمر وجهه ، وتراقصت أجفانه وهو يسحب نفسه في فراشه ساندا ظهره إلى الجدار ، ساحبا الغطاء إلى بطنه ، ويرى أيضا قد ارتسمت ابتسامة عجيبة على وجه الكوجك الملتحي ، وهو في ثيابه البيضاء ، تعتمر رأسه كوفية حمراء ، ويلف خصره بحزام من قماش أحمر ، كان الكوجك يحمل في يده اليمنى كتابا من عدة صفحات ، وارتسمت على غلافه الخارجي مربعات كثيرة وفي داخل كل مربع حرف كبير . إذن هذا هو الكوجك الزاهد في الدنيا ، المتفرغ للصلاة ، المتضرع للسماء ، المتعبد الذي يصوم مرتين كل سنة أربعين يوما في الشتاء وأربعين يوما في الصيف ، التقي الصالح الذي شاعت حوله في القرى أقاويل إنه صاحب المعجزات والقدرات الخارقة أن يشفى المرضى ، هو الذي يتصل بعالم الغيب ، ويتنبأ بالحدث ، هو الذي روحه نبيلة لا تقبل الأذى للإنسان أو الحيوان أو النبات ، هو صاحب سلطان الخير يدفع البلاء عن شعبه ، ويقاتل قوى الشر ، ويدفعها ، ويبعدها ، ويطردها عن بلاده لذلك منزلته رفيعة عند الأيزيدين ، الآن كان الكوجك مستغرق في عالم روحاني رؤاه بؤرة روحية بين مصائر أرواح الموتى ونعيمها ، عيناه ساهيتان في اللاوجود ، تبحران إلى المنتهى ، وهو يرتقي بروحه الفاضلة في غياب ، فلزم الجد الصمت ، وحل في الغرفة طقس كهنوتي عجيب ، كان الكوجك ساكنا ، ترتجف شفتاه في أعماق السكون ، شيء يلوح للجد أن الرؤى ترتفع في تحدي واضح ، وقد تغيرت ملامح الوجوه في صمت طويل ، حينئذ أغمض الكوجك عينيه وهو يبحث في الغيب ، وربما يبحث في الحقيقة ، ثم ارتجف كما لو أنه في إرادة أخرى ، ثم خيم صمت أزلي متعمد ، ثم فتح عينيه الثابتتين الواسعتين المخلصتين دون حركة أجفان ولا انسياب في خلق آخر . كان ثمة شيء رائع في شروده الذهني عن الوجود ، وشرود عينيه إلى البعد ، فيهما يستبصر ما سيحدث ، ثمة شيء عجيب في جلسته التي تهدلت يداه اليمنى الحاملة للكتاب إلى حضنه ، فصارت مسترخية ، وهو يبحر في خيال أو يسرح إلى بعيد ، كما لو إنه يعيش في مكان قصي ، ثم انحنى رأسه إلى صدره ، ولم تمض لحظة حتى ارتفع وجهه إلى عالم آخر ، لم يعرف الجد أهو كان يخاطب السماء أو يخاطب أحدا آخر ، إذ حل في الغرفة صمت غريبة جدا ، ثم صارت نظراته متحدية فيها تيقظ ، ثم حميمة مصممة فيها ود القلب ، بغتة تبين اللطف والنبل المجمدين في وجه الكوجك ، وهو يداعب بيده اليسرى الحرة لحيته كما لو أنه يبلغ شيئا غامضا عظيما ، يبلغه ويراه ويلتقيه بعيدا عن عالم الوجود ، هذا اللقاء الغيبي لا يعرفه أحد لأنه لقاء أرواح نقية وتقية ومضيئة في محاربة الشر ، فصار جيشا لها من أرواح العباد الأتقياء لمحاربة جيش الأشرار ، قوتان هائلتان ذات عداوة أزلية. كان لغز الكوجك الدنيوي الحاد الذي لا يقوى أن يبتعد عنه ، فهو بقدر ما نزاع بين الجسد والروح في ذات الكوجك ، هو في نفس الوقت نزاع تلك الأرواح ، فلذلك هناك أرواح خير ، وهناك أرواح شر ، ودائما يتفجر الصراع دون مصالحة تذكر ، لابد من مقاومة حتى لو كانت قصيرة الأمد التي غالبا ما تتوج بانتصار الروح الطيبة التي يحملها جسد الإنسان ، فالجسد ثقيل والروح خفيفة ، فروح الكوجك ساهرة ليل نهار لتلوذ عن شعبها ، فما غيبوبة الكوجك إلا ارتقاء إلى عالم آخر ، انغمس فيه بألفة شديدة خارج كينونة الجسد البشري ، ارتقاء مضيء مبتهج ومجاهد ، ذلك الذي انتصر فيه واقتلع من الجد الكبير مخاوفه من الشرير ، لم تمض لحظات حتى التفت الكوجك إلى الجد ليبلغه عن انتصاره الكبير النهائي اللامادي ، انتصار على أحابيل الشر والبلوى ، وتلك كانت مأثرة بالنسبة إلى الجد ، وقد غدا عنصرا آخرا قادرا أن يقهر الشرير دون هوادة ، ولا يخاف على مصير ميرزا .
فجأة وضع الكوجك الكتاب على كفه ، وطلب من الجد أن يضع ابهامه على أحد الأحرف الكبيرة بين المربعات ، فصارت تداعب الأحرف ، وتوقف الابهام عند واحد منها ، ففتح الكوجك الصفحة التي عنونت بذات الحرف ، وراح يقرأ ببطء وهدوء كما لو أنه يترنم بالكلمات والجد يصغي بكل انتباه واهتمام ، وعندما انتهى الكوجك من قراءة الصفحة نهض مع نظرة راعشة صريحة للجد ، حينئذ نهض الجد واقفا من فراش المرض ، فأدار الكوجك ظهره واتجه بخطى بطيئة نحو الباب وهو يقول :
ـ مثل سليمان بتي ...
عندما خيم ظلام الليل نزع الجد ملابسه ، وتعرى ، ثم لف نفسه بعباءة الصوف الحروانية وخرج من البيت ذاهبا إلى معاصر الزيتون قرب الكوم ، مسك حجرا وراح يفتت الثلج الذي يغطي فتحة أحد معاصر الزيتون ، ويغوص فيها ثم ينط ، ثم خرج وهو يتذكر حكاية سليمان بتي حين نط في الليل العميق من فتحة المعصرة ليطرد الحمى الحارة وخرج عاريا ، وكان في نفس اللحظة قد مر البائعة المتجولين ، وهم يحملون بضائعهم على ظهور حيواناتهم ، فرأوا سليمان بتي يخرج عاريا من المعصرة ، فأصابهم الرعب ، وفروا هاربين ، تاركين حيواناتهم ، وهم يصرخون :
ـ الشرير

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي