من الآلية إلى تمرد الوعي المبدع .. قراءة في ديوان غازات ضاحكة لشريف الشافعي

محمد سمير عبد السلام
2012 / 9 / 1

تقوم تجربة شريف الشافعي الشعرية – في الأعمال الكاملة لإنسان آلي – على البحث المتجدد عن أصالة الهوية الإبداعية في علاقاتها المعقدة بقضايا الوجود، و الفكر، و الواقع، و الآخر، و العوالم الافتراضية، و الآلية التي تقع في مسافة بين الحتمية، و التكوينات الاستعارية غير المعروفة سلفا في سياق الكتابة؛ و قد تجلت صورة (نيرمانا) في سياقات ثقافية، و فكرية، و جمالية عديدة في الجزء الأول من المشروع الشعري الذي عنونه الشاعر ب (البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية)، و تتبعت في قراءتي له آثار نيرمانا، و دلالاتها الثرية المتباينة، و تجلياتها المجازية المشكلة للهوية الإبداعية للشاعر.
و يستمر شريف الشافعي في توليد الصور، و الأخيلة، و المعاني المتجددة للصوت الأنثوي في الجزء الثاني من مشروعه، و عنوانه (غازات ضاحكة)، و قد صدر عن دار الغاوون للنشر ببيروت 2012.
لقد اتسع مدلول الصوت الأنثوي في (غازات ضاحكة)، و صار أكثر رحابة، و متجاوزا للحدود، كما صاحب الشاعر في رحلته المعرفية، و اكتشافه المستمر لذاته، و علاقتها التفاعلية الداخلية العميقة بذلك الصوت الذي يجمع بين الأصالة الذاتية، و أصداء الكتابة، و تداعياتها في آن.
الصوت الأنثوي يولد هنا في الذاكرة، و العالم الداخلي، ثم يتسع بقدر اتساع ضمير المتكلم في الكتابة الشعرية التي تلامس العوالم الكونية، و العوالم الافتراضية المحتملة دون حدود واضحة للبداية، أو النهاية؛ فقد كان الشاعر يذكر القارئ – في ديوانه الأول – باسم نيرمانا، أو الأسماء البديلة، و شكولها، و دلالاتها المتباينة، و لكنه هنا يلج حالة من التفاعل الصاخب بضمير أنثوي مجرد، كأنه قيد التشكل في سياقات واسعة من البحث عن بكارة الاكتشاف المستمر للذات، و الآخر، و الكون؛ كما عمق الشاعر من بحثه عن أصالة الهوية الشعرية، و ما تحمله من علاقات متناقضة بالآلية التي اقترنت بمعاني التمرد، و الخروج، و التشكل المتجدد في صيرورة الكتابة المتجاوزة للحتمية من داخل علاماتها.
إن الوعي المبدع ليتقاطع مع الاستجابات الشرطية المشتركة بين الإنسان، و الآلة؛ فيولد منها نسقا جماليا متجاوزا لأبنيتها الأولى المستقرة نسبيا؛ و من ثم حاول شريف الشافعي في هذا الجزء من مشروعه أن ينشئ لغة شعرية طليعية تجمع بين الآلية، و ما تحويه من أخيلة منتجة بواسطة الوعي، و التوليد النصي / السردي للاستعارة، و ما فيها من جماليات خاصة، و تشكيلات أدبية تعزز من اتساع الرؤية، و دائرية السؤال، و تحرر الإشارات النصية الجزئي من الأطر، و العناوين الفرعية بحيث تمتد الكتابة ضمن رؤى لا تتسم بالحسم، أو التشكل النهائي للمدلول.
و يمكننا رصد ثلاث تيمات فنية في الديوان؛ هي:
أولا: مستويات تشكل الأنثى في الرحلة المعرفية للمتكلم.
ثانيا: من الآلية إلى أصالة الهوية الشعرية.
ثالثا: التشكيل الفريد لعلامات النص.
أولا: مستويات تشكل الأنثى في الرحلة المعرفية للمتكلم:
تمتزج الإشارات إلى الصوت الأنثوي في النص بحوارية أصيلة، و متغيرة في آن بين الحالات النسبية للمتكلم، و التشكل الجمالي الفريد للمرأة المخاطبة؛ فقد يطور المتكلم خبراته المعرفية، أو المجازية بالعالم من خلالها كوسيط يقع بين الداخل، و الخارج، أو يعاين صورتها في عالمه الداخلي؛ فتثير فيه الأسئلة المتجددة حول الكينونة، و الوجود في العالم، و قد تقترن بالمتكلم في تناقضات السياق السردي / الشعري، و التداعيات الحسية لعلاماته، أو تصير بديلا عن الإحساس بالأصالة الذاتية، و رغبة المتكلم في الخلود، أو يتجلى فيها جمال العالم.
تتولد الأنثى من خلال آلية ميكانيكية زائفة بينما تظل لغزا يحمل دلالات التناقض، و الازدواجية التكوينية لكل من الموت، و الحياة، و التجدد المحتمل لهوية المتكلم؛ و هو ما يكسب الحوارية الديناميكية بين الضمائر في النص ثراء دلاليا متجددا.
يقول: "بين كرسي إعدام و آخر / أحتاج إلى مقعد بجوارك / لثبوت أن كهرباءك / هي المعجزة الحقيقية المنعشة / لمحكوم عليه بالإعدام / أكثر من مرة".
يشير النص هنا إلى تواتر الموت، و الحياة، و تجدد الهوية بواسطة الأنثى، و قدرتها على تفجير التناقضات الداخلية للذات، و معاينتها المستمرة لتبدلاتها، و صيرورتها التي تقع بين العالم، و الكتابة.
و قد تندمج الأنثى بالعلامات الفنية الطيفية في النص بحيث تتجاوز دلالاتها البنائية الأولى؛ فتصير علامة مجازية من جهة، و جزءا من بنية الذات المتكلمة، و عوالمها الكونية، و الإبداعية من جهة أخرى.
يقول: "جيوبي الأنفية / فارغة جدا / عندما وضعت يدي فيها / وجدتك / فصافحت نفسي بسهولة".
الإشارة إلى المتكلم متكررة، و لكنها تكثف وجودها في ضمير المخاطب المؤنث في الفعل (وجدتك)؛ فالمخاطب هنا يتشكل من أخيلة الهواء، و ما تحمله من تغير، و حركة، و طيفية مجازية، و كذلك من داخل النفس، أو هوية المتكلم؛ و من ثم يتسع مدلول الأنثى، و يخلف هوامش دلالية عديدة محتملة قيد التشكل رغم ارتباطه الظاهر بحالات اكتشاف المتكلم لذاته، و لوجوده في العالم.
و قد تصير الأنثى موضوعا لحالة فريدة من حالات الوعي المبدع حين يجسد الفاعلية الذهنية، و إنتاجيتها من خلال مظهر الآلية، و دوالها؛ فتختلط الهوية الحوارية بين المتكلم، و المرأة بالصمت، و توقف الإجابات، أو بالتجسد الجمالي الذي يستعصي على الفهم لكل منهما.
يقول: "تركيب رامات إضافية في رأسي / لم يجلب لي / غير مزيد من الصداع / ذلك أن سرعة تصفحي لك زادت جدا / فصرت لا أفهمك ألف مرة / في الثانية الواحدة / من أنت؟ / و من أنا؟".
الإنسان الآلي أحد التجليات التصويرية ، أو التأويلية التابعة للوعي، و اللاوعي؛ و من ثم فهو يكتسب حضوره من هيمنة ضمير المتكلم، و بحثه المستمر عن معنى وجوده، أو وجود أنثاه، و إن كان تطور علامات النص يشير إلى جمالية فريدة تتجاوز الفهم، و تتحد بمصدر السؤال، و ليس ما يمكنه الإجابة عنه؛ إنه الوجود الروحي المشكل لصور الذات، و الأنثى نفسه؛ و لهذا يستمر هذا الوجود منتجا للحالات الحوارية المختلفة؛ ليؤكد جمالياته الخاصة، و أصالته.
و قد تزدوج عوامل المحو، و التناقض بالثراء الدلالي للمتكلم، و المرأة؛ و من ثم نرى التبديل المستمر للهوية كطفرة شعرية تتجاوز ثبات الداخل، و استقراره من خلال أصالة التغير في الأنثى.
يقول: "أنا الكتلة / أنا الفراغ / أنا الأضداد كلهم / في هذه الأرض / لأنني ببساطة أنتمي إليك / مع أنك أنت لا تنتمين إليك / من أنت؟ / و من أنا؟".
إن تأكيد الحضور من خلال إثبات الضمائر يختلط بنفي الهوية الثابتة، و مرجعياتها المحتملة في الذات، و الأنثى، بينما تتجدد الأخيرة في ثراء الأضداد، و دائرية السؤال المعلق الذي لا يبحث عن إجابة قدر بحثه عن معنى جديد للذات، و الآخر.
و تصل حوارية الشاعر، و أنثاه إلى ذروة الانشطار المستمر، و التكوين المستمر حين يندمجان في ضمير واحد في سياق إبداعي يشبه السيمفونية؛ إذ يتضمن الانتساب للآلية، و تفكيكها، و تضخيمها، و تفجيرها، و التمرد عليها، و البناء الممتد لهوية متعالية تقع بين تكرار الوجود الذاتي، و ملامسة الاختلاف الجمالي المحتمل في المستقبل.
يقول: "أنا و أنت / في منطاد منفوخ / اللعنة من تحتنا / .. اللعنة تفجر المنطاد / اللعنة تمزقه مليون قطعة / اللعنة توحدنا معا / في كيان واحد ملعون / لن يكون أبدا / منطادا قابلا للنفخ".
هل يمثل المنطاد الأطر المتماسكة للذات؟ أم أنه يلتبس بين الفراغ، و الامتلاء، و الحضور، و الغياب؟
إن الشاعر يستشرف تجدد صوته القديم في الفراغ التالي لذلك التفكيك المستمر الممثل في اللعنة التي تفرق، و توحد؛ و كأنه يتحد بالأنثى في تلك الرحلة المعرفية المتواترة نحو الأنا المختلف.
ثانيا: من الآلية إلى أصالة الهوية الشعرية:
يعيد الشاعر تشكيل الآلية، و علاماتها الدالة على الحتمية في سياق فني جديد يمنحها حياة خاصة في تداعيات عملية الكتابة، كما يضعنا – في حالة التفاعل مع الأبنية العميقة للنص- أمام بحث الذات عن الصفاء الداخلي، و معاينتها المستمرة لاحتمالات التناثر، و العدم؛ و من ثم تختلف هذه التيمة عن السابقة في اتساع النظرة الداخلية، و الرغبة في الأصالة المنتجة بواسطة الكتابة، و علاقتها الوثيقة بتيار الحياة، و الجدل المستمر بين الهدم، و إعادة بناء الهوية من داخل الأصالة الأولى الكامنة في عوالم اللاوعي.
و ربما يشير عنوان الديوان (غازات ضاحكة) إلى رغبة الصوت الشعري في معاينة حالة البهجة، أو المرح المصاحبة للدلالات الديناميكية المجددة لصورة المتكلم في النص.
يعاين الشاعر الفرح الأول باكتشاف النفس، و وجودها الجمالي المتجاوز لأي معرفة مسبقة؛ إنه يعاين بهجة ذلك الوجود الإنساني النسبي العاقل، و المبدع، و المنير.
يقول: "أجمل نافذة هذا الصباح / هي عيني / بعدما أدرتها إلى الداخل / .. أخف ضيف زارني اليوم / و رحل دون رجعة / هو: هذا العالم".
التجلي الداخلي للحياة الروحية يشير هنا إلى أولية الأصالة، و مقاومة الفناء في اللاوعي؛ و من ثم فالرحيل هو الاستثناء؛ إذ يبقى ذلك الإحساس البهيج بالنفس، و لو رحل العالم.
و تمتزج أصالة الصوت بلحظات تتجدد فيها الرغبة في الخروج من التكوين، أو التناثر، ثم الالتحام بعالم أكثر اتساعا، و رحابة، دون التخلي عن ملامح الوجود النسبي؛ و تسعى الكتابة كموضوع فعال داخل النص إلى تحقيق اتحاد الذات بالعلامات الكونية.
يقول: "العلاج الفعال / أن أنسى صورتي تماما / و أن أنظر إلى المرآة / بعيون زجاجية / فلا أرى أحدا .. / الشفاء الكامل / أن تنظر المرآة المتهشمة إلى ملامحي بعيون بشرية / فترى كل شيء / و يعود العالم".
المرآة المتناثرة هي الأثر الدال على التلاشي، و الخروج الثوري عن ثبات الهوية، و هي دال التكوين المجازي الجديد الذي تؤسس فيه الكتابة لاتحاد الأنا بعناصر العالم.
و قد يتشكل الصوت من خلال التعارض الجذري بين بنيتي المعاناة، و ما تحمله من عوامل محو من جهة، و صورة الاتساع الكوني الممثلة لأحلام اليقظة في الديوان من جهة أخرى، و ينتصر الشاعر لأصالة اتساع الأنا خارج الأبنية، و الحدود؛ فتبدو المعاناة كاستثناء طارئ على بهجة الأنا، و مرح اتحاده بالأرض.
يقول: "تأتي أحيانا لحظة / أتمنى أن أختفي فيها / من على وجه الأرض / كي لا يرى وجهي المشتعل خجلا / و هو يفر من وجه الأرض .. / تأتي أحيانا لحظة / يتمنى فيها وجهي / أن يكون وجه الأرض / كي لا يفر أبدا / من وجه الأرض".
يستعيد الشاعر أخيلة الاتساع الكوني، و تجاوز الحدود؛ كي يتجاوز لحظة المعاناة؛ فالاتساع في المشهد الثاني يتجاوز الحدوث؛ فهو ممتد في عمق الذات قبل أن تتجلى في حدودها النسبية؛ و هو ما يمنح المتكلم خروجا مستمرا عن الاستجابات الشرطية المميزة للحظة التي رصدها في المشهد الأول.
لقد تجاوز الشاعر الآلية بمعناها الواسع، و أراد أن يتحقق في مسافة تقع فيما وراء الحدود، و إن تعلقت دوما بعلاماتها.
يقول: "جسدي مبايعة لطائر / شرط ألا يطير أبدا".
الحرية أصيلة رغم كمونها الظاهري في الطيران المعلق؛ و كأن الكتابة سوف تمنحها للتو فاعلية جديدة مناهضة للقيود الآلية.
و قد يعاين الوعي الصور الافتراضية المولدة من آلية الحاسب، فيستنسخها بداخله، و لكنه ينشق عنها و يلتحم بصورة الأرض بمعناها الكوني الواسع.
يقول: "المرأة الشجرة / طوع يميني / أستدعيها وقتما أشاء / أهدهد الفأرة / فأدغدغها في الحال .. / المرأة الشجرة / لها ثمرات ناضجة / صالحة لكل شيء / لكن بذورها الجافة / ليست صالحة للزراعة / في تربة طينية خصبة".
يلج المتكلم العالم الافتراضي – إذا – و يخرج منه في معزوفة نصية تحول الميكانيكية إلى أطياف مجازية تتجاوز حتميتها باتجاه اتساع الأنا، و قدرته على التوحد بجذوره الكونية.
ثالثا: التشكيل الفريد لعلامات النص:
تندمج أطياف الكمبيوتر، و علاماته، و عوالمه الافتراضية بفاعلية الوعي المبدع، و بحثه عن تشكيل لغة طليعية جديدة يمنح فيها الأشياء قوة استعارية، أو إحساسا يتجاوز بنتيتها الآلية.
إن الشاعر يشكل في هذه الحركة عالما فريدا، و متمردا من العلامات التي تنتمي إلى الآلة في سياق جمالي، و ثوري جديد يرتبط بإنتاجية الوعي، و اللاوعي، و صيرورة الكتابة، و تداعياتها.
تتحد حالة المعاناة لدى المتكلم بصمت الآلة، و شيئيتها؛ فتتشكل في النص لغة تداخلية تشعر فيها الذات بحتمية عالم الأشياء، بينما تكتسب الأخيرة حساسية البصمة الإبداعية التي ينتجها الوعي.
يقول: "يكتب على الكيبورد بقوة / فتغوص الحروف الموجوعة / في أنين المفاتيح / و تنطمس / يكتب على الكيبورد بقوة / فتظهر على الشاشة / بصمات أصابعه".
يعيد الكاتب تمثيل ازدواجية الكتابة بالمعاناة من خلال دوال الكمبيوتر، و تجددها في سياق تطور الذات، و خروجها من قهر الواقع إلى عالم الكتابة الذي يتماس مع العوالم الافتراضية المجسدة على شاشة الكمبيوتر.
و يصل اتحاد أطياف الكتابة، و استعاراتها بعوالم شاشة الكمبيوتر الافتراضية إلى ذروته حين تستبدل الشاشة رأس المتكلم؛ فتصير بديلا رمزيا للوعي المنتج ، أو أثر من آثاره المتجددة.
يقول: "لأنه ولد تاجرا / قبل أن يولد التجار الخائبون / فقد باع الكيبورد / ووضع شاشة الكمبيوتر مكان وجهه / لتعرض مباشرة ما يدور في رأسه / و ما يجول بخاطره".
لقد انطلق النص من الحتمية إلى العوالم التصويرية الروحية عن طريق معرفة حدسية مباشرة، و مولدة من أصالة الصيرورة السردية للكتابة؛ و كأن الهوية الشعرية للمتكلم تعيد اكتشاف بهجة تجددها من خلال الحياة الحلمية لشاشة الكمبيوتر.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول