اليمن .. الانتقال إلى المستقبل أو الفناء المتبادل بين الخصوم

نجيب غلاب
2012 / 8 / 8

من المخاطر الكبرى التي تعيق الحوار كمدخل محوري لتأسيس المستقبل ان بعض الاطراف المتنازعة على القوة والتي كان لها القول الفصل في الصراعات قبل الوحدة وبعدها لم تستوعب بعد تاريخ اليمن وتناقضاته بفعل ضعف الفكر السياسي، وظلت النخب تدور في فلك فرض مصالحها وفق استراتيجيات كلية لتحصيل القوة دون الانتباه لحاجات الواقع ومتطلباته، ورغم التجارب المتراكمة إلا ان الاستفادة منها مرتبط بمعضلة وعي يكرر نفسه بلا ملل.
لم يتم استيعاب التحولات المختلفة عبر التاريخ الحديث، وليس الواقع الجديد الذي فرضته الانتفاضة الشبابية إلا ملمح بارزا لرغبة في تعديل مسار التاريخ باتجاهات انسانية متجاوزة لثقل التاريخ اليمني وتناقضاته، تولد الامل لدى الكل إلا ان الرعب من التحول افقد الامل معناه وتم اجهاض الفلسفة الجديدة للتغيير عبر ابتلاع فاعليتها من القوى التي شكلت عامل إعاقة لتأسيس الدولة الملائمة للواقع اليمني.
يبدو ان الوعي الذي انتج ازماتنا المركبة لم يتأثر كثيرا بواقع التحولات حيث ان العقل اليمني رغم شعاراته الجديدة مازال يدير الصراعاته وفق الوعي التقليدي الذي هيمن على السياسة اليمنية، فالتوازنات الجديدة التي يتم صياغتها ملامحها في هذه اللحظة الحرجة لا تختلف عن الماضي، والمؤشرات الاولية واتمنا ان اكون مخطئا تعيد بناء معادلات معيقة للتغيير الجذري والشامل بل ان ملامحها قد تؤسس للماضي وان بصورة جديدة دون احداث تعديلات جوهرية في تركيبة القوى إلا عبر اضعاف الاشخاص لا جوهر القوة ووظيفتها.
الاخطر ان بعض الاطراف مازال فهما للازمات المتراكمة في ظل الصراع المعقد والتحولات التي تعتمل في الواقع سطحيا ومؤسس على الاستحواذ وإلغاء الآخر وقائم على إدارة الصراع بعقلية الخسارة والربح، وهذه العقلية لن تتجاوز الواقع بل تعيد انتاج الصراع بشكل مستمر وتكرر الوعي التاريخي للجغرافيا اليمنية القائم على الانقسام والتشظي وجعل القوة محدد اساسي في فرض الهيمنة، ونلفت الانتباه هنا أن المهم هو تغيير الوعي لصناعة يمن مختلف لا تغيير طبيعة التوازنات واعادة انتاج الماضي من خلالها بوعي الماضي.
طبيعة الصراعات التي تجري والاستراتيجيات المعتمدة في تفكيكها تعمق من التنافس والخصومات وهي مرتهنة في حركتها لصراعات التاريخ البعيد وللصراعات التي انتجها تاريخ الدولة اليمنية الحديثة قبل الوحدة وبعدها، ويعود السبب أن الوعي الذي هيمن على الفاعلين مازال قائما حتى اللحظة وهذا الامر ينتج تناقضات واسعة النطاق في فهم الواقع وطبيعة المشاكل التي تعاني منها اليمن وما يزيد الطين بلة أن القوى المختلفة تولد حلول متحيزة للمصالح الانانية الفردية او للتكوينات المساندة والداعمة للمراكز الاكثر تأثيرا، وأصبح تغليب رؤيتهم واجبار الآخر على اتباعها طريقا لتحقيق النصر لا مسارا لانتاج واقع جديد ملائم للواقع ومتطلباته، والموقف المختلفة وان ظهرت وانها تعبر عن المصالح الوطنية إلا انها في حقيقته نتاج نزوع تصفوي للآخر أو تهميشه على الاقل، بل ان المتطرفين لا يمانعوا من تصفيته ان امكن ذلك.
مازالت السياسة في اليمن متخلفة لانها تؤسس لنفسها على فهم واقعي بلا مشروع وطني مساند، فالمراقب سيلاحظ ان إدارة الصراع على مستوى الواقع تتم وفق المغالبة المستندة على التهديد والتحدي وفرض الامر الواقع وتتحكم فيها عقلية الخسارة والربح وهذا بطبيعة الحال يعقد تفكيك الازمات ويعيق الحوار والتفاوض ويجعل التفكير بالمستقبل مرتبط بالهيمنة لا باحرية والعدالة، وهذا الامر ان تم الاعتماد عليه في الحوار الوطني سيجعل من السياسة حالة حرب ويتم تدمير الموقف الوسط باعتباره خيار أكثر جدوى في واقع منقسم على نفسه.
ونشير هنا ان فهم الصراع بان ربح طرف لابد ان يكون محصلته خسارة الآخر يراكم التشوه في فهم الواقع وحاجاته ويجعل الاطراف المتنازعة اكثر ارتباكا واضطرابا ويجعل وجهتها الوحيدة هي المغالبة بما يعني محاصرة نفسها بالقوة الصلبة كمحدد جوهري لحسم الصراع وهذا سيؤدي الى نتائج كارثية مستقبلا وتكرار للخطأ ولوعي الماضي..
صحيح ان الاطراف الاكثر تأثيرا في النزاع تمكنت من كبح جماح الصراع العنيف عبر التسوية السياسية ومثلت المبادرة أداة رائعة وواقعية وطريقا لتفكيك الأزمة المركبة على المدى البعيد إلا ان الموقعين وأنصارهم لم يستوعبوا الآليات الضرورة المفترض انتاجها لحل الصراع وفق التسوية التي تم التوافق عليها وحتى اللحظة مازال موقف الخسارة والربح في ادارة الأزمة هو المحدد الجوهري على مستوى الواقع وتحولاته وهذا الامر قد يقود الى خلل كبير في بنية التسوية والمنظومة التي افرزتها وربما ينتج عن هذا الخلل حرب لحسم التناقضات.
ويمكن القول: مهما كانت ادوات الحسم القائمة على تحصيل الربح بما يؤدي إلى خسارة الآخر فإن المحصلة النهائية لهكذا تعامل هي تعاظم دور الاوهام واستمرار انتاجها لحجب الواقع وبالتالي استمرار الصراع وتراكم الازمات، ويؤكد الخبراء أن المعارك القائمة على الاقصاء والإلغاء لا رابح فيها وانما خسائر متفاوتة.
علينا ان ندرك أن اليمن ومسيرته التاريخية في بناء الدولة وصراعات القوى باي شكل تجلت ولدت إشكاليات لا حصر لان الاطراف كانت تعتمد على سياقات ماضوية في التأسيس للمستقبل، ولم تكن صادقة مع شعاراتها الدينية والانسانية، الامر بحاجة إلى تضحيات لبناء الدولة المدنية الؤسسة على الحرية والعدالة والكرامة الانسانية وبدون ذلك فإن تكرار الصراعات العبثية ستستمر، وعلى جميع الاطراف ان يدركوا ان التاريخ لن يستسلم لقوى الماضي حتى لو تحدثت باسم ثورة او باسم المستقبل ما لم تحرر وعيها من ميكافلية خبيثة ينتجها وعي التاريخ المقيد باغلال الوعي القبلي بتجلياته المختلفة.
واقع اليمن والامل الذي يزرع نفسه كل يوم بالجغرافيا اليمنية يؤكد أن أي طرف لن يربح مهما كانت قوته واي نصر متخيل هو أزمة مركبة فوق ازمات متشعبة ومعقدة، ونؤكد ان نصر طرف على آخر يبدو مستحيلا في ظل التعقيد الحالي، واي محاولات لتجاوز حاجة اليمن والبحث عن الربح بما يقود إلى خسارة الآخر سيجعل الخسائر المتبادلة أشبه بحالة الفناء المتبادل بين الخصوم وربما ضياع اليمن ودخولها حالة تيه طويل الامد.
يبدو لي ان استيعاب الواقع واعتماد الآليات التي اسست لها المبادرة الخليجية هي الطريق الاكثر جدوى، كما ان المراهنة على اليمن ومستقبلة وتقديم التضحيات وتأسيس الدولة المدنية بحدها الأدنى وبناء القواعد الكفيلة بجعل الارادة الشعبية هي الحكم مقدمة ضرورية للولادة الجديدة، وبدون ذلك فإن اللعنة ستحل على الكل بلا استثناء ولن ينجوا منها أحد

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير