بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبناء الرأسمالية في الصين

عزالدين بن عثمان الحديدي
2012 / 9 / 9

1. خلال الانهيار الاقتصادي الكبير في ثلاثينات القرن الماضي، كان الاتحاد السوفيتي الاشتراكي البلد الوحيد في العالم الذي لم يعاني من الأزمة الاقتصادية و الإفلاس. على العكس، كان بلد لينين و ستالين يقطع خطوات عظمي إلي الأمام خلال تلك السنوات. و يعود ذلك إلي الطبيعة الاشتراكية للاقتصاد مما يثبت تفوق النظام الاشتراكي على النظام الرأسمالي الامبريالي.
كانت برولتاريا البلدان الرأسمالية والجماهير الكادحة في المستعمرات وأشباه المستعمرات ترى في انجازات البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي وفي تطور اقتصاده بدون الأزمات المدمرة للرأسمالية تأكيدا على قدرة البرولتاريا على تسيير الاقتصاد دون البرجوازية وضد البرجوازية متخلصة من التبعات الكارثية لتناقضات النظام الرأسمالي. وكانت البلدان الرأسمالية ترى في تنامي قوة الاقتصاد الاشتراكي تهديدا لوجود نظامها الاجتماعي نفسه.
كان تفوق الاشتراكية على الرأسمالية ساحقا: " في حين ارتفع بنهاية 1932 حجم الإنتاج الصناعي للاتحاد السوفيتي بـ334 % مقارنة بمستواه قبل الحرب، انخفض الإنتاج الصناعي للولايات المتحدة لنفس الفترة إلى 84 % من مستواه قبل الحرب وفي انجلترا إلى 75 % وفي ألمانيا إلى 62 % .
وفي حين ارتفع بنهاية 1932 حجم الإنتاج الصناعي للاتحاد السوفيتي بـ219 % مقارنة بمستواه سنة 1928، انخفض الإنتاج الصناعي للولايات المتحدة لنفس الفترة إلى 56 % وفي انجلترا إلى 80 % وفي ألمانيا إلى 55 % وفي بولونيا إلى 54 % .
هل تدل هذه الأرقام على شيء سوى عدم صمود النظام الصناعي الرأسمالي في امتحان التباري مع النظام السوفيتي، سوى حيازة النظام الصناعي الاشتراكي لجميع المزايا على النظام الرأسمالي." (ستالين – حصيلة الخطة الخماسية الأولى - ترجمتنا).

2. بعد انتهاء مؤتمره الرابع عشر انكب الحزب البلشفي على تطوير إمكانياته وتحضير شروط الانطلاق في تطبيق التوجه العام نحو التصنيع الاشتراكي للبلد. كانت المهمة الأساسية في مرحلة إعادة تأهيل الاقتصاد بعد الحرب الأهلية تتمثل في إنعاش الفلاحة وتشغيل الصناعة. وكانت هناك صعوبات عالقة كثيرة فالمصانع بالية والتقنية متخلفة والصناعة تشكو من ضعف قاعدتها ومن قلة مصانع الآلات الميكانيكية الضرورية. كان يجب إعادة تجهيز المصانع القديمة وبعث مصانع جديدة على قاعدة تقنية عصرية.
لقد وقع الاهتمام في مرحلة إنعاش الاقتصاد تلك خاصة بالصناعة الخفيفة أما الآن فيجب تركيز الجهد على الصناعة الثقيلة الضرورية من اجل التصنيع الاشتراكي، ويجب أيضا خلق صناعة دفاعية تعتبر حياتية في ظروف الحصار الامبريالي، ويجب أخيرا إحداث صناعات تنتج الآلات الفلاحية العصرية والتراكتورات التي تسهل المرور إلى الإنتاج التعاوني الكبير.
لا يمكن للاتحاد السوفيتي الاشتراكي أن يحقق هذه السياسة التصنيعية وخاصة حلقتها الأساسية المتمثلة في الصناعة الثقيلة باللجوء إلى مصادر التراكم الرأسمالية أي نهب المستعمرات والبلدان المهزومة في الحرب أو الاقتراض الخارجي بشروط استعمارية. كان يجب العثور على مصادر تراكم لم تعرفها الدول الرأسمالية، من داخل البلد أي الاعتماد على القوى الذاتية للاتحاد السوفيتي وتسيير شؤون الدولة بطريقة فعالة وغير مكلفة.

خلال المؤتمر الخامس عشر للحزب البلشفي في ديسمبر 1927، كانت القرارات تتعلق بضرورة تطوير الزراعة التعاونية وتقوية دور التخطيط في الاقتصاد الوطني. وعلى هذا الأساس وقع وضع الخطة الخماسية الأولى لاقتصاد الاتحاد السوفيتي. يحلل ستالين فلسفة وركائز الخطة الخماسية الأولى : " ماذا كانت الحلقة الرئيسية في الخطة الخماسية؟ كانت الصناعة الثقيلة وكان محورها الصناعات الميكانيكية لأن الصناعة الثقيلة وحدها يمكنها إعادة بناء وتركيز الصناعة بمجملها والمواصلات والفلاحة. كان يجب إذن البدء بها للشروع في انجاز الخطة الخماسية وكان من المهم تبعا لذلك أن نضع تأهيل الصناعة الثقيلة وتطويرها في أساس عملية انجاز الخطة الخماسية" ( ستالين – حصيلة الخطة الخماسية الأولى - ترجمتنا)
ويستشهد ستالين في ذلك بتوجيهات لينين : " إن خلاص روسيا لا يكمن فقط في محصول جيد، هذا لا يكفي، ولا في الوضعية الجيدة للصناعة الخفيفة التي توفر المواد الاستهلاكية للفلاحين لوحدها، هذا أيضا لا يكفي، يلزمنا أيضا صناعة ثقيلة. إذا لم ننقذ الصناعة الثقيلة وننهض بها لا يمكننا بناء أية صناعة. وبدون صناعة سينتهي أمرنا كبلد مستقل... تحتاج الصناعة الثقيلة إلى دعم مالي من الدولة وإذا لم نجد مصادر لذلك الدعم انتهى أمرنا كبلد متحضر ولا أجرؤ على القول كبلد اشتراكي" (خمس سنوات من الثورة الروسية وآفاق الثورة العالمية – المؤلفات، المجلد 33 – ترجمتنا)

يدرك ستالين والحزب البلشفي جيدا أن بناء وتطوير صناعة ثقيلة في بلد متخلف وفقير مثلما كان عليه الاتحاد السوفيتي في بداية الخطة الخماسية الأولى من أشق المهام لأن الصناعة الثقيلة تتطلب موارد مالية ضخمة وحدا أدنى من الخبرات الفنية بدونها يغدو بناء الصناعة الثقيلة أمرا مستحيلا. على ماذا كان يعوّل الحزب البلشفي في غياب مصادر التراكم الرأسمالية؟ "كان يعوّل على القوى الذاتية لبلدنا، يقول ستالين، كان يعوّل على أن امتلاك السلطة السوفيتية وبالاعتماد على تأميم الأرض والصناعة والمواصلات والبنوك والتجارة يمكن لنا تطبيق نظام تقشف صارم من أجل مراكمة موارد كافية لإعادة تأهيل وتطوير الصناعة الثقيلة. كان الحزب يقول بوضوح تام أن هذه المهمة تتطلب تضحيات جدية وأنه إذا أردنا تحقيق الهدف لا بدّ من قبول هذه التضحيات بطريقة واضحة وواعية"( ستالين – حصيلة الخطة الخماسية الأولى - ترجمتنا)

ويستشهد ستالين مرة أخرى بتوجيهات لينين: "يجب أن نبذل قصارى جهدنا لبناء دولة يواصل فيها العمال ممارسة القيادة على الفلاحين ويحافظون على ثقتهم ويعملون من خلال سياسة اقتصادية حازمة على القضاء على جميع مظاهر التبذير من مختلف ميادين الحياة الاجتماعية. يجب أن نقضي على جميع بقايا التبذير التي تركتها لنا بكثرة روسيا القيصرية وجهازها الرأسمالي البيروقراطي. ألا يعتبر ذلك تعميما للبؤس الفلاحي؟ لا ليس الأمر كذلك، إذا حافظنا على قيادة الطبقة العاملة للفلاحين يمكننا عبر الاقتصاد الأشد حزما في تسيير دولتنا توظيف أقل مبلغ يقع توفيره من أجل تطوير صناعتنا الكبيرة الميكانيكية والكهربة..." ("من الأحسن أقل ولكن أفضل" المؤلفات، مجلد 33 – ترجمتنا)

أدى إعطاء الأولوية للصناعة الثقيلة وتوسيع إنتاج وسائل الإنتاج إلى منح مكانة ثانوية مؤقتا لإنتاج مواد الاستهلاك الواسع. ولكن وحدها تلك الأولوية قادرة على تضييق مخاطر إعادة الرأسمالية وعلى ضمان الاستقلال السياسي للبلاد عن طريق تطوير قاعدة التصنيع الاشتراكي الكامل القادر على هزم العناصر الرأسمالية في البلد وتطوير وسائل دفاع عصرية وعلى إنتاج التراكتورات والآلات الفلاحية الضرورية لتزويد البلد بالقمح ولتطوير النظام الاشتراكي التعاوني في الزراعة.
كان يجب الاختيار، كما يقول ستالين بين خطة التراجع الذي يؤدي بمرور الوقت إلى هزيمة الاشتراكية وخطة الهجوم التي ينبغي أن تؤدي إلى تقويتها : "نعم كان هناك بيننا رفاق أصابهم الرعب من الصعوبات ودعوا الحزب إلى تبني خطة التراجع. كانوا يقولون: فيما يصلح تصنيعكم وفلاحتكم التعاونية والآلات وصناعة التعدين والتراكتورات والحاصدات والسيارات؟ الأفضل لكم أن تقدموا أقمشة أكثر وأن تشتروا أكثر مواد أولية لصناعة منتوجات للاستهلاك الواسع وإعطاء السكان كمية أكبر من هذه الأشياء الصغيرة التي تدخل البهجة على الحياة اليومية للبشر. كانوا يقولون أنه في ظل تأخرنا سيكون إنشاء صناعة من الطراز الأول دون مراعاة قوانين السوق أمرا خطيرا...ولكن مع "خطة" من هذا النوع لن يكون لنا صناعة تعدين ولا صناعة ميكانيكية ولا تراكتورات ولا سيارات ولا مدافع ولا طائرات. سنجد أنفسنا بدون سلاح في مواجهة الأعداء الخارجيين وسنكون قد نسفنا ركائز الاشتراكية في بلدنا ولوجدنا أنفسنا أسرى للبرجوازية الداخلية والخارجية. طبعا كان علينا أن نختار بين الخطتين: بين خطة التراجع التي ستؤدي حتما إلى هزيمة الاشتراكية وبين خطة الهجوم التي ستؤدي وقد أدت كما تعلمون إلى انتصار الاشتراكية في بلدنا" (خطاب إلى طلبة المدارس العليا للجيش الأحمر – ترجمتنا).

3. الطريقة الاشتراكية في التصنيع تختلف عن الطريقة الرأسمالية التي تتطور فيها الصناعة الثقيلة عبر مسار طويل ومتعرج يفترض مسبقا بلوغ مستوى معينا من تراكم الأرباح في الصناعة الخفيفة. يقول ستالين : " يبدأ التصنيع في البلدان الرأسمالية عموما بالصناعة الخفيفة نظرا لأن الأموال التي ستستثمر تكون أقل أهمية ولأن دوران الرساميل يكون أسرع ولأن تحقيق الأرباح يكون أسهل منه في الصناعة الثقيلة. ولا يأتي دور الصناعة الثقيلة إلا بعد مرور فترة طويلة تراكم خلالها الصناعة الخفيفة الأرباح وتركزها في البنوك حينئذ تبدأ في تلقي الرساميل التي وقعت مراكمتها وتنشأ شروط ملائمة لتطورها. ولكن ذلك مسار طويل جدا يتطلب عشرات السنين ننتظر خلالها تطور وترعرع الصناعة الخفيفة في غياب الصناعة الثقيلة" (المؤلفات الكاملة- المجلد 16 ص195- ترجمتنا)

قامت الصين بخطوات صغيرة في اتجاه أن تصبح دولة اشتراكية وذلك في عهد ستالين ونتيجة "ضغوط ستالين" كما يعترف ماوتسي تونغ بذلك "كانت ضغوطه علينا شديدة في عامي 1949 و1950." (حول العلاقات العشر الرئيسية: خطاب ماو في الاجتماع الموسع للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الش الص - 25 أفريل 1956) فاعتمدت التخطيط المركزي في خطتها الخماسية الأولى التي عملت على بعث نواة الصناعة الثقيلة العصرية بمساعدة الاتحاد السوفيتي والقضاء على التفاوت الجهوي بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية ..الخ.

لكن ماوتسي تونغ كان يفضل الطريقة الرأسمالية للتصنيع في الصين، يقول :" في المراحل الأولى للتحرير لم يكن لنا أية تجربة في إدارة اقتصاد الأمة بأكمله، لذلك لم يكن باستطاعتنا خلال الخطة الخماسية الأولى سوى نقل طرق الاتحاد السوفيتي رغم أننا لم نكن أبدا راضين عن ذلك" ( A Critique of Soviet Economics ص 9– ترجمتنا)*. بعد وفاة ستالين هاجم ماو ستالين والبناء الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي لــ"أنهم ركزوا بصورة وحيدة الجانب على الصناعة الثقيلة مهملين الزراعة والصناعة الخفيفة " (ماو- حول العلاقات العشر الرئيسية 25 أفريل 1956).
اختار ماو طريق مراكمة الأرباح عبر استغلال قوة العمل في الصناعة الخفيفة والزراعة ثم توظيفها لاحقا في الصناعة الثقيلة. يقول : " إذا كانت رغبتك حقيقية أو قوية فستولي الزراعة والصناعة الخفيفة أهمية وتوفر مزيدا من الحبوب الغذائية والمواد الخام للصناعة الخفيفة وتوفر مزيدا من المال ومن ثمة يمكن تخصيص المزيد من الاستثمارات للصناعة الثقيلة في المستقبل". (ماو – المصدر السابق).

على عكس الدعاية التروتسكية والخروتشوفية والماوية لم يركز ستالين على الصناعة الثقيلة "بصورة وحيدة الجانب" بل عمل على تطوير الصناعة الخفيفة والزراعة ولكن على أسس اشتراكية، على أساس التكنيك العصري الذي يحمي البلاد من الأطماع الامبريالية. إن انجاز الاشتراكية يتطلب تنسيقا عقلانيا بين الصناعة والفلاحة ذلك أن تطوير مشاريع كبرى في الفلاحة يتم في الاتحاد السوفيتي على قاعدة اشتراكية تفترض تطوير صناعة اشتراكية عصرية تكون الأساس الدائم والقوي للسلطة السوفيتية. يقول ستالين :
" بعض الرفاق يطابق بين مسألة تجديد أدوات الإنتاج والزيادة في الرأسمال الثابت للصناعة الكبيرة وبين مسألة بناء الاقتصاد الاشتراكي، هل لهذه المطابقة ما يبررها؟ لا. لماذا؟ لأن المسألة الأولى أضيق بكثير من المسألة الثانية. لأن توسيع الرأسمال الثابت للصناعة لا يشمل سوى جزء من الاقتصاد الوطني أي الصناعة في حين أن مسألة بناء الاقتصاد الاشتراكي تشمل كل الاقتصاد الوطني أي الصناعة والزراعة. لأن قضية انجاز الاشتراكية هي قضية التنظيم الشامل للاقتصاد الوطني، هي قضية التنسيق العقلاني بين الصناعة والزراعة في حين أن مسألة توسيع الرأسمال الثابت للصناعة لا تمس في حد ذاتها هذه القضية. ذلك أن الرأسمال الثابت للصناعة يمكنه أن يتجدد ويتوسع دون حلّ قضية بناء الاقتصاد الاشتراكي. الاشتراكية هي منظومة مكونة من إنتاج واستهلاك عمال الصناعة والزراعة. إذا لم تكن الصناعة صلب هذه المنظومة في انسجام مع الزراعة فمن سيقدم المواد الأولية والحبوب الغذائية ويمتص المنتوجات الصناعية. إذا لم تشكل الصناعة والزراعة كلاّ اقتصاديا فلن تكون هناك أبدا اشتراكية" (ستالين – "أسئلة وأجوبة" ص 38-39 ترجمتنا).

4. إن مردودية المؤسسات الاشتراكية لا تتحكم فبها القوانين التي تحكم الصناعة الرأسمالية أي لا يقع تقييمها من زاوية مردودية الرأسمال بل من زاوية تطور مجمل الاقتصاد الوطني خلال فترة طويلة. يقول ستالين : " وماذا عن مصنعنا للسيارات في غوركي؟ هو أيضا لا يوفر عوائد في الوقت الحاضر، ألا تريدون أن نغلقه؟ أو كذلك صناعتنا التعدينية التي، هي أيضا على الأقل في الوقت الحاضر، لا توفر عوائد جيدة، هل سنغلقها أيضا أيها الرفاق؟ إذا نظرنا إلى المردودية من هذه الزاوية فينبغي أن لا نطور بصورة كبيرة سوى بعض الصناعات التي تجلب أرباحا أكبر مثل صناعات الحلويات والمطاحن والعطورات والملابس ولعب الأطفال الخ. من المؤكد أنني لا أعارض تطوير هذه الصناعات، على العكس ينبغي تطويرها لأنها أيضا ضرورية للسكان. لكن أوّلا، لا يمكن تطويرها دون وسائل الإنتاج والمحروقات التي تقدمها الصناعة الثقيلة، ثانيا لا يسعنا أن نؤسس عليها التصنيع... لا يمكننا تقييم المردودية بطريقة التجار، من زاوية اللحظة الراهنة بل يجب تقييمها من زاوية الاقتصاد الوطني برمته وفي أفق عدة سنوات" (ستالين
"حصيلة الخطة الخماسية الأولى" – ترجمتنا).

في تعارض تام مع سياسة التصنيع البلشفية، كان ماوتسي تونغ يقيم مردودية المؤسسات والصناعات بطريقة التجار، وفق قوانين تطور الصناعة الرأسمالية أي من زاوية مردودية الرأسمال. يقول : " إن الصناعة الثقيلة بدورها تستطيع أن تراكم المال ولكن الصناعة الخفيفة والزراعة في ظروفنا الاقتصادية الراهنة (اقرأ –في ظروف اقتصادنا الرأسمالي الناشئ-) تستطيعان مراكمة أكثر وأسرع" (ماو – حول العلاقات العشر الرئيسية، 25 أفريل 1956).

في الحقيقة كان اهتمام ماو منصبا على السبل الأنجع لتوسيع الرأسمالية ومراكمة الرساميل عن طريق استغلال قوة العمل. كان يريد لقانون القيمة أن يلعب الدور الضابط للاقتصاد الصيني لأن مراكمة الرأسمال هو الشغل الشاغل للرأسمالي لا الاشتراكي: الرأسمالي يراكم رأسماله بفعل قانون القيمة وعن طريق تحقيق الأرباح لذلك يستثمر في القطاعات الاقتصادية التي تمكنه من مراكمة أكبر لرأس المال.

التحريفيون الصينيون يستثمرون بصورة مكشوفة وفق القانون الجوهري للرأسمالية أي الربح الأقصى،
يتساءل ماو : "إن الإحصائيات الموجودة تشير إلى أن مصانع الصناعات الخفيفة تتميز على وجه العموم بسرعة البناء وسرعة العائد بحيث يمكن لمصنع واحد خلال أربع سنوات بعد دخوله كليا في طور الإنتاج أن يحصل على عائدات تكفي لبناء 3 مصانع جديدة أو مصنعين أو مصنع ونصف أو نصف مصنع على الأقل وذلك إلى جانب تغطية تكاليف المصنع بالذات. لماذا لا نقوم بهذا العمل النافع؟" (ماوتسي تونغ – نفس المصدر). بالطبع يعرف ماو أن رأسمالا ثابتا صغيرة مع أجور منخفضة تنتج بالتأكيد فائض قيمة كبير في أي بلد رأسمالي وليس في الصين فحسب.

5. المسألة هنا تتعلق بأن المجتمع يسير إما وفق القوانين الاقتصادية للرأسمالية أو وفق القوانين الاقتصادية للاشتراكية. يقول ستالين "لا يمكن لقانون القيمة أن يلعب في نظامنا دور الضابط للإنتاج" ويضيف مفندا ادعاء عكس ذلك من طرف بعض "الرفاق".: " فإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا لا نطوّر صناعتنا الخفيفة إلى أقصى حد، باعتبارها أكثر الصناعات مردودية، تفضيلاً لها على الصناعة الثقيلة التي هي، في الغالب، أقل مردودية، وأحياناً لا مردود لها البتة؟ وإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا لا تغلق مؤسسات الصناعة الثقيلة عندنا، وهي الآن ليست ذات مردودية، وعمل العمال فيها لا يحدث «الأثر المطلوب»" (ستالين - القضايا الاقتصادية للاشتراكية).

ويحلل ستالين مسألة المردودية في إطار عمل القوانين الاقتصادية للاشتراكية مبينا أن المردودية في الاشتراكية أرقى وأكثر رسوخا من المردودية الهشة والمتقطعة التي تتولد عن القوانين الاقتصادية للرأسمالية* :
"يستنتج بعض الرفاق أن قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني وبرمجة الاقتصاد الوطني يلغيان مبدأ المردودية. وهذا خطأ تام. فالأمر على خلاف ذلك تماماً. فإذا نظرنا إلى المردودية، لا من وجهة نظر إحدى المؤسسات أو أحد فروع الإنتاج، ولا خلال سنة واحدة فقط، بل من وجهة نظر مجموع الاقتصاد الوطني وخلال عشرة أعوام أو خمسة عشر عاماً مثلاً، وتلك هي الوسيلة الوحيدة لتناول المسألة بصورة صحيحة، فإن المردودية الوقتية والهشة التي تعطيها مختلف مؤسسات أو فروع الإنتاج لا تستطيع الصمود أمام أية مقارنة مع الشكل الأعلى للمردودية الوطيدة الثابتة التي تتوفر بفعل قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني وتخطيط الاقتصاد الوطني، إذ يخلصنا ذلك من الأزمات الاقتصادية الدورية، التي تدمر الاقتصاد الوطني وتلحق بالمجتمع ضرراً مادياً بالغاً، كما يؤمن لنا ذلك اطراد تقدم الاقتصاد الوطني بمعدلاته العالية." (ستالين - القضايا الاقتصادية للاشتراكية).

هنا يكمن التناقض بين الاشتراكية وبين التحريفيين السوفيات الذين أعادوا الرأسمالية إلى الاتحاد السوفيتي، بين الاشتراكية وبين ماو والتحريفيين الصينيين الذين بنوا الرأسمالية مستخدمين قناع الاشتراكية. هؤلاء جميعا أرادوا الاستفادة من " المردودية... من وجهة نظر إحدى المؤسسات أو أحد فروع الإنتاج، و... خلال سنة واحدة فقط". وكانت مسألة " المردودية الوقتية والهشة التي تعطيها مختلف مؤسسات أو فروع الإنتاج" حاسمة بالنسبة لهم. لم يكن التحريفيون السوفيات والصينيون مهتمين بـ"التطور المتناسق للاقتصاد الوطني" بل بأن يؤدي التطور إلى خلق الأرباح وبأن تساق تلك الأرباح إلى شريحة معينة في المجتمع، إلى المدراء وكبار موظفي الدولة والمؤسسات الاقتصادية، إلى أولئك الذين يتحكمون في وسائل الإنتاج.
المسألة الجوهرية لا تتمثل في النموّ الاقتصادي في حدّ ذاته بل في معرفة لمصلحة من هذا النموّ، هل هو لمصلحة الطبقة العاملة والجماهير الكادحة أم لمصلحة البرجوازية؟ إذا كان لمصلحة البرولتاريا فان المردودية يقع تقيمها من زاوية اشتراكية وإذا كان لمصلحة البرجوازية فان المردودية يقع تقييمها من زاوية رأسمالية.

على النقيض من القانون الجوهري للرأسمالية المتمثل في ضمان الربح الأقصى باستغلال وتفقير العمال وإخضاع ونهب البلدان الأخرى وبشن الحروب وعسكرة الاقتصاد، يصوغ ستالين القانون الاقتصادي الجوهري للاشتراكية كما يلي :" إن الميزات الأساسية لقانون الاشتراكية الاقتصادي الجوهري ومقتضيات هذا القانون، يمكن أن تصاغ على الوجه التالي تقريباً: تأمين تلبية الحد الأقصى من حاجات كل المجتمع المادية والثقافية التي تنمو بغير انقطاع، وذلك عن طريق زيادة وإتقان الإنتاج الاشتراكي بصورة دائمة، على أساس تكنيك أرقى." (ستالين - القضايا الاقتصادية للاشتراكية).
القانون الاقتصادي الجوهري للاشتراكية ليس التخطيط الاقتصادي، الأهم من ذلك هو معرفة الطبقة التي تخدمها الخطة الاقتصادية. يقول ستالين :

" يقولون أن القانون الاقتصادي الجوهري للاشتراكية هو قانون التطور المتناسق، المتناسب، للاقتصاد الوطني. هذا خطأ، إن تطور الاقتصاد الوطني المتناسق، وبالتالي تخطيط الاقتصاد الوطني الذي هو الانعكاس الصادق تقريباً لهذا القانون، لا يمكنهما أن يعطيا شيئاً بذاتهما، إذا كنا نجهل الأهداف التي من أجلها يجري التطوير المبرمج للاقتصاد الوطني، أو إذا كانت المهمة غير واضحة.
إن قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني لا يمكن أن يعطي النتيجة المرجوة إلا في حالة وجود مهمة يجري باسمها هذا التطور. وهذه المهمة لا يمكن أن يعيّنها قانون تطور الاقتصاد الوطني المتناسق، ومن باب أولى، لا يمكن أن يعيّنها تخطيط الاقتصاد الوطني. إن هذه المهمة يتضمنها القانون الاقتصادي الجوهري للاشتراكية وفق المقتضيات التي استعرضناها أعلاه. ولذلك، لا يستطيع قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني أن يمارس مفعوله التام إلا إذا استند هذا المفعول إلى القانون الاقتصادي الجوهري للاشتراكية.
أما فيما يتعلق بتخطيط الاقتصاد الوطني فإنه لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية إلا بمراعاة شرطيين اثنين:
أ ـ أن يعكس التخطيط بصورة صحيحة مقتضيات قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني.
ب ـ أن يأخذ بعين الاعتبار، من جميع النواحي، مقتضيات القانون الاقتصادي الجوهري للاشتراكية." (ستالين - القضايا الاقتصادية للاشتراكية).

6. بضبطهم للإنتاج عن طريق قانون القيمة وبجعل وسائل الإنتاج ملكية خاصة دفع التحريفيون الاتحاد السوفياتي نحو التخلي عن القانون الاشتراكي للنمو المتناسق للاقتصاد الوطني واشتغلوا مثلهم في ذلك مثل ماوتسي تونغ في الصين على قاعدة القانون الرأسمالي للمنافسة وفوضى الإنتاج.

طبق خروتشوف بعد سيطرته على السلطة برنامجا تعسفيا لإحلال "اللامركزية" الاقتصادية تميز بعنصرين أساسيين أوّلها، إلغاء الوزارات المركزية للتخطيط الاقتصادي وثانيا، بيع محطات التراكتورات والآلات التي كانت ملكا للدولة إلى التعاونيات الزراعية.

كان ماو أسبق من خروتشوف في هجومه على الاقتصاد الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي وعلى الوزارات المركزية للتخطيط، يقول : " لا يجب أن نحذو حذو الاتحاد السوفيتي فنضع كل شيء في يد السلطات المركزية ونفرض القيود على السلطات المحلية دون أن نعطيها أي صلاحية في الحركة...أما الزراعة والتجارة فهما في حاجة أشد للاعتماد على السلطات المحلية"(ماو – حول العلاقات العشر الرئيسية، 25 أفريل 1956).
إن المصانع في الصين لم تكن أبدا ملكية اشتراكية بل كانت دائما ولا زالت ملكية خاصة رغم بقائها اسميا ملكا للدولة. يقول ماو : "يبدو لي أنه ليس من اللائق أن يوضع كل شيء في يد السلطات المركزية وسلطات المقاطعات والبلديات المركزية دون أن نعطي المصانع شيء من الصلاحيات أو حرية الحركة أو شيء من الفوائد." (ماو –المصدر السابق).

يعتبر إلغاء الوزارات المركزية للتخطيط أو إضعافها إلغاءا للملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج ولا يغير شيئا بقاؤها اسميا ملكا للدولة لأن منح المؤسسات "حرية الحركة وشيء من الفوائد" يعني تحديدا توجيهها للعمل وفق مفهوم "المؤسسة الحرة" البرجوازي اللبرالي. تجسمت "حرية الحركة وشيء من الفوائد" التي نادى بها ماوتسي تونغ في ممارسة مدراء المؤسسات و"مجالس إدارتها" في الصين لبيع وشراء وسائل الإنتاج. ولا شك أن من يستطيع بيع وشراء وسائل الإنتاج هو يملكها حتى وان ظلت الملكية الاسمية قبل البيع وبعده للدولة. هذا التبادل بين المؤسسات كان يقع على قاعدة بضاعة – نقد مما خلق سوقا رأسمالية واسعة مع جيش من الوسطاء والتجار. وكانت الأسعار تحدد بفعل قانون القيمة، كما شملت "حرية الحركة" الممنوحة لمدراء المؤسسات السماح لهم بتسريح العمال وضبط أجورهم.

7. كان ماو في بداية حياته كولاك (فلاح يستغل عمال أو فلاحين فقراء) وقد أظهر دوما اهتماما خاصا بالفلاحين ورعاية لمصالحهم على حساب مصالح الطبقة العاملة (سنتطرق لهذا الموضوع في مقال لاحق) لذلك هاجم ستالين معتبرا أن مشركة الزراعة من طرف هذا الأخير أدت إلى "نهب الفلاحين بشدة...وتثبيط حماسة الفلاحين في الإنتاج إلى درجة خطيرة. تريد من الدجاجة أن تبيض كثيرا وأنت لا تطعمها الحبوب وتريد من الفرس أن يعدو سريعا وأنت لا تقدم له العلف. هل في العالم منطق كهذا؟" (ماو –المصدر السابق). طبعا منطق ستالين ليس منطق الكولاك الذي، دون شك، تضعف عزيمته بفعل عدم امتلاكه وسائل الإنتاج وعدم منحه "حرية الحركة" في بيع منتوجه.

هاجم ماو ستالين لأنه "حصر مجال الإنتاج البضاعي في وسائل المعيشة وحدها"(ماو- A Critique of Soviet Economics ص 36– ترجمتنا) وكان مستاء خاصة من عدم التفويت للفلاحين في وسائل الإنتاج الزراعية ومن عدم تمليكهم لها وبارك خطة خروتشوف التي ذكرناها والمتعلقة ببيع محطات الآلات والتراكتورات للتعاونيات الزراعية. يقول ماو : " في الصين ليست وسائل المعيشة وحدها ما يجب منحه بل كذلك وسائل الإنتاج الزراعي. ستالين لم يبع أبدا وسائل إنتاج للفلاحين وقد قام خروتشوف بتغيير هذا الوضع." (المصدر السابق – ص 146- ترجمتنا).

أدان ستالين "الرفاق" الذين نادوا في 1952 ببيع محطات التراكتورات والآلات الزراعية. يعلن ستالين : "سينتج عن ذلك أولا، أن الكولخوزات (المزارع التعاونية – ملاحظتنا) ستصبح مالكة لوسائل الإنتاج الرئيسية، أي أنها ستجد نفسها في وضع استثنائي، لا تعرف مثله أية مؤسسة في بلادنا، لأن المؤسسات المؤممة نفسها، كما هو معلوم، ليست مالكة لوسائل الإنتاج عندنا. فكيف يمكن تبرير هذا الوضع الاستثنائي للكولخوزات، وبأي اعتبار من اعتبارات التقدم، والسير إلى الأمام؟ هل يمكن القول أن هذا الوضع سيساهم في رفع الملكية الكولخوزية إلى مستوى ملكية الشعب كله، وإنه سيعجل انتقال مجتمعنا من الاشتراكية إلى الشيوعية؟ أليس الأصح أن يقال أن هذا الوضع لا يمكن إلا أن يبعد الملكية الكولخوزية عن ملكية الشعب كله، وسيؤدي إلى أبعادنا عن الشيوعية، بدلاً من تقريبنا إليها؟
وسينتج عن ذلك، ثانياً، اتساع دائرة مفعول تداول البضائع الذي سيجرّ إلى مداره مقداراً هائلاً من وسائل الإنتاج الزراعي." (ستالين - القضايا الاقتصادية للاشتراكية).

8. لا يوجد حلاّن في الماركسية لهذه المسألة، إما أن نبني الاشتراكية كمرحلة في اتجاه الشيوعية أو أن نبني الرأسمالية حتى وان غلفناها مثل دوهرينغ أو ماوتسي تونغ بالاشتراكية. يضيف ستالين : " إن خطأ الرفيقين سانينا وفنجر الرئيسي هو أنهما ... لا يدركان أن تداول البضائع متناف مع هدف الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية. فهما يعتقدان، بدون ريب، أن من الممكن، حتى في ظل نظام تداول البضائع، الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية، وأن تداول البضائع، بالتالي، لا يمكن أن يكون عائقاً. أن هذا خطأ جسيم، أساسه عدم فهم الماركسية." (نفس المصدر). ومستشهدا بنقد انجلز "للمشاعة الاقتصادية" لدوهرينغ، يؤكد ستالين أن " وجود تداول البضائع لابد أن يؤدي حتماً ... إلى بعث الرأسمالية" (نفس المصدر).
بالنسبة لماو، "يجب تطوير الإنتاج البضاعي على نطاق واسع ليس من أجل الأرباح (!!!) بل من اجل الفلاحين والتحالف الزراعي-الصناعي ومن أجل تطوير الإنتاج"(ماو- A Critique of Soviet Economics ص 147– ترجمتنا). يعتبر ماو أن الطريقة المثلى لتطوير الإنتاج في الصناعة والزراعة تكون بـ"تطوير الإنتاج البضاعي إلى الحد الأقصى، لكن ذلك سيتطلب خمسة عشر سنة أو أكثر وكثيرا من الصبر أيضا" (المصدر السابق – ص 145). كان ماو يعمل على تطوير الرأسمالية عبر توسيع دائرة الإنتاج البضاعي وجعل جميع المنتوجات بضائع وتحويلها إلى قيمة بما فيها وسائل الإنتاج وقوة العمل.

في المقابل، يعمل النظام الاشتراكي على تضييق دائرة الاقتصاد البضاعي باستمرار، ومع الانتقال إلى الشيوعية يزول الإنتاج البضاعي تماما. يقول ستالين : " أما نحن الماركسيين، فأننا نستند إلى الفكرة الماركسية المعروفة جيداً والقائلة أن الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية والمبدأ الشيوعي في توزيع المنتجات حسب الحاجات، يقصيان كل تبادل للبضائع، وتبعا لذلك، يقصيان تحويل المنتجات إلى بضائع، وفي نفس الوقت، تحويلها إلى قيمة." (ستالين - القضايا الاقتصادية للاشتراكية).

9. لقد تمكن الاتحاد السوفيتي بفضل النهوض الاشتراكي الخارق للصناعة من هزم النظام الرأسمالي فحلت الملكية التعاونية محل الإنتاج البضاعي الصغير وأصبحت الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج أساس المجتمع السوفيتي وأدى القضاء على الطبقات الاستغلالية والطفيلية إلى توسيع الإنتاج وفي نفس الوقت إلى تحسين جوهري لظروف عيش العمال والفلاحين الاقتصادية والسياسية والثقافية.

ويبيّن ستالين كيف أدت التحولات في الاقتصاد إلى تحولات عميقة في التركيبة الاجتماعية مبرزا ضرورة القيام بالثورة إلى النهاية في المجال الاقتصادي بالاعتماد على دكتاتورية البرولتاريا بقيادة الحزب الشيوعي البلشفي ورفض أي إدماج للرأسمالية والرأسماليين في الاشتراكية لأنه لا يمكن أن نؤمن رغد العيش للبرولتاريا والجماهير الكادحة وتنمية ثقافتها وفي نفس الوقت نبقي على الطبقات الاستغلالية والطفيلية التي تستعبد البرولتاريا والجماهير الكادحة :

" لدينا اليوم اقتصاد جديد، الاقتصاد الاشتراكي الذي لا يعرف الأزمات والبطالة، الذي لا يعرف البؤس والخراب والذي يوفر للمواطنين العيش الرغيد والثقافة. تلك هي من حيث الأساس التحولات التي جدّت في اقتصادنا من 1924 الى 1936. هذه التحولات في اقتصاد الاتحاد السوفيتي أدّت إلى تحولات في التركيبة الطبقية لمجتمعنا. نعلم أن طبقة الملاكين العقاريين قد وقع بعد تصفيتها على اثر انتصارنا النهائي في الحرب الأهلية. الطبقات الاستغلالية الأخرى عرفت نفس المصير. لم يعد هناك طبقة الرأسماليين في الصناعة، لم يعد هناك كولاك في الفلاحة، لم يعد هناك تجار وسماسرة في التجارة." (ستالين، حول مشروع دستور الاتحاد السوفيتي - ترجمتنا)

كان لماوتسي تونغ قصة أخرى، مختلفة تماما، يرويها عن الطبقات الاستغلالية في الصين "الاشتراكية" :

" البرجوازية الوطنية... في مرحلة الثورة الاشتراكية ، تستغل الطبقة العاملة و تكسب منها مرابيح و لكن في ذات الوقت تساند الدستور و تبدو مستعدة للقبول بالتحول الاشتراكي . إنها تختلف عن الإمبرياليين و الملاك العقاريين و البرجوازية البيروقراطية. التناقضات التي تجعلها تتعارض مع الطبقة العاملة هي تناقضات بين مستغِلين و مستغلين وهي بالتأكيد ذات طبيعة عدائية .مع ذلك ، في الظروف الملموسة لبلادنا ، هذه التناقضات العدائية يمكن أن تتحول إلى تناقضات غير عدائية و تحل بصفة سلمية إذا عولجت بصفة حكيمة." ("حول الحل الصحيح للتناقضات في صلب الشعب " ماو - فيفري 1957).

بالنسبة لماو التناقض مع البرجوازية في مرحلة بناء الاشتراكية (اقرأ الرأسمالية المغلفة بالاشتراكية) ليس عدائيا لأن الرأسمالية نفسها لا تتناقض مع الاشتراكية ومع العمال !!!. لنستمع إليه :

" إن الاقتصاد الرأسمالي الموجود حاليا في الصين هو اقتصاد رأسمالي خاضع في اغلبه إلى سيطرة الحكومة الشعبية ويرتبط بالاقتصاد الاشتراكي المملوك للدولة بأشكال عديدة ومراقب من قبل العمال. انه ليس اقتصاد رأسمالي عادي ولكن نوع خاص من الاقتصاد الرأسمالي ، يعرف ، باقتصاد رأسمالية الدولة من نوع جديد. انه وجد ليس بهدف تحقيق أرباح للرأسماليين ولكن لتلبية حاجات الشعب والدولة. صحيح ، أن حصة من الأرباح المتأتية من مجهود العمال تذهب إلى الرأسماليين ، لكنها جزء صغير فحسب ، حوالي ربع واحد ، من إجمالي الربح. أما الثلاثة أرباع الأخرى فترجع لتعود إلى العمال (في شكل مورد للرفاهية( ، والى الدولة (في شكل ضريبة دخل) والى السعة الإنتاجية المتوسعة (جزء صغير منها يولد أرباح للرأسماليين). لذلك ، فان هذا الاقتصاد لرأسمالية الدولة من النوع الجديد يتخذ صفة اشتراكية لدرجة كبيرة جدا و يعود بالمنفعة على العمال والدولة." (ماو، حول رأسمالية الدولة - المجلد الخامس).

ما لم يرغب ماو في ذكره هنا هو أن "السعة الإنتاجية المتوسعة" هي بالضبط أرباح رأسمالية توظف في التراكم الرأسمالي.

طبعا، لا نرى أي داعي لأن نثبت حتى لماركسي مبتدئ الطابع الرجعي لهذه "النظرية" البرنشتاينية الفجة التي أعاد إنتاجها "فكر ماوتسي تونغ" (المرحلة الأرقى في تطور الماركسية اللينينية !!!) حول الرأسمالية التي تتخذ صفة اشتراكية لدرجة كبيرة جدا وتعود بالمنفعة على العمال ودولة دكتاتورية البرولتاريا. ولا جاجة طبعا لمناقشة هذا الكولاك أو البرجوازي الوضيع (اذا أردنا أن نستعير مفهوما مفضلا لدى الأستاذ فؤاد النمري) حول كيف تصبح "الخصوصية الصينية" أقوى من المبادئ العامة للماركسية اللينينية ومن نظرية لينين وستالين عن الدولة ودكتاتورية البرولتاريا. "خصوصية" على درجة من القوة بحيث تغير من طبيعة البرجوازية وتجعلها تقبل الاشتراكية وتغير من طبيعة التناقض بينها وبين البرولتاريا في مرحلة بناء الاشتراكية ليصبح غير عدائي.

مع ذلك ننتهز هذه الفرصة من أجل إثراء هذا المقال بهذه الكلمات الرائعة للينين:

" الدولة هي نوع خاص من تنظيم للقوة، هي تنظيم للعنف بقصد قمع طبقة من الطبقات. فأية طبقة ينبغي للبروليتاريا أن تقمعها ؟ بطبيعة الحال ينبغي لها أن تقمع الطبقة المستثمِرة وحدها، أي البرجوازية. إن الشغيلة ليسوا بحاجة إلى الدولة إلاّ لقمع مقاومة المستثمِرين، ولا يقدر على قيادة هذا القمع، على تطبيقه عموما، غير البروليتاريا بوصفها الطبقة الوحيدة الثورية حتى النهاية، الطبقة الوحيدة الكفء لتوحيد جميع الشغيلة والمستثمَرين من أجل النضال ضد البرجوازية، من أجل إسقاطها تماما.
تحتاج الطبقات الاستغلالية إلى السيادة السياسية للإبقاء على الاستغلال، أي من أجل المصالح الأنانية للأقلية الضئيلة وضد الأكثرية الساحقة من الشعب. وتحتاج الطبقات المستغلة (بفتح الغين) إلى السيادة السياسية للقضاء التام على كل استغلال، أي لمصلحة الأكثرية الكبرى من الشعب وضد الأقلية الضئيلة من ملاكي العبيد المعاصرين، أي الملاكين العقاريين والرأسماليين.
إن الديمقراطيين صغار البورجوازيين، أدعياء الاشتراكية هؤلاء، الذين استعاضوا عن النضال الطبقي بأحلام عن التوفيق بين الطبقات، تصوروا كذلك التحويل الاشتراكي بصورة خيالية، لا بصورة إسقاط سيادة الطبقة المستثمِرة، بل بصورة خضوع الأقلية بشكل سلمي للأكثرية المدركة لواجباتها. وهذه الطوباوية البرجوازية الصغيرة المرتبطة ارتباطا لا تنفصم عراه بالاعتراف بوجود دولة قائمة فوق الطبقات قد أفضت عمليا إلى خيانة مصالح الطبقات الكادحة" (لينين، الدولة والثورة).

10. وفي ختام هذا المقال نؤكد على ما ذكره ستالين من أن قوانين الاقتصاد السياسي هي قوانبن موضوعية تعكس حركة الحياة الاقتصادية باستقلال عن إرادتنا وأن إنكار ذلك يعني إنكار العلم (القضايا الاقتصادية للاشتراكية). لا يمكن القضاء على قانون القيمة أو قانون الربح الأقصى في ظل الرأسمالية. تماما كما لا يمكن القضاء على القانون الاقتصادي الجوهري للاشتراكية أو قانون النمو المتناسق للاقتصاد الوطني دون القضاء على الاشتراكية. هناك إذن قوانين اقتصادية اشتراكية وهناك قوانين اقتصادية رأسمالية وتعمل المجتمعات المعاصرة إما وفق هذه القوانين أو تلك. إذا تعلق الأمر بدكتاتورية البرولتاريا التي تبني الاشتراكية فان ذلك البناء سيتم وفق القوانين الاشتراكية وبخلاف ذلك فإن المجتمع يعمل بالضرورة وفق القوانين الرأسمالية ولا أهمية لأن يقول ذلك المجتمع عن نفسه رأسمالي أو اشتراكي. لقد رفض ماركس وانجلز ورفض لينين وستالين أي فكرة عن نوع ثالث من القوانين. كم يقول لينين : " تطرح المسألة حصريا بالطريقة التالية : إيديولوجية برجوازية أو إيديولوجية اشتراكية. لا وجود لوسط... أيّ انتقاص من الإيديولوجية الاشتراكية وأيّ ابتعاد عن هذه الأخيرة إنما يعني تقوية الإيديولوجية البرجوازية" (لينين، ما العمل؟)

عزالدين بن عثمان الحديدي _ سبتمبر 2012



* ترجمتنا الى العربية من كتاب A Critique of Soviet Economics - Translated by Moss Roberts- Monthly Review Press, New York and London © 1977
Contents:
-Reading Notes on the Soviet Text Political Economy
-talk on Economic Problems of Socialism in the USSR
These writings by Mao Tsetung are part of a larger body of materials, entitled Long Live the Thought of Mao Tsetung, which appeared first in 1967

* لا يعني ذلك أن النظام الاشتراكي لا يولي أهمية لمسألة مردودية المؤسسات الاقتصادية لكنها لا تلعب الدور المحدد في وضع المخططات الاقتصادية أو في ضبط خيارات التصنيع. المردودية ضرورية ولكن في إطار السياسة الاقتصادية التي وقع وضعها طبق القانون الاقتصادي الجوهري للاشتراكية. وتتم مراقبتها وتطويرها سواء في الصناعة أو في الزراعة في الصناعة الثقيلة أو في الصناعة الخفيفة، انها ألف باء النشاط الاقتصادي يقول ستالين : " ولكن يخطئ من يستنتج من ذلك أن مردودية مختلف مؤسسات وفروع الإنتاج ليست لها قيمة خاصة، ولا تستحق الاهتمام الجدي. طبعاً، هذا غير صحيح. إن مردودية مختلف مؤسسات وفروع الإنتاج ذات أهمية كبرى لتطور إنتاجنا. ويجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند وضع برامج البناء، كما عند وضع برامج الإنتاج. إنها ألف باء نشاطنا الاقتصادي في مرحلة التطور الحالي." (ستالين - القضايا الاقتصادية للاشتراكية).