دمشق. أغمض قلبي عليك

يوسف الخضر
2012 / 7 / 31

دمشق.   أغمض قلبي عليك ... فأغفو في ثنايا جدرانك العابقة بالتاريخ وفرحِ الأيام المنذورة من عمري . أتدثر بياسمينك الندي  في أمسياتك الصيفية الوادعة  ، فأغرق بدفء ابتسامتك الحانية من غير حكاية  قبل النوم ، أطوف أزقتك وحواريك  . أعود إلى طفولة
فرت من مسافات السنين وحقائب الغربة  .  ألتقي في أزقتك الدافئة كل يوم  الباعةَ المتجولين ؛  ( التماري  ، والكعك ، وجوز الهند ، والغزلة ) فأشتري ما أحب بفرح غامر . أتوقف عند بائع ( الحبوب ) في صباح شتويٍّ  بارد قبل دوام المدرسة .
أتقافزُ بين برك الماء الصغيرة حرصاً على نظافةِ حذائي . أمر على بائع الخضار ( أبو عبدو ) واللحام ( أبو موفق ) أوصيهما بأغراض الغداء . نتدافع على باب المدرسة عن قصد .  أشعر بغرور فرح لأني كتبت واجباتي المدرسية كلها . أستاذ الحساب يعرف أبي وهذا يتطلب مني أقصى حالات الانضباط الثقيل على نفسي ؛ لا أصدق متى تنتهي حصتُه فأعود إلى طبيعتي الطلابية . أيام ُ
رمضان مازالت تسكن سمعي وبصري وأنفي ولساني ، صوت أذان المغرب ينشرُ الأمان في الأفق المودِّع ، و يْؤذنُ بانتهاء صبرٍ ثقيلٍ وجميلٍ في الوقتِ نفسهِ ، وخصوصاً بعد مقاومة مضنيةٍ لروائح الطعام  المسيلة للعاب ؛ تغريني بالاستسلام  حين تستولي  على كل زوايا البيت ، لكنْ من يجرؤُ على البوحِ بذلك  ؟ نَسعَدُ بقدومه ونفرح لرحيله  ، ولم أحاولْ يوماً تفسير ذلك الفرح وتلك السعادة  . ينصبون الأراجيح  في أول الحارة قبل يوم أو يومين إيذاناً بقرب العيد الذي تسبقه أيضاً حفلة ( التعزيل ) المضنية ( تنظيف ، دهان ، وطرش الجدران الجبسية )  كانت الأيام ملونة زاهية صاخبة أكثر من رسوماتنا في دفتر الرسم  . نحلم بالعيديات ونستخدم  لحسابها الجمع والطرح و جدول الضرب الذي أُكرهنا على حفظه أياماً . ساعات النهار لاتكفي للعب والسلام على الأهل والأقارب والجيران والضيوف والطعام معاً ؛ يبدو النهار قصيراً يغصُّ بأعمال وتنبيهات الأهل ، نتهرب من أدائها لإشباع نهمنا من اللعب  المباح . إنه العيد الذي لم نعد نعيشه أونحسُّ حتى بالقليل من مباهجه . ذكراه تلازم أعمارنا وترتحل معنا عبر الأزمنة والأماكن . يتملكنا خيال دمشق وربيع غوطتها وصباحاتها الذهبية ، يتسلل منها صوت فيروز عبر أهداب الياسمين وخدود الورد البلدي والخبيزة والعِطْرة المصطفة على حرف البحرة المتربعة في صحن الدار كالعروس المتألقة أبداً . نجلس في ظل شجرة النارنج التي صارت أحد أفراد العائلة ، نرتشف القهوة الزكية . لا أحدَ يتصورُ  صباحَ  دمشق  من غير فيروز . إنها دمشق الحلم  ، قدرنا الذي نسكنه ويسكننا ، امتزج بأرواحنا وعروقنا شئنا أم أبينا ؛ مَن زارَ دمشقَ لابدَّ أن يغرفَ منه ولو القليلَ ، يتزود به في عودته وإن كان عابرَ سبيل ، فقد اعتادت أن تُسحرَ ساكنيها وزوارُها في تفاصيل أزقتها و دروبها و الأيام  أوالساعات التي يقضونها فيها ، لافكاكَ لك من سحرها مهما جربتَ من أحرازٍ وتمائمَ ورُقىً ، وزرتَ من السحرة والشيوخ والدراويش . دمشق تخبئ كلَّ أسرار الدنيا في أحجارها الصامتة لا تبوح إلا بقطرات منها لمن أخلصَ في عشقها، وأعلن حلوله وتوحده مع ترابها، تُبلِلُ شفاه الظامئ فيرتوي وتجرِّعُ حلوق المرتوين فيزادون عطشاً، لا أحد يستطيع فك رموزها وقراءة مابين أحجارها ، مزيج من جغرافيا الأرض  ، وتاريخ البشرية ، خليط من جميع العصور بسموها وانحطاطها، لا أحد  يقدر على رسم أطلس كامل لها ، ولا يوثِّق تأريخاً دقيقاً لأحداثها ، ولا رسامَ يكشف أسرار وجهها ؛بياضُ الياسمين وسمرة الصحراء ، عيون أشبيلية وشفاه مراكش ، غرة الغوطة وجيد القيروان ، خِمارُ بغداد وعباءة الحجاز ، نسائم بردى وإغفاءة النيل . على ثوب غوطتها نثر الشعراء قوافيهم وغسلوا قدميها بطيب "بَرَدَاها" . يركع الفاتحون و المؤرخون والساسة والقادة  أمام ركبتيها يخطبون ودَّها ،  معتذرين أو تائبين ، طامعين أو حالمين ، فينصرفون حائرين ،  وكل يظن أنه المستجابُ له الأثيرُ لديها ،  ولسانُ حالها يقول إلى كل هؤلاء : " اذهبوا فأنتم الطلقاء "  . إنها دمشق لا حدودَ للزمان والمكان فيها . منها ابتدأ التاريخ  ، وهي من تحددُ منعرجاتِه ومحطاته  ، وإليها ينتهي .  مرت بها أقوامٌ وأقوام ، رحلوا ولم يبقَ منهم سوى الذكرى ؛ غزاة وفاتحون  ، ومستعمرون وأباطرة وملوك وخلفاء وسلاطين  ، وأمراء ورؤساء ، لم يبق منهم سوى صفحات ٍ أو سطور أو كلمات في أرشيفها  ، أو أحجار في فسيفسائها تُكْمِلُ بها لوحةَ الحضارة البشرية   
وتاريخ العالم .
إنها " فسطاطُ المسلمين وعقرُ دار الإسلام ، تبسط الملائكةُ أجنحتَها عليها . فيا طوبى لك" . يا دمشق. 

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي