الظهير البربري اخطر اكذوبة في المغرب المعاصر

المهدي مالك
2012 / 5 / 25

مقدمة لا بد منها
ابدا في هذا المقال بسؤال صغير لكنه عميق في مضمونه الفكري الا و هو هل دخلنا الى عصر المصالحة مع ذاتنا المغربية فعلا لان بعض الاقلام المحترمة سمحت لنفسها ان تعلمنا من نحن و ماهية قضايانا الوطنية ذات الاولوية القصوى بالنسبة لهذه الاقلام الايديولوجية كالقضية الفلسطينية او نصرة القطب الهوياتي المفروض علينا منذ عقود كاننا شعب لا يتوفر على هويته الخصوصية ..
و كأن المغرب لا يتوفر على مشاكله الحقيقية و لم يشهد قط حراكا اجتماعيا قادته حركة 20 فبراير المطالبة بالكرامة لكل فئات الشعب المغربي و المساواة فيما بينهم حيث يوجد فقراء في اعالى جبال الاطلس لا يعرفون كيف يسايرون حياتهم القاسية هناك و بالاحرى ان يهتمون بهموم شعب بعيد بالاف الكيلومترات عنهم و عن همومهم الكثيرة كضمان عيشهم الحلال وفق دينهم الحنيف و ضمان قوت اطفالهم الصغار الذين يحتاجون الى اساسيات الحياة العصرية كالتعليم و الصحة و الثقافة الخ ..
ان هذه الاساسيات قد لا تتوفر في جميع هذه المناطق الشاسعة و المعروفة بمقاومتها الباسلة للاستعمار الفرنسي و الاسباني قبل توقيع عقد الحماية بمدينة فاس العتيقة و بصفتها العاصمة العلمية و الروحية للمغرب السياسي.
و كان حدث التوقيع بتاريخ 30 مارس 1912 بهذه المدينة حيث من البديهي ان نتساءل لماذا لم يتجه اهلها وقتها نحو تاسيس حركتهم الوطنية المزعومة كما اتجه الامازيغيين نحو مقاومة الاستعمار بسلاح الاعتزاز بهويتهم الاسلامية الامازيغية حيث ان تاريخ المغرب لا يمكنه بعد اليوم تجاهل تضحيات ابطالنا البواسل بجرة القلم او فيلم وثائقي الذي يجسد تاريخ الحركة الوطنية المزعومة حيث قامت هذه الاخيرة بتحريف وقائع صدور ظهير 16 ماي 1930 الخاص بتنظيم المحاكم العرفية بشكل لا يدعو الى الشك حيث استغلت العاطفة الدينية لدى عموم الامازيغيين انفسهم لتمرير مشروعهم الايديولوجي و المعادي اصلا لكل ما هو امازيغي و الهادف الى ابادة الامازيغية كانسان و كهوية اصيلة .
و كذا فصلها التام عن الاسلام كدين اغلب المغاربة منذ 14 قرنا عن طريق اختراع اخطر اكذوبة في تاريخ المغرب المعاصر استطاعت خداع المجتمع بكل فئاته و تياراته الفكرية و السياسية لعقود طويلة حتى اصبحت حقيقة ثابتة تستحضر في مناسباتنا الدينية مثل عشر رمضان بدون أي احترام لمشاعر الامازيغيين الصائمين عن شهوتي البطن و الفرج كما تقول احدى دروس مادة التربية الاسلامية و تستحضر هذه الحقيقة المزعومة كلما شعر البعض بحيوية الامازيغية داخل مؤسسات الدولة كما هو الحال الان بعد ترسيمها و بعد طرح سؤال شفوي بالامازيغية في قبة البرلمان حول تدريس هذه اللغة الرسمية كعمل شجاع يجب ان نحييه بالحرارة و ان نشجعه كثيرا.
انني لم ارى مقالا يستحضر اكذوبة الظهير البربري منذ سنة 2008 و الذي كتبه الاستاذ عبد الله اوباري العضو في جمعية سوس العالمة..
اما اليوم فهناك مقال منشور في موقع هسبريس و في مواقع اخرى كتبه الاستاذ المصطفى سنكي المحترم و هو بالمناسبة داعية اسلامي و قريب من جماعة العدل و الاحسان المعروفة حسب بحثي المتواضع في الانترنت .
و مقاله تحت عنوان 16 بثلاثة نكهات حيث ان هذا الاستاذ لا يخفي عداءه الصريح تجاه الامازيغية حيث قال تاريخ محفور في ذاكرة الشعب المغربي يجسد محاولة يائسة للاستعمار الفرنسي لينال من وحدة الشعب المغربي و تماسك مكوناته انه ظهير 16 1930 و الذي توج ما سبقه من اجراءات هدفها زعزعة التلاحم و التعايش الذي رسخه الاسلام في المجتمع .
و اعتبر ان الاحتلال الفرنسي قد اصدر موسوم الظهير البربري الاول سنة 1914 أعفا فيه للبربر من تطبيق الشريعة الاسلامية كأن الامازيغيين كانوا يطبقون الشريعة الاسلامية اصلا طوال تاريخهم الاسلامي مما يعني ان كلامه مبني على الوهم و على الحقد الدفين تجاه هويتنا الاصيلة حيث لاول مرة اسمع شخصيا بهذه المعلومة العجيبة و الغريبة في نفس الوقت .
ثم قال عجبا كيف يتنكر الاحفاد لمواقف الاجداد و كيف ينخرطون في مخطط استعماري من يدعون الاكاديمية و البحث العلمي الخ.
و ختم حديثه في هذا السياق معتبرا ان الاستعمار قد سعى لدغدغة مشاعر الامازيغيين من خلال السماح لهم بتبني اعرافهم و عوائدهم و امازيغيتهم حيث ان هذا الكلام بالذات يحمل العديد من القراءات الخطيرة تستحق منا الرد عليها بالحزم و المسؤولية تجاه تصحيح تاريخنا المزور حتى الان في المقررات الدراسية حيث قلت في احدى مقالاتي تشير الحقائق الجديدة الى ان المرحوم محمد الخامس بعد توقيعه على ظهير 16 ماي 1930 بمعنى انه ظهير وطني بامتياز وجه كتابا الى الباشاوات بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف ليقرا في اعظم المساجد بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف يقول فيه ان للقبائل البربرية عوائد قديمة يرجعون اليها في حفظ النظام و يجرونها في ضبط الاحكام و قد اقرهم عليها الملوك المتقدمون من اسلافنا المقدسين و من قبلهم .
و اقتضى نظرنا الشريف تحديث حكم الظهير المذكور لان تحديثه ضروري لاجراء العمل به بين الجمهور.
و اضاف محمد الخامس في كتابه كلاما يوحي الى الرموز و تكذيب ايديولوجية الظهير البربري بصفة نهائية حيث قال بالحرف قد قامت شرذمة من صبيانكم الذين يكادون لم يبلغوا الحلم و أشاعوا ان البرابر بموجب الظهير الشريف تنصروا و ما ذروا عاقبة فعلهم الذميم و ما تبصروا و موهوا بذلك على العامة و صاروا بدعوتهم لعقد الاجتماعات بالمساجد عقب الصلوات لذكر اسم الله تعالى الله اللطيف فخرجت المسالة عن دور التضرع و التعبد الى دور التحزب و التمرد فساء جنابنا الشريف الخ.
و قال كذلك ان مولانا المقدس بالله كان احرص الناس على ايصال الخير لامته فكيف يفعل ان يسعى في تكفير جزء عظيم من قبائل رعيته و هنا اعتراف صريح بالامازيغيين هم جزء عظيم من شعبه.
و استمر حيث قال نحن سائرون على اثره في ذلك ساهرون على دفع كل ضرر يلحق برعيتنا السعيدة فليس ابقاء تقرير البرابر على عوائدهم الا مساعدة من جنابنا الشريف على محض طلبهم و إجراء لهم على ما كانوا عليه منذ ازمان طويلة أي اعتراف بشرعية العرف الامازيغي كتشريع مستقل عن الشريعة الاسلامية و الذي لا يتعارض مع مقاصدها .
و قال اننا قررنا ان كل قبيلة بربرية تطلب اجراء الاحكام الشرعية عندها تساعد على ذلك فورا و يعين لها القاضي من لدن جنابنا الشريف حرصا على صيانة دينها أي لم يذكر ان الامازيغيين عليهم التخلي عن اعرافهم باعتبارهم مسلمون عليهم الرجوع الى الشريعة الاسلامية في كل امور حياتهم اليومية بل اعتبر الامر اختيارا حسب فهمي المتواضع و السؤال المطروح أليس هذا إقرارا صريحا بالعلمانية المحلية و تحطيما واضحا لأسطورة الظهير البربري ..
و هذا الكتاب السلطاني مؤرخ بتاريخ 13 ربيع الاول 1349 هجرية و وجدت هذه الوثيقة التاريخية و الفريدة من نوعها في كتاب الظهير البربري اكبر اكذوبة سياسية في المغرب المعاصر كتبه الاستاذ محمد منيب كباحث متميز في هذا الموضوع و اتمنى منه ان يتواصل معي عبر البريد الالكتروني للتعرف الخ.
و يذكر ان كتابه هذا صدر سنة 2002 و له كتاب اخر حول اكذوبة الظهير البربري في المقرر الدراسي حسب ما قاله لي الاستاذ عصيد منذ سنة 2008 .
و على المستوى الاجتماعي فيعلم الاستاذ سنكي ان الامازيغيين يكرهون التدخل الاجنبي مهما كان و يحبون اكال أي هذه الارض باعتبارها رمزا لهويتهم العريقة في جذور شمال افريقيا منذ فجر التاريخ بمعنى انهم لا يحتاجون الى فرنسا او الى غيرها لفرض امازيغيتهم المتواجدة اصلا على ارض الواقع قبل سنة 1912 بقرون غابرة .
و اتهم الاستاذ سنكي الحركة الامازيغية بالعمالة للخارج كاتهام قديم جديد و له سياقه الايديولوجي و الفكري المعروف حيث اولا ان الحركة الامازيغية في المغرب هي امتداد طبيعي للمقاومة الحقيقية و امتداد طبيعي كذلك لقيمنا الاصيلة ببعدها الديني و الثقافي حيث لا يمكن لاي كان ان يتهم هذه الحركة بالعمالة للغرب او مرجعياته لسبب بسيط هو ان الحركة الامازيغية عانت ما قبل 2001 من حصار فظيع تقوده السلطة و احزاب ما يسمى بالحركة الوطنية المزعومة و المؤمنة بالاحادية عبر شعارها الخالد العروبة و الاسلام .
و بالتالي فالحركة الامازيغية اختارت ان تتبني منظومة الحقوق العالمية التي اخترعها الغرب منذ قرون و مجسدة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان و مواثيق اخرى و مفاهيم الديمقراطية و النسبية و التعددية بمعناها الشامل و حقوق الانسان الخ من هذه المفاهيم الكونية و المتواجدة في مجتمعنا لعهود طويلة فكرا و ممارسة في اطار الاحترام التام لمقاصد الشريعة الاسلامية في حين قدم لنا المشرق قيما دخيلة و متخلفة اصلا كالتطرف السلفي و التعريب الشامل الخ بمعنى ان الحركة الامازيغية هي نتاج ثقافي و فكري خالص لمجتمعنا المغربي و المتميز بتعدده الثقافي و الديني..
و عندما شعر امازيغي المغرب بالحكرة و دونية هويتهم انطلقوا في سبيل تاسيس جمعياتهم و تصوراتهم الموضوعية و المنطلقة من واقعنا الثقافي و ليس العكس و طالبوا منذ عقد الثمانينات بانصاف ثقافتهم العريقة بادماجها في التعليم و الاعلام و حاولوا ترجمة القران الكريم الى الامازيغية كحلم راود الامازيغيين منذ الاستقلال لكن السلطة في المغرب و كل من يسبح في فلكها كانت تناهض الوجود الامازيغي بالمغرب بشكل تام من خلال فرض حصار فضيع على الامازيغية بابعادها المختلفة طوال عهد الحسن الثاني حيث كان مصطلح الامازيغية او تامزيغت يعني الخارج و الاستعمار و الفوضى مباشرة بينما كان مصطلح العروبة يعني الاسلام و الوحدة الوطنية المزعومة انذاك حيث يرجع سبب جمود السلطة تجاه الامازيغية الى طبيعة ايديولوجيتها المعتمدة على النموذج المشرقي في الاحادية و في السلفية الدينية تجاه الامازيغيين بوجه خاص.
و من هذا المنطلق طبيعيا ان نفهم ان الحركة الامازيغية لم تؤمن قط بالمشرق كايديولوجيات رجعية تسعى الى تخدير الناس باستعمال سلاح الدين تارة او سلاح القومية العربية تارة اخرى بل امنت بالمفاهيم الكونية التي اخترعها الامازيغيين انفسهم منذ قرون غابرة و اخذها الغرب بعد ذلك في انظمتهم السياسية و الديمقراطية فمن الطبيعي جدا ان تراهن الحركة الامازيغية على قيم الغرب المتقدمة و العريقة في بلادنا عوض ان تراهن على قيم المشرق الغارقة في الرجعية و التخلف الى ابعد الحدود و الدليل هو ما نراه اليوم في بلدان الشرق الاوسط من ثورات الشباب السلمية ضد هذه المظاهر و ضد استغلال الدين في السياسة بمعنى ان الحركة الامازيغية تحب التعامل مع الغرب المتقدم فكريا و علميا من اجل ضمان المستقبل المشرف لبلادنا في مجال البحث العلمي عوض ان نبقى سجناء في متاهات ايديولوجيات المشرق الجامدة حول العروبة و القراءة السلفية للاسلام التي تخالف مع طبيعة المغاربة الحضارية . .
ثانيا ان خطاب اجدير لسنة 2001 قد اسس مفهوم وطنية القضية الامازيغية رسميا بعد عقود من نضال الامازيغيين داخل جمعياتهم الثقافية و داخل بعض الاحزاب المتعاطفة مع هذه القضية و لو بنوع من الوعي التقليدي الذي يربط الامازيغية بالبادية و الفلكلور الشعبي.
و من هذا المنطلق اصبحت القضية الامازيغية مسالة وطنية رسميا منذ 17 اكتوبر 2001 من خلال انشاء المعهد الملكي للثقافة الامازيغية الخ من محطات المصالحة مع الذات حتى وصلت الى الترسيم في الدستور بفضل وعي الامازيغيين العميق باهمية اللحظة الفاصلة في تاريخ المغرب و بفضل وعي الاحزاب الديمقراطية و الحداثية لاهمية هذا المطلب الشعبي بامتياز لان الشعور بالامازيغية كانتماء حضاري اخذ يتطور و ينمو في المجتمع المغربي شيئا فشيئا .
و ليس الامر بالسهل ان نقضي بجرة القلم على تراكمات عمرها يتجاوز اكثر من 50 سنة لكن علينا شن حرب فكرية طويلة بلا هوادة او رحمة على ايديولوجية الظهير البربري و محوها من المقررات الدراسية لان الاجيال القادمة عليهم الاعتزاز بما قدم اجدادهم من الأرواح الطاهرة من اجل تحرير هذه الارض السعيدة و التي لا تستحق ابدا هذا الذل المتمثل في بقاء هذه الاكذوبة الخطيرة على قيد الحياة تداول بين العامة و الخاصة و تستغل لجعل الامازيغية عنوانا للتنصير و خيانة الوطن بمعنى ان الحركة الامازيغية مجبرة اليوم ان تقدم تصورها العام حول القانون التنظيمي لتفعيل ترسيم الامازيغية حيث ان هذا التصور العام عليه الاخذ بعين الاعتبار محو هذه الاكذوبة نهائيا من حياتنا العامة بكل تفاصيلها و مناحيها تحقيقا للعدالة و الكرامة و المواطنة الحقة و تحقيقا لبداية تصحيح تاريخ المغرب الحقيقي .
المهدي مالك
mehdi1983k@gmail.com








































محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير