جرائم الشرف .. أعراف فاسدة وقانون أعور

يوسف الخضر
2012 / 8 / 19

مقدمة

إن جرائم الشرف شكل من أشكال الإرهاب الذي يمارس ضد المرأة ؛ هذا الإرهاب والرهاب الذي تحياه المرأة الشرقية والعربية المسلمة على الأخص ، جعلها تحمل جسدها كتهمة كيفما تحركت وأينما حلت، حتى في أقصى بلاد المعمورة.
إن المرأة عموماً ، والمشتغلة بالوسط الثقافي أو السياسي أو الإعلامي أو الفني خصوصاً ، تكون عرضة للطعن بشرفها حسب ثقافة الاتهام التي تسود مجتمعاتنا منذ القدم ، وكأن على المرأة وحدها أن تحمل صليب الشرف العربي الشرقي المسلم .
موضوع جرائم الشرف من أكثر الموضوعات إثارة للشجون ، وأشدها تعقيداً وأقساها ، فقد تداخلت فيه القوانين بالشرائع ، والعادات والأعراف بالأطماع والغرائز ، والأخلاقيات والتربية بالسياسة ، والمجتمع بالسلطة .
هذا المصطلح ( جرائم الشرف ) يقر بوصف العمل السلبي الواقع على المرأة بالجريمة ولكن يربطه بالشرف الذي اختصره العرب والمسلمون بما يسمى العرض الذي انحصر بالمرأة وجسدها ، بينما تغافل عن المعاني السامية الأخرى للشرف التي تمس الرجال في غالبها ...! فالمجتمع لا ينظر إلى السارق والكاذب والمخادع والمزور وآكل الحقوق تلك النظرة التي ينظرها للمرأة ، ولا يحاسب الرجل الشريك في الفعل الذي أدى إلى وقوع الجريمة أو الاعتداء ، فلا يناله العقاب . بل يُنظر إليه نظرة تنم عن تقدير أو تشجيع أو فخر أو تغاضٍ في أضعف الإيمان ، ولا يناله إطلاقاً ما ينال المرأة فيما لو أرادت التعبير ؛ مجرد التعبير عن مشاعرها أو أن تأخذ بضعة أنفاس من نسائم الحرية ولو كانت منقوصة أو مؤقتة أو حتى وهمية.
دوافع وهمية وكاذبة
كثيرأ ما كان الشرف ستاراً يتخفى خلفه أصحاب الأطماع والنزوات والمصالح ، بقدر ما كان ظلماً بيناً على المرأة يراه المجتمع ويتغافل عنه ، ويطمس الحقيقة الواضحة وضوح الشمس ، و من خلال البحث عن الدوافع حسب ما ورد في أغلب حالات الجرائم والدراسات الاجتماعية و القانونية يمكن تحديد عدد من الأسباب منها :
أسباب اقتصادية ويندرج تحتها التعاملات التجارية وقضايا الإرث التي تتصدر الدوافع لارتكاب الجرائم تحت عنوان الشرف .
أسباب عائلية تنبع من خلافات بيت الأفراد داخل الأسرة الواحدة وبين الأسر والأقارب والذين تربطهم علاقات نسب ومصاهرة .
أسباب شخصية وبدوافع الانتقام أو الزواج من امرأة أخرى أو تتعلق بالأحوال المعيشية بين أفراد الأسرة ذات الزوجات المتعددة .
أسباب طائفية وعرقية وتعود أسبابها إلى النظرة العدائية إلى الآخر من غير أبناء العرق أو الطائفة وإلى حرص الطائفة أو الإثنية إلى الحفاظ على كياتها من الذوبان في المجتمعات التي تعيش فيها .



جرائم الشرف والقانون

يتغافل القانون في جميع بلداننا العربية عن العنف الذي يرتكب بحق المرأة ، ومن خلال الحالات التي ترد الدوائر القانونية وما أقلها ! بالقياس إلى مالا يتم التبليغ عنه من عنف يرتكب في الأسر العربية على الرغم من أن ( القانون ) يعتد بالإبلاغ عن أية حالة من حالات الاعتداء على الأشخاص على اختلاف جنسهم أو ديانتهم ......
مع أن المرأة في الشرائع القديمة أخذت مكانة محفوظة ، ففي شريعة حمو رابي وُجد كثير من النصوص التي تنظم الأسرة , وتحفظ لها مكانتها , وتحفظ دور المرأة في الحياة الاجتماعية .
فقد كان من حقها الطلاق من زوجها , ورعاية أبنائها وممارسة العمل التجاري, ولها أهلية قانونية, وذمة مالية مستقلة عن ذمة زوجها , ولها الحق في الرعاية, والنفقة ، كما وضعت عقوبات قاسية على الشخص الذي يسيء معاملة المرأة أو ينتهك حقاً من حقوقها الثابتة.
القانون الأعور

على سبيل المثال لا الحصر:
يمنح قانون العقوبات السوري من خلال المادة /548/ والمادة /240/ من قانون العقوبات الأردني والمادة/ 337/ من قانون العقوبات المصري و المادة/ 562/ من قانون العقوبات اللبناني أحكاماً تخفيفيةً تراعي الحالة النفسية للقاتل، لتتدرج عقوبة القتل في هذه الحالة من درجة البراءة التامة – في حال ثبوت وضعية الزنا إلى السجن لمدة ثلاث سنوات – في حالات الاشتباه والقتل على أساس الشائعة-....
وينتهي الحال بنساء كثيرات مهددات من جانب أفراد أسرهن بالسجن حماية لهن؛ كما في معظم البلاد العربية ، وفي ليبيا مؤخراً سُلط الضوء على المئات من النسوة اللواتي يعشن في سجون تنقصها أبسط مقومات العيش الإنساني حماية لهن بعد أن تعرضن لحوادث تمس الشرف ، ومؤدى هذه الأوضاع المقلوبة في الواقع هو أن يظل الكثيرون من مرتكبي أعمال القتل دفاعاً عن "الشرف" ومرتكبي هذه الاعتداءات أحرارا طلقاء ، بينما يؤول المطاف بالمرأة المعتدى عليها والمهددة بالاعتداء إلى السجن . وقد تحدثت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى بعض النساء اللاتي مكثن في السجن زهاء عشر سنوات، واللاتي تنوي بعضهن بالفعل البقاء في السجن إلى أن توافيهن المنية خوفاً من يهددونهن من أفراد أسرهن أو يغادروا البلاد.
ففي يوليو/تموز 2003 زارت منظمة هيومن رايتس ووتش الأردن وأجرت مقابلات مع عدد من النساء المهددات بالقتل على أيدي أقربائهن - وكلهن محبوسات في مركز الجويدة لإصلاح وتأهيل النساء في عمان ، الذي يعد الملاذ الوحيد لهن ، وأجرت مع عدد من مسؤولي الحكومة ودعاة حقوق الإنسان وضباط الشرطة والقضاة والشخصيات السياسية الإسلامية مقابلات . ووجدت المنظمة أنه على الرغم من تأييد بعض أعضاء الحكومة الأردنية والأسرة المالكة للإصلاح ، فإن قضية جرائم "الشرف" في الأردن لم تُحل بعد ، وباتت بحاجة إلى إجراء عاجل و لكن لم تتم دراسة الأمر بشكل جدي حتى الآن .


جرائم الشرف والتشريعات

لا مجال للخوض قي حقوق المرأة في الإسلام في هذا البحث المتواضع فقد أشبع موضوع حقوق المرأة بحثاً وتحليلاً ، وكان من أكثر الموضوعات الخلافية بين الباحثين على تنوع مشاربهم . ولكن الإشارة إلى ذلك هنا فقط لتوضيح وجهة النظر التي أراها تقارب الصواب إن لم أقل هي الصواب نفسه .
فقد شجع الفهم الخاطئ لكثير من التشريعات الإسلامية مرتكبي جرائم الشرف ولاسيما إذا تناول المرء ما ورد من فتاوى ضالة وأحاديث ملفقة على لسان النبي محمد صلى الله عليه وسلم من دون إخضاع للعقل ؛ ( الفيصل ) في كل التشريعات فلا يعقل أن تكون هناك تشريعات تناقض العقل الذي دعا الدين الإسلامي إلى إعماله ، حسب ما أوضحه ابن رشد واختصره في قوله : الله لايمكن أن يعطينا عقولا ويعطينا شرائع مخالفة لها ، ولكن كثيرين أعملوه في الطريق غير الصحيح فكان ضحية ذلك رجال علم ومفكرون اتهموا بالزندقة تارة ( العلمانية اليوم في نظر أصحاب الأفق الضيق من الظلاميين ) والتصوف الذي فسر على أنه زندقة تارة أخرى ، وكانت الضحايا أكثر من أن تحصى ، والنساء في مرتبة متقدمة في هذا الإنجاز الذي يندى له جبين الإنسانية .
فما زالت عصور الظلام ، تشملنا حتى العصر الحاضر عصر الديمقراطيات والحرية ، وما زال مسلسل قتل النساء مستمراً رغم الصيحات والنداءات والمطالبات برفع الظلم عن النساء وتعديل القوانين الجائرة .
وإذا زين البعض لنفسه أن يبرر أفعاله الشريرة يستند إلى العادات والتقاليد تارة ، وإلى التشريعات الدينية تارة أخرى ويدعم أفعاله بالتفسيرات القاصرة للقرآن والحديث الشريف ، بل لا يكلف نفسه العناء والبحث للتأكد من صحة حديث ما يتوافق مع أهوائه وفهمه المنحرف للعلاقة بين الرجل والمرأة ،
وإذا عدنا إلى بعض المواقف من المرأة في تشريعات الإسلام نرى أنها تشكل أرضية خصبة لمثل هؤلاء يستندون إليها ويتخذونها جحة على من يعارضهم أو ينتقدهم أو يشير إلى مخالفتهم من قريب أو بعيد.
ولنرَ نموذجاً لبعض الأحاديث التي لا يعقل أن تنسب إلى الرسول الكريم لأنها تخالف العقل والمنطق و كثيراً من المواقف السابقة له تجاه المرأة.
الحديث :
(إنما الشؤم في المرأة والكلب والفرس)
وكذلك :
( لو أمرت أن يسجد أحد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )
فلا غرابة في مواقف هؤلاء من المرأة الذين يجدون في هذه الأحاديث تشريعات يهتدون بها وقانوناً يسيرون عليه ، ويرتكبون ضد المرأة أبشع أنواع الاستغلال والعبودية بل والجريمة تحت هذه الذرائع وسواها ويحققون أطماعهم ويلبون دوافعهم البدائية مستندين إلى مثل هذه الأقوال وسواها.
وهذا غيض من فيض ، وهنالك الكثير مما هو أدهى ... كما أشار إلى ذلك كتاب ( حقوق المرأة في الإسلام ) للدكتور هيثم المناع الناشط الكبير في مجال حقوق الإنسان .
كما تُفسر الكثير من العلاقات بين المرأة في ظل الأحكام الدينية على أنها مبرر لارتكاب سوء المعاملة أو الازدراء أو إيقاع الأذى والضرب والهجر ، وقد يتطور الأمر بعد ذلك في حالات كثيرة إلى القسوة المفرطة التي تؤدي إلى القتل عن غير عمد أو عن عمد .
ويتجاهل قسم كبير من الناس بمن فيهم الفقهاء ورجال الدين الأحاديث التي تنم عن رحمة ومغفرة وتسامح ، فهذا الحديث على سبيل المثال مثال على التسامح والتساهل والتركيز على لجانب الإنساني في تطبيق الأحكام : عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان لهم مخرج فأخلوا سبيلهم فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".

جرائم الشرف والتقاليد

يرى البعض أن :
الجرائم المرتكبة باسم الشرف موجودة بين أبناء كافة الأديان والعقائد إذ تقع الجريمة بين المسيحيين والمسلمين والهندوس والبوذيين على السواء، وتوجد كذلك بين الآخرين الذين لا يؤمنون بعقيدة معينة ومن غير المتدينين . وبعبارة أخرى يمكن اعتبار ذلك نابعاً من التقاليد وليس نتيجة إيمان الفرد بدين معين .
وهؤلاء يتجاهلون التداخل بين الأديان والعادات والتقاليد ، وأن كثيراً من هذه العادات هي دينية المنشأ كما في حالة الدين الإسلامي الذي أسس لعادات وتقاليد يستحيل فصلها هن قيم التدين في هذه المجتمعات .
إن الشرف في الأعراف الشرقية مرتبط دوماً بالجزء الأنثوي، وكل مخالفة للأعراف والضوابط والقيم الأخلاقية تصدر من الأنثى تأتي بالعار وتلحق الدنس بشرف العائلة، أما في الغرب فتأخذ الكلمة أبعادا أخرى تخص أمورا عامة شبيهة بكلمة الإخلاص والوفاء ، وتشمل أداء الموظف في عمله والجندي والشرطي ورجال الدولة والسياسة والاقتصاد في أدائهم المسؤولية بشرف أي دون خيانة للقوانين والأعراف الوظيفية أو حتى التلاعب في مبالغ الإقرار الضريبي والتهرب من الضرائب وما إلى ذلك من أمور توصف بالنزاهة .

الأعراف والعادات والتقاليد الشرقية المتوارثة أبا عن جد والتي بمجملها تكون نظاما اجتماعيا ضاغطا على الفرد ومحدداً سلوكياته تجاه نظرته الى العنصر الأنثوي في المجتمع . هذا النظام الاجتماعي وليس التقاليد أساس لاقتراف هذا الذنب الكبير تجاه النساء . ويبقى الفرد بمفرده عاجزاً أمام هذا الإرث الاجتماعي الأخلاقي الثقيل ، وإن مجرد التفكير في تحميل المسؤولية على الجماعة يسهل للجاني اقترافه للجريمة معززا مكانته الاجتماعية بين أسرته وقومه أي ( الجماعة) بغسل العار اللاحق بهم . و يختلف تقييم الموضوع حتى في المجتمعات الشرقية حسب الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد ومكانته في المجتمع ، وحتى مكان إقامته (حضري أو ريفي) أو انتمائه القبلي والعشائري ودرجات التطور الاجتماعي والدرجة الدراسية والعلمية.
و لمعالجة وحل هذه المشكلة يجب إلقاء نظرة عامة ومن كل الجوانب الى المشكلة وبمشاركة جميع العوامل المؤثرة والتي تؤدي في النهاية إلى القرار الحاسم بالتصفية الجسدية "غسل العار" حيث يكون القرار جماعيا والمسؤولية الفعلية ملقاة على المجموع وليس على الفرد الذي ينفذ إرادة المجموع ، وربما نحن هنا أمام حالة تشبه حالة الجندي الذي يقتل العدو بأمر صادر من القائد الذي يأمر باسم السلطة السياسية أو الدينية ، ويفرغ الجريمة من فحواها الأخلاقي ليعطيها أبعاداً جماعية ووطنية في معظم الأحيان . لكن هذا التشبيه لا يعفي في نظرنا الفرد في هذه الحالة هنا من المسؤولية لأن الاختلاف كبير بين الطاعة العسكرية العمياء التي لا تراعي أي خلق أو قيمة أخلاقية أو أي اعتبار إنساني آخر إلا إطاعة الأوامر .
وهنا لا بد من التأكيد على أن الفكر الانعزالي يلعب دورا مهما في محاربة جميع العلاقات الإنسانية الطبيعية ، وما يسمى الحياة العاطفية بين المرأة والرجل الناتجة من خلال الحوار الحضاري والاتصال بين أبناء الشعب الواحد على اختلاف طوائفه وبين الشعوب والثقافات المختلفة ، وربما يعود السبب المباشر لرفض العائلة تزويج بناتها بأبناء الطوائف أو الشعوب الأخرى ضمانا لاستمرارية الطائفة أو العرق "القومية" ، في حين نرى أن جميع الأنبياء والرسل قد تزوجوا على أسس ثقافية تعددية ، وزوجاتهم عادة من ديانات أو شعوب عديدة ولكن العنصرية الطائفية والقومية أشد قوة وبأسا على حياة االمجتمعات ، فبعض المتعصبين من القوميون والطائفيين عادة يرفضون حتى الحوار مع الشعوب والطوائف الأخرى يضاف الى ذلك الشعور وجود توجهات عنصرية حاقدة وعدوانية تجاه الطوائف والشعوب الأخرى
حوادث
تزوجت الصبية هدى أبو عسلي أثناء دراستها في كلية الآداب ، دمشق ، من شاب من غير طائفة أهلها ، وقامت بعقد قرانها عليه.
لاحقاً عرف أهلها بالأمر. وبعد مفاوضات حول الأمر، أعطيت السماح من أهلها أن عودتها آمنة ولن تتعرض لأي مكروه.
وما إن عادت هدى إلى بلدتها (مدينة السويداء) حتى قام أخوها بقتلها بطعنها بسكين وإطلاق النار عليها.
ومساء اليوم ذاته أقام الأهل عرسا حقيقياً تضمن رقصات وزغاريد ، بينما كانت جثة ابنتهم هدى في طريقها إلى المشفى الوطني بالسويداء. في10/9/2005.
(وُمينز إي نيوز)—15/6/2005 خرجت أكثر من 300 امرأة فلسطينية في مظاهرات احتجاجا على جرائم الشرف، وطالبن بسن تشريعات لحماية النساء اللائى غالبا ما يكنّ شابات يُقتلن على يد أقاربهن الذكور لـ" تلطيخهن شرف" العائلة أو تشويه سمعتها عبر " سلوك شائن"، كما تفيد قناة الجزيرة في موقعها الإلكتروني ذلك الأسبوع.
ففي الأسبوع السابق،7/6/2005 اعترف مسيحي فلسطيني بقتله ابنته التي كانت في الـ20 من عمرها لزواجها من شاب مسلم دون موافقته.
وفي ضوء ازدياد جرائم الشرف في الآونة الأخيرة، " تبحث السلطة الفلسطينية الآن في تطبيق قانون جديد للتعامل مع الجرائم المدنية"، كما تقول زهيرة كمال وزيرة شؤون المرأة.
والقوانين الجارية في أراضي السلطة الفلسطينية تعتبر جرائم الشرف الآن جرائم عاطفية مع " ظروف مخففة"، وتتعامل مع مرتكبي الجريمة بنوع من اللين، وتصدر أحكاما عليهم لا تتجاوز فترة ستة أشهر في المتوسط . وسيعامل التشريع المقترح جرائم القتل بطريقة مشابهة لمعاملة جرائم القتل الأخرى ما سيجعلها جريمة يُحكم فيها بالإعدام.
في الأردن في عام 2003 طعن رجل ابنته 25 طعنة قاتلة لأنها أبت أن تخبره أين كانت في فترة غيابها عن بيتها التي دامت ثلاثة أسابيع؛ وفي عام 2002 قتل رجل أخته بعد أن رآها "تحادث رجلا غريبا في حفل زفاف"؛ وفي عام 2001 قتل رجل آخر أخته "بعد أن رأى رجلا خارجا من منزلها". وقام أخ بقتل أخته لأنه رأى صورتها على ( موبايل ) صديقه . ولم يحدث في أي من هذه الحالات ، ولا في عشرات غيرها من حوادث القتل بدافع "الشرف" التي وقعت في الأردن في السنوات الأخيرة أن قضى الجاني أكثر من ستة أشهر في السجن. ومن المؤسف أن أعمال القتل العنيفة والاستجابة المتهاونة لها ليست بالأمر الاستثنائي .

إحصاءات

العنف ضد المرأة يُعد مسألة عائلية في النظرة الأولى له ، فأكثر من 70 في المئة من مرتكبي هذه المخالفة هم الأزواج أو الآباء أو الأشقاء في حين أن النساء المتزوجات هن الأكثر احتمالا للتعرض للضرب. ووجدت دراسة أجريت في سوريا أن حجج اللجوء إلى العنف تتراوح بين إهمال الواجبات المنزلية ومحاصرة الزوج بأسئلة أكثر مما ينبغي .
وقالت اقل من واحد في المئة من النساء اللواتي شملهن الاستطلاع أنهن تعرضن للعنف من قبل شخص غريب تماما.
ويقدر بعض الخبراء أنه تقع ما بين 200 و300 جريمة "شرف" في سوريا سنويا معظمها في المجتمعات الريفية أو البدوية. ويعني هذا أن نصف جرائم القتل التي ترتكب في سوريا سنويا ترتكب ضد نساء وباسم الشرف.
والحقيقة أن هذه الجرائم لا تحدث فقط في المجتمعات الشرقية وإن كانت منتشرة فيها أكثر وهناك إحصائية تقول إنه في التسعينيات زاد عدد المقتولات عن 500 حالة في اليمن ، وتزداد هذه النسبة في الأماكن الريفية الأكثر فقراً، والحقيقة أن هذه الإحصائية ليست دقيقة إذ أن الكثير من الحالات يتم التبليغ عنها من قبل الأهل على أنها حوادث وقعت قضاءً وقدراً أو أنها حوادث انتحار.
أما ما ورد في الصحف المصرية في دراسة اجتماعية ، فقد ورد في مادة صحفية أن 125 حالة من الجرائم توزعت على الشكل التالي :

(أخ يقتل شقيقته ( 22 جريمة
(أم تقتل ابنها ( 5 جرائم
(26) يقتل أمه بالاشتراك مع خاله لزواجها عرفيا
يقتل زوجته الشابة لكثرة خروجها من المنزل (18)
(22) يقتل ابنته لشكه في سلوكها
يقتل زوجة أبيه لأسباب أخلاقية ( 2 )
يقتل ابنة أخته لرفضها الزواج (4)
يقتل زوجته لشكوكه بعلاقتها مع رجل(10)
تنص المادة 6 من الدستور الأردني على أن الأردنيين سواء أمام القانون اختلفوا في العرق واللغة والدين .
احتلت به جرائم القتل للزوجة نتيجة الشك في السلوك 41% من إجمالي جرائم القتل ، وجاءت الأخت بنسبة 18% في المرتبة الثانية .وقالت دراسة اجتماعية إن أكثر من 90 % النزيلات الموقوفات في السجون على خلفية جرائم الشرف تزوجن رغما عنهن وبالإكراه ، مما يستدعي سن قوانين صارمة تمنع الزواج المبكر أو الزواج بالإكراه ، وارتكاب الأسرة العنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي ضد الأبناء.
واستخدمت الدراسة التي أعدتها هدى الحموري وتبناها المركز العربي للمعلومات والدراسات حول العنف ضد المرأة(أمان) منهج المسح الاجتماعي الشامل لكامل مجتمع الدراسة الذي تألف من 40 نزيلة وقت إجراء الدراسة.
وتكمن أهمية دراسة قضية النزيلات الموقوفات وخاصة ما يتعلق بأسباب التوقيف.
من ذلك الارتباط بالبناء الاجتماعي وثقافة المجتمع ، ولعل أن المستوى النسبي للانحرافات الجنسية واستمرارها وما يترتب على هذه السلوكيات من وجود واستمرار قضية الموقوفات على خلفية هذه الانحرافات.
وأشارت إلى الاستمرار بالأخذ بالأعراف والموروث الشعبي وعدم الاكتفاء بالحلول القانونية في هذه القضايا ، وشكلت قضية الموقوفات وجها من أوجه التمييز ضد المرأة ، الأمر الذي يتعارض مع ما تم تبنيه في الأردن من مبادئ حقوق الإنسان إضافة لتعارض الطرق الشعبية في هذه القضية مع المضمون المعياري للدين.
وعلى مستوى الخصائص الشخصية ، تبين تدني معدلات المستوى التعليمي ، وارتفاع نسبة الأمية ، وانتماء النسبة الأكبر إلى الفئة العمرية ( 18 – 35 ) ، وارتفاع نسبة العازبات وغير العاملات بأجر.
وأظهرت أن الموقوفات ينتمين في الغالب إلى أسر تتصف بتدني المستوى الاقتصادي والظروف المنزلية المادية الصعبة ، والعلاقات الأسرية فيها تتصف بالعنف والتفكك وتدني المستوى التعليمي للوالدين وللزوج في حالة المتزوجات ووجود أفراد من الأسر ممن لهم سجل إجرامي .
وعبرت نسبة من الموقوفات عن تخوفهن من نتائج التسريح ، كما عبرت نسبة عن حيرتهن لمصيرهن ، وقد أوضحت المقابلات المفتوحة عن تخوف من العودة للمجتمع نتيجة ما لحق بهن من وصمة ، وما يمكن أن يواجهن من عقاب من قبل أسرهن.
صيحات في واد
أقيمت في مدينة حماة في سورية أكثر المدن تشدداً دينياً ندوة في إطار العمل المستمر لمناهضة جرائم الشرف والمطالبة بإلغاء المادة 548 من قانون العقوبات السوري برعاية مديرية الثقافة بحماة وقد قدم الأستاذ بسام القاضي مداخلة بين فيها تناقض المادة المذكورة مع الدستور السوري ومع روح ونص قانون العقوبات ومع الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها سورية. كما تحدث الأستاذ خليل خالد، محافظ حماة ، إلى الحاضرين في الندوة مؤكداً أن الشرف لا يتصل فقط بمسألة المرأة ، بل إنه مجموعة من المواثيق والعهود.
و د. محمد نجدت الخطيب، كلية الشريعة تساءل مطالباً بتغيير شامل بالتعاون مع رجال الدين وأشار إلى أن 13 عضواً وعضوة من أعضاء مجلس الشعب وقعوا على الوثيقة الوطنية التي تطالب بإلغاء المادة المذكورة.
الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون العربية السورية قال: المفتي العام للجمهورية
يجب تعديل قانون العقوبات السوري بحيث تُعد جريمة قتل الشرف هي جريمة من الدرجة
الأولى أقام بها أب أو أخ أو أي شخص من العائلة،
ولا أحد مكلف بإقامة الحد إلا الدولة والقانون.. ذلك والدولة والقانون هما الحكم في مثل
كما استنكر بطريرك زكا الأول بطريرك السريان الأرثذوكس أي شكل من أشكال الانتهاكات ضد المرأة وأشار إلى ضرورة إلغاء المواد المخففة للعقوبة لمرتكبي الجرائم ضد النساء .
كذلك رأى الشيخ أحمد سلمان الهاجري ضرورة تعدل القوانين الجائرة بحق المرأة. وأيد الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي كل ما ينتقص من حقوق المرأة ، ولا يحاسب من يسيء إلى المرأة .
كتبت نورما خوري من الأردن كتاباً بعنوان" شرف ضائع - الحب والموت في الأردن " بينت فيه فظاعة الأعمال التي ترتكب ضد النساء في الأردن بحجة الشرف ونبهت إلى حجم هذه الانتهاكات وخطورتها على المجتمع .
ختام
جرائم الشرف يجب أن تعالج من جذورها وذلك بشن حملة ضد العنف السائد في المجتمعات العربية تجاه المرأة ، وإقامة حملات توعوية ، وتعبئة الإمكانات المتاحة كافة في حملات منظمة وفاعلة واحتجاجات ومطالبات مستمرة على جميع المستويات لإلغاء بعض مواد القوانين التي تخفف الأحكام على مرتكبي الجرائم ضد النساء ، وبوضع تشريعات تشدد العقوبات على منتهكي حقوق المرأة ، و إلغاء القوانين التي تميز بين المرأة في كافة الحقوق والمجالات التي يحرم على المرأة الدخول إليها .
ومضات وأمل
* في تطور مهم ، أقر مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) في 16 / 2005 مايو الجاري قانونا تاريخيا يمنح المرأة الحق في التصويت والترشح في انتخابات المجالس النيابية للمرة الأولى، حيث وافق 35 نائبا من أصل 59 نائبا حضروا التصويت ، بينما رفضه 23 عضوا وامتنع عضو واحد عن التصويت
* أما عن نجاح المرأة الكويتية فقد وصلت إلى مناصب رفيعة؛ فهي تحتل نسبه 11% من المناصب القيادية كسفيرة ووكيلة وزارة في وزارات مهمة مثل التخطيط والتربية وكمديرة في شركات النفط. ومنذ فترة قليلة ودّعت جامعة الكويت أول رئيسة للجامعة هي الدكتورة فايزة الخرافي والتي أثبتت طيلة فترة توليها للجامعة كفاءة المرأة ولم يختلف على ذلك رجل أو نائب ممن يعارضون الآن منح المرأة حقوقها السياسية.
* كما افتتحت مؤخرًا صالة تداول للنساء فقط في البورصة الكويتية وهي الأولى من نوعها، وهذا كله يعد مكسبًا للمرأة الكويتية بعيدًا عن الحسابات السياسية.
* للمرة الأولى في تاريخ الكويت ، شاركت المرأة الكويتية اليوم ، ترشيحا واقتراعا ، في الانتخابات التكميلية للمجلس البلدي للدائرة الخامسة.
* شاركت المرأة الكويتية كنائبة وعضوة في المجلس لأول مرة في تاريخ الحياة البرلمانية وذلك من خلال أربعة نساء وهن: أسيل العوضي وسلوى الجسار ومعصومة المبارك ورولا دشتي في العام 2009.
* البحرين اعترفت بدور المرأة المهم في المجتمع عن طريق تعيين وزيرتين: دكتورة ندى حافظ للصحة، ودكتورة فاطمة البلوشي للشؤون الاجتماعية.
* عدد الإناث المسجلات في الجامعات السورية يوازي عدد الذكور.
* نسبة النساء في البرلمان من النساء في سورية وتونس أعلى نسبة في الوطن العربي وقد وصل عددهن إلى اثنتي عشرة امرأة .

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي