دور الاخوان في خنق التغيير

نجيب غلاب
2012 / 8 / 1

لم تتمكن البنية التنظيمية للإخوان المسلمين في اليمن من تحفيز طاقة اعضائها لاستيعاب التحول الذي انتجته المبادرة الخليجية والتوافق السياسي الناتج عنها، بحيث يكون فعلهم عامل مساعد لإنتاج السلام باعتباره الطريق الاكثر جدوى للملمة وطن مشتت منقسم على نفسه، فمن يتابع مسارات حركتهم سيلاحظ انهم يديرون معركة كبرى ضد كل الاطراف علنا وسرا، يمارسون السياسة بواقعية المستبد تسندها بروباغندا متعددة الاوجه لحجب طبيعة الانتهازية والسعي المحموم لفرض هيمنتهم، ليسوا مهتمين ببناء التلاحم المحافظ على وحدة المجتمع باعتبار ذلك المدخل الاكثر جدوى لانجاز التغيير، من الواضح أن التغيير الذي يريدون إنجازه يتمثل في محاصرة أو الغاء كل من يختلف معهم لفرض سيطرة كلية على الدولة والمجتمع.
لم يكن التوافق اليمني إلا نتاج لواقع متصارع مع نفسه ونتيجة لازمة مركبة يتداخل فيها السياسي بالثقافي بالاجتماعي بالاقتصادي، ونتيجة واقعية لتركيبة القوة فلم يتمكن أي طرف من الاطراف المتنازعة من حسم نصر كامل، لان النصر بأي شكل تجلى كان سيفرز تلقائيا صراع مضاعف في بنية المجتمع وجغرافيا اليمن وهذا ما ادركه الرئيس صالح وحلفائه، فالتكوينات الفاعلة في الساحة اليمنية والمنتجة للتأثير ليست بارزة بوضوح وتعمل عبر هياكل مدنية هشة وضعيفة ولم تكن ساحات الاحتجاج الى المظهر الاكثر فاعلية ظاهرا وفي العمق كانت تدار بآليات غير مرئية، وتم توظف القوة التي انتجتها الاحتجاجات في مسارات الصراع السياسي بين الاطراف المتنازعة لصالح الطامح الذي يريد ان يهزم من عمم القوة (الرئيس السابق) لكي يعممها باسم ثورة ومازالت الساحات تقوم بوظائفها المساندة لمراكز القوى ولاتمام عملية تغيير تركيبة القوة التي تجري من خلال التسوية لا لاحداث تغيير جذري نافع للدولة والمجتمع.
من الواضح ان التسوية السياسية لم تحرر البنية التنظيمية للاخوان المسلمين من حالة الوهم الذي تم تخليقه خلال العام ونصف بل مازالت راضخة لطموحها الجموح في تصفية الخصوم وهذا السلوك الراغب في قهر الآخر لا يستهدف المؤتمر وقواه المنتشرة في الجغرافيا اليمنية وتحالفاته، بل ايضا يستهدف حلفائهم وشركائهم ومن يروه كعدو كالحوثية والحراك الجنوبي والقوى المدنية المستقلة، وما يزيد من تهورهم ان القسمة التي انتجتها التسوية السياسية راكمت قوتهم السلطوية في بنية الدولة وقريبا ان تمكنوا من فرض إرادتهم سيفرضون معطيات لتفكيك الشراكة التي تم انتاجها عبر التسوية ليكون لهم القول الفصل فيها، ويمثل تغيير تركيبة القوة في المؤسسات المدنية والعسكرية والامنية مدخلهم الذي يتم على قدم وساق والذي قد ينتهي بتغيير الحكومة ليكون لهم القول الفصل في قراراتها، او الاستمرار في ممارسة الضغوط عبر نشر الاضطرابات والتهديد باستمرار الثورة ضد الرئيس الجديد، حتى يتمكنوا من تحويله إلى قوة إسناد لتنفيذ استراتيجيتهم.
يمتلك تحالف الاخوان ادوات ناعمة قوية وفاعلة تغطي وجههم المستبد وتحجب كثير من المشاكل التي يعاني منها التوافق الناتجة عن الاستراتيجية التي يتبعوها فهم ليسوا مهتمين بالبناء والتعمير ومعالجة مشاكل الواقع بل بتحصيل القوة وتضخيمها واضعاف الآخرين. يبدو لي ان مآلات الصراع الذي يديرونه ستتجه إلى محاصرة الرئيس هادي من خلال تفكيك كل المرتكزات التي يمكنها ان تواجه تهورهم في الدولة والمجتمع.
فالمراقب العادي سيجد انهم يمكرون بالكل ويعملون على لملمة القوة ومركزتها بحزم وقوة وثقة، وان تمكنوا فإن الرئيس هادي سيكون الواجهة التي من خلالها سيقودون معاركهم شمالا وجنوبا باسم الله والثورة ولن تتمكن القوى الاخرى من كبح جماح اندفاعهم فالمشترك والمؤتمر سيتحولون الى قوى هزيلة امام مرتكزات مراكز القوى القبلية والعسكرية والامنية والتجارية التي يتم ربط خيوطها بأيدي علي محسن ومن ولائه.
وكلما تضخمت قوة المراكز الاخوانية زادت فاعلية تحالفاتهم الغير منظورة والمنظورة زاد غضبهم وجوعهم وجشعهم وستأتي اللحظة التي يجعلون من السياسة فعل ثأري وظيفته اقصاء كل من يشكل تحدي لهم، وهذا الثأر الذي قد يتم انتاجه في لحظة زهو ورغبة جامحة لتعميم القوة سيتم شرعنته باسم الثورة والله والجمهورية والوحدة وملاحقة الفساد والكفرة.
يبدو لي انهم لا يفقهون وضع اليمن ولا السياسة ولغتها المرنة وطموحهم لا يخضع لمعايير التوافق بل لفلسفة سياسية مقدسة للقوة ولتبرير كل فعل طالما نتائجه العملية مراكمة القوة واضعاف أي منافس او خصم، ربما لا يدركون انهم واقعون في بؤرة سوداء من الغوغائية تحركها شهوانية سلطوية قاهرة لذا فإن فهمكم للواقع ونتائج اعمالهم مصابة بخلل وربما تقود الى حرب اهلية لن ينجو منها اليمن، انهم يمارسوا الاستراتيجية التي اتبعوها في بداية الثمانينيات من القرن الماضي لكن في ظل اذرع قوية ومتماسكة في بنية الدولة والمجتمع، وانتفاضة شبابية متحمسة للتغيير، ولديهم تصور ان كل القوى سترضخ لهم وان القوة التي يملكوها صلبة كانت او ناعمة كفيلة بحسم خيارات الآخرين لصالحهم.
ما يحدث في بنية المؤسسات والاستراتيجية الكلية لادارة الصراع يوضح ان الوعي الاخواني بأجنحته المتعددة يعاني من بؤس مركب في طريقة إدارة الفعل السياسي ولن يتحرروا من بؤسهم الكفيل بنسف مستقبلنا ان لم يتم ضبطهم وان لم يقتنعوا ان السياسة ليست عداوة وان جوع القوة الذي يعانون منه قد يقودهم الى حتفهم ويدخل كل الاطراف في معضلة معقدة لا مخرج منها. فالانفعال الغرائزي الذي انتجته الاحتجاجات جعلهم يفقهون السياسة بوعي بدائي وهذا الوعي غالبا ما يصاب اصحابة بالفشل وينتجون اعمال ظالمة والوعي الفاسد هو بذرة فناء نفسه.
المؤشرات الموجودة امامنا والتي تنتجها الاسلاموية الاخوانية اليمنية بتركيبتها المعقدة تقول بالفصيح ان التغيير الذي يحتويه خطابهم تمويهي ومخادع ويناهض واقع فرض السيطرة التي يتم انتاجها كل يوم لذلك فإني أرى انهم يمثلوا التحدي الاكبر امام القوى المدنية والمعركة طويلة ومازالت الامور في خطواتها الاولى، لكني على يقين أن الامر سينتهي بكل اعداء الحرية اين ما كانوا الى مزبلة التاريخ ان لم يتعضوا!!!

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي