اللعب الجمالي، و انفتاح الرؤى التأويلية .. قراءة في ديوان سيرة الماء لعلاء عبد الهادي

محمد سمير عبد السلام
2012 / 10 / 2

يعد ديوان (سيرة الماء) لعلاء عبد الهادي – الصادر عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة 1998 – مشروعا جماليا يجمع بين انفتاح التشكيل، و الدلالة، و كذلك السعي إلى تشكيل رؤى فنية تقبل التأجيل، و الاختلاف ضمن بنيتها، دون أن تتخلى عن الأصالة، و البحث عن موقف ثقافي، و جمالي في آن ضمن صيرورة الكتابة، و تشكيلها اللامركزي المتغير للمعاني المتعارضة التي تصب في التعدد، و السخرية من الأحادية، و ليس الموقف، أو المدلول الجمالي بحد ذاته.
يسعى الشاعر – بوعي – إلى إنتاج نص ذي علاقات داخلية غير محدودة في الشكل، و الدلالة معا، و هو أيضا يقع في سياقات ثقافية / تأويلية عديدة مع نصوص التراث الديني، و الحضاري التي تكتسب حضورا لا مركزيا جديدا في هوامش الديوان، و انتشار دلالات متونه المراوغة.
يرتكز النص – إذا – على تعددية تقوم على الاختلاف في الشكل عن طريق التجريب في ترتيب الصفحات، و بنيتها، و اتجاه ترقيمها القائم على تأجيل منطقها الدلالي الأصلي بإضافة ترقيم آخر مناهض لاستقلال الصفحة من جهة، ووضعها في السياق النصي من جهة أخرى؛ و من ثم تنفتح نقاط البدأ في منطق النص، و القراءة معا؛ مما يسمح باتساع علاقات التشكيل المادي للنص، و تأويلاته في آن من خلال تلك الأوراق المطوية، و الخارجة عن سطوة المسار المنطقي، أو الجمالي الواحد؛ و كأنه يشير إلى ثراء الرؤى، و منطق الأشياء، و هويتها، و كذلك إلى تلك الإنتاجية التأويلية الأصيلة في عمليات القراءة، ووعي القارئ المنتج للنص؛ فالقارئ النموذجي للديوان – وفق تعبير إيكو – هو الذي يعيد إنتاج العلاقات التأويلية اللامركزية في السياق الجمالي نفسه، دون أن يتخلى عن تحديد الرؤى المحتملة، و المتغيرة التي تطرحها الكتابة، و يقوم عليها نموذج التواصل العلاماتي بين المبدع، و النص، و القارئ.
و تتجلى إيحاءات الديوان في الثراء الملازم لجذور العلامات، و الأفكار، و النصوص، و الضمائر، و الأصوات، و الذات المبدعة نفسها، و التي تعيد قراءة هويتها انطلاقا من تجاوز المركز، و البحث المستمر عن الحضور في مستواه الجمالي المتعدد.
و بصدد هذا النوع من الآثار الفنية المتجاوزة للمركز يرى أمبرتو إيكو في كتابه (الأثر المفتوح) أن الأثر الفني قد تنفتح دلالاته من خلال طرق قراءاته، أو من خلال بنيته اللامركزية نفسها؛ و من ثم يطرح مدلولين نقديين للأثر المفتوح؛ هما:
الأول: الأثر ذو البناء الفني المتكامل، و الذي يصير – من خلال اكتمال بنيته- أثرا مفتوحا حين يؤول بطرق مختلفة، دون أن تتأثر خصوصيته.
الثاني: تنفتح فيه العلاقات بوعي جمالي، و يضرب له أمثلة بالأعمال الموسيقية لستوكهوزن، و بيريو، و بوسور، و يتفق مع بوسور في أن تلك الآثار تعطي المؤول الحرية، دون أن تؤثر فيه ضرورة يفرضها تنظيم العمل نفسه، ثم يستشهد بعمل (الكتاب) لمالارميه؛ فهو أثر مفتوح، و متحول؛ إذ يتكون من كراسات غير مترابطة، و يمكن للصفحات الداخلية أن ترتب كل الترتيبات الممكنة، دون أن تفقد أي منها معناها؛ مما يمنح النص حركة، و حياة (راجع – أمبرتو إيكو – الأثر المفتوح – ترجمة عبد الرحمن بو علي – دار الحوار للنشر – اللاذقية بسوريا ط2 – 2001 ص 16، و 17، و 29).
و أرى أن ديوان (سيرة الماء) لعلاء عبد الهادي يجمع بين مفهومي إيكو عن الأثر المفتوح؛ إذ يطرح الديوان رؤى ثقافية، و جمالية متنوعة، و مختلفة ضمن تجاوزه للمركزية، و قصدية إنتاج اللعب الجمالي؛ و هو ما يمنحه خصوصية ملازمة لتحول الدلالة، و انفتاحها اللانهائي، و إن كان أقرب للمفهوم الثاني من جهة أصالة الاختلاف في شكل العمل، و علاقاته الداخلية.
و يستخدم علاء عبد الهادي مجموعة من التقنيات الفنية المؤكدة للاختلاف، و التعددية الجمالية؛ مثل المزج بين المتن، و الهامش، و تبادل مواقعهما ،و تداخلهما في ديناميكية النص، و السخرية Irony من أحادية المدلول، و الخطاب المركزي كما هو في آثار ما بعد الحداثية، و التجريب، و التعددية في ترقيم الصفحات، و شكلها، و كذلك الموقع الإعرابي، و الوظيفة النحوية للعلامة الواحدة التي تقع في سياقين لغويين مختلفين في آن.
و يمكننا رصد خمس تيمات فنية في الديوان؛ هي:
أولا: اللعب الجمالي بين الأصالة، و التعدد.
ثانيا: الهوامش المتعالية.
ثالثا: انفتاح العلاقات التأويلية.
رابعا: تجاوز الحدود الزمكانية.
خامسا: التراث الثقافي في سياقات تأويلية متجددة.
أولا: اللعب الجمالي بين الأصالة، و التعدد:
ثمة علاقات من ثراء الدلالة، و التعارض الذاتي، و مقاومة البناء الثابت في السياق الشعري، و تأويلاته المحتملة في ديوان سيرة الماء؛ فمن السياق الأصلي يولد سياق جمالي آخر يناهضه من حيث الدلالة، و يباينه في الشكل؛ فقد وضع الشاعر خطوطا أسفل الكلمات التي يولد منها السياق الثاني للمعنى؛ و من ثم يسعي النص بوعي إبداعي إلى التأجيل، و الاختلاف من خلال ذلك اللعب الجمالي الذي لا يخلو من مضامين، و رؤى ثقافية متناثرة؛ و هو ما يدعو إلى قراءته طبقا للانفتاح، و الأصالة معا.
و قد وضع الشاعر مجموعة من الهوامش المناظرة للمتن؛ ليؤكد لا مركزية المسارات النصية، و التاويلية من جهة، و يعزز من الارتقاء ببنية الهامش التي تبدو مثل المتن، أو تتداخل مع موقعه، و دلالاته الأولى؛ و كأننا أمام مواقع جمالية يختلط فيها الجزئي، و النسبي بالنماذج، و العناصر الكونية، دون مركزية واضحة، أو مسار نصي واحد؛ فقد يستمد المتكلم طاقته الذاتية، و الشعرية من التشكيلات الإبداعية الكامنة في الهوامش، و قد يستمد الهامش طاقة التحول من امتزاج الذات بصيرورة الكتابة في المتن.
يبدأ الشاعر بالتجريب في تشكيل الغلاف الداخلي؛ إذ يضعنا أمام إشارات تزاحم مركزية المتن، و تفككها؛ فنجد عنوانا آخر هو (وقائع نبوءة الموت)؛ و هو إيماءة بتناقضات الماء الذي يوحي بالفيضان، و إعادة تشكيل بدايات الحياة في الوقت نفسه، كما يتناص مع اقتباس بومثيوس للنار في سؤاله أسفل العنوان / سيرة الماء (كيف أسرق النار؟)، و كأنه يتهيأ لاستعادة بداية تشكيل نور المعرفة، و الحضارة الإنسانية، و ذلك في سياق ظلمة محتملة تتداعى مع اقتباسه فقرة من الإصحاح السابع من كتاب أعمال الرسل؛ و هي تشير إلى الجوع الذي عم في عهد يوسف عليه السلام قبل أن يأتي إله إخوته طلبا للقمح؛ و هو ما يعزز من تداخل البدايات، و النهايات، و ذاكرة العقاب، و الارتقاء الروحي، و الحضاري في الوقت نفسه.
و تغلب إيحاءات الصخب النسبي للكتابة الشعرية في متن القسم الأول من الديوان؛ و هو (سفر الهوية)؛ إذ يبدو الهامش كتأمل أصلي في النماذج، و الأفكار الفلسفية، بينما يقتبس طاقته المجازية من المتن، أو يتداخل معه حتى يحتل موقعه.
يقول: "الكتابة .. عاصمة للتآلف / تدشنها الدماء .. عاصفة على امتداد الوريد / يقدح العبث جمرتين / جمرة .. تصطاد بصنارة الألم .. بحيرة للذكرى / و جمرة تشعل الحرائق .. / على تل من خلاء".
و يصبح المسار النصي الثاني: "عاصمة / تدشنها على امتداد / العبث جمرة الألم / و جمرة من خلاء".
ترتبط الكتابة في السياق الأول بالانسجام الجمالي، و المعاناة، و الفراغ، و الامتلاء في الوقت نفسه؛ إذ يصير الخواء مملوءا بتكوينات المجاز الحية في التحولات الذاتية للكتابة، و إذا تتبعنا السياق الثاني في مسار الكلمات التي ميزها الشاعر بوضع خط أسفلها سوف نلاحظ انتشار مساحات السلب في مقابل الصخب الأول، و تهميش دلالات التكوين الكامنة في علامة العاصمة.
إن السياق الثاني يثري الأول بالكشف عن هوامش الاختلاف الكامنة فيه، و يعارض بنيته، و يتداخل معها في الوقت نفسه؛ فتبدو العاصمة مولدة من سياق الصخب نفسه المميز للكتابة في النص الأول، و إن جاءت مشبعة بواقعية تتجه نحو مجازات التلاشي.
و قد يلج الإبداع مدلول الحياة اليومية؛ فتصير دوالها ممثلة للصيرورة المجازية المميزة للكتابة، و لطيفية المفاهيم، و كينونتها التعبيرية في النص.
يقول: "أعربد فوضى / أذهب للقهوة / تدخننا أرجوزة .. على أرصفة الكتابة / يجمع الموت الجميع .. أمسح السماء / و هذا الزحام .. حكيم .. يلاحقني الناس .. تختنق العزلة / لم يبق سوى الكتابة .. أو .. أن أمتلك نصا / يمنحني حق إبعاد الآخرين عني !".
و النص الآخر هو: "أعربد فوضى / على أرصفة السماء / و هذا الزحام يلاحقني / يمنحني الآخرين".
يستحضر المتكلم هويته حينما ينخرط في أطياف الكتابة، و تداخلها الأصلي مع السياق الواقعي، و يختلط الصوت بهذه الحركات، و التشكيلات الفنية الوليدة؛ فيمتزج بالدخان، و روح الأرجوزة، بينما تكتسب المفاهيم ، و العناصر فاعلية استعارية؛ فالموت الدال على التناثر نجده يجمع بين السلب، و إيجابية التحول الاستعاري، و يبدو الزحام دافعا لتحقيق لذة الكتابة في ذلك السياق الذي تختلط فيه الأطياف، و الأصوات، و العناصر.
و في مسار السياق الثاني للنص يؤكد الشاعر تواصل الأنا، و الآخر في المشهد نفسه، و إن ارتكز على اليومي الذي يحتمل المجازي، دون أن يكون الأخير أصلا داخل اليومي كما هو في القراءة الأولى.
إننا أمام حالة من التعارض الظاهري بين أخيلة الشعر الكامنة في الذات المتعالية، و صخب الواقع الذي يكاد يلامس الوعي المبدع، و يتحد به في المساحات الفارغة في المشهد؛ و كأن السياق الثاني يتهيأ في نهايته لاكتساب طاقة الكتابة مرة أخرى، و لكن ضمن بدايات تمنح الذات، و الآخر وجودا ماديا يوشك أن يصبح طيفيا.
و قد وضع الشاعر تأملاته للنماذج، و المفاهيم في الهوامش، و جعلها أكثر تكثيفا، و كأن الهامش هو الأصل، أو يتهيأ ليحتل موقعه في صيرورة الكتابة، و لكن تلك النماذج نفسها تقع في حالة من الحركية الإبداعية الملازمة لوجودها في وعي المتكلم، و خارجه.
يؤول الشاعر الهواء من خلال سياقين؛ فالأول يجسد موسيقى السلام، و التناغم الكوني، و الآخر يؤكد إيجابية الصخب، و التحول.
و أرى أنه من داخل هذا التأمل الكثيف يمكننا القبض على رؤيتين للإبداع في مشروع علاء عبد الهادي؛ هما الاختلاف و التحول في الحياة، و الكتابة، و البحث عن أصالة السلام الداخلي للذات، و العناصر، و من ثم البحث عن نسق جمالي يقبل الاختلاف، و استمرارية التكوين في الوقت نفسه.
يقول: "الهواء : يجري لمستقر له ! / يشعل في الكون قلبا .. من مدى / و رئة من رياح".
و النص الآخر هو: "الهواء يجري / يشعل مدى من رياح".
تنتشر أخيلة الاتساع، و السلام الجمالي، و الصخب الهادئ في السياق الشعري الأول، بينما تتجه القراءة الأخرى إلى الإعلاء من إيحاءات الصخب المنتج للحياة الخيالية للهواء، و هو ما يجسد طيران العنصر المجازي في إدراك الذات المبدعة؛ إنه المدلول الشعري الكامن في المستوى الكوني، و يمتد عنصر التحول الكامن فيه إلى الكتابة، و نشاط الوعي المبدع.
و يؤول الشاعر مدلول الشعر في الهامش انطلاقا من المعاناة، و الانفتاح، و التحولات المقاومة للبداية، و النهاية كما هو في فنون ما بعد الحداثية المتجاوزة للإطار، ثم يؤوله من داخل البحث عن الرؤى الجمالية، و التكوين في لوحة، أو نوته، أو كتاب، و قد جمع الشاعر في مشروعه بين المدلولين التأويليين للشعر؛ فسيرة الماء كتاب يسعى لتجاوز البنية المنطقية للكتاب نفسه.
يقول: " الشعر: دم الكائنات / فضاء .. لا يبتدئ لانتهاء".
و النص الآخر هو: "الشعر فضاء / يبتدئ لانتهاء".
تبدو الجذور التكوينية للأشياء ، و العلامات مهيأة للظهور في العالم حاملة لتحولاتها المحتملة من النشوة، و الألم ، و الغياب في السياق الأول، بينما يبدأ الوعي في تشكيل رؤاه الذاتية في السياق الثاني؛ فثمة تكوين في حالة من النشوء الجمالي، و الاكتمال المحتمل الذي يتحد بالمنظومة الأولى المناهضة للحدود، دون مركزية واضحة.
ثانيا: الهوامش المتعالية:
تحتل الكتابة الذاتية موقع الهامش في نهاية سفر الهوية، و لكنها كتبت ببنط كبير، بينما تحتل التأملات الهامشية موقع المتن ببنط صغير؛ مما يعزز من حالة التداخل الأصلية بين النص، و الهامش، و تأجيل فكرة الهوية بحد ذاتها في التداخلات، و تبادل المواقع، و الكشف المستمر عن هامش الاختلاف في المتن، و الهامش معا؛ و هو ما يدعو إلى التساؤل حول كينونة الهامش نفسها، و التي لم تعد هامشية بقدر حضورها الطبيعي في تعددية الكتابة.
و تجسد هذه النصوص التي تقع في مواقع النص، أو الهوامش ارتقاء دلالات الاختلاف، و التناقض الثري؛ و كأن الشاعر يجسد التباس البدايات، و النهايات بصورة دائرية متكررة في أشكال جديدة من الكتابة التي تستوعب المفاهيم، و النماذج، و الضمائر، و التكوينات الاستعارية – الكونية المتجددة في المشهد.
ثمة تداخل بين الأنا و الآخر في السياق الإبداعي للمصائر، و الشكول المجردة، و الكثيفة من الحياة.
يقول: "الناس ينتظرون / و نحن / على أرائك الأرمدة".
و يصير النص الآخر: "الناس على الأرمدة".
يرتبط الرماد بالنهايات بينما تقترن الأرائك باللذة، و السلام الداخلي؛ و هو ما يعكس التناقض التكويني للمفاهيم، و في المسار الآخر تغلب دلالة التهميش و نبوءة الموت الكامنة في الرماد، و لكن تجريد علامة الناس يوحي بحياة كامنة في المدلول تقاوم سطوة العدم، و يؤكد هذا التصور التأويلي استبدال الولادة للموت في المتن / الهامش التالي؛ إذ يقول:
"تصطلى فينا .. / نبوءة الموت / الولادة".
و المسار الآخر: "تصطلي الولادة".
و في المسار الأول يكتسب الموت طاقة النار المولدة من زيف الرماد، و نهاياته؛ فيتبادل الموقع مع الولادة، و في المسار الثاني تتجلى الولادة في المشهد كبديل عن دائرية الحضور، و رغبات الخلود غير الواعية في الذات، و الآخر، و الآخرين.
التناقضات الشعرية هنا تكسب المدلول الذهني ثراء دلاليا مضافا للأصل، و ملازما لبنيته، و بزوغه المتجدد في الوعي؛ فالموت يختلط بالنار؛ فيصبح ولادة بحد ذاته، بينما تختلط الأصوات بالرماد؛ فينتابها تهميش يشبه الرياح، أو العواصف الممهدة لحضور آخر.
و هكذا تتداخل المسارات النصية، أو تتطابق في الهامش / المتن؛ لتجسد وهج البدايات المتجددة، و التي تستمد طاقتها من أخيلة النماذج في الوعي، و اللاوعي؛ فالصباحات تتجدد، و كذلك الماء، و أصالة الإبداع، و الرغبة في المعرفة.
يقول: "كأنما رغبته تفتحت على اتكاء: الصباحات: / كصنارة .. تلتقط قديم عنادها في عناء التأمل / يفتتح البدء بالاشتعال / و يختتم في مقام اليقين – بين الضلوع – الثقوب".
و النص الآخر هنا يطابق الأول.
لقد بدا الوعي هنا متحدا بالكثرة التي تتجاوزه، و تتشكل فيه مرة أخرى بصور نسبة شعرية؛ و هو ما يجعل الشعر ضرورة تسعى للانسجام و التوافق الجمالي من خلال أصالة الاختلاف الكامن في تجليات الإبداع النسبية في الأنا، و مرجعياتها الفكرية، و الخيالية.
ثالثا: انفتاح العلاقات التأويلية:
تتداخل المسارات، و الأصوات، و التكوينات في قسم (البدايات)؛ إذ يفكك الشاعر منطق الاتصال المنطقي، و يضع الكراسات، و الأوراق المنثنية بحيث يمكن قراءة الجزء من أي نقطة، دون أن يتأثر المعنى، أو إمكانية الاتصال التأويلية المحتملة بين الصفحات، و التكوينات النصية، و رغم تكرار تقسيم الشاعر لأصوات، و تكوينات هذا الجزء بين (الناس)، و (الطوفان)، و (أنت)، فإنه يدفع المؤول لقراءات تفاعلية محتملة بين هذه الأقسام، دون حدود في مجالي بناء التكوين نفسه، و علاقته المحتملة بالتكوينين الآخرين؛ و هو ما يؤكد أن تلك الرؤى، و الأخيلة مازالت في حالة من الحياة البهيجة المرحة؛ إنها في حالة عمل يصل الكتابة بالمفهوم الواسع للحياة الواقعية، و الطيفية في آن، كما يظل التراث فاعلا في النفس المتعالية، و رؤيتها للواقع، و في علامات الواقع الشعر نفسه.
و في مسار تأويلي محتمل يمكننا قراءة الصوت (أنت) كذات متعالية تسعى لتجاوز بنيتها، و يجمعها بتكوين (الطوفان) النزوع الإيماني، و التعالي الروحي؛ أي تستمد تلك الذات طاقتها الروحية من أخيلة الماء الصاخبة في (الطوفان)؛ كي تتجاوز غياب الصوت الفردي في سياق صوت (الناس)؛ إذ تسعى إيماءات التهميش فيه إلى طلب الخلاص؛ و هو ما يدعو إلى ارتباط تأويلي عضوي جديد بالطوفان؛ ففيه تكمن ولادة الأنا من داخل الناس، دون نهاية حاسمة للمسار الدلالي؛ فنبوءة الموت التي بدأت في صوت الناس تبلغ ذروتها في صخب الطوفان، بينما تستمد من خلاص المؤمنين بدايات جديدة تبحث عن الصوت الفردي المبدع في صوت (أنت).
و قد تنتج العلاقات المحتملة بين النصوص مسارا تأويليا آخر يبدأ من تناقضات الصوت (أنت) الداخلية؛ إذ يجمع بين التعالي، و احتمالات الموت معا، و تتصاعد تلك التعارضات الداخلية في حالة (الطوفان) الذي يجمع بين التدمير، و البناء بصورة صاخبة، و يبدو تكوين (الناس) هنا ممثلا لخلاص جماعي محتمل يذوب في ارتقاء صوت الفرد في سياق تجاوزه لأزمته.
و لنبدأ بالترقيم (1) للمستويات النصية الثلاثة و فيه نلمح قوة السياق المهيمنة على صوت (الناس)؛ و هو ما يدل على التهميش، و الانتظار لحدث ما؛ كالعقاب، أو النجاة، أو الخلاص المحتمل للصوت في شكله الجماعي الملتبس.
يقول: "نذهب نهمي في مائنا .. كي ننام .. عجينا / نسهر على لحمنا / نبني – فوق العظام – معاقل للعطش و السكينة !".
و النص الآخر هو: "نذهب في مائنا .. كي ننام على لحمنا / نبني السكينة".
و تهيمن أخيلة السلب في أحلام اليقظة على المسار الأول للصوت؛ فثمة علامات تشير إلى الهدم، و التحول؛ مثل (العظام)، و (العطش)، و (العجين)؛ و كأن الصوت يلج نبوءة للموت، أو العقاب، أو أنه يقع في سكينة ملتبسة تجسد حالة من الانتظار الدائري، و قد مزج الشاعر الصوت بهامش يستحضر فيه مدلول الاصطفاء المبني على الإيمان؛ فهل ينتظر الصوت نهاياته عند انحرافه عن النواميس؟ أم أنه يسعى للأصالة المبنية على عنصر النجاة الكامن في تكوين الطوفان؟
و تتجه القراءة المرتبطة بالمسار الثاني للنص إلى المدلول الإيجابي للسكينة كغاية يحقق من خلالها صوت (الناس) أصالته، و ارتباطه الفطري بالعنصر الكوني / الماء في حالته الخيالية الهادئة في اللاوعي الجمعي؛ فهل هو اتساع الكون الممتد في الصوت الجماعي؟ أم أنه الحضور الروحي السابق لصخب التحول القادم؟.
و يستعيد الشاعر بدايات التدمير الكامنة في أخيلة الطوفان الممتدة في صيرورة الكتابة، و تشكيلها لسياق الوعي المبدع في حالته المتعالية، أو ضميره الجمعي؛ الطوفان طاقة إبداعية للموت، و الحياة، و بكارة التجدد داخل الذات، و خارجها.
يقول في المستوى الدلالي للتدمير:
"ووجه الفجر مجدور / و الوقت صوبك ليل .. يعيد الصهيل / يضيق المدى .. هامة .. / فوق شعر الفضاء / تمشط بالبوم ترقوة المدائن".
و النص الآخر هو: "الوقت ليل / يضيق فوق المدائن".
يستعيد الشاعر شاعرية بدايات الطوفان بوصفه تدميرا يعلو على السياق الإنساني؛ و من ثم يرتكز في استعاراته التأملية للمشهد على نحول الفجر، و سطوة الليل، و خفوت المدائن، و تضاؤلها، و لكن طاقة الطوفان نفسها، و أصداء (الصهيل) تحتمل بدايات جديدة يؤكدها ذلك الاستثناء للمؤمنين المقتبس من كتاب التكوين في الهامش؛ و كأننا بصدد بزوغ للذات الشعرية المتعالية التي تتخذ من إخناتون مظهرا مجازيا متولدا عن النشوء الآخر للحياة فيما وراء التدمير الظاهر.
و نلاحظ سطوة الظلمة على المدائن في المسار الثاني للنص؛ إذ تمثل نبوءة أخرى للطوفان، أو تؤكد تكرار بداياته في الكتابة، و علاماتها في المستقبل.
أما الترقيم (5) من تشكيل النص نجد فيه الأصوات، و العلامات في حالة من الوهج، و الصخب الجمالي البهيج؛ فالكتابة هنا تحاول القبض على اللحظة التي يتسع فيها الصوت، أو العنصر الكوني في تجاوزه لبنيته؛ إنها الروح الفتية للأشياء في سياق استشرافها للخلود، دون أن تغيب عنها النغمات، و الإيحاءات السابقة.
يرتكز الشاعر في الصوت (أنت) على البكارة المتجددة لتفاعل الروح، و الوعي مع العالم في سياق إبداعي ممتد.
يقول: "صغيرا كنت / أضرب برئة الجناح المدى / أصطاد شمسي بفخ بسيط / و حين تحط / تحك رأسها في يدي .. / و أمضي / أداعب على حائش النور ظلي / و يضغط قزح / في سكون الحجارة رمحي".
و النص الآخر هو: "كنت أصطاد شمسي / و حين تحط تحك على النور رمحي".
يلج المتكلم الحركية الإبداعية بداخله؛ و من ثم يختلط الوعي بالمسار الجمالي للعناصر الكونية؛ فالنور المشكل من المجاز الداخلي يلاعب الظل، بينما يتسع الصوت حين يدرك الإيقاع المنسجم للنور، و تحولاته الاستعارية.
و يشير المسار الثاني للنص إلى الإعلاء قوة الإشراقة النورانية للشمس، و التي تستحيل في عالم الشاعر الداخلي إلى أثر إبداعي متجدد؛ و كأنه يمهد في ذلك المسار التأويلي إلى قوة الماء في الحركة الثانية (الطوفان) الذي يبدو فتيا، و مشكلا للحياة الصاخبة المجازية للماء؛ إذ يكشف النص عن حضوره الصافي المجرد.
يقول: "يخلع عنه الحفر / يجير المهتضمين ببحر / يخبئ خبز الحقيقة في كرمته / يصطاد من صفحته التجاعيد / يناصر مسكونه المرتجف".
و يصير النص الآخر: "يخلع عنه التجاعيد / يناصر مسكونه المرتجف".
تتجه فاعلية الماء الخيالية إلى سيرته الخاصة؛ فهو يكشف عن صفائه، و حضوره الآخر في الوعي، و اللاوعي، و يتجاوز منظور الأنا؛ ليصير قائما بذاته مستشرفا لقيمة الحياة نفسها قبل تشكل إشراقة الوعي، و انخراطه في فعل الكتابة.
و تتفق الكتابة الأخرى للنص – ضمنيا – مع التصور الأول؛ فالماء يكشف، و يتعالى بصورة كثيفة تتجاوز الندوب الأولى.
و بالتداعي نجد صوت (الناس) يوحي بالكثرة، و استشراف فجر للخلاص، و التحقق، و تجاوز ظلام القلق من داخله؛ إذ يسعى الصوت للانسلاخ من هيمنة التهميش السابق.
يقول: "أي فجر سيأتي .. و نحن / لم نخبر بعد الشتاء؟ / يفيق علينا السؤال / حين تصعد في الذاكرة، الوجوه القديمة .. / مفاتشة بين الدخان / حتام نظل طريقا .. / توردت وجنتاه من كثرة العابرين؟".
و النص الآخر: "فجر يفيق في الذاكرة / بين الدخان طريقا من العابرين".
ثمة استشراف للذكريات، و الأطياف، ووهج للكثرة، و حضورها المتجدد في العالم؛ فالصوت يمجد فعل التساؤل المقاوم للظلمة، و يجدد من خلاله تحققه المحتمل.
أما المسار الثاني فيؤكد حضور الفجر، و العابرين في صورتهم الحية المتوهجة خارج سياق اليأس، و التهميش.
لقد امتدت نغمات (الطوفان)، و (أنت) فصار المجموع متحققا في أنوار الكتابة، و الخروج عن أبنية القهر التي كانت تهيمن عليه.
و في الترقيم (9) نلمح بواكير تخلق الحياة الجديدة المولدة من نغمات الصخب، و تصاعدها داخل الذات، و خارجها؛ فثمة انتظار يصاحب التشكل الآخر للصوت، و الكتابة؛ هذا الصوت ممزوج بأخيلة الماء، و بالبدايات الإبداعية للحياة.
يقول: "عادت الطير تهتف / تحمل جيفة الماء / بين خوافي الجناح .. الذي لا يكن / على قوادمها رسالة الطين تنز / ترخي على الصدر أنفاسها و العين / تغفو قليلا ...".
و النص الآخر: "عادت تحمل الطين / ترخي أنفاسها ...".

يمتزج استقرار الوعي المبدع الحتمل بنغمتي انتظار الراحة، و معاينة البزوغ المتجدد للحياة في المشهد؛ إنها الرسائل الروحية الصامتة المولدة عن الهول السابق.
و يؤكد المسار الثاني للنص توجه التجدد بإبراز عنص الطين قبل الانتظار، و كأنه رسالة تأجيل للانتظار.
و يأتي صوت (أنت) حاملا لأخيلة البحر الإبداعية الحية في نسيج تناقضات الكتابة الإبداعية التي تختلط فيها العناصر المتضادة في توافقية جديدة.
يقول: "أنا القدوم من جعدة / في جبين الرحيل / أعود / خليلي هو البحر / أطلق سنابك الريح تفرى / حتى انتفاخ الهواء على ساعد النار ...".
و النص الآخر: "أنا من جبين البحر / أطلق ساعد النار".
تعاين الذات حضورها الآخر من الفراغ السابق للتجدد الإبداعي في أخيلة الكتابة المولدة من اتساع البحر في عوالم الحلم البهيجة؛ فيبدو المشهد كاحتفالية بجماليات التناقض، و الانسجام الداخلي للأنا في آن.
و يضخم المسار الثاني من ذلك الاتساع المصاحب للبحر، و كأنه نقطة لبداية الوهج الإبداعي، و تجدده في صخب النار، و الهواء.
رابعا: تجاوز الحدود الزمكانية:
تنفتح الإشارات الزمكانية بين المحدود، و اللامحدود في (سيرة الماء)؛ فالذات تسعى لماوراء الحدود، و الاتحاد بعوالم الحلم الفسيحة، و درجة تجسدها، و تمثيلها المجازي للخلود في صيرورة الكتابة.
و قد تتوحد الذات بالفضاءات المجازية النسبية؛ لتعاين من خلالها اتساعها الحلمي المحتمل فيما وراء الحدود الجسدية، و الزمكانية معا.
يقول: "أتجرع أعضائي / ينعتني القوم بمدينة لا منارات لها / تيه شوارعي .. غير .. قابلة للاكتمال / فأمضي حزينا .. أزرع جسدي بحارا ترسو فيها السنون".
و النص الآخر: "أتجرع القوم / شوارعي قابلة للاكتمال / فأمضي حزينا .. أزرع السنون".
تتحول نغمة الانسحاب إلى الداخل، و الاتحاد بأخيلة المدينة المظلمة إلى نغمات من الاتساع الحلمي فيما وراء الصوت، و الكينونة، و الحدود الزمكانية.
و يتجه النص الثاني إلى الاتساع الطبيعي للذات في صورتها الاستعارية التي تتحد مباشرة بالامتداد الزمني، أو استشراف الخلود.
و قد يكشف الشاعر عن تناقضات الزمن في تأملاته الهامشية؛ فيقول:
"الزمان: خريف من الأحباء تواروا .. خلف السنين !".
و المسار الآخر: "الزمان خلف السنين".
النص الأول يشير إلى أصالة التناقض في لحظة الحضور التي تجمع بين الغياب، و حضور الأطياف فيما وراء الزمن المرئي؛ و من ثم يتولد الحضور المتجدد من أصالة الغياب.
و يتجه المسار الثاني إلى استشراف الخلود بشكل مباشر فيما وراء السنين كزمن حقيقي متعال على الحضور، و حدود الكينونة.
و تتسع دلالة تجاوز الزمن في القسم الثالث من الديوان المعنون ب (سفر البعث)؛ إذ يتعالى الصوت الشعري باتجاه أصالة دائرية الوجود الروحي، و امتداده فيما وراء الحضور؛ فأيام الأسبوع تتجه نحو نغمة الموت، بينما تؤكد إيماءات الخلود الكامنة في (النفس)، و خطاباتها الممتدة، و المتجاوزة للحظات المنقضية.
يقول: "فتنثال من جيوب الذاكرة الفتوحات فعلا و المغازي / تبلل جرحنا / بملح الإرادات التي / لا تنطفئ إن اشتعلت / جذاها".
و النص الآخر: "فتنثال الإرادات التي اشتعلت جذاها".
و نلمح – في السياق الأول – مدلول التجدد ممزوجا بالمعاناة، و البزوغ المشرق للروح، بينما يتجه المسار الآخر إلى ولوج الإشراق الروحي نفسه مجردا من الأشواك، و صخب الاشتباك بالجزئي، و اليومي، و هنا تكمن المفارقة الشعرية في ذلك المشروع بين الإيغال في التفاصيل، و الصور النسبية المنتجة بواسطة الوعي المبدع، و ما يوازيها من قيم، و نماذج، و أفكار تكشف عن منطق التجاوز المتجدد للحدود الأولى.

خامسا: التراث الثقافي في سياقات تأويلية متجددة:
تقع النصوص المستوحاة من التراث الديني، و الثقافي في علاقة معقدة مع لحظة الحضور في النص؛ فإيماءات كتاب التكوين عن الطوفان تندمج بالتهيؤ لنهايات مؤقتة في الذات، و تحولات العناصر بينما يظل الاصطفاء، أو الاستثناء قائما حتى تتشكل الذات المبدعة حينما تتجدد الحياة في العالم، و يعاين الوعي ذلك البزوغ الجديد لحضوره في المشهد، و تشير الإيماءات إلى إخناتون إلى خضوع ينزع إلى ارتقاء ملتبس، بينما تقع حكمة ابن عطاء الله في سياق البحث عن ذلك العلم الداخلي، و سبل البحث عن الهوية في تحولات النص في سياق تجدد لحظة الحضور الفريدة في مسارات استعارية عديدة.
د. محمد سمير عبد السلام - مصر

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول