اليمن من الانتفاضة الى بشمرجة النخب

نجيب غلاب
2012 / 7 / 30

ما هي الثورة في اليمن؟ تبدو في ظل التحولات المتلاحقة ومؤشرات النزاع وكأنها حالة انتحار مجاني للانتقام، ومع تراكم راكبي الموجة ظهرت وكأنها اشبه بداعرة خبيثة مارست الفحش طوال حياتها ثم ارادت ان تنتقم لا من تاريخها الذي صاغته بل من الطهارة الشابة التي هي نقيضها وبوابة خسارتها.
الثورة لها اسباب متعددة وأولها اقتصادي ونتيجة لتناقضات معقدة في بنية المجتمع والسلطة واستمرارها ان لم يحدث التغيير الفشل والموت، فالأزمات المتراكمة عندما تبلغ حدها الاعلى فإما يتغير الواقع ليتجاوز امراضه أو ان يموت الجسد، ما يحدث في اليمن أن الفشل يصاغ بثورة تعيد انتاج ازمات اكثر تعقيدا، لذا يبدو ان الحياة التي يتم نحتها بفلسفة الصراخ الثوري وكأنها تبحث عن مشنقة
في اليمن كم هي اسباب الثورة ومبرراتها؟ وكم كنا نحتاج الى ثورة تنسف كل شيء بلا استثناء؟ ثورتنا كانت فريدة ركزت على الشخص فاصبحت ثورة نخبة على شخص لم يوزع الغنائم بشكل عادل بين اللصوص، البقية الباقية لما يسمى ثورة ليسوا إلا قوة مضافة تتسم بعنجهية مطبوخة في خلايا الاحزاب وفي دهاليز مراكز القوى، لا تستغربوا ان تنتهي اعظم انتفاضة شبابية بتقسيم الغنائم بين قوى النظام الذي أراد الشباب اسقاطة، سقطت الانتفاضة وانتصر النظام أليست هذه من عجائب التاريخ، ورغم الفشل الماحق إلا انه يتم مراكمة الفشل بنفس الخطاب والآليات التي انتجة الفشل، الامر بحاجة إلى مناقشته ما حدث وابداع خطوط جديدة للخروج من المعضلة وبواقعية تساعد على تفكيك الازمات وتبحث عن تصحيح الخطوط حتى بالحد الادنى، وتبدو لي ان المبادرة وآليتها واقعية وبالامكان من خلالها ان تنجز التغيير، المشكلة ان التخبط برفضها او بالحديث عن التحرر منها بحرك ثوري جديد، والقصة وما فيها التركيز على الشخص، بمعنى أننا لم نغادر النقطة التي تم خنقنا فيها.
لماذا لا نتحدث عن التغيير والتأسيس له عبر المشاريع والدفاععنها؟ لماذا لا يتم الاجابة على سؤال ما هو المستبقل الذي نريده؟ لماذا همنا الاكبر الشخص لا غير، اتدرون لماذا؟ لان الانتفاضة صارت هي الذراع الفعلي للنظام الذي كان يجب ان يسقط، هنا المشكلة، وهنا العقدة التي لم يتم استيعابها بعد، لقد تحولت الانتفاضة حتى بتطوراتها التي تبدو نقية وصادقة الى بشمرجة نخبة لا الى قوة مراهنة على الشعب. تم توريط الوعي الباحث عن التغيير في اغلال كثيرة إلا ان اشدها انهم جعلوا الانتفاضة بقضها وقضيضها ومازالوا على شخص فخانوا التاريخ وحاجته الملحة لينتقل الى المستقبل وقتلوا التغيير بإعادة انتاج النظام!!!
ركزوا ولاحظوا الواقع كما هو لا كما تتخيله غوغائية القطيع المنتحرة في شعارات ومقولات عامة بليدة، لقد نهب اللصوص البلاد والعباد ومازالوا وهم الآن أشد وطأة، اشبعونا شعارات ومشاريع زائفة والواقع يزداد ألما وفقرا والكل يدوي بالكلام الكبير وبلا فائدة فها هو الشعب مازال يأكله الجوع والقهر بل ان الوطن بكليته على كف عفريت.
صدقوني حاولت ان أتفاءل ان ارسم لنفسي أملا، ما ألاحظه ان اللعبة أنتهت، من الواضح ان فكرة الثورة وفق الحلم الطوبائي انتهت بل انه تم خنقها قبل ان تولد ومن يتحرك بأمل ان يعمل ثورة في المستقبل المنظور يلحس كوعه، انها حالة تفريغ متفق عليها ليس إلا.
متى أيها الناس يتحرر اليمن من ماضيه وأخطائه المتراكمة التي تخنق مسار نهوضه؟ متى يتحرر من مصاصي دماء مستقبله!! ومن وعي الماضي الذي يعيد انتاج الواقع بتفاصيله المملة.
تلفتوا وستجدون ان الجمهورية لم تتحرر من الواقع الذي يقدها بوعي تقليدي تراكم عبر التاريخ، والنتيجة انها انتجت لنا سلاطين اكثر تخلفا وجشعا وغباءً، تراكمت اخطاء الجمهوريتين ثم جاءت الرغبة في الثورة بعد ثورة للتجاوز اخطائها فتحولت الثورة إلى بؤس مركب اعاد انتاج الخبث بابشع صوره، مازلنا حتى اللحظة في بؤرة التناقضات وفي قلب الواقع الذي لم يتغير، لا شيء يوحي بالتغيير ولا بالانتقال كل السلاطين مكانهم ومن نقصت قوته أعاد بنائها، والحالمين بالسلطنة يبرزون كأنياب عطشى للغنائم.
ما هو الجديد الذي ترونه؟ الساحات التي اصبحت عشوئيات ام الاعلام وخداعه وتزويره، انعدم الفكر الجديد وقتل الابداع في اغتيال منظم للعقول أم في الرضوخ لمصاصي الدماء وغوغائيتهم، أما الصراعات التي تنمو كل يوم كالفيروسات القاتلة!!
ما الجديد؟ صار لدينا شهداء ليس إلا، هذا ما يجعل البعض يصر على الانتقام لهم لا انجاز الحلم الذي جعلهم يضحوا من اجله، لا شيء إيجابي يبث في شرايين الحياة امل بالخروج، راقبوا واقع حال الناس الفقر اتسع ربما الانجاز ان صالح رحل من الكرسي ومازال وكأنه سلطان زمانه، لا شيء يوحي بالتفاؤل خسرنا اكثر وتهنا اكثر، الماضي ابتلع ثورة ليعيد انتاج نفسه!!! ومن يتكلم عن المستقبل يحدثنا بلغة الماضي نفسها. لا امل أرى، الفساد يملئ المكان الناهب الاول ازداد جوعا ودخل جائعون جدد وهات يا نهب وسرق، والخداع يبحث عن تعويض لخسائره، أما من قال ربي الله والوطن خط احمر رمي في قعر جهنم بخبث الملاعين اللصوص!!!
لا خلاص!! أي سلام بالامكان الدفاع عنه في ظل قلة مختلفة حتى العمق واتفاقهم الوحيد ان يمتصوا دمك وكيف يبرمجوك على امتصاص دمك!!! ليتم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بلا شروط ومطالب جديدة حتى يتم انقاذ ما يمكن انقاذه حتى تنطلق مسيرة التغيير بثقة وفي ظل الامن والسلام!!
الغاضبون متحفزون بالكلام الكبير الذي مللنا منه وصار حجاب وعائق امام التحول، إلا يرون الجوعى في كل مكان، مشكلة النخب انهم تائهة في الفيسبوك وتويتر والصحف والفضائيات يفرزون خبث وطهر وخداع، إلا تدرك النخب ان الفقراء لا علاقة لهم بهوس النخبة ولا يتابعون صراع المفترسين لانهم يعانون من نقص في اللقمة ليس لديهم ترف ان يشتروا صحيفة ولا ان يسمعوا نشرات الاخبار انهم مهمومين حتى العمق باللقمة التي تسد جوعهم. لقد اصاب شعب الملل والنخب يتصارعون على السلطة والثروة ويبدو ان وظيفتهم الافتراس وامتصاص ثروة البلد وكلما زادت صراعاتهم فإن نتائج اعمالهم تعاظم عدد الجوعى والفقراء والتعساء. انهم يتقاتلون ويملؤن حياتنا بالبؤس ليس إلا!!!
هؤلاء المتقاتلون بأنياب اسطورية يمتصون الحياة في بلادنا التعيس بدهاء داعرة محترفة، بخداع ممثل لا يدرك ان الشعب يتقيأ من كثر العجن واللت والخطاب المكرر، هل بإمكان احد هؤلاء ان يضحي من اجل هذا الوطن، وحده صالح رحل والباقي يصرخون كالذئاب نحن نضحي ونبذل ونعطي وفقط من اجل اليمن، والكل يبحث عن القوة ومنهم من تهور صار يبحث عن تعويض من قوت شعب جائع، هؤلاء هم صورة الدجل لا استثني احداً منهم، انهم يسعون بشهوة شيطانية لمراكمة الفساد حتى يتمكنوا من اكل اللحم والعظم وشرب الدم على سيمفونيات الفوضى، لا يريدون ان يحاسبهم الشعب ويرفضون النقد، فكيف لمن يدعي انه ابو الوطنية أو انه ابو الثورة ان يُحاسب أو ينتقد من اوباش الوطن ومن الفقراء والمساكين والاحرار الباحثين عن وطن من سلام للكل بلا استثناء.
واختم بألمي المحفور بسكين على صفحات شراييني المتفجرة وأقول كل الانتفاضات في المنطقة نسفت الخوف صار غبارا وفي اليمن يتم مراكمة الخوف كل يوم، صار الشعب يصحوا وينام على حلم وحيد على ديكتاتور يمتص دمه للشعر بالأمان على بقايا حياة في وطنه التعيس، العاصفة لا يراد لها ان تنسج التغيير بخيارات محسوبة وبتقنيات مراهنة على الوطن، البعض يحلم بالهيمنة وينسج بالطوبى المقتولة مستقبل تصنعه خيالات مريضة، يبدو الاستبداد قادم بوجه مختلف، واقع لم يتغير على مستوى الوعي، ربما الصور مختلفة إلا العقل واحد، إلا ترون حولكم مازالت قوى النظام تعمر استمرار المؤسسة بعد ان رحل الشخص، انها المؤسسة مازالت قائمة دمها الفساد ولحمها مراكز القوى وعظمها قتلة من كل نوع!!!

انقطعنا لان الموقع كان محجوبا .. الآن فك الحجب تقبلوا خالص مودتي

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير