اليسار غائب عن موقعه..!!؟؟ أي حركة سياسية .. أي حزب نريد؟؟

منيف ملحم
2002 / 9 / 25

منتدى اليسار للحوار

-2-

اليسار غائب عن موقعه[1]...!!؟؟

أي حركة سياسية .. أي حزب نريد؟؟

منيف ملحم
إن عنوان هذه الندوة، يفصحُ عن أزمة قائمة في موقع اليسار، وباعتقادي أن لهذه الأزمة، بعدها العالمي، كما المحلي.. وأن هناك علاقة، بين البعدين. وبشكل خاص مدى تأثير العالمي على المحلي. إلا أن مواقعاً أخرى لليسار في العالم تبين أن الأزمة لدينا مركبة وأن البعد المحلي يحمل أهمية خاصة واستثنائية. تدخل ضمنه عوامل محلية خاصة بساحتنا العربية والسورية.

لذلك فإن دراستنا. وهي لا تهمل ما للعامل العالمي من دور في هذه الأزمة. فإنها ستركز اهتمامها على العوامل المحلية.

 

أزمة ماركسية، أم أزمة الماركسية؟؟
ترى الماركسية أن الفكر هو نتاج الواقع الموضوعي وانعكاس له (لكن من السذاجة تصور الأمر وكأنه انعكاس صورة في مرآة) وأن تطور الواقع يفضي إلى تطور الفكر الذي يقوم بدوره وبعد أن يتحول إلى فعالية ببشرية إلى تطوير الواقع.. وهي علاقة جدلية مفتوحة ما دام الإنسان يعيش في هذا الكون.

والماركسية التي كانت نتاج نشوء وتطور الرأسمالية – لقد خصص ماركس معظم جهده وكتاباته في تسليط الضوء على طريقة عمل الرأسمالية محللاً قوانينها وآليات عملها وذلك في كتابه الشهير نقد الاقتصاد السياسي – رأس المال -  والصراع الطبقي. الذي تبلور في أنقى أشكاله في ظل الرأسمالية. ستظل حية ومتطورة مادامت الرأسمالية حية ومتطورة.

إن الماركسية ذات بعد طبقي وإنساني. تسعى إلى تدمير الرأسمالية كنظام انتاج. والانتقال إلى نظام إنتاج نسميه حتى الآن نظاماً اشتراكياً.

بموت الرأسمالية سوف يموت البعد الطبقي في الماركسية ويبقى جانبها او بعدها الإنساني. فالإنسان هو الغاية والهدف بالنسبة للماركسية.

إن ماركس الذي حلل طريقة عمل الرأسمالية. استنتج حتمية موتها. وهي حتمية تاريخية جدلية مفتوحة. لا حتمية قدرية إلهية ولا حتمية ميكانيكية. وذلك باعتبار أن هناك فعالية بشرية قائمة فيها. لذلك قال إما اشتراكية وإما همجية.

إن التاريخ لا يقلل "عقله" فيخلق نمط إنتاج ليستمر في الحياة قرن أو قرنين. لذلك نقول لأولئك الذين ملّوا الانتظار بعد ماركس. لم يحن الوقت كفاية بعد. على الرغم من أن الرأسمالية ونحن ندخل الألف الثالثة تعاني من أشد تناقض بين قوى الإنتاج المتطورة والعملاقة – والتي طورتها الرأسمالية ذاتها – وبين علاقات الانتاج القائمة على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج. وهي علاقة تكبح إمكانية الاستفادة من هذا التطور العملاق لـ 80% من الجنس البشري. وتحصر الإفادة من هذا التطور بـ 20% من سكان الأرض. كما أنها وباستخدامها اللاعقلاني لموارد الأرض. تدمر بلا رحمة هذا الكوكب الجميل – ثقب الأوزون، النفايات الذرية، استهلاك الطاقة للأعمال العسكرية، نفقات الفضاء للأعمال العسكرية.. الخ -.

*  *  *

إن التجربة التاريخية تعلمنا «أن هناك فترات في التاريخ يحدث فيها تضخم مفرط في الممارسة وضمور شديد في الفكر (وهو ما حصل في النصف الثاني من القرن الماضي). وقد يحصل أن تكون الممارسة عدوة للفكر أحياناً. وقد يتأذى الفكر أحياناً من صلاته بالممارسة وهذا هو الجدل في أصفى أشكاله[2]». فالفكر لا يمكن أن يوجد من حيث الأساس ويتطور ويغتني إلا من خلال الممارسة وصلاته معها. كما أن الممارسة لا تستطيع على المدى الطويل أن تتجاهل الفكر - النظرية التي انبثقت منها-. «لكن هناك فترات في التاريخ ومراحل انتقالية مؤقتة أو طويلة بما فيها الكفاية يقوم توتر لا حل له بين النظرية والممارسة (وهو شيء نمر به منذ عقود) إن هذا التوتر يلحق الأذى بكل البنيان الفكري لماركس»[3].

لذلك فإن حل التوتر القائم بين النظرية والممارسة لا يتأتى من الانكباب على دراسة ونقد النظرية بغية تخليصها من عثراتها التي خلقها تطور الواقع ومن ثم العودة إلى الممارسة. كما يعتقد البعض. كما أن تضخماً مفرطاً في الممارسة مع إدارة الظهر للنظرية وكأن شيء لم يكن ليس حلاً. فكلاهما يلحق الأذى بالنظرية والممارسة  لذلك كان لا بد من العمل على المسارين معاً.

إذا كان الاقتصاد السياسي الإنكليزي والاشتراكي الطوباوية والفلسفة الألمانية قد شكلت الأساس الذي قامت عليه الماركسية فإن ماركس «قد أبدع منظومة فكرية تجاوزت في الكثير من الأحيان احتياجات الحركة العمالية التي أراد لكتاباته أن تخدمها»[4] لذلك فإن تبسيطاً قد ساد النظرية الماركسية وأخذ شكل تعليم مدرسي في بعض المراحل من النضال العمالي ولضرورات هذا النضال. ولكن هذا شيء ومحاولة إلباس الماركسية لباساً ليس لها (نظرية لاشتراكية في بلد متخلف) أو تفصيل الماركسية على قد التجارب التي مرت بها الحركة، والثورات، والضرورات، التي أحاطت بتلك الثورات والتجارب شيء آخر.

إن ماركس رأى شيخوخة بعض النصوص والمفاهيم الماركسية خلال عقد أو عدة عقود من التطور والتجربة التاريخية. فكيف لنا أن لا نرى شيخوخة بعض المفاهيم والصيغ والنصوص بعد قرن ونصف من التطور العاصف والتجربة التاريخية الغنية للحركة العمالية والاشتراكية. إن التطور الذي شهده العالم في الربع الأخير من القرن الماضي وعلى جميع الأصعدة قد يكون عادل كل ما أبدعته البشرية منذ ظهورها على هذا الكوكب. إن هذا التطور قد ترافق مع جمود نظري على صعيد الماركسية مرده هيمنة الماركسية الرسمية العامية المشوهة والمبتذلة. وتعفن التجارب "الاشتراكJ" التي حولت الماركسية إلى نظرية لخدمة سياسة البيروقراطيات الحاكمة.

لذلك فإن مهاماً كبيرة تقع على عاتق الماركسيين الثوريين تتمثل في:

1-      القيام بفرز حقيقي بين الماركسية الثورية والماركسية العامية المبتذلة والمشوهة

إن سيطرة الستالينية على الحركة الشيوعية والعمالية العالمية لأكثر من نصف قرن وإخفاق الثورات في البلدان الصناعية الكبرى في أوربا والتي لعبت فيها الستالينية دوراً كبيراً سواءً بسياستها الرامية إلى توظيف المبدأ الأممي في الماركسية لخدمة الدولة الستالينية بدلاً من توظيفها لخدمة الثورة العالمية أو بسبب المثال المشوه والفظ للاشتراكية التي قدمته الدولة الستالينية لعمال الغرب الرأسمالي.

هذا الإخفاق عاد فلعب دوراً كبيراً في استمرار الستالينية وسيطرتها على الحركة العمالية والشيوعية.

إن سيطرة الستالينية  ولد مفاهيم وأطروحات ومبادئ وسياسات اعتبرت جزءاً من الماركسية أو تطبيقاً لها (الاشتراكية في بلد واحد، الاشتراكية في بلد متخلف – اليمن، أثيوبيا-، احتقار الديموقراطية البورجوازية، إعدام الديمقراطية الاشتراكية، إعطاء صورة مشوهة وفظة عن ديكتاتورية البروليتاريا، تشويه الموقف الأممي.. الخ). كما أوقع تيارات ماركسية ثورية في مطبات الستالينية بين الحين والآخر.

2-      الوقوف على أرض الماركسية الثورية بمنهجها المادي الجدلي والخروج من أسر النص بدلاً من الوقوف عليه.

اعتادت الكتابات الماركسية في المرحلة الماضية سواء في الدراسة أو التحليل لأي مسألة. اعتادت اللجوء إلى الإكثار من الاستشهاد بالنص الماركسي سواء أكان النص لماركس أو لينين أو تروتسكي او ستالين  وذلك دعماً لصحة التحليل أو الدراسة أو الموقف وكلما كانت النصوص المستشهد بها أكثر كلما بدى الرأي أكثر صحة. وهو شيء شابه إلى حد كبير استشهاد المؤمنين بالنص الإلهي أو أحاديث الرسل.

إن الطريقة التي تم التعامل بها مع النص. جعلت للنص صفة القداسة وأدخلت الماركسيين في وعي ديني إيماني.

لقد استخدم ماركس منهجه المادي الجدلي لاستنباط منظومة فكرية واسعة من المفاهيم والقيم والمبادئ والنظريات (الدولة، التشكيلة، البونابرتية.. الخ) وبنفس الطريقة يمكننا استخدام هذا المنهج لتحليل واقعنا واحتياجاتنا دون العودة وفي كل لحظة إلى النص أو القياس.

3-      النظر إلى منهج ماركس المادي الجدلي باعتباره أفضل وأرقى ما أنتجه الفكر البشري حتى الآن بدلاً من النظر إليه كونه كلي القدرة "فيه شفاءً للناس" مع إمكانية استخدام مناهج علوم أخرى مثل علم التحليل النفسي، (علم نفس الطبقة، علم نفس الجماهير، .. الخ) خاصة أن هناك كتابات قيمة لكتاب مثل رايش وفروم على هذا الصعيد.

4-      إعادة النظر ببعض الصيغ والمفاهيم النظرية مثل (الطبقة، الدولة، ديكتاتورية البروليتاريا.. الخ) والتي يفترض تطور الواقع إعادة النظر فيها.

5-      إنتاج نظرية برنامجية للتغير والثورة على صعيد واقعنا العربي والسوري بإطار البرنامج الأممي.

 

اليسار . الدور التاريخي
الحاجة والضرورة

إن المغرمين بالديمقراطية البورجوازية ينسون أن مفاهيم مثل الحرية، العدالة، المساواة، لم تترسخ كقيم إنسانية وتغتني وتأخذ مضمونها الذي هو عليه الآن. لولا الحضور القوي  والمشاركة الفعالة والنشطة لأسلافنا الديمقراطيين الثوريين في أوروبا قبل أن يتبلور التيار الاشتراكي العلمي على يد ماركس وأنجلز. وإن الحركة الاشتراكية سواءً في أيام ماركس أو بعده هي التي استطاعت أن تعطي الشكل الديمقراطي لحكم البورجوازية هذا المحتوى من المضامين التي نطمح اليوم نحن في سوريا للحصول عليها.*

فالديمقراطية بمضامينها وأشكالها الحالية هي حصيلة تطور تاريخي طويل للبشرية منذ جمهورية روما والجمهوريات اليونانية القديمة وحتى الآن. وهي نتاج مصلحة رأس المال باعتبارها أقل أشكال الحكم كلفةً للبورجوازية وتراكم نضالات الطبقة العاملة العالمية وفي مقدمتها القوى الماركسية.

كما ساهم انتصار ثورة أكتوبر في توسيع وتعزيز هذه الديمقراطية في البلدان الرأسمالية. وخاصة بعد هزيمة الفاشية في الحرب العالمية بالثانية.

إن دولة الرفاه التي قامت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وبشكل خاص في الستينات والسبعينات من القرن الماضي نهضت ليس على تطور القوى المنتجة في ظل الرأسمالية فقط (لسنا بصدد الحديث الآن عن الدور الذي لعبه استغلال المستعمرات ونهب الشعوب) وإنما كان لليسار الأوروبي والعالمي بكل تلاوينه دوراً أساسياً في تحقيق هذه المكاسب والإنجازات التي نعمت بها شعوب تلك البلدان. ولنا أن نشهد اليوم وفي ظل تراجع وضعف حركة اليسار كيف تحاول الرأسمالية التراجع عما قدمته وانتزاع المكاسب التي ظفرت بها شعوب تلك البلدان، وما حركات الاحتجاج التي تقوم بها الشبيبة في سياتل وبراغ وغيرها (وهي حركات في معظمها من اليسار) إلا كفاح من أجل منع الرأسمالية من انتزاع هذه المكاسب في ظل النظام العالمي الجديد والعولمة الامبريالية.

إن كل ذلك يجعلنا نعتقد أن الحاجة إلى وجود حركة لليسار في أي ساحة مسألة لا يمكن الاستغناء عنها. ليس فقط من أجل الكفاح للإطاحة بالنظام الرأسمالي. وإنما من أجل كبح وحشية الرأسمالية وتخفيف آلام البشرية في مسيرتها على طريق الانتقال من "عالم الضرورة إلى عالم الحرية".

إن الحاجة إلى حركة لليسار هي حاجة دائمة، ولكن كما أنه يمكن أن تمر لحظات في التاريخ تكون فيها الحاجة إلى حركة لليسار ضرورة تاريخية لا بد منها ويتوقف على وجودها انعطافات في العملية التاريخية تؤثر ليس على مستقبل الساحة المعنية بعينها فحسب لعقود طويلة وإنما على مستقبل الإنسانية جمعاء. فإنه يمكن أن تمر لحظات في التاريخ يكون فيها وجود أو عدم وجود هذه الحركة سيان.

ولكن بما أن حركة اليسار لا يمكن بناؤها في كل لحظة وعند الطلب. توجب العمل على الشروع في بنائها عندما يكون الوضع (الذاتي والموضوعي) يسمح بذلك ومن هنا تأتي حاجتنا إلى الشروع ببناء حركة لليسار السوري. كجزء من اليسار العربي والعالمي.

 

لماذا اليسار غائب؟؟

إن من أبرز السمات التي وسمت ساحتنا السورية وميزتها عن ساحات كثيرة عربية وعالمية هو السيطرة المطلقة للخط الستاليني السوفييتي منذ نشوءه وحتى أوائل الثمانينات من القرن الماضي وغياب أي تيارات سياسية أخرى طوال نصف قرن (ماوية، تروتسكية، يسار جديد.. الخ) هذا الغياب خلق نوع من الرضى لدى قادة الحزب الشيوعي الرسمي. كما غيب أي تنافس أو صراع سياسي – نظري. وبالرغم من ذلك. فقد استطاع الحزب الشيوعي السوري. ملء الساحة السياسية لليسار لأكثر من نصف قرن×.

على الرغم من أنه مر بفترات من النشاط العلني والشرعي كما مر بفترات قصيرة من الملاحقة والمنع. مع نهاية عقد الستينات وبداية عقد السبعينات من القرن الماضي عرف الحزب أزمة عميقة نتج عنها حدثان هامان في مسيرته.

الأول: انضمامه إلى تحالف مع حزب البعث الحاكم بما عرف الجبهة الوطنية التقدمية وهو ما شكل مقتله وسقوطه النهائي.

الثاني: انشقاق حقيقي داخل الحزب أسفر عنه تشكيل ما عرف لاحقاً الحزب الشيوعي المكتب السياسي.

إن الجناح المنشق حاول بعد خروجه من جبهة النظام أن يملأ الفراغ في موقع اليسار وقد نجح في البداية في تشكيل عامل جذب واستقطاب للكثير من المنخرطين حديثاً في الفكر الماركسي. خاصة وان هذا الفكر قد انتشر انتشاراً واسعاً في صفوف الشبيبة بعد هزيمة حزيران وصعود المقاومة الفلسطينية وتمركس بعض أجنحتها. وسقوط برامج البورجوازية الصغيرة الثورية في مصر وسوريا. ولكن مع نهاية السبعينات كان الحزب قد فقد ثلثي أعضاءه ولم يعد يشكل عامل جذب للماركسيين الجدد بعد أن أخذ يبتعد عن الماركسية ويتبنى أيديولوجيا شعبوية هي خليط من الدين والقومية والماركسية والليبرالية.

إن الأزمة داخل الحزب الشيوعي التي بدأت في نهاية الستينات وما أسفر عنها ترافقت مع ولادة ظاهرة الحلقات الماركسية التي أفرزت عدة منظمات ماركسية و(المنظمة الشيوعية العربية، اتحاد الشغيلة، النهوض، حزب العمال الشيوعي الفلسطيني، اتحاد الشيوعيين ..الخ) كان من أبرزها رابطة العمل الشيوعي التي تأسست عام 1976 وعرفت بعد عام 1981 باسم حزب العمل الشيوعي. إن حزب العمل الشيوعي، الذي انطلق من مشروعية وجود فصيل شيوعي ثوري، على يسار حركة شيوعية متكونة تاريخياً، ومعترف بها من المجمع الكنسي في موسكو، حقق ما طمح إلى بناؤه فقد كان حزب العمل الشيوعي ومنذ تأسيسه وحتى توقف نشاطه في عام 1992 على يسار الحركة الشيوعية الرسمية بكل انشقاقاتها وتلاوينها. واستطاع وعبر عقد ونصف تقريباً ملء الفراغ في موقع اليسار الذي تركه الحزب الشيوعي الرسمي سواء منه الواقع تحت هيمنة النظام الديكتاتوري، أو ذلك الذي وقف في المعارضة.

ولكن الوقوع على يسار الحركة الرسمية مع البقاء على أرضها شيء والوقوع على يسارها من خارج أرضها شيء آخر.

فرغم المحاولات الأولى التي بذلها الجيل الأول من الحزب للخروج من أرض الماركسية الرسمية وأسرها وعلى الرغم من تحقيق بعض النجاحات  في كسر هذا الطوق. إلا أنه لم يستطع بالعام الخروج من هذه الأرض. بل إنه مع مرور الزمن أخذ يقترب أكثر فأكثر من هذه الماركسية الرسمية العامية والمشوهة وهو شيء أصبح مدعاةً للاعتزاز والفخر عند بعض قادة الحزب (بدأنا في حزب العمل بعيدين عن موسكو وها نحن مع الزمن نقترب شيئاً فشيئاً دون أن نتخلى عن نقدنا).

إن حزب العمل الشيوعي الذي ملأ موقع اليسار في نهاية السبعينات والثمانينات من القرن الماضي جوبه بحملات قمع دائمة ومستمرة من قبل الديكتاتورية تميزت بأشكال وطرائق لم تعرفها الساحة من قبل (اعتقال الأصدقاء، قارئي مطبوعاته، الرهائن، أعداد كبيرة من النساء، شدة وأنواع من التعذيب "الحديثة")

مع منتصف الثمانينات كان واضحاً بأن ميزان القوى يميل باتجاه تصفية الحزب. ومع بداية التسعينات كانت الديكتاتورية قد حطمت منظمات الحزب أو فككتها. وبلغ عدد المعتقلين بتهمة الانتماء للحزب سواء منهم من استمر لسنوات طويلة أو لفترات قصيرة بضعة آلاف معتقل. كان من بينهم مئات النساء.

بالرغم من كل هذا ظلت الساحة السورية تشعر بظلال حزب العمل الشيوعي تملئ ساحة اليسار سواء أكان معتقلاً في الأقبية والمعتقلات أو كان واقفاً أمام محكمة أمن الدولة العليا.

إن القمع والاعتقالات من العوامل الأساسية في تصفية حزب العمل الشيوعي. ولكنها لم تكن العامل الأساسي الوحيد. إذ أن القمع والاعتقال لم يمنع مناضلي الحزب من ممارسة نشاطهم السياسي والنظري والتنظيمي داخل المعتقلات لمدة عقد كامل تقريباً. وكأنهم في استراحة محارب. ولكن مع بداية التسعينات ومع تفكك "المنظومة" ومن ثم انهيارها والتطورات الدولية التي أعقبت هذا الانهيار ورافقته (حرب الخليج الثانية) شكلت مقتلاً حقيقياً للحزب ليس على صعيد تفكك هيئاته الحزبية ونشاطه السياسي – النظري داخل المعتقلات بل على صعيد انهيار القاعدة النظرية – السياسية التي استند إليها الحزب طوال وجوده وأعني الماركسية الرسمية.

لسنا هنا بصدد ذكر التيارات والآراء التي طرحت عقب الانهيار. فقد تكون تغيرت بعد انتهاء الزلزال وتنسم حاملوها روائح الحرية.

*  *  *

 

إن عقد الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي شهد تحولات نوعية في تركيب البنية الطبقية ليس على صعيد سوريا فحسب بل على الصعيد العالمي. كان من أبرزها انهيار الطبقة الوسطى في كثير من المجتمعات وبداية تمركز وتركز جديد للثروة من جانب وتركز وتمركز جديد للفقر من جانب آخر.

وبانهيار الطبقة الوسطى فقد اليسار واحدة من أكثر طبقات المجتمع حراكاً سياسياً. وهي الطبقة التي منحت اليسار مفكريه وقوته التنظيمية في ساحة مثل ساحتنا وقد ترافق هذا الانهيار للطبقة الوسطى مع انهيار التجربة السوفيتية. مما خلق تشويش كبير وعدم توازن نظري سياسي في وعي هذه الطبقة وهو شيء ليس مستغرباً عليها في لحظات الهزائم والانكسارات.

إن الوضع الذي وجدت نفسها فيه والرعب الذي تعيشه من وضعها المعاشي. دفع قسماً? منها إلى اليأس والقنوط والانكفاء عن أي نشاط سياسي والركض ليل نهار وراء تأمين وضع مادي يحفظ لها ماء وجهها. كما دفع بقسم آخر إلى الانحياز لمعسكر الرأسمال عالمياً ومحلياً نظرياً ونشاطاً سياسياً آملاً أن يستطيع بتسخير إمكانياته الفكرية تحسمين وضعه المادي كخادم لرأس المال. وهي الفئة المصنفة ضمن شريحة المثقفين.

أما ما تبقى منها – الطبقة الوسطى – فهي تنتظر تطور الحركة السياسية واتجاهاتها أو تساهم بشكل أو بآخر بصنع هذه الحركة.

إن مهمتنا إعادة الثقة بالنفس لهذه الفئات وذلك من خلال إعادة التأسيس "لوعي مطابق" لاحتياجات ساحتنا والسير في مقدمة الحركة أياً كانت الصعوبات. لكن دون فروسية أو تشبيح أو خلق أوهام. وبنفس الوقت الصراع النظري - السياسي مع المروجين لفكر البورجوازية أو الداعين إلى اعتبار الديمقراطية البورجوازية هي غاية ونهاية التاريخ أو "أنه ليس هناك في عصرنا الراهنة وفي بلاد الأرض كافة، أي مبدأ سياسي منافس لمبدأ المطابقة" البورجوازي.

 

مسألة راهنة
إن المسائل المطروحة على ساحتنا السورية كثيرة ومتنوعة ومعقدة. وتأتي اليوم في مقدمتها. ومفتاحاً لها مسألة الحريات والديمقراطية وبناء دولة حديثة. وحتى إذا كانت هذه المسألة مطروحة على أوسع قطاعات من أبناء الوطن فإن القوى اليسارية ستلعب دوراً أساسياً في تجذير المسألة ودفعها بقدر ما تستطيع (ومن مصلحتها فعل ذلك أكثر من الجميع) للوصول بها إلى نهاياتها.

ولكن عندما نقول أن مسألة الديمقراطية والحريات هي المسألة المركزية في نضالنا ونضال أكثرية أبناء الوطن. لا يعني أن نبني حركتنا السياسية أو نشاطنا على مقاس المسألة المطروحة الراهنة فقط.

اليوم المسألة الديمقراطية نبني حركة ديمقراطية غداً المسألة الوطنية نبني حركة وطنية بعد غدٍ المسألة الاجتماعية.. وهكذا..

إن هذا هو اللعب بعينه بقوى المجتمع والشعب من جهة والعمل على أساس الفعل ورد الفعل من جهة أخرى. وترك فعالية الناس بدون غائية محددة وهو الشيء الذي تصفق له البورجوازية طرباً.

إن الديمقراطية والبورجوازية منها الآن تحديداً هي هدف نضالنا. علينا تحقيق هذا الإنجاز الذي حققته كثير من الشعوب قبلنا. وهضمه جيداً من أجل الانتقال عبره ومن خلاله وبه إلى أهداف أخرى. اجتماعية – اقتصادية – سياسية – وطنية. وبالتالي فإن الديمقراطية ليست غاية التاريخ وإنما الإنسان هو الغاية والإنسان بحاجة إلى الديمقراطية. ولكن معها بحاجة إلى أشياء أخرى. وكما أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان فكذلك  ليس بالديمقراطية وحدها يحيا الإنسان.

إن ما يميز حركة اليسار عن غيرها من الحركات والقوى السياسية الأخرى هو أنها تأخذ بعين الاعتبار في نضالها مصالح أكثرية أبناء الوطن بمجملها. الاقتصادية – السياسية – الوطنية – القومية – الأممية – وتدمجها في وحدة جدلية دائمة. واليسار وحده القادر على حل بعض القضايا والمسائل المستعصية في واقعنا العربي من مثل المسألة القومية سواء بشقها الداعي إلى حل الوحدة القومية للشعب العربي أو بشقها الداعي إلى التعامل مع القوميات والشعوب الأخرى غير العربية التي تعيش معنا وبين ظهرانينا.

نحو إعادة تأسيس لحركة اليسار الماركسي الثوري

إن الدعوة لاستنهاض حزب العمل الشيوعي بالشكل والمحتوى التي طُرحت في ورقة عمل الرفيق فاتح تعطي انطباعاً بأن القمع هو العامل الذي عطل نشاط حزب العمل وبالتالي منعه من إجراء مراجعة نقدية شاملة لمجمل خط الحزب من خلال المؤتمرات. وبأن المرحلة الراهنة تعطي إمكانية القيام بهذه المراجعة والتي لا تحتاج أكثر من إجراء بعض التعديلات على الموضوعات النظرية – السياسية.

بينّا في سياق هذه الدراسة أن حزب العمل لم يستطع الخروج من الأرضية التي وقفت عليها الحركة الشيوعية الرسمية وهي أرضية الماركسية العامية والمشوهة (موقف الحزب من الدولة السوفيتية، الموقف الأممي، الموقف من البورجوازية الصغيرة الثورية، .. الخ). وأن مياه النهر التي سبحنا فيها (مياه نهر حزب العمل الشيوعي) في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات كانت مياه عكرة بفعل طغيان الستالينية وإن كانت على الصعيد المحلي هي الأقل تلوثاً بين كل التيارات والأحزاب الأخرى لذلك فإنها اليوم لم تعد صالحة للسباحة وإنما يتطلب الأمر وبعد عشرين عاماً على تأسيس الحزب ليس فقط تفجير مياه جديدة لتصب في هذا النهر وإنما إعادة بناء مجرى جديد.

المطلوب اليوم إعادة تأسيس حركة لليسار الماركسي الثوري يساهم فيها كل من له مصلحة أو يرى ضرورة خلق هذه الحركة وباعتقادي سيكون لمناضلي حزب العمل الشيوعي دوراً مركزياً وفعالاً في تأسيس هذه الحركة. وهذه العملية لا يربطها رابط مع مقولة جدل بناء الحزب الذي يطرحها الرفيق فاتح فهذه الأحزاب التي يراهن عليها غير جديرة ببناء حركة لليسار إلى الحد الذي يمكن فيه أن تختفي دون أن يؤثر ذلك على مسار حركة اليسار في سوريا.

إن المطلوب فتح حوار واسع وعميق حول قضايا نظرية سياسية برنامجية، حوار علني شفهي ومكتوب يشارك فيه الجميع كل حسب إمكانياته على طريق تشكيل الهياكل التنظيمية والبرنامجية لهذه الحركة.

 

منيف ملحم

4/2/2001
 

 

-----------------------------------------------------------

[1] المقصود بكلمة اليسار في هذه الدراسة وأينما وردت أي حركة سياسية تقف على أرض الماركسية.

[2] دويتشر الإنسان الاشتراكي.

[3] دويتشر نفس المصدر.

[4]  نفس المصدر.

* بسبب تسمية الثورة الديمقراطية في الغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر باسم الثورة البورجوازية في المصطلحات الماركسية ساد اعتقاد خاطئ أو تبسيطي على الأقل بأن الديمقراطية من إنجاز البورجوازية وبذلك لا يتم التمييز بين من قام بالثورة وبين من استفاد منها.. أنظر عزمي بشاره حول المجتمع المدني.

× يجب التمييز بين ملء الساحة السياسي وصحة وعدم صحة الخط النظري – السياسي أو ما يعرف بخلق وعي مطابق.

 

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين